تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصل

وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه

00:00

00:00

22

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد.

فإنه مما يسرنا في هذه الليلة أن نلتقي وإياكم في مجلس من مجالس الذكر والإيمان، نسأل الله – – أن يجعلنا من المغفور ذنوبهم، وأن يمن علينا وعليكم بالاستفادة من هذا القول، وأن يجعله في موازين حسنات شيخنا، ومن حضر في هذا اللقاء.

يسرنا في هذه الليلة أن نلتقي في هذا المجلس مع فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي، حفظه الله، الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ليحدثنا فضيلته مشكورًا عن موضوعٍ يتعلق بقول الله : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ[الأنعام:153]، فليتفضل مشكورًا.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمدٍ، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.

فإنني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وأثني عليه الخير كله، وأسأله – – أن يجعل اجتماعنا اجتماعاً مرحومًا، وتفرقنا من بعده تفرقًا معصومًا، وألا يجعل فينا ولا منا شقيًّا ولا محرومًا، وأسأله – – أن يرزقنا جميعًا العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يرزقنا الإخلاص في العمل، والصدق في القول، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أيها الإخوان، موضوع حديثي إليكم كما سمعتم معنى هذه الآية الكريمة: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153]، هذه الآية من سورة الأنعام، في آخرها، وهي الوصية العاشرة من الوصايا العشر، فإن هذه الآية وصية من وصايا الله – عز وجل – وسبقها تسع وصايا، لقوله عز وجل: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا[الأنعام:151]، هذه الوصية الأولى، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاالوصية الثانية، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ هذه الوصية الثالثة، وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ هذه الوصية الرابعة، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[الأنعام:151]، هذه خمس وصايا في الآية الأولى، ثم قال سبحانه: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ[الأنعام:152]، هذه الوصية السادسة، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، هذه الوصية السابعة، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا، هذه الوصية الثامنة، وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا، هذه الوصية التاسعة، ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[الأنعام:152].

ثم قال سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ[الأنعام:153]، هذه الوصية العاشرة، وهي موضوع الحديث وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[الأنعام:153]، وهذه الوصايا العشر التي قال ابن عباس أنها وصية رسول الله – ﷺ – وذلك أن النبي – ﷺ – في مرض موته، قال: ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ ([1])، فاختلف الصحابة في مرض موته – عليه الصلاة والسلام – فقال بعض الصحابة: إن رسول الله – ﷺ – قد غلبه المرض، وعندنا كتاب الله حسبنا، فقال آخرون: بل نأتيه بكتابٍ يكتب لنا، فاختلفوا، فقال النبي: قوموا، ما ينبغي أن يختلف عند نبي، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فقان ابن عباس – رضي الله عنهما – يرى، من الذين يرون أنه ينبغي أن يؤتى له بكتاب، فقال: إن الرزية كل الرزية ما منع رسول الله من كتابة الوصية.

فقال ابن مسعود – – (من أحب أن يقرأ وصية رسول الله – ﷺ – التي عليها خاتمه، فلم تغير ولم تبدل، فليقرأ هذه الآيات)، هذه الوصايا العشرة، قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ[الأنعام:151]، إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153]، فالمعنى أن الرسول – ﷺ – لو أوصى لكانت وصيته هي وصية الله، والله تعالى وصى عباده بهذه الوصايا العشر، فلو أوصى رسول الله – ﷺ – لكانت وصيته هي وصية الله، وهذه الآية الكريمة، وهي قول الله – عز وجل - : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153]، وأن هذا صراطي، الضمير يعود إلى الله، فصراط الله مستقيم.

وموضوع هذه المحاضرة يدور على ثلاثة أمور، الأمر الأول: بيان صراط الله، ما هو صراط الله؟ والأمر الثاني: من هم أهل هذا الصراط؟ والأمر الثالث: المراد باتباع الصراط، ما معنى اتباع الصراط؟ هذه ثلاث محاور، ثلاثة أمور هي موضوع الحديث، معنى صراط الله، ما المراد بصراط الله؟ ومن هم أهل هذا الصراط الذين استقاموا على هذا الصراط؟ الأمر الثالث ما معنى اتباع الصراط؟

الأمر الأول: صراط الله المستقيم هو دين الله، وهو الإسلام، وهو الإيمان، وهو البر، وهو التقى، وهو الهدى، هذا صراط الله، وقد بين الله – – ذلك في سورة الفاتحة، التي هي أعظم سورة في القرآن الكريم، قال الله – عز وجل – في آخر سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة:6-7]، هذا الصراط المستقيم هو صراط المنعم عليهم، وهو دين الإسلام، قال المفسرون: المراد بالصراط المستقيم دين الإسلام، وقيل: المراد به القرآن، وقيل المراد به محمد ﷺ.

وهذه الأقوال كلها حق، فالصراط المستقيم هو دين الله، وهو ما جاء في القرآن، وهو ما جاء به محمد – ﷺ – من الشريعة، فهذه الأقوال كلها حق، فالصراط المستقيم هو دين الله، هو الإسلام، والإسلام معناه هو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد، هو أن يستسلم الإنسان، ويذل، ويخضع لله تعالى بالتوحيد، فيوحد الله، ويخلص له العبادة، وينقاد، والانقياد بالطاعة، ينقاد لله بالطاعة كما ينقاد البعير المذلل، فالمسلم منقاد بشرع الله ودينه، يأتمر بالأوامر، وينتهي بالنواهي، ويستقيم على هذا الدين، ولا يتعدى حدود الله، هذا هو الصراط المستقيم، وهو الاستسلام، استسلام ذل وخضوع, ذل وخضوع في الباطن، وتصديق وإيمان، وانقياد في الظاهر بالطاعة، وخلوص وبراءة من الشرك وأهله، هذا هو الصراط المستقيم هو الإسلام استسلام وذل وخضوع وانقياد بالطاعة وخلوص وبراءة من الشرك وأهله وهو إيمان وتصديق في الباطن، إيمان بالله، وإيمان بالملائكة، وإيمان بالكتب المنزلة، وإيمان بالرسل، وإيمان باليوم الآخر، والبعث بعد الموت، والجزاء والحساب، والجنة والنار، وإيمان بالقدر خيره وشره، إيمان بعلم الله، تصديق وإقرار بعلم الله الشامل للماضي والحاضر والمستقبل، وإيمان بكتابة الله للمقادير في اللوح المحفوظ، وإيمان بإرادة الله ومشيئته الشاملة، وإيمان بخلقه، وإيجاده، وأنه الخالق، وهو البر، وهو التقى، وهو حبل الله ودينه الذي أمر الله بالاعتصام به في قوله عز وجل: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا[آل عمران:103]، أمر الله بالاعتصام بحبله، وعدم التفرق، والاجتماع عليه، وحبل الله هو دينه، هو دين الإسلام، وهو الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، قال سبحانه: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران:85]، وهو دين الله في الأرض وفي السماء، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾[آل عمران:19].

وقد أكمل الله لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النعمة، ورضي الإسلام لها دينًا، هو الصراط المستقيم، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا[المائدة:3]، فهذا هو الصراط المستقيم، الصراط المستقيم هو دين الإسلام، هو الإيمان، هو الهدى، هو التقى، هو البر، هو حبل الله، هو دين الله، هو ما جاء في القرآن الكريم، هو ما جاء به النبي – ﷺ – من الشريعة، فيجب الاجتماع على هذا الدين، وعدم التفرق كما قال تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى:13].

هذا هو صراط الله، وهذا هو حبل الله، وهو مستقيمٌ لا عوج فيه ولا انحراف، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153]، ثبت في الحديث الصحيح أن النبي – ﷺ – خط خطًّا مستقيمًا طويلًا، وخط خطوطًا عن يمينه، وعن شماله، فقال عن هذا الخط الطويل: «هَذَا صِرَاطُ اللهِ »، وقال عن الخطوط التي عن اليمين وعن الشمال: وَهَذِهِ السُّبُلُ، قال: هذا سبيل الله الخط المستقيم، وقال عن الخطوط التي عن يمين وشمال: وَهَذِهِ السُّبُلُ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153]([2]).

والله تعالى وحد سبيله، لأن طريق الحق واحد، لا يتعدد، الحق واحد لا يتعدد، وجمع السبل في قوله: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، لأن طرق الضلال متشعبة وكثيرة، طرق الضلال لا حصر لها، أما الحق فواحد لا يتعدد، ولهذا وحد الله الصراط، وجمع السبل، وحد السبيل وجمع السبل، سبل الباطل جمعها، وسبيل الحق وحده؛ فقال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[الأنعام:153].

فإذًا لا بد من معرفة هذا الصراط، وأن الصراط المستقيم هو دين الله، وأنه الإسلام، وأنه استسلام لله بالتوحيد، وخضوع وذل في الباطن، وانقيادٌ في الظاهر بالطاعة، وخلوص وبراءة من الشرك وأهله، وهو الإيمان، تصديق في الباطن، وعمل في الظاهر، إيمان بالله ربًّا، وملكًا، وخالقًا، ومدبرً، ومعبودًا بالحق، إيمانٌ بالملائكة، إيمانٌ بالكتب المنزلة، إيمان بالرسل، إيمان باليوم الآخر، إيمان بالبعث بعد الموت، إيمان بالجزاء، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، إيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، هذا هو الصراط المستقيم، وهو حبل الله ودينه، وهو الحق، ومن اتبعه فقد اتبع الحق، ومن حاد عنه فقد حاد عن الحق، فلا بد في الصراط المستقيم من تصديق وإيمان في الباطن، وانقياد وعمل في الظاهر، ولا بد من براءة وخلوص وسلامة من الشرك وأهله.

أما أهل هذا الصراط، من هم أهل هذا الصراط؟ بين الله في قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة:6-7]، أهل هذا الصراط المنعم عليهم، أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، أنعم الله عليهم، فوفقهم للإيمان المبني على العلم والبصيرة، ليس هناك إيمان إلا بالعلم، أنعم الله عليهم بالإيمان، ثم أنعم عليهم بالعمل، وهم الرابحون، أهل الربح، الذين استثناهم الله في قوله: وَالْعَصْرِ ۝ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ۝ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[العصر:1-3]، فأهل الصراط المستقيم هم الذين أنعم الله عليهم، وأعظم نعمة ينعم الله بها عليك أن يجعلك من أهل الصراط المستقيم.

والمنحرفون عن هذا الصراط طائفتان، طائفة يعلمون، عندهم علم، ولكن لا يعملون، خذلوا فلم يعملوا، والطائفة الثانية عندهم عمل، لكن على غير بصيرة، على جهل وضلال، الطائفة الأولى مغضوب عليهم، حل عليهم الغضب، أمة الغضب، والطائفة الثانية ضالة توصف بالضلال.

وهذا الدعاء الذي في سورة الفاتحة أعظم دعاء، وأنفع دعاء، وأجمع دعاء، وحاجة الإنسان إلى هذا الدعاء أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب، بل أعظم من حاجته إلى النفس الذي يتردد بين جانبي الإنسان، لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب، وفقد النفس مات، مات الجسد، والموت لا بد منه، ولا يضر الإنسان كونه يموت إذا كان مستقيمًا على شرع الله ودينه، الموت لا بد منه، لا حيلة في دفعه، وإذا مات الإنسان وهو مستقيم على شرع الله ودينه، فهو على خيرٍ عظيم، لكن إذا فقد النور، وفقد الهداية، مات قلبه وروحه، وصار كافرًا، وصار من أهل النار، نعوذ بالله، فهلك وشقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبدًا، إذا مات على ذلك نعوذ بالله.

ومن لطف الله وإحسانه لعباده أن شرع لهم الدعاء، وسؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم، وسؤال الله السلامة من طريق المغضوب عليهم، والسلامة من طريق الضالين، بل أوجب الله ذلك في كل ركعة من ركعات الصلاة، في سورة الفاتحة، بعد الثناء، ومحبة الله، وخوفه، ورجائه، وتخصيصه بالعبادة، جاء هذا الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]، هذا أفضل دعاء، وأنفع دعاء، وأجمع دعاء، وأحوج شيء إلى الإنسان، بل الإنسان مضطر إلى هذا الدعاء أعظم من اضطراره إلى الطعام والشراب، لو كان هناك شيء أنفع من هذا الدعاء لشرعه الله، فلما شرع الله هذا الدعاء في سورة الفاتحة، وجعلها ركنًا من أركان الصلاة في كل ركعة من ركعاتها، دل على أنه ليس هناك أنفع منه للعبد.

فإذًا أهل هذا الصراط هم المنعم عليهم، والمنعم عليهم هم الذين من الله عليهم بالعلم، ومن الله عليهم بالعمل، والعلم لا بد أن يكون على بصيرة، لا، العلم هو البصيرة، من الله عليهم بالإيمان والتصديق والعلم، ثم من عليهم بالعمل، فهم أهل العلم والعمل، وهم أربع طوائف، أربعة أصناف، المنعم عليهم أهل هذا الصراط أربعة أصناف، الصنف الأول الأنبياء والرسل، والصنف الثاني الصديقون، والصنف الثالث الشهداء، والصنف الرابع الصالحون، سائر المؤمنين، الصالحون من المؤمنين، المؤمنون الصالحون.

هؤلاء الأصناف الأربعة هم على الصراط المستقيم، ومن عداهم فهو إما مغضوب عليه وإما ضال، إما مغضوب عليه لأنه لم يعمل، وإما ضال لأنه لم يعلم، ما عنده علم ولا بصيرة، وإن كان عنده عمل، فالذي يعلم ولم يعمل مغضوب عليه، والذي يعمل بدون علم ضال، والذي يعلم ويعمل منعم عليه، فالله تعالى قسم الناس في سورة الفاتحة ثلاثة أقسام: منعم عليهم، ومغضوب عليهم، وضالون، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7].

فالطائفة الآن الأولى من المنعم عليهم الأنبياء والرسل، وأكمل الناس هداية ونعمة هم الأنبياء والرسل، وأكملهم أكمل الرسل أولي العزم الخمسة، هم أكمل الناس في العلم، والعمل، والخشية، والخوف، أولي العزم الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، هؤلاء أولي العزم الخمسة، ذكرهم الله في سورتين من كتابه، في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى:13]، ذكر الله هؤلاء، أولي العزم الخمسة، وذكرهم أيضًا في أول سورة الأحزاب: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا[الأحزاب:6]، ثم بعد ذلك ذكر الله الآية التي فيها أولي العزم الخمسة، كما ذكرهم في سورة الشورى.

وسموا أولو العزم لأن لهم من الصبر والتحمل ما ليس لغيرهم، قال الله تعالى لنبينا ﷺ: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35]، فاصبر كما صبر أولو العزم، فهم أكمل الناس هداية، وأتم الناس نعمة، أتم الله عليهم النعمة، وأكملهم وأتمهم نعمة وهداية الخليلان، إبراهيم ومحمد – عليهما الصلاة والسلام – وأكملهما وأتمهما نعمة نبينا وإمامنا محمدٌ بن عبد الله، هو أكمل الناس هداية، أتم الله عليه النعمة، وشرح صدره، ورفع ذكره، فهو أكمل الناس – عليه الصلاة والسلام- وأشجع الناس، وأتقى الناس، وأعبد الناس، وأزهد الناس، وأعلم الناس بالله، وأتقى الناس، قال عليه الصلاة والسلام: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ([3])، قال: أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له، فأعلم الناس، وأتقى الناس، وأعبد الناس، وأزهد الناس، وأفضل الناس، هو نبينا وإمامنا محمد – ﷺ – هو أكمل الناس هداية لهذا الصراط المستقيم، ثم يليه جده الخليل إبراهيم، ثم يليه موسى الكليم، ثم يليه بقية أولي العزم الخمسة: عيسى، ونوح، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء، هذه هي أهل الصراط.

الطائفة الأولى الأنبياء والمرسلون، هم أكمل الناس، وأهدى الناس، وأتقى الناس استقامة على هذا الصراط المستقيم؛ لأن الله اجتباهم، واصطفاهم، واختصهم بالرسالة والنبوة، واختارهم لهداية الناس، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[القصص:68]، ومن كمال هدايتهم، وإتمام النعمة عليهم أن الله ملأ قلوبهم خشية، وإيمانًا، وتقى، وشرح صدورهم، ووفقهم للعمل، بما أعطاهم من الشرائع والشريعة، ثم وفقهم، وأعانهم، وقواهم لهداية الناس، وإرشادهم، وتعليمهم، ودعوتهم، وإبلاغهم، ونصحهم، فالأنبياء أنصح الناس للناس، أنصح الناس للناس هم الأنبياء فنفعهم متعدي.

وإذا كان النبي – ﷺ – قال في الحديث الصحيح: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ الخَيْرٌ([4])، والمؤمن القوي هو الذي يتعدى نفعه إلى الآخرين، والمؤمن الضعيف هو الذي يقتصر نفعه على نفسه، مؤمن يعبد الله، يصلي ويصوم، لكن مقتصر نفعه على نفسه، أما المؤمن القوي فهو الذي يتعدى نفعه إلى الناس، ينفع الناس بتوجيهه وإرشاده، أو بنفقته وإطعامه للجائع، وصدقته على الناس، أو بشفاعته، أو ببدنه، هو ينفع الناس إما ببدنه، أو بجاهه، وتوجيهه، وتعليمه، أو بشفاعته، أو بماله، نفعه يتعدى إلى الناس، هذا هو المؤمن القوي، إذا كان هذا في المؤمن القوي، فالأنبياء لهم السبق في هذا، هم أسبق المؤمنين إلى هذا الخير، إلى نفع الناس، وهم أنصح الناس للناس، وأنفع الناس للناس، هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فلهم القدح المعلى، ولهم السبق في هذا المضمار في نفع الناس، وبذلك صاروا أفضل الناس، وأتم الناس نعمة، وأكملهم هداية، فهم على الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه، هذه هي الطبقة الأولى.

فكونهم أفضل الناس وأكمل الناس استقامة على هذا الصراط المستقيم لأن الله اجتباهم، واصطفاهم، ولأن الله من عليهم بالعلم، ومن عليهم بالعمل، ومن عليهم بإرسالهم، فبلغوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وصبروا على الأذى صبرًا عظيمًا، نوح – عليه الصلاة والسلام – صبر يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا[العنكبوت:14]، يدعوهم، ولم يقصر ليل نهار، سرًّا وجهارًا، ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ۝ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا[نوح:5-6]، ومع ذلك في هذه المدة الطويلة ما أسلم إلا قليل، ما آمن إلا قليل، قال الله عنهم: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ۝ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ۝ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا[نوح:7-9]، ومع ذلك يقولون مجنون، ساحر، صبأ، هذا الصابئ العظيم، واستمروا على العناد، ولم يؤمن له إلا القليل، كما قال الله: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ[هود:40]، بعد هذه المدة الطويلة، حتى أنزل الله عليه، وأخبره بأنه لا يؤمن أحدٌ زيادة على ما سبق، وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ[هود:36]، فلما أخبره الله بذلك، ورأى أنه لا حيلة فيهم دعا عليهم وقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ۝ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا[نوح:26-27].

لهذا صار الأنبياء أكبر الناس هداية، وأتم الله عليهم النعمة، وهداهم هذا الصراط المستقيم، وكذلك بقية الرسل، وكذلك نبينا - عليه الصلاة والسلام – صبر صبرًا عظيمًا، وأوذي في الله، خنقه أبو جهلٍ حتى جاء أبو بكر، وقال: (أتقتل رجلًا أن يقول ربي الله)، وأوذي، ووضع السلى عليه – عليه الصلاة والسلام – وهو يصلي على رقبته، وكسرت رباعيته يوم أحد، وجرحت وجنتاه، وسقط في حفرة، وصاح الشيطان إن محمدًا قد قتل، ودبر اليهود له المؤامرات، دبروا لقتله مرات، وأوذي – عليه الصلاة والسلام - وصبر، وكذلك الأنبياء، كثير من بني إسرائيل دعا قومه فقتلوه، قتل جمعٌ غفيرٌ من الأنبياء كما قال الله تعالى: فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ[البقرة:87]، قتل زكريا، وقتل يحيى، وغيرهم، فصبروا؛ لأنهم على الصراط المستقيم، لأنهم أتم الناس، وأكمل الناس الهداية.

ثم الطبقة الثانية والفرقة الثانية من أهل هذا الصراط الصديقون، الصديقون الذين كمُل تصديقهم، والصديق صيغة مبالغة من قوة إيمانهم وتصديقهم، هذا الإيمان والتصديق يحرق الشبهات والشهوات، فيقضي عليها من قوة إيمانهم وتصديقهم، لا تقع منهم شهوة إلا أحرقها هذا التصديق القوي الجازم، ولا شبهة إلا ويسبقها التصديق، هم أكمل الناس بعد الأنبياء، وأفضل الناس بعد الأنبياء بكمال صدقهم وإيمانهم، فهم أسبق الناس إلى أداء الفرائض، و الانتهاء عن المحارم، والاستقامة على هذا الدين، والثبات عليه، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر أبو بكر – – فهو أفضل الناس بعد الأنبياء، ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين على أفضل من أبي بكر، نوه الله تعالى به في مواضع من القرآن، قال تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[الزمر:33]، والذي جاء بالصدق هو نبينا محمد – ﷺ – والذي صدق به هو أبو بكر، ونزلت فيه الآيات ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾[الليل:17]، أي النار الْأَتْقَى ۝ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى[الليل:17-18]، و هو أبو بكر، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ۝ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ۝ وَلَسَوْفَ يَرْضَى[الليل:19-21]، فهو في الرتبة الأولى من الصديقين، في مقدمتهم، ثم يليه بقية الصديقين.

ثم الطبقة الثالثة الشهداء، الشهيد من قوة إيمانه، وتصديقه، وعمله بالشريعة أنه بذل نفسه وروحه التي هي أغلى شيء يملكه الإنسان هو روحه التي بين جنبيه، اغلى شيء يملكه هي روحه التي بين جنبيه, فالشهيد يبذل روحه رخيصة لإعلاء كلمة الله من شدة إنكاره للمنكر، وغيرته على دين الله، واتباعه لشرع الله يبذل نفسه وروحه، حتى يقتل في سبيل الله، ويبذل ماله، ويجاهد بنفسه وماله، وهذه هي التجارة الرابحة، التي قال الله فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ[الصف:11]، فالتجارة الرابحة تكون في الإيمان بالله، والجهاد في سبيله بالمال والنفس، والمال شقيق الروح، هو يبذل ماله، والمال يستعان به على الجهاد، في شراء الأسلحة للمجاهدين، وفي الإنفاق على أسر المجاهدين والشهداء، فالمال أوسع، ولهذا قدمه الله، الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس في مواضع من القرآن العزيز: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[التوبة:111]، فالشهيد من قوة إيمانه، وتصديقه، واستقامته على الصراط المستقيم، أنه يبذل نفسه التي هي أغلى شيء، وماله لإعلاء كلمة الله.

ثم الطبقة الثالثة والصنف الثالث من المنعم عليهم من أهل الصراط المستقيم الصالحون، والمراد بهم هنا المؤمنون، كل مؤمن فعنده أصل الصلاح، يعني سائر المؤمنين، وهذه الطبقات، الأصناف الأربعة ذكرهم الله في سورة النساء وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ۝ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا[النساء:69-70]، فالله - تعالى - بين أن أهل الصراط المستقيم هم المنعم عليهم، وبين في سورة يونس أن المنعم عليهم هذه الأصناف الأربعة.

(30:09) (يوجد قطع في الصوت وبعده هذه التكملة)

والبقاع والألقاب والأشخاص، كل هذا من وسائل الشرك، فيبتعد عنها المسلم حتى يستقيم على الصراط المستقيم، لا بد من هذا، اتباع الصراط المستقيم هو توحيد الله، وإخلاص الدين له، والإيمان به، وملائكته، والإخلاص والتوحيد لا بد فيه من إيمان في الباطن، تصديق جازم، إيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ولا بد من عمل في الظاهر يتحقق به هذا الإيمان، صلاة، وصيام، زكاة، حج، بر الوالدين، وإلا ما يتحقق الإيمان، من يدعي الإيمان وأنه مصدق بالقلب، ولا يعمل، ما يتحقق، نقول: إيمانك كإيمان فرعون وإبليس، فرعون مصدق في الباطن، وإبليس مصدق، ما فيه عمل يتحقق به، اعمل حتى يتحقق الإيمان، ولا تشابه إبليس، الذي لا يعمل، وإن كان يدعي أنه عارف بربه، وكذلك فرعون، عارفان بربهما، لكن لا يعملان، هذه المعرفة ما تحقق، من دون تصديق ما تحقق.

وكذلك العمل، الذي يعمل لا بد من تصديقٍ في الباطن، وإيمان، وإلا صار كالمنافقين، المنافقين يعملون، لكن عملهم لا يصحح معتقدهم، ما عندهم تصديق يصحح هذا العمل، يعملون رياءً وسمعة، كذب، عملهم باطل، عملهم رياء، عملهم كذب، ما عندهم إيمان يصحح هذا التصديق، ما عندهم إيمان يصحح هذا العمل، المنافقون في عهد النبي – ﷺ – يصلون، ويجاهدون، ويعملون، لكنهم في الباطن مكذبون، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ[البقرة:8]، آمنا بالله واليوم الآخر بألسنتهم، وما هم بمؤمنين بقلوبهم، إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ[المنافقون:1].

لا بد من اتباع الصراط المستقيم، والبعد عن نواقض الإسلام، فإن الإنسان إذا آمن وصدق، ثم فعل ناقضًا من نواقض الإسلام انحرف عن الصراط المستقيم، وصار من أهل الزيغ والضلال، وصار من المغضوب عليهم، أو من الضالين، صار من المغضوب عليهم، إذا اتخذ لله صاحبة أو ولدًا، أو زعم أن الله له شريك في الملك، أو معه مدبر، أو يستحق العبادة غيره، انتقض الإسلام والدين، وانحرف عن الصراط المستقيم، وصار ضالاًّ.

إذا شك في الله، أو في ربوبيته، أو في أسمائه وصفاته، أو شك في البعث، أو في ملك من الملائكة، أو في الرسل، أو في يوم القيامة، شك في القيامة، أو شك في الجنة، أو شك في النار، انتقض الإسلام، انتقض الإيمان، وصار مغضوبًا عليه، وانحرف عن الصراط المستقيم.

إذا سب الله، أو سب الرسول، أو سب دين الإسلام، أو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله انحرف عن الصراط المستقيم، وصار غاويًا، ومغضوبًا عليه، بطل الإسلام والدين، وانحرف عن الطريق المستقيم.

إذا سجد للصنم، أو استهان بالمصحف، وداسه بقدميه استهانةً، انتقض إسلامه ودينه، وصار مغضوبًا عليه، صار منحرفًا عن هذا الصراط المستقيم، فلا بد في سلوك الصراط المستقيم، والاستقامة عليه، واتباعه من توحيد الله، وإخلاص الدين له، كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، توحيد خالص، وعمل صادق، تصديق في الباطن، وعمل في الظاهر، يصحح هذا التصديق، وانقياد، وبعد عن نواقض الإسلام.

أسأل الله – – أن يوفقنا جميعًا للعمل الصالح الذي يرضيه، وأن يرزقنا سلوك الصراط المستقيم، وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم، وأسأله – – أن يجعلنا من المنعم عليهم، وأن يرزقنا اتباع الكتاب والسنة، والعمل بهما، والسير على منهاجهما، وأن يجعلنا من المنعم عليهم، الذين من الله عليهم بالعلم والعمل، ومن عليهم بسلوك الصراط المستقيم، واتباعه، وأن يعيذنا من سلوك طريق المغضوب عليهم، وسلوك طريق الضالين، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يثبتنا على دين الإسلام، وعلى الصراط المستقيم حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله، وأصحابه والتابعين.

 


([1])صحيح البخاري (1/ 34)، باب كتابه العلم، 114

([2])السنن الكبرى للنسائي (10/ 95)، باب قوله تعالى: وأن هذا صراطي مستقيما، رقم: 11110

([3]) صحيح البخاري (7/ 2)، باب الترغيب في النكاحٍ، رقم 5063

([4])صحيح مسلم (4/ 2052)، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، رقم: 2664

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد