تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

شرح كتاب التعالم للشيخ بكر أبو زيد (2)

00:00

00:00

14

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, اللهم اغفر لنا ولشيخنا، وعلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين؛ أما بعد:...

(المتن)

فقال الشيخ بكر عفا الله عنَّا وعنه: هذه شذراتٌ فيها قوارع لخوارم المتعالمين، وسيرى الناظر إن شاء الله تعالى هذا التقييد مُشوِّفًا مُعلِمًا يجلو عوارض هذه الخوارم، ويفترع منها العوائر؛ لتكون عاصمة من تلك القواصم، فاضحًا لكلِّ متعالم غيرة لله ودينه وشرعه، واحتسابًا في سبيل نصرته.

(الشرح)

(المتعالم) الذي يدَّعي العلم، وليس بعالم، تزيَّن بما ليس فيه، يستر أنه لابس ثوب زور، المتشبه بما ليس فيه كان كلابس ثوب زور، هذا المتشبِّع بما ليس فيه.

(المتن)

والمؤمَّل من كل مبلسٍ أزمنه مرض التعالم قد انغمس فيه إلى الأذقان، وممن طرق على مطرقته أن يوفِّر على نفسه جهد القراءة لهذه الرسالة، ولا يرنو إليها؛ لأنها وإياه على طرفي نقيض، وإن كانت ستسفُّه حميمًا ولهبًا، وترميه في مهاوي الصغار لقى، فتطؤه الذِّلة بمناسمها، وتضرِّسه بأنيابها، ويبقى راسفًا في أصفاد ما جنت عليه يداه.

(الشرح)

(ويبقى راسفًا) عبارات بلاغية اللي يسمونها, بلاغة, استعارة, كناية, يبقى راسفًا في أصفاد

(المتن)

ويبقى راسفًا في أصفاد ما جنت عليه يداه، فهو حيٌّ في شبحه، ميتٌ في دِينِه وقيمته وأدبه وخلقه، ولن يعود إلى آدميته إلا ببراءته من تعالُمه، وانفلاته من آفته على قارب من الإيمان والتقى والشجاعة في الحق والرضا.

(الشرح)

(قارب) السفينة الصغيرة، كان ينجو كأنه راكب بحر، كلها استعارات.

(المتن)

وستمسك قبلُ بقضيته الوهمية (التعالُم) فتمرِضُها وتقضي عليها حتى تموت موتتها الكبرى.

وسيبقى تسنُّم الذروة لإشادة المجد، لِشُداة العلم والفضائل في كل بادٍ وحاضر وستزهق بإذن الله النظرة التبريرية الجاثمة بين جوانح الحاملين لنظرية "تعدد الشخصيات في الشخص الواحد":

شخصية التعالُم.

وشخصية التقية.

وشخصية الملاينة على حساب الحق.

ونظرية "تعدد الشخصيات" في الشخص الواحد ذات مسارٍ غريب مهين في: إكفار الأُمَّة وامتصاص فضائلها، والضمور لها فيجعلها في غاية من الهُون والهوان والتحطم والتدني.

ويقذف بها إلى أعماق التبدد والانقسام وإدغامها في غيرها، والتهرِّي عائشة في دائرة الدوابية، والحظيرة البهيمية.

(الشرح)

(الدوابية) يعني: مثل الدواب, (البهيمية) البهائم.

(المتن)

فيسلم لذي المأرب الدَّني مقصده، ويعيش نسرًا كاسرًا على دوابِّه ونَعَمِه.

ألَا إن هذه النظرة التي أحد قسماتها التعالُم مولودٌ تثليثي يوقف الأُمَّة على صعيد الأعراف، فهي شيطان الطاق, قال في الحاشية: لقب لمحمد بن لقمان الملقبة رحلته الشيطانية، إذ هو وحزبه لعنهم الله قال: إن الله تعالى حل في أبي مسلم الخرساني.

(الشرح)

أعوذ بالله، نسأل الله العافية، القول بالحلول.

(المتن)

والبتة في الطلاق فهي شيطان الطاق، والبتة في الطلاق.

(الشرح)

(البتة) كناية من كنايات الطلاق، قال لامرأته: " أنتِ بتَّة أو بتلة" حين قصد الطلاق؛ الطلاق وقع، ولابد من النية.

(المتن)

في سلِّ الديانة من حملتها وحلِّ عُرى الإيمان بها.

وهل مسلك التمويت والتمويه والتمريغ ومَدَّ حبال الأمل الخادع إلا غصةٌ لا تطاق، وصعقةٌ غضبيةٌ يتناثر صبر العارفين دونها، أمَّ الجَفَلَى فلا يحركهم إلا الجهر بالمنابذة، أمَّا الأصوات الخفية فيها فتعمل عملها ولا تصحوا إلا ساعة إفلاسها.

فواغوثاه من عالمٍ مائتٍ، وجاهل سادر!

(الشرح)

(مائت) يعني: ميت

الطالب: تعدد الشخصيات يذكرون مثلًا,,

الشيخ: يعني إذا كان إنسان متعالم يعني ليس عنده أهلية

(المتن)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, اللهم اغفر لنا ولشيخنا، وعلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين؛ أما بعد فقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيدحفظنا الله وإياه:

ظواهر التعالُم:

أولًا: منه التعالُم في الفُتيا: والفتوى جمرةٌ تضطرم، فاسمع ما شئت من فتاوى مضجعة، محلولة العقال، مبنيةٍ على التجرِّي لا التحرِّي، تُعنت الخلق، وتُشجِي الحلق، لا تقوم على قدمي الحق؛ بل ولا على قدمي باطلٍ وحق؛ فهم في انتظار تصرُّف الوالي لتبريره على ضَوء الشرع المُطَهَّر حتى هزأ بهم كبار الأجراء وقالوا: "فُتيا بفرخة".

(الشرح)

(الأجراء) جمع أجير, (فرخة) دجاجة.

(المتن)

وأكبر دليلٍ على هذا اضطراب حبل الفُتيا، واستمرارهم أخياف مختلفون.

ومنه: ما تراه في أحوال بعض المُنتسبين إلى العلم، تراه قد غَرَزَ قدميه في بقعة التعالُم، لا يرى من يَعْشُرُه، مسرورًا بما يُساء به اللبيب، يأنف من التجاسر على صرف المُستفتي بلا جواب؛ فيتجاسر على القول على الله بلا علمٍ.

ويُفتي اجترارًا من معلومات عَفَى عليها الزمن، ولا يدري كيف يَسْتَلُّها من مطاوي الكتب، بانيًا على الظن، والظن أكذب الحديث؛ بل تراه وسبحان الفتاح العليم يشرع في الجواب قبل استكمال السؤال، ويلتفت يمينًا وشمالًا، ويحِف ويرِف على الحضور مختالًا بجوابه الإنشائي المهزول في الحاشية: في كلمة يحف ويرف بمعنى تسمع له حفيفًا ووريفا، وهو من أمثال العرب كما في صمت الآلي

يفتي في وقتٍ أضيق من بياض الميم، أو من صدر اللئيم بما يتوقف فيه شيوخ الإسلام، وأئمته الأعلام.  

قال منصور الفقيه،

في الحاشية له أشعار ثائرة منها لي حيلة فيمن يلم البيتين

الشيخ: من كان يخلق فيما يقول فحيلته قليلة

قال منصور الفقيه المتوفى سنة 306ه

 

وقال الطانزون له فقيه

فصعَّد حاجبيه به وتاها

وأطرق للمسائل أي بأني

ولا يدري لعَمرك ما طحاها

قال ابن القيَّم رحمه الله تعالى: "قال بعض العلماء: قلَّ من حرص على الفُتيا، وسابق إليها، وثابر عليها إلَّا قلَّ توفيقه واضطرب في أمره، وإن كان كارهًا لذلك غير مختارٍ له ما وجد مندوحة عنه، وقَدُرَ أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره؛ كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتاويه وجوابه أبلغ".

قال بِشر الحافي: "من أحبَّ أن يُسأل؛ فليس بأهلٍ أن يُسأل".

وذَكَرَ أبو عمر عن مالك: أخبرني رجلٌ أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلتْ عليك؟ وارتاع لبكائه، فقال: لا؛ ولكن استُفتِيَ مَن لا عِلْم له، وظهر في الإسلام أمرٌ عظيمٌ.

قال ربيعة: "ولبعض من يفتي ها هنا أحق بالحبس من السُّرَّاق".

(الشرح)

لأنهم يضرون الناس في دينهم, وهؤلاء يضرون الناس في أموالهم, واللي يضرون الناس في دينهم لاشك أضر ممن يضر الناس في مالهم, وكما ذَكَرَ: صار الكل يفتي الآن في القنوات الفضائية، في الصحف، في المجلات، وفي كذا, وصار هناك أيضًا كذلك من يعبر الرؤيا في القنوات الفضائية يدفع دراهم قبل، ويأتي تعبير الرؤيا، وهكذا.

(المتن)

قال بعض العلماء: فكيف لو رأى ربيعة زماننا وإقدام من لا علم عنده على الفُتيا، وتوثُّبه عليها، ومَدَّ باع التكلُّف إليها، وتسلُّقه بالجهل والجرأة عليها مع قلة الخبرة وسوء السيرة، وشؤم السريرة، وهو من بين أهل العلم منكر أو غريب، فليس له في معرفة الكتاب والسُّنَّة وآثار السلف نصيب، ولا يبدي جوابًا بإحسان، وإن ساعد القدر فتواه لعله: فتراه: كذلك يقول فلان بن فلان:

يمدُّون للإفتاء باعًا قصيرة

 

وأكثرهم عند الفتاوى يُكَذْلِكُ

وكثيرٌ منهم نصيبهم مثل ما حكاه أبو محمد بن حزم قال: كان عندنا مُفتٍ قليل البضاعة، فكان لا يُفتي حتى يتقدمه من يتقدمه من يكتب الجواب فيكتب تحته: جوابي مثل جواب الشيخ، فقدر أن اختلف مفتيان في جوابٍ، فكتب تحتهما: جوابي مثل جواب الشيخين.

فقيل له: إنهما قد تناقضًا.

فقال: وأنا أيضًا قد تناقضت كما تناقضًا.

وقد أقام الله سبحانه وتعالى لكلِّ عالمٍ ورئيسٍ وفاضل من يُظهر مماثلته، ويرى الجُهَّال وهم الأكثرون مساجلته ومشاكلته، وأنه يجري معه في الميدان، وأنهما عند المُسابقة كفرسي رهان ولاسيما إذا طوَّل الأردان، وأرخى الذوائب الطويلة وراءه كأذناب الأتان، وهدر باللسان، وخلا له الميدان الطويل من الفرسان:

فلو لبس الحمار ثياب خَزٍّ

 

لقال الناس يا لك من حمار

وهذا الضرب إنما يُستفتَوْنَ بالشكل لا بالفضل، وبالمناصب لا بالأهلية، قد غرَّهم عُكوف من لا علم عنده عليهم، ومسارعة أجهل منهم إليهم، تعجُّ منهم الحقوق إلى الله عجيجًا، وتضجُّ منهم الأحكامُ إلى من أنزلها ضجيجًا.

فمَن أقدم بالجرأة على ما ليس له بأهلٍ من فُتيا أو قضاءٍ أو تدريس؛ استحق اسم الذمِّ، ولم يحل قبول فُتياهُ ولا قضائه، هذا حكم دِين الإسلام:

وإن رغمت أُنوف من أُناس

فقل يا رب لا ترغم سواها

انتهى كلام ابن القيِّم رحمه الله تعالى.

وقال الشاطبي رحمه الله تعالى في "الاعتصام" في مبحث الاختلاف بين أهل القبلة، عند تفسير قول الله تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)[هود/118].

وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع، وأن من رحم ربك أهل السُّنَّة؛ ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقًا؛ بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا لابد من بسطه.

فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة.

(الشرح)

هذا كلام جيد وواقع.

(المتن)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, اللهم اغفر لنا ولشيخنا، وعلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين؛ أما بعد:

 

فقال الشيخ/ أبو بكر حفظنا الله تعالى وإياه في الكلام عن "مظاهر التعالُم" وأن منها "الفتوى بغير علم، وقال الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام": في مبحث الاختلاف بين أهل القبلة إلى تفسير قول الله تعالى: ( وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ)[هود/118-119].

وقد (ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع وأن من رحم ربك أهل السنة، ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقًا.

(الشرح)

ما في شرط الكتابة: )وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ([هود/118-119] ، يمكن قوله ولذلك خلقهم، لما كتب الله خلقهم واختلافهم قال ولذلك خلقهم.

(المتن)

قال: ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقًا.

(الشرح)

لذلك خلقهم، خلقهم مع اختلافهم وكتب ذلك في اللوح المحفوظ.

(المتن)

بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل وهذا لابد من بسطه فاعلم أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظم، العالمين بمواردها ومصادرها والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني على ذلك وإنما وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه أنفًا، بل كل خلاف على الوصف المذكور وقع بعد ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق.

أحدها: أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يُعْتَقَدَ فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ولم يبلغ تلك الدرجة فيعمل على ذلك، ويعد رأْيه رأْيًا وخلافه خلافا، ولكن تارة يكون ذلك في جُزْئي وفرع من الفروع؛ وتارة يكون في كُلِّي وأصل من أُصول الدين كان من الأصول الاعتقادية أو من الأُصول العلمية, فتراه آخذًا ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياته، حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع.

وعليه نَبَّه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبض الله العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

قال بعض أهل العلم: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله، وقد صرَّف هذا المعنى تصريفا، فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين فخان. قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتى من ليس بعالم.

قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يومًا بكاءًا شديدًا، فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ فقال: لا! ولكن استفتي من ليس بعالم.

وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَبْلَ الساعة سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويُخوَّن فيها الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيها الرويبضة» قالوا: الرويبضة هو الرجل التافه الحقير ينطق في أُمور العامة، كأنه ليس بأهل أن يتكلم في أمور العامة فيتكلم.

(الشرح)

الشيخ: في البخاري يقول؟ هل هناك تخريج له؟

الطالب:(...).

الشيخ: البعض يقول مفضلة, ثم يأتي قوم يشهدون ولا يشهدون لهم قبل الدجال، قبل الساعة سنون خداعة قبل الدجال يسبقه السنون الخداعة,. هذه يراجع الحديث.

(المتن)

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قد علمت من يهلك الناس، إذا جاء الفقه من قِبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قِبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا".

واختلف العلماء فيما أراد عمر بالصغار؛ فقال ابن المبارك: هم أهل البدع، وهو موافق، لأن أهل البدع أصاغر في العلم، ولأجل ذلك صاروا أهل بدع.

وقال الباجي: يحتمل أن يكون الأصاغر من لا علم عنده, قال: وقد كان عمر يستشير الصغار، وكان القراء أهل مشاورته كهولا وشبانًا, قال: ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما فلابد أن يسمو أمره ويعظم قدره.

ومما يوضح هذا التأويل ما خرجه ابن وهب بسند مقطوع عن الحسن قال: العامل على غير علم كالسائر على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بترك العبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بترك العلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

(الشرح)

بسبب الجهل.

الطالب: من يقرأ في المختصرات يعتبر من الأصاغر؟

الشيخ: الأصاغر المهم العلم، والعلم لا يصير بالقراءة فقط ليس كل من قرأ له علم لابد من العلم والبصيرة.

الطالب: لا يُقال عالم لمن قرأ من الكتب دون اللجوء إلى المشايخ؟

الشيخ: الأصاغر من ليس عنده علم, يعني: من لم يبلغ درجة الأكابر أما مسألة التلقي هذا شيء آخر لطلب العلم.  

(المتن)

ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا يعني الخوارج والله أعلم، لأنهم قرءوا القرآن ولم يتفقهوا حسبما أشار إليه الحديث «يقرئون القرآن لا يجاوز تراقيهم».

وروى عن مكحول أنه قال: تَفَقُّهُ الرعاع فساد الدين والدنيا، وَتَفَقُّهُ السفلة فساد الدين.

وقال الفريابي: كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم تغيَّرَ وجهه، فقلت: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك.

قال: كان العلم في العرب وفي سادات الناس، وإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء النبط والسفلة غُيِّرَ الدين.

وهذه الآثار أيضا إذا حُملت على التأويل المتقدم اشتدت واستقامت؛ لأن ظواهرها مشكلة، ولعلك إذا استقريت أهل البدع من المتكلمين، أو أكثرهم وجدتهم من أبناء سبايا الأمم، ومن ليس له أصالة في اللسان العربي، فعما قريب يُفهم كتاب الله على غير وجهه، كما أن من لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها؛ انتهى.

(الشرح)

الطالب: من هم النبط؟

الشيخ: الأعاجم غالبا الأعاجم، قال عمر تعلموا من السابقين ولا تكونوا كنبط السواد إذا قيل من أنت؟ قال من بلدة كذا أو من بلد كذا نبط السواد العراق الأعاجم يعني لا ينتسبون لبلد ولا يعرفون نسب.

الطالب: قال أبو منصور الأزهري قال الليث: النبط الماء، وقال النبط والنبيط كالحبش والحبيش.

الشيخ:  النبط والماء كانوا يستنبطون الماء، يستخرجون الماء  

الطالب قالوا هو اسم جيل ينزلون السواد

الشيخ: في العراق

قال الزجاج وإنما سموا نبطًا لاستنباطهم ما يخرج من الأراضين

الشيح: يعملون لكن لا يهتموا لأنسابهم، أعاجم. 

(المتن)

وَحَقّاً إن المُتَعَالِمَ يفعل بنفسهِ ما لا يفعله العَدُوَ بِعَدُوِّه فإلى الله الشكوى من تذاؤب أهل زماني.

وقد جرب على هذا الصنف الاستنكاف من قول لا أدري، فمن لي بثعلب إمام الكوفيين المُتَوَفَّى سنة 291 هــ رحمه الله تعالى لما سأله سائلٌ عن شيءٍ، فقال: لا أدري، فقال له: أتقول: لا أدري وإليك تُضْرَبُ أكبادُ الإبلِ، وإليك الرحلة في كلِّ بلدٍ؟ فقال ثعلب: لو كان لأُمك بعدد لا أدري بَعْرٌ لاستغنت. وفي ترجمة عطاء بن أبي رباح، أنه كان يقول: "لا أدري": نصف العلم، ويقال: نصف الجهل.

(الشرح)

هذا معروف، قال العلماء لا أدري نصف العلم؛ لأن المعلومات شيئان شيء تعلمه وشيء لا تعلمه، الشيء الذي تعلمه هذا قسم وهذا قسم، والجهل نصف العلم، قال بعض السلف إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاصده, في صحيح البخاري من سئل عن شيء لا يعلمه فليقل الله أعلم فإن الله قال لنبيه: )قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)([ص/86].

 (ويقال نصف الجهل) لأن لا أدري يجهله والنصف الثاني علم، لا أدري نصف العلم أو نصف الجهل المعنى واحد.

(المتن)

وبالإمام الشَّعبيِّ رحمه الله تعالى إذ رُوي أنه قيل له: إنا نستحي لك من كثرة ما تُسْأل فتقول: لا أدري، فقال: لكن ملائكة الله المؤمنين لم يستحيوا، إذ سُئلوا عما لا علم لهم به فقالوا: ( سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا)[البقرة/32]؛ انتهى

ورحم الله حفصَ بن غياث، قال ابن عمار عنه: كان عسرًا في الحديث جدًا، لقد استفهمه إنسانٌ حرفا في الحديث، فقال: والله لا سمعت مني وأنا أعرفك.

وقال عبدالله بن داوود الهمداني المُتَوَفَّى سنة 213 هــ: إنما يرجع الفقيه إذا اتسع علمه.

وفي ترجمة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أحدِ الفقهاء السبعة رحمه الله تعالى: أن ابنَ المبارك قال: كانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا فيه جميعا فنظروا فيها، ولا يقضي القاضي حتى يرفع إليهم، فينظرون فيها، فيصدرون.

وكان السراج البُلقيني الشافعي المتوفى سنة 805هــ رحمه الله تعالى لا يأنف من تأخير الفتوى عنده إذا أشكل عليه منها شيء إلى أن يحقق أمرها من مراجعة الكتب, بل اشتهرت معاريض أهل العلم في الفتوى, فكان الأصمعي إذا سُئل عن شيء لا يعرفه، قال: "صلِ على نبيك".

وكان الكسائيُّ يقول في ذلك: سبحان علام الغيوب جبار القلوب.

وكان أبو عبيدة يقول:

يا رب لا أدري وأنت الداري       

 

كل امرئ منك على مقدار

 

والمفضل يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك.

فهؤلاء الأئمة وغيرهم مع جلالة قدرهم ووافر حرمتهم وضخامة مسؤوليات بعضهم ذابت هذه الظواهر في عظيم تقواهم، وما نقصهم بل بقوا عناوين افتخار لهذه الأمة، لما كسر سلطان التقوى لديهم تلك الحواجز المادية والولايات العارضة.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية النُّمَيْرِي رحمه الله تعالى: والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالمًا مجتهدًا، عالمًا مجتهدًا.

نقف على قال شيخ الإسلام ابن تيمية.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, اللهم اغفر لنا ولشيخنا، وعلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين؛ أما بعد قال الشيخ بكر حفظنا الله تعالى وإياه:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية النُّمَيْرِي رحمه الله تعالى: والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالمًا مجتهدًا، عالمًا مجتهدًا.

 

 

(الشرح)

المنصب والولاية لا يجعله عالم، العلم ما هو بالمنصب ولا بالولاية، إن كان عالم قبل المنصب فهو عالم، أما بعد المنصب ما يكتسب علم.

(المتن)

والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالمًا مجتهدًا، عالمًا مجتهدًا ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيه الناس، ويرجعوا إليه فيما أُشكل عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدَّعي ذلك لنفسه، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره.

وقال الشاطبي رحمه الله تعالى في "الاعتصام" ما نصه: وكذلك تقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشريفة من لا يصلح بطريق التوريث، هو من قبيل ما تقدم، فإن جعل الجاهل في موضع العالم حتى يصير مفتيًا في الدين، ومعمولًا بقوله في الأموال والدماء والأبضاع وغيرها، محرم في الدين، وكون ذلك يتخذ ديدنا حتى يصير الابن مستحقًا لرتبة الأب وإن لم يبلغ رتبة الأب في ذلك المنصب بطريق الوراثة أو غير ذلك، بحيث يشيع هذا العمل ويطرد ويرده الناس كالشرع الذي لا يخالف بدعة بلا إشكال.

زيادة إلى القول بالرأي غير الجاري على العلم، وهو بدعة أو سبب البدعة كما سيأتي تفسيره إن شاء الله، وهو الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». وإنما ضلوا وأضلوا لأنهم أفتوا بالرأي إذ ليس عندهم علم؛ انتهى.

وفيه أيضًا: أما قلة العلم وظهور الجهل فبسبب التفقه للدنيا.

(الشرح)

مثل من يدرس العلوم الدنيوية الرياضيات، والطب، والهندسة، والصيدلة هذا تفقه في أمور الدنيا هذا، وهذا يكون قليل علم الذي هو العلم الشرعي، كون الإنسان ينصرف إلى العلوم العصرية ويترك العلوم الشرعية، هذا يقل علمه وفقهه في الشريعة.

الطالب: (أما قلة العلم وظهور الجهل فبسبب التفقه للدنيا) هل يمكن يقصد التفقه في أمور الدين بقصد الدنيا، إرادة الدنيا؟

الشيخ: لا, هذا يصير الخبر في نيته لكنه قد يكون عنده فقه لكنه ما يعمل بعلمه.

(المتن)

أما قلة العلم وظهور الجهل فبسبب التفقه للدنيا وهذا إخبار بمقدمة أنتجتها الفتيا بغير علم حسبما جاء في الحديث الصحيح : إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس, إلى آخره.

وذلك أن الناس لا بد لهم من قائد يقودهم في الدين بجرائمهم، وإلا وقع الهرج وفسد النظام، فيضطرون إلى الخروج إلى من انتصب لهم منصب الهداية، وهو الذي يسمونه عالمًا، فلا بد ان يحملهم على رأيه في الدين؛ لأن الفرض أنه جاهل، فيضلهم عن الصراط المستقيم؛ كما أنه ضال عنه وهذا عين الابتداع؛ لأنه التشريع بغير أصل من كتاب ولا سنة.

ودل هذا الحديث على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل العلماء, وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فتؤتى الناس من قبله, وسيأتي لهذا المعنى بسط أوسع من هذا إن شاء الله؛ انتهى.

واعلم يا أخي بارك الله فيك وفي علمك، وعلمنا جميعًا ما لم نكن نعلم: أنه قد جرت سنة الأجلة من العلماء على التورع في: الفتيا، والبحث، والتأليف، والمناظرة، وما جرى مجرى ذلك، وفي حضار العلم وفنونه، ترى العالم مع جلالة قدره، وعلو منزلته، ينفي علمه في مواضع، ويتوقف في أخرى، ويرجع من قول إلى آخر للتقوى، فيكون هذا من عظيم قدره، وجلالة شأنه، ولا يُنقص من علمه.

(الشرح)

صحيح, لا شك على أن هذا دليل على أن هذه الأئمة يرجعون، الإمام أحمد يكون له في المسألة سبع روايات أحيانا تجد مذهب الحنابلة على روايتين أو على ثلاث روايات, والشافعي له قولان قول قديم وقول جديد القول القديم في العراق والقول الجديد في مصر؛ كل هذا يدل على فضل العلماء والأئمة، عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المشاركة له قولان جاءه الإخوة لأب والإخوة لأم وشركهم ثم جاءوا مرة أخرى ولم يشركهم فقيل شركتهم فيه مرتين قال ذاك على ما قضينا وهذا على ما قضينا.

(المتن)

وأسوق أمثلة لهذا تطيب للناظرين، ويعقلها العالمون:

أولًا: قصة الإمام مالك رحمه الله تعالى: مشهورة في عشرات المسائل التي سئل عنها فلم يجب إلا عن القليل منها, ومع ذلك فإذا ذُكر العلماء فمالك: النجم. ووقعت لغيره من العلماء.

(الشرح)

وهذه من فضائله، يقال إن الإمام مالك أتاه رجل من بعيد وضرب أكباد الإبل وسئل عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين لا أدري، ولم يجب إلا أربع مسائل، والست وثلاثين قال لا أدري، قال كيف هذا، كيف  لا أدري جئت من مكان بعيد ضربت لك أكباد الإبل وتقول لا أدري! ماذا أقول للناس في المسائل؟ قال قل لهم يقول مالك: لا أدري، تلك من فضائله، ولهذا قال العلماء: أن العالم إذا أخطأ وقال لا أدري أصيبت مقاتله، يقول لا أدري، إذا قال لا أدري هذا نصف العلم.

المعلومات قسمين:

قسم تعلمه.

وقسم لا تعلمه.

فالذي لا تعلمه تقول لا أدري هذا النصف 

(المتن)

     ومع ذلك فإذا ذُكر العلماء فمالك: النجم, ووقعت لغيره من العلماء.

الثاني: والإمام الشافعي رحمه الله تعالى: عَلَّقَ الحكم بمواضع على صحة الحديث.

(الشرح)

هذا ينقل أنه قال الشافعي في هذه المسألة: إن صح الحديث, ثم يأتي أتباعه وقالوا: وقد صح الحديث فهو مذهبه.

(المتن)

وقد جمعها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتاب مفرد، مع الكلام عليها.

الثالث: وهذا الإمام أبو حاتم والشهير بابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي المتوفى سنة 354هـ رحمه الله تعالى.

(الشرح)

صاحب الصحيح.

(المتن)

لما ألف كتابه "الثقات" ساق تراجم، توقف فيها، وأخرى قال: لا أدري من هو، ولا من هو أبوه.

وأسوأ مثال في المعاصرة ما يراه البصير في كتابي "صفوة التفاسير" و "مختصر تفسير ابن كثير" كلاهما لخلفي محترق.

(الشرح)

لخلفي: الخلف هو العقب الفاسد، والخلف هو العقب الصالح، قال تعالى: )فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)([مريم/59]، والخلف الصالح: خير خلف لخير سلف.

(صفوة التفاسير ومختصر تفسير ابن كثير) إذًا المؤلف واحد وهو صاحب المختصر.

(المتن)

وإن تسلط الخلفي في الاعتقاد على ثروة علماء السلف في كتب التفسير مثل تفسير ابن جرير، وابن كثير، يمثل سطو أعداء السنة على راوية الإسلام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه. فكما أن أبا هريرة رضي الله عنه الذي روى ما يزيد عن خمسة ألاف حديث شجى في حلوق العِدَا، فكذلك تفاسير السلف المعتمدة مثل: تفسير بن جرير، وابن كثير شجى في حلوق الخلْف في الاعتقاد, والغاية الفاسدة سواء.

وقد فزع أهل العلم وطلابه من تطاول هذا المغبون في حظه من العلم والتقى، إذ كدر صفو التفاسير وعبث غاية العبث فيها وفي اختصاره تفسير ابن كثير, وانظر في كشفها:

أولًا: المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات للشيخ محمد بن عبد الرحمن المغراوي.

ثانيًا: الرد على أخطاء محمد علي الصابوني للشيخ محمد جميل زينوا.

ثالثُا: مقال للشيخ: سعد ظلام في مجلة منار الإسلام.

رابعًا: وفي رسالة منهج الأشاعرة في العقيدة للشيخ سفر الحوالي.

خامسًا: مقدمة الجزء الرابع من السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني، فقد شفى فيها وكفى.

سادسًا: وله في مواضع من الجزء الثالث من السلسلة الضعيفة ما يكشف هذا المبتلى المرائي المتشبع بما لم يعط، وعبثه في عدة عوامل وهي:

أولًا: الإخلال بالأمانة في النقل.

ثانيًا: التصرف في عبارات السلف لتوافق مذهب الخلف في باب السماء والصفات.

ثالثًا: حذف أحاديث صحيحة.

رابعًا: كثرة إيراده الأحاديث الضعيفة، محذوفة الإسناد.

خامسًا: إقحام أراء خلفية قد برأ الله منها "عمدة التفاسير" كابن جرير، وابن كثير

سادسًا: إيراد قراءات شاذة، والسكوت عليها.

إلى غير ذلك من وجوه العبث، والكذب، والاختلاق، والجهل المزمن ومن نظر في المراجع الكاشفة المذكورة قامت أمامه الأدلة المادية على ذلك.

وعليه: فأنصح كل مسلم بعدم اقتناء هذين الكتابين "صفوة التفاسير" و "مختصر تفسير بن كثير"، أو العزو إليهما لفقد الثقة من كاتبهما لما سمعت "واخْبُرْ تَقْلُه". والله أعلم.

(الشرح)

(واخْبُرْ تَقْلُه) يعني: تبغضه.

(المتن)

رابعًا:  ومنه تعالم بعض المنتسبين لخدمة السنة المشرفة، وأنواعه متعددة:

فمنها: اتساع الدعوى. فقد ركب لذلك الصعب والذلول، وأتى الناس فيه بالعجائب، وتطاول إليه أناس لا يعرفون من العربية حرفًا، ولا من الفقه فرعًا، ولا في الاصطلاح نوعًا، وإنما اقتحموا العقبة ولا كالسارق الظريف بجرأة بالغة وفراهة، ودعوى واسعة وصفاقة، ومشوا على الأرض بأنوف شامخة وأفكار متلاطمة، وعند المفاتحة يضيقون ذرعًا، ويوسِّعونك لومًا وقدحًا؛ فخبطوا في الرواية خبطَ عشواء في التصحيح والتضعيف ومستكره الفهم والتأويل.

(الشرح)

كثير من المحققين اللي حققوا الكتب شوهوها، وصار كثير من الناس يحقق، يطلع كتاب ويحققه، ويحذف بعض الأسانيد، ويصحح الضعيف ويضعِّف الصحيح، ويحذف ما يراه، وصارت تجارة الآن، صارت مكاسب الآن في المقالات مكاتب تحقيق للتجارة، الكسب؛ فهم يضرون أكثر ما ينفعون؛ لأن ما عندهم بصيرة.

هؤلاء غير أهل للتحقيق، هؤلاء اللي عندهم بصيرة خدموا الكتب وخدموا السُّنَّة، وحققوا الكتب أهل البصيرة؛ لكن هناك من دخل فيهم وليس منهم، ناس ليس عندهم بصيرة ولكن اتخذها حرفة، يفتح مكتب تحقيق: يلا نحقق، يحذف شيء ويطلع هذا  إخراج جديد ويبيعه عشان يسوِّق هذا البيع, هذا اللي يقصده الشيخ ركبوا الصعب والذلول.

(المتن)

فخبطوا في الرواية خبطَ عشواء في التصحيح والتضعيف ومستكره الفهم والتأويل، وسرعة الحكم بلا استقراء والنفي بلا إحاطة، إلى غير ذلك في فلاةٍ مضلة من وجوه العبث وضروب المناكدة والهوس.

وهذا شأن من يقتحم قُحمًا ليس من رجالها، ويلبس ثياب الكبراء متعثرًا بأذيالها.

فإلى الله الشكوى من تطاول أهل زماني من الركالة على ينبوع الإسلام.

وقد شغلوا العلماء بالتعقيب عليهم، وإبطال رَحَضهم، ودَحْض مزلَّتهم.

ومن سماجتهم: البِدَار إلى التأليف في أوائل الطلب ثم هو يرسم على طرَّته: تصنيف أبي فلان سامحه الله وغَفَر له ولوالديه ولمشايخه.

(الشرح)

يؤلفه صغير، هذا صغير السن في أول سن الطلب يكني نفسه أيضًا أبي فلان أبي عبد الله أبي محمد سامحه الله.

(المتن)

ومن سماجتهم: البِدَار إلى التأليف في أوائل الطلب ثم هو يرسم على طرَّته: تصنيف أبي فلان سامحه الله وغَفَر له ولوالديه ولمشايخه.

 

وأعرف منهم من لم يدرُس على شيخ.

(الشرح)

بعض المشايخ.

(المتن)

وأعرف منهم من لم يدرُس على شيخ؛ ولكن هذا من شدة التِّيه والبأو والتمشْيُخ.

(الشرح)

التيه: العُجب والكبر

(المتن)

قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: كان هذا العلم كريمًا بملاقاة الرجال، فلمَّا صار في الكتب؛ صرتَ تجده عند العبد والأعرابي.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, اللهم اغفر لنا ولشيخنا، وعلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين؛ أما بعد فقال  بكر بن عبد الله حفظنا الله تعالى وإياه:

قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: كان هذا العلم كريمًا بملاقاة الرجال، فلمَّا صار في الكتب؛ صرتَ تجده عند العبد والأعرابي.

 

ومن أقبح تناقضهم والحمد لله على عصرٍ زادُ التناقض فيه نافقٌ أن يتعلق بالسُّنَّة وعلومها متعلقٌ وهو عاضٌّ على نواقضها من الخلفية في الاعتقاد، والعصبية المذهبية ونصبِ العداء للسَّلفيين، وحربٍ عوانٍ على السلفية؛ وأما تلك الكُنَى الطربة، كُنى العبيد والطُّرُقية: رخوة متخاذلة تنفُرُ عنها النفوس الأبية.

فإليك في نقد من تكنَّى بأبي السعادات، ونحوها من الكُنى الأعجمية للعلامة السلفي الشيخ محمد بشير الإبراهيمي الجزائري رحمه الله تعالى إذ يقول: من سُنن العرب أنهم يجعلون الاسم سمةَ للطفولة، والكُنية عنوانًا على الرجولة، لذلك كانوا لا يكتنون إلا بنتاج الأصلاب وثمرات الأرحام من بنين وبنات؛ لأنها الامتداد الطبيعي لتاريخ الحياة بهم، ولا يرضوْن بهذه الكُنى والألقاب الرخوة إلا لعبيدهم، وما راجت هذه الكُنى والألقاب المهلهلة بين المسلمين إلا يوم تراخت العُرى الشاذة لمجتمعهم، فراَجَ فيهم التخنُّثُ في الشمائل والتأنُّث في الطباع والارتخاء في العزائم، والنفاق في الدِّين.

ويوم نسي المسلمون أنفسهم فأضاعوا الأعمال التي يتمجَّد بها الرجال، وأخذوا بالسفاسف التي يتلهَّى بها الأطفال، وفاتتهم العظمة الحقيقية فالتمسوها في الأسماء والكٌنى والألقاب.

ولقد كان العرب صخورًا وجنادل يوم كان من أسمائهم صخر وجندلة, وكانوا غصصًا وسمومًا يوم كان فيهم مُرَّة وحنظلة, وكانوا أشوكًا وأحساكًا يوم كان فيهم قتادة وعوسجة؛ فانظر ما هم اليوم؟ وانظر أي أثرٍ تتركه الأسماء في المسميات؟

واعتبر ذلك في كلمة "سيدي" وأنها ما راجت بيننا وشاعت فينا إلا يوم أضعنا السيادة، وأفلتت من أيدينا القيادة، ولماذا لم تشع في المسلمين يوم كانوا سادة الدنيا على الحقيقة، ولو قالها قائل لِعُمَرَ لهاجت شِرَّته، ولَبَادَرَت بالجواب دِرَّته؛ انتهى الكلام

ولا تستكثر مقالي هذا فهو امتدادٌ لشكوى عن أئمة مضوا كابن فارس والذهبي والسخاوي، وغيرهم في أعلام أنَّى لنا اللحوق في ركابهم:

لا تأتينَّ بذِكْرِنا مع ذِكْرهم

 

ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

(الشرح)

لا تأتينَّ بذِكْرِنا مع ذِكْرهم

 

ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

(المتن)

وأستغفر الله من أحوالنا إذا رأينا ما لديهم من المعالي والعوالي، والصدق في الطلب، وصدق اللهج؛ فحقًّا لهم صاروا أئمة أعلامًا يُستضاء بنورهم، فما يملأ العين بعدهم ومن سار على نهجهم؛ إلَّا التراب أو من تحت التراب.

 وقال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة مِسعرٍ بن كِدام المتوفى سنة 155 ه رحمه الله تعالى: "ليس طلب الحديث اليوم على الوضع المُتعارَف عليه من حيِّزِ طلب العلم؛ بل اصطلاحٌ وطلب أسانيد عاليةٍ، وأخذ من شيخٍ لا يعي، وتسميع لطفلٍ يلعب ولا يفهم أو لرضيعٍ يبكي، أو لفقيهٍ يتحدث مع حَدَثٍ، أو آخر ينسخ، وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، والقارئ إن كانت له مشاركةٌ فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء، سواء تصحَّف عليه الاسم، أو اختبط المتن، أو كان من الموضوعات؛ فالعلم عن هؤلاء بمعزِلٍ، والعمل لا أكاد أراه؛ بل أرى أمورًا سيئة نسأل الله العفو؛ انتهى.

وكان الفريابي محمد بن يوسف يمشي مع ابن عُيينة فقال لي: يا محمد، ما يزهدني فيك إلا طلب الحديث, قلتُ: فأنت يا أبا محمد، أي شيءٍ كنت تعمل إلا طلب الحديث؟ فقال: كنت إذ ذاك صبيًّا لا أعقل.

قال الذهبي رحمه الله تعالى بعد هذا: قلتُ إذا كان مثل هذا الإمام يقول هذه المقالة في زمن التابعين، أو بعدهم بيسير، وطلب الحديث مضبوط باتفاق، والأخذ عن الأثبات الأئمة؛ فكيف لو رأى سفيان رحمه الله تعالى طلبة الحديث في وقتنا وما هم عليه من الهَنات والتخبُّط، والأخذ عن جهلة بني آدم، وتسميع ابن شهر:

وأمَّ الخيام فإنها كخيامهم

 

وأرى نساء الحي غير نسائها

انتهى.

وفي ترجمة إسحاق بن راهويه، قال أبو عبد الله الحاكم: إسحاق، وابن المبارك، ومحمد بن يحيى، هؤلاء دَفَنوا كتبهم.

قال الذهبي رحمه الله تعالى بعده: قلتُ: هذا  فعله عدة من الأئمة، وهو دالٌّ أنهم لا يرون نقل العلم وِجادةً فإن الخط قد يتصحَّف على الناقل، ويمكن أن يُزاد في الخط حرفٌ فيُغيِّر المعنى، ونحو ذلك.

وأمَّا اليوم فقد اتَّسع الخرق وقلَّ تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النَّقلة للمسائل قد لا يُحسِن أن يتهجى؛ انتهى.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد فقال الشيخ بكر حفظنا الله تعالى وإياه:

 

قال عثمان بن سعيد الدارمي، المتوفى سنة 280 ه رحمه الله تعالى: مَن لم يجمع حديث شُعبة وسفيان، ومالكٍ، وحمَّاد بن زيد، وسفيان بن عُيينة؛ فهو مفلسٌ في الحديث، يريد أنه ما بلغ درجة الحُفَّاظ.

وقال الذهبي بعده: وبلا ريب، أن مَن جَمَعَ علم هؤلاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم وكَتَبه عاليًا ونازلًا، وفهم علله؛ فقد أحاط بشطر السُّنَّة النبوية، بل بأكثر من ذلك، وقد عَدُم في زماننا من ينهض بهذا أو ببعضه؛ فنسأل الله المغفرة.

وأيضًا لو أراد أحدٌ أن يتبع حديث الثوري وحده، ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها، ويبيِّن صحيحه من سقيمه؛ لكان يجيء مسنده في عشر مجلدات.

وإنما شأن المحدِّثِ اليوم الاعتناء بالدواوين الستة، ومُسند أحمد بن حنبل، وسُنن البيهقي، وضبط متونها وأسانيدها ثم لا ينتفع بذلك حتى يتقي ويدين بالحديث، فعلى علم الحديث وعلمائه لِيبْكِ من كان باكيًا، فقد عاد الإسلام المحض غريبًا كما بدأ، فليَسَعَ امرؤ في فِكاك رقبته من النار، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ثم العلم ليس هو بكثرة الرواية؛ ولكنه نور يقذفه الله في القلب وشرطُه الإتباع والفرار من الهوى، والابتداع وفقنا الله وإياكم لطاعته؛ انتهى.

وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في فاتحة كتابه "الجامع": وقد رأيتُ خلقًا من أهل هذا الزمان، ينتسبون إلى الحديث، ويعدُّون أنفسهم من أهله المتخصصين بسماعه ونقله، وهم أبعد الناس مما يدَّعون، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون، يرى الواحد منهم إذا كَتَبَ عددًا قليلًا من الأجزاء، واشتغل بالسماع بُرهة يسيرة من الدهر؛ أنه صاحب حديث على الإطلاق، ولمَّا يُجهد نفسه ويُتعِبها في طِلابه، ولا لَحِقته مَشقَّة الحفظ لصنوفه وأبوابه.

وهم مع قلة كَتْبهم له، وعدم معرفتهم به أعظم الناس كِبرًا، وأشد الخلق تِيهًا وعُجبًا، لا يراعون لشيخٍ حُرمةً ولا يوجبون لطالبٍ ذِمَّةً، يخرقون بالراوين، ويُعنِّفون على المتعلِّمين، خلاف ما يقتضيه العلمُ الذي سمعوه وضدَّ الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه؛ انتهى.

وقال أيضًا رحمه الله تعالى في خطبة كتابه "الكفاية" ما نصه: أمّا بعد...

إن الله تبارك وتعالى أنقذ الخلق من دائرة الجهل، وخلص الورى من زخارف الضلالة بالكتاب الناطق، والوحي الصادق، المنزلين على سيد الورى نبينا محمد المصطفى، ثم أوجب النجاة من النار، وأبعد عن منزل الذل والخسار لمن أطاعه في امتثال ما أمر، والكف عما عنه نهى وزجر، فقال: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النور/52].

 وطاعة الله في طاعة رسوله، وطاعة رسوله في إتباع سُننه؛ إذ هي النور البهي، والأمر الجلي، والحجة الواضحة، والمحجة اللائحة، مَن تمسَّك بها اهتدى ومَن عدل عنها ضلَّ وغوى.

ولمَّا كان ثابت السُّنن والآثار وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال؛ إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وَجَبَ الاجتهاد في علم أصولها، ولزم الحثُّ على ما عاد بعمارة سبيلها.

وقد اسفرغت طائفة من أهل زماننا وسعها، في كتب الأحاديث والمثابرة على جمعها من غير أن يسلكوا مسلك المتقدمين، وينظر النظر السلف الماضين في حال الراوي والمروي، وتمييز سبيل المرذول والمرضي، واستنباط ما في السُّنن من الأحكام، وإثارة المستودع فيها من الفقه بالحلال والحرام.

بل قنعوا من الحديث باسمه، واقتصروا على كتبه في الصحف ورسمه؛ فهم أغمار، وحملة أسفار، قد تحمَّلوا المشاق الشديدة، وسافروا إلى البلدان البعيدة، وهان عليهم الدأب والكلال، واستوطئوا مركب الحل والترحال، وبذلوا الأنفس والأموال وركبوا المخاوف والأهوال، شُعث الرؤوس شُحب الألوان، خُمص البطون، نواحل الأبدان، يقطعون أوقاتهم بالسير في البلاد طلبًا لما علا من الإسناد، لا يريدون شيئًا سواه، ولا يبتغون إلَّا إياه، يحملون عمَّن لا تثبت عدالته.

ويأخذون ممن لا تجوز أمانته، ويروون عمن لا يعرفون صحة حديثه، ولا يتيقن ثبوت مسموعة، ويحتجُّون بمن لا يحسن قراءة صحيفته، ولا يقوم بشيءٍ من شرائط الرواية، ولا يفرق بين السماع والإجازة، ولا يميز بين المسند والمرسل، والمقطوع والمتصل، ولا يحفظ اسم شيخه الذي حدَّثه حتى يستثبته من غيره.

ويكتبون عن الفاسق في فعله، والمذموم في مذهبه، وعن المبتدع في دِينه، المقطوع على فساد اعتقاده، ويرون ذلك جائزًا، والعمل براويته واجبًا إذا كان السماع ثابتًا، والإسناد متقدِّمًا عاليًا.

فجرَّ هذا الفعل منهم الوقيعة في سلف العلماء، وسهَّل طريق الطعن عليهم لأهل البدع والأهواء، حتى ذم الحديث وأهله بعض من ارتسم بالفتوى في الدِّين، ورأى عند إعجابه بنفسه أنه أحد الأئمة المجتهدين بصدوفه عن الآثار إلى الرأي المرذول، وتحكمه في الدِّين برأيه المعلول، وذلك منه غاية الجهل، ونهاية التقصير عن مرتبة الفضل، ينتسب إلى قوم تهيبوا كدّ الطلب، ومعاناة ما فيه من المشقة والنَّصَب، وأعيتهم الأحاديث أن يحفظوها, واختلفت عليهم الأسانيد فلم يضبطوها.

فجانبوا ما استثقلوا، وعادوا ما جهلوا، وآثروا الدعة، واستلذُّوا الراحة، ثم تصدَّروا في المجالس قبل الحين الذي يستحقونه، وأخذوا أنفسهم بالطعن على العلم الذي لا يحسنونه، إن تعاطى أحدهم رواية حديث؛ فمن صحف ابتاعها، كُفِيَ مؤونة جمعها من غير سماع لها، ولا معرفةً بحال ناقلها،

                        الشرح

فمن صحف اشتراها

 وإن حفظ شيئًا منها خلط الغث بالسمين، وألحق الصحيح بالسقيم، وإن قُلب عليه إسناد خبرٍ أو سُئل عن علةٍ تتعلق بأثر؛ تحيَّر واختلط، وعبث بلحيته وامتخط، توريةً عن مستور جهالته؛ فهو كالحمار في طاحونته، ثم رأى ممن يحفظ الحديث ويعاينه ما ليس في وسعه الجريان فيه، فلجأ إلى الازدراء بفرسانه، واعتصم بالطعن على الراكضين في ميدانه.

الشيخ: نقف على هذا كلام طيب كلام المحدثين رحمهم الله تعالى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, اللهم اغفر لنا ولشيخنا، وعلِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين؛ أما بعد فقال الشيخ بكر أبو زيد حفظنا الله تعالى وإياه في تتمة كلام الخطيب:

 

كما أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن جعفر الخرقي، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم الختلي قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن علي البار قال: رأيت بالأهواز رجلًا حف شاربه، وأظنه قد اشترى كتبا وتعبأ للفتيا فذكروا أصحاب الحديث، فقال: ليسوا بشيء، وليس يسوون شيئًا.

فقلت له: أنت لا تحسن تصلي.

قال: أنا!

قلت: نعم, إيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت الصلاة ورفعت يديك؟ فسكت.

فقلتُ: وإيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعتَ يديك على ركبتيك؟ فسكت.

فقلت: إيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت؟ فسكت.

قلت: مالك لا تكلم؟ ألم أقل لك إنك لا تحسن تصلي؟ أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين والظهر أربعًا؛ فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث فلست بشيء ولا تُحسن شيئًا.

فهذا المذكور مثله في الفقهاء كمثل من تقدم ذكرنا له ممن انتسب إلى الحديث ولم يعْلق به منه غير سماعه وكتبه دون نظره في أنواع علمه.

وأما المحققون فيه، المتخصصون به، فهم الأئمة العلماء والسادة الفهماء أهل الفضل والفضيلة والمرتبة الرفيعة، حفظوا على الأمة أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبروا عن أنباء التنزيل، وأثبتوا ناسخه ومنسوخه، وميَّزوا محكمه ومتشابهه، ودونوا أقوال النبي صلى الله عليه وسل  وأفعاله، وضبطوا على اختلاف الأمور أحواله في يقظته ومنامه وقعوده وقيامه وملبسه ومركبه، ومأكله ومشربه، حتى القلامة من ظفره ما كان يصنع بها والنخاعة من فِيهِ كيف كان يلفظها، وقوله عند كل فعل يحدثه، ولدى كل موقف يشهده، تعظيما لقدره صلى الله عليه وسلم.

(الشرح)

أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته رضي الله عنهم ورحمهم.

(المتن)

ومعرفة بشرف ما ذكر عنه وعُزي إليه، وحفظوا مناقب صحابته ومآثر عشيرته وجاءوا بسير الأنبياء ومقامات الأولياء واختلاف الفقهاء، ولولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها؛ لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة.

فمن عرف للإسلام حقه، وأوجب للدِّين حرمته؛ أكبر أن يحتقر من عظَّم الله شأنه، وأعلى مكانه، وأظهر حجته، وأبان فضيلته، ولم يرتق بطعنه إلى حزب الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباع الوحي وأوعية الدِّين، وخزنة العلم، الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فقال: ( وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة/100].

 وكفى المحدِّث شرفًا أن يكون اسمه مقرونًا باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره متصلًا بذكره (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)[الحديد/21].

والواجب على من خصَّه الله تعالى بهذه الرتبة وبلَّغه إلى هذه المنزلة، أن يبذل مجهوده في تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه، وطلبها من مظانها، وحملها عن أهلها، والتفقه بها، والنظر في أحكامها، والبحث عن معانيها، والتأدب بآدابها.

ويصدف عما يقل نفعه وتبعد فائدته، من طلب الشواذ والمنكرات، وتتبع الأباطيل والموضوعات، ويؤت الحديث حقه من الدراسة والحفظ، والتهذيب والضبط، ويتميز بما تقتضيه حاله، ويعود عليه زينه وجماله؛ انتهى.

(الشرح)

كلام جميل، عناية المحدِّث بهذه الأمور.

(المتن)

وقال السخاوي رحمه الله تعالى نقلًا عن بعض أئمة الحديث بعد بيان رسم المحدث الذي يستحق وظائف المدارس الحديثية تطبيقًا لشرط واقفها: وأما إذا كان على رأسه طَيْلَسَانُ، وفي رجليه نبلان، وصحب أميرًا من أمراء الزمان، أو من تحلَّى بلؤلؤ ومرجان، أو بثياب ذات ألوان، فحصَّل تدريس حديث بالإفك والبهتان، وجعل نفسه لعبة للصبيان؛ لا يفهم ما يُقرأ عليه من جزء ولا ديوان؛ فهذا لا يطلق عليه اسم محدِّثٍ، بل ولا إنسان، وإنه مع الجهالة آكِلُ حرام، فإن استحلَّه؛ خرج من دين الإسلام؛ انتهى.

ثم قال السخاوي: والظاهر أنها نفثة مصدور، ورمية معذور، وبها يتسلى القائم في هذا الزمان بتحقيق هذا الشأن مع قلة الأعوان، وكثرة الحسد والخذلان، والله المستعان وعليه التكلان؛ انتهى.

وفق الله ، كلام جيد، بحوث جيدة , وفقنا الله.  

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد