تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

شرح كتاب الزكاة من سنن أبي داود_15

00:00

00:00

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله, والصلاة والسلام عَلَى رسول الله, اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين برحمتك يا أرحم الراحمين. 

(المتن) 

يقول الإمام أبو داود رحمه الله في سننه: 

باب الرجل يخرج من ماله. 

1673- حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال: مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته، أو لعقرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». 

1674- حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، بإسناده ومعناه، زاد: «خذ عنا مالك لا حاجة لنا به». 

1675- حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن عجلان، عن عياض بن عبد الله بن سعد، سمع أبا سعيد الخدري، يقول: دخل رجل المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ثيابا فطرحوا، فأمر له بثوبين، ثم حث على الصدقة، فجاء، فطرح أحد الثوبين، فصاح به، وقال: «خذ ثوبك». 

1676- حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير الصدقة ما ترك غنى، أو تُصدق به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». 

نعم اقرأ ما بعده 

باب في الرخصة في ذلك. 

1677- حدثنا قتيبة بن سعيد، ويزيد بن خالد بن موهب الرملي، قالا: حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة، أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول». 

1678- حدثنا أحمد بن صالح، وعثمان بن أبي شيبة، وهذا حديثه، قالا: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يقول: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟»، قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا. 

(الشرح) 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛ الباب الأول في  

(الرجل يخرج من ماله) يَعْنِي: يتصدق بجميع ماله ولا يبقي شَيْئًا, ثم ذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة أحاديث في هذا, ثم ذكر في الباب الثاني الرخصة في ذلك قَالَ: (باب الرخصة في ذلك) يَعْنِي: الرخصة في إنفاق جميع ماله, وذكر حديث أبي هريرة جهد المقل, وحديث عمر بْنُ الخطاب في مسابقته لأبي بكر وأن عمر تصدق بنصف ماله وأبو بكر تصدق بجميع ماله. 

فالباب الأول فيهِ خروج الرجل من جميع ماله وأنه ممنوع في الأحاديث أنه ليس للإنسان أن يتصدق بجميع ماله, والباب الثاني حديث أبي بكر معه فيهِ دليل عَلَى جواز تصدق الإنسان بجميع ماله, فلابد من الجمع بين الأحاديث. 

الحديث الأول في: (باب الرجل يخرج من ماله) يخرج بفتح الياء يَعْنِي: لا يبقي شَيْئًا من ماله, لا يبقي في يده شيء بل يتصدق بماله كله أجمع, ما حكمه؟ هذا معنى باب الرجل يخرج من ماله يعني يخرج من جميع ماله فلا يبقي في يده شيء من ماله بل يتصدق بماله كله أجمع، ذكر المؤلف رحمه الله حديث جابر بْنُ عبد الله قال كنا عند رسول الله إذ جاءه رجل في الحديث قَالَ: حدثنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن جابر رضي الله عنه، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن، فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، مقدار بيضة من الذهب هي جميع ماله تصدق بها فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من قبل ركنه الأيمن، فقال: مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته، أو لعقرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى». 

ثم ذكر السند الثاني قَالَ: حدثنا عثمان بن إدريس، أخبرنا ابن إدريس، عن ابن إسحاق، بإسناده ومعناه، وهو زاد: «خذ عنا مالك لا حاجة لنا به» هَذِه الرواية الثانية والطريق الثاني هو نفس الطريق الأول إِلَّا أن فيهِ زيادة «خذ عنا مالك لا حاجة لنا بِهِ». 

والحديث في سنده محمد بْنُ إسحاق وهو مدلس قد عنعن, ومحمد بْنُ إسحاق ثقة، هو ثقة لكنه يدلس, فإذا صرح بالسماع فالحديث صحيح, وإن لم يصرح بالسماع فيحتمل أن يكون دلس وهنا لم يصرح بالسماع, قَالَ: (محمد بْنُ إدريس عن عاصم) فيكون الحديث ضعيف, لأن في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن لَكِنْ الحديث له شواهد، الحديث له شواهد يرتقي بها إِلَى درجة الحسن، له شواهد ومن شواهده حديث كعب بْنُ مالك رضي الله عنه لما تخلف عن غزوة تبوك وتاب الله عليه, وفيه: أَنَّه لما قَالَ للنبي r: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي» يَعْنِي: أتصدق بجميع مالي, فَقَالَ له: «أمسك عليك بعض مالك فهو خيرٌ لك». 

ومن شواهده أيضًا حديث حكيم بْنُ حزام: «خير الصدقة ما كَانَ عن ظهر غنى». 

ولكن يعارضه، وفي هذا الحديث أن النَّبِيِّ r أنكر عليه أن يخرج من ماله, ولما تصدق بجميع ماله أنكر عليه وهذه البيضة من الذهب أتاه من ركنه الأيمن, ومن ركنه الأيسر, فحذفه بها، حتى لو أصابته لأوجعته، أو لعقرته، ثم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يأتي أحدكم بما يملك، فيقول: هذه صدقة، ثم يقعد يستكف الناس» يستكف الناس يَعْنِي: يطلب الناس بكفه, يستكف الناس يعني يطلب الناس يتعرض للصدقة وهو أن يأخذها بباطن كفه, يقال: تكفف الرجل واستكف إذا فعل ذلك, ومن هذا قول النَّبِيِّ r لسعد: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خيرًا من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». 

فقوله: «يستكف الناس» يَعْنِي: تعرض للصدقة ومد كفه إليها, أو سأل كفًا من الطعام وما يكف الجوع, وفي متن هذا الحديث غرابة من جهة أن النَّبِيِّ حذفه بصدقته وعدم تعليمه, النَّبِيِّ r  ما كان يفعل هذا كَانَ يعلم, فكونه يرميه بها حتى لو أصابته لأوجعته, لَكِنْ يجاب عنه إن صح بأنه ألح عليه، ألح على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أعرض عنه, أتاه من أماه, وأتاه من خلفه, وأتاه عن يمينه, وعن يساره فاستحق بِذَلِكَ التأديب. 

وهذا الحديث (.....) مع الشواهد الَّتِي له فيهِ دليل عَلَى أن النَّبِيِّ r منعه من الصدقة بجميع ماله, وقال: «خذ عنا مالك لا حاجة لنا بِهِ», وقال: «يقعد أحدكم يستكف الناس خير الصدقة ما كَانَ عن ظهر غنى» فكيف الجمع بينه وبين تصدق أبي بكر بجميع ماله, لما تسابق عمر بْنُ الخطاب وأبو بكر أتى عمر بنصف ماله وأتى أبو بكر بجميع ماله ولم ينكر عليه وأنكر عَلَى هذا؟! 

يُجمع بينهما بأن التصدق بجميع المال محمولٌ عَلَى من قوي إيمانه ويقينه وتوكله عَلَى الله كالصديق رضي الله عنه, يحمل على من قوي إيمانه ويقينه وتوكله على الله وله كسب يومي يحصل عليه, يستطيع كل يوم يكسب ما يكفيه كحال الصديق, فهو محمول على من له إيمان ويقين قوي وكسب يحصل عليه لا  يحتاج معه إِلَى سؤال الناس, وأما قول الله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ}[آل عمران/134]. 

وقوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[الحشر/9].  

وحديث جهد المقل لما سُئل عن الصدقة قَالَ: «جُهد المقل» فهو محمول عَلَى أَنَّه يبقي شَيْئًا لنفسه لا يحتاج معه إِلَى تكفف الناس, أو أَنَّه يتصدق بما عنده ثم يأكل مع أهله وإخوانه, أو له كسب يومي, بِذَلِكَ تجتمع الأحاديث ولا تختلف.  

قوله: (باب الرجل يخرج من ماله) من باب نصر ينصر, يخرج من ماله: يَعْنِي يتصدق بجميع ماله. 

وقوله: «خير الصدقة ما كَانَ عن ظهر غنى» أي عن غنًا يعتمده ويستظهر بِهِ عَلَى النوائب الَّتِي تنوبه, كقوله في الحديث الآخر: «خير الصدقة ما أبقت غنى». 

وفي هذا الحديث من الفوائد: أَنَّ الاختيار للمرء أن يستبقي لنفسه قوتًا وألا ينخلع من ملكه أجمع مرة واحدة لما يُخاف عليه من فتنة الفقر وشدة نزاع النفس إذا ما خرج من يده فيندم فيذهب ماله ويبطل أجره ويصير كلًا عَلَى الناس, ولهذا قَالَ الخطابي: ولم يُنكر النَّبِيِّ r عَلَى أبي بكر الصديق خروجه من ماله أجمع لما علمه من صحة نيته وقوة يقينه ولم يخف عليه الفتنة كما خافها عَلَى الذي رد عليه الذهب, هذا خاف عليه الفتنة فردها عليه. 

وقيل معنى: «عن ظهر غنى» أي ما يبقي خلفها غنًا لصاحبه قلبي فيصير الغنى للصدقة كالظهر للإنسان, وراء الإنسان فإضافة الظهر إِلَى الغنى بيانية؛ أي أن الصدقة إذا كانت بحيث يبقى لصاحبها الغنى بعدها إما لقوة قلبه أو لوجود شيءٍ بعدها يستغني بِهِ عما تصدق به فهو حسن, وإن كانت بحيث يحتاج صاحبها بعدها إِلَى ما أعطى ويضطر إليه فلا ينبغي لصاحبها التصدق بجميع ماله. 

وقيل معنى: «ما كَانَ عن ظهر غنى» ما كَانَ عفوًا قد فضل عن غنى, وقيل: أراد ما فضل عن العيال. 

الحديث الثاني: حديث أبي سعيد الخدري قَالَ: (دخل رجل المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يطرحوا ثيابا فطرحوا) يَعْنِي: يتصدقون, (فأمر له منها بثوبين) لهذا الرجل الفقير, لما جاء هذا الرجل الفقير أمر النَّبِيِّ أن يتصدقوا فأمر له بثوبين فكأنه أعطاه إزار ورداء, (ثم حث على الصدقة، فجاء، فطرح أحد الثوبين، فصاح به، وقال: «خذ ثوبك»). 

يَعْنِي: هذا الرجل فقير تُصدق عليه بثوبين إزار ورداء فَلَمّا حث النَّبِيِّ r مرة عَلَى الصدقة ألقى واحد من الثوبين كأنه ألقى الرداء وبقي مكشوف فَقَالَ له النَّبِيِّ r: «خذ ثوبك» وهذا الحديث أخرجه الترمذي وأخرجه النسائي أتم منه. 

النسائي أخرجه لفظ النسائي: «دخل رجل المسجد يوم الجمعة ورسول الله r يخطب فَقَالَ: صلي ركعتين, ثم جاء الجمعة الثانية والنبي r يخطب فَقَالَ: صلي ركعتين, ثم جاء الجمعة الثالثة فَقَالَ: صلي ركعتين, ثم قَالَ: تصدقوا, فتصدقوا فأعطاه ثوبين, ثم قَالَ: تصدقوا, فطرح أحد ثوبيه, فَقَالَ رسول الله r: ألم تروا إِلَى هذا أَنَّه دخل المسجد بهيئة بزة فرجوت أن تفطنوا له فتصدقوا عليه فلم تفعلوا فقلت: تصدقوا فتصدقتم فأعطيته ثوبين ثم قلت: تصدقوا فطرح أحد ثوبيه, فقلت: خذ ثوبك» وانتهره. 

هذا الحديث في سنده محمد بْنُ عجلان وهو متكلمٌ فيهِ وثقه بَعْضُهُم وتكلم فيهِ بَعْضُهُم وقد أخرجه الترمذي بهذا الإسناد بقصة دخول المسجد والإمام يخطب, ولم يذكر قصة الثوبين وقال: حسن صحيح, الحديث وإن كَانَ في سنده محمد بْنُ عجلان وهو متكلمٌ فيهِ لَكِنْ له شواهد كما تقدم في الحديث الذي قبله من حديث كعب بْنُ مالك وحديث حكيم بْنُ حزام فيرتقي من الضعف إِلَى الحسن. 

وفيه في هذا الحديث: أَنَّه لما تُصدق عليه بثوبين ثم حث عَلَى الصدقة طرح أحد الثوبين, فإذا كَانَ إزارًا ورداءًا طرح الرداء فيبقى بلا رداء مكشوف, ولذا صاح عليه: «خذ ثوبك». 

والحديث الثالث حديث أبي هريرة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خير الصدقة ما ترك غنى، أو تُصدق به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». 

الحديث في سنده الأعمش وهو مدلس وقد عنعن لَكِنْ عنعنة الأعمش قد تكون مغتفرة لِأَنَّهَا يسيرة لِأَنَّهُ إمام, لَكِنْ الحديث أخرجه مسلم والنسائي من حديث حكيم بْنُ حزام, وأخرجه البخاري أيضًا والنسائي بنحوه, فهو حديث صحيح, يقول النبي r: «إن خير الصدقة ما ترك غنى، أو تُصدق به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول». 

قَالَ الخطابي: «إن خير الصدقة ما ترك غنى» يتأول عَلَى وجهين: 

أحدها: أَنَّ يترك غنًا للمتصدق عليه بأن يجزل له العطية, يعني يعطيه عطية جزلة حتى يكون غنيًا. 

التأويل الثاني: أن يترك غنًا للمتصدق, والصواب الثاني: أن يكون المتصدق يترك شَيْئًا يكفيه حتى لا يحتاج إِلَى الناس ما يتصدق بجميع ماله ثم يذهب يسأل الناس. 

وقوله: «ابدأ بمن تعول» فيهِ تقديم نفسه وعياله, يَعْنِي: لا تضيع عيالك وتتفضل عَلَى غيرهم, ولهذا قَالَ النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: إِنَّمَا كانت هَذِه أفضل الصدقة, أفضل الصدقة ما كَانَ عن ظهر غنى بالنسبة إِلَى من تصدق بجميع ماله؛ لِأَنّ من تصدق بالجميع يندم غالبًا أو قد يندم إذا احتاج ويود أَنَّه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيًا فَإِنَّهُ لا يندم عليها بل يُسر بها. 

قَالَ: وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله فمذهبنا أَنَّه مستحب لمن لا دَين عليه، ولا له عيال لا يصبرون، بشرط أن يكون ممن يصبر على الإضاقة، والفقر، فإن لم تجتمع هذه الشروط فهو مكروه. 

عَلَى هذا يرى النووي أَنَّه يجوز الصدقة بجميع ماله بشروطٍ ثلاثة: 

الشرط الأول: ألا يكون عليه دين. 

والشرط الثاني: ألا يكون له عيال يحتاجون إلى نفقة. 

والشرط الثالث: أن يكون عنده صبر عَلَى الفقر. 

إذا وُجدت الشروط جاز التصدق بجميع ماله وإلا فلا. 

قَالَ القاضي: جوز جمهور العلماء وأئمة الأمصار الصدقة بجميع ماله، وقيل : يرد جميعها . وهو مروي عن عمر بن الخطاب  رضي الله عنه إذا تصدق بجميع ماله يرد عليه, وقيل : ينفذ في الثلث وهو مذهب أهل الشام تنفذ الصدقة في ثلث المال ،وقيل : إن زاد على النصف ردت الزيادة ، وهو محكي عن مكحول . قال أبو جعفر الطبري : ومع جوازه فالمستحب أن يفعله وأن يقتصر على الثلث . وقوله :rوابدأ بمن تعول فيه تقديم نفقة نفسه وعياله ؛ لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم ، وفيه الابتداء بالأهم فالمهم في الأمور الشرعية.  
أما الباب الثاني اللي ذكره قَالَ: (باب الرخصة في ذلك) يَعْنِي: الرخصة في التصدق بجميع المال, ذكر في حديثان: 

الحديث الأول: حديث أبي الزبير، عن يحيى بن جعدة، عن أبي هريرة، أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل، وابدأ بمن تعول»، باب الرخصة في ذلك يعين الرخصة في التصدق بجميع المال والحديث فيه عنعنة أبي الزبير وهو مدلس لَكِنْ معناه صحيح, ومن شواهده حديث: «سبق درهمٌ ألف درهم, قالوا: يا رسول الله كيف سبق درهم ألف درهم؟ قَالَ: رجل عنده درهمان فتصدق بدرهم وأبقى لأهله درهم صار تصدق بجميع ماله, والذي عنده ألف درهم أنفق من ملايين ما يدري عنها» عنده ملايين وأخرج ألف, وهذا عنده درهمان أخرج أحدهما, هذا أخرج نصف ماله وذاك أخرج شيء يسير من الملايين, سبق درهم ألف درهم والمعنى: أن الإنسان إذا تصدق بمال قليل بعد الإنفاق عَلَى من يعول وجاهد نفسه وإن كَانَ ماله قليلًا كَانَ ذلك من أفضل الصدقات, هذا معنى: «جهد المقل». 

قال: أي الصدقة أفضل قال جهد المقل المعنى أن الإنسان إذا تصدق بمال قليل بعد الإنفاق على من يعول وجاهد نفسه وإن كان ماله قليلًا كان ذلك من أفضل الصدقة وهذا الذي سبق درهمه ألف درهم درهم أبقاه لأهله ودرهم تصدق به فيكون أخرج نصف ماله. 

 والجُهد: قال: بالضم الوسع والطاعة, وأما بالفتح: فهو المشقة, وقيل: المبالغة والغاية. 

يعني قوله: «جهد المقل» يَعْنِي: قدر ما يحتمله حال القليل, والمقل: الفقير قليل المال, قوله: «ابدأ بمن تعول» يَعْنِي: ابدأ أيها المتصدق أو المقل بمن تعول, أي من تلزمك نفقته. 

وأما حديث أبي بكر الصديق، حديث عمر بْنُ الخطاب: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يقول: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، حث النبي على الصدقة فجاء عمر بنصف ماله  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟»، قال: مثله، يَعْنِي: جئت بالنصف وأبقيت النصف.  

قال: فأتى أبو بكر بكل ما عنده، بجميع ماله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، ما أبقى شيء، قال عمر قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا؛ لأبي بكر ما أستطيع أسابقك في المستقبل وهذا سند عظيم جيد عَلَى شرط الإمام مسلم, وهو دليل عَلَى أَنَّه يجوز أن يتصدق بماله كله إذا كَانَ عنده ثقة بالله وتوكلٌ عليه, وصبرٌ واحتساب, وكان له مكسب يومي يقوم بحاجته وحاجة من يعول وقد اجتمع الأمران في الصديق رضي الله عنه, فالصديق رضي الله عنه عنده ثقة بالله وتوكلٌ عليه وصبر واحتساب, وله مكسب يومي يستطيع أبو بكر رضي الله عنه أن يكسب كل يوم ما يكفيه لأهله. 

إذا كان الإنسان الذي يتصدق بماله يستطيع يكسب كل يوم ما يكفيه 

أبو بكر كَانَ له مكسب يومي ولما تولى الخلافة ذهب للسوق يريد أن يكسب, قالوا: يا خليفة رسول الله أنت خليفة كيف تذهب للسوق, قَالَ: أأترك أهلي يضيعون؟ قالوا: نجعل لك كل يوم درهمين؛ كل يوم تأخذ من بيت المال درهمين لأنك تفرغت لإمامة المسلمين, فأبو بكر رضي الله عنه له مكسب يومي, فإذا كَانَ الإنسان له مكسب يومي يستطيع يكسب لنفسه وأولاده فلا بأس, أما إذا كان تصدق بماله ويذهب يشحذ الناس هذا منهي عنه, أو كَانَ ما عنده صبر, أو كان عنده ضعف ثقة وتوكل على الله فلا ينبغي؛ وهذا هو الجمع بين الأحاديث، الأحاديث الَّتِي فيها المنع والأحاديث التي فيها الجواز.  

نعم: 

أحسن الله إليكم 

(المتن) 

باب في فضل سقي الماء. 

1679- حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا همام، عن قتادة، عن سعيد، أن سعدًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء». 

(الشرح) 

هذا الحديث ضعيف لانقطاعه فَإِن سعيد بْنُ المسيب لم يدرك سعد بْنُ عبادة. 

نعم: 

أحسن الله إليكم 

(المتن) 

1680- حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا محمد بن عرعرة، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، والحسن، عن سعد بن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. 

(الشرح) 

نعم وكذلك هذا الحديث ضعيف أيضًا لانقطاعه؛ لأن الحسن البصري لم يدرك ولم يسمع من سعد بْنُ عبادة. 

نعم: 

أحسن الله إليكم 

(المتن) 

1681- حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن سعد بن عبادة، أنه قال: يا رسول الله، إن أم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟، قال: «الماء»، قال: فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد. 

(الشرح) 

نعم: وهذا ضعيف أيضًا فيهِ رجلٌ مبهم, والأحاديث كلها الثلاثة ضعيفة لَكِنْ سقي الماء لاشك أنه فيهِ فضل, الماء هو اللي فيهِ الحياة وهو من الصدقة الجارية لَكِنْ هَذِه الأحاديث ضعيفة. 

وقوله: «فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء» يعني الماء فيه فضيلة من جهة أن الماء فيهِ فضيلة؛ لِأَنَّهُ أعم نفعًا في الأمور الدينية والدنيوية خصوصًا في البلاد الحارة, ولذلك من الله تعالى بقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}[الفرقان/48]. 

فحفر الآبار والتصدق بالماء هذا من الصدقة الجارية وجاءت في هذا أحاديث في حفر الآبار وأنه من الصدقة الجارية, لَكِنْ هَذِه الأحاديث ضعيفة والعمدة عَلَى غيرها. 

نعم:  

أحسن الله إليكم 

(المتن) 

1682- حدثنا علي بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب، حدثنا أبو بدر، حدثنا أبو خالد الذي كان ينزل في بني دالان, عن نبيح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما مسلم كسا مسلما ثوبًا على عري، كساه الله من خضر الجنة، وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم». 

(الشرح) 

نعم: وهذا الحديث ضعيف في سنده أبو خالد يزيد بْنُ عبد الرحمن المعروف بالدالاني وهو متكلمٌ فيهِ, وقوله صلى الله عليه وسلم: «من خضر الجنة» من خضر جمع أخضر, الحديث وإن كَانَ ضعيف لَكِنْ معناه صحيح الحديث معناه صحيح فَإِن إطعام اَلْمُسْلِم عَلَى جوعه فيهِ فضل عظيم, وَكَذَلِكَ كسوة اَلْمُسْلِم ثوبًا عَلَى عري فيهِ فضل عظيم, وَكَذَلِكَ سقي الماء عَلَى ظمأ فيهِ فضل عظيم من النصوص الأخرى الَّتِي فيها الإحسان والصدقة, أما هذا الحديث فهو ضعيف, هذا الحديث ضعيف كما أن الأحاديث الَّتِي قبله ضعيفة لِأَنَّهَا من رواية الحسن البصري, وَكَذَلِكَ أيضًا من رواية سعيد بْنُ المسيب لِأَنّ مولد سعيد بْنُ المسيب سنة خمس عشرة ومولد الحسن البصري سنة إحدى وعشرين, وسعد بْنُ عبادة توفي بالشام سنة خمسة عشرة, فهو منقطع لم يدركوه. 

قوله: «أيما مسلم» ما زائدة, وأيما مرفوعة بالابتداء وقوله: «من خضر الجنة» يَعْنِي: من ثيابها الخضر, وفيهِ إشارة لقوله تعالى: {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} [الكهف/31].  

وفي رواية الترمذي: «من حلل الجنة» وفيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها, قوله: «وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمأ، سقاه الله من الرحيق المختوم» يَعْنِي: من خمر الجنة أو شراب الجنة, والرحيق صفوة الخمر, الشراب الخالص الذي لا غش فيهِ, والمختوم: هو المصون، الذي لم يبتذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته, وقيل: الذي يُختم بالمسك مكان الطين والشمع, وقيل: هو الذي تُختم أوانيه لنفاسته وكرامته, وقيل: المراد منه آخر ما يجدونه في الطعم رائحة المسك, من قولهم: ختمت الكتاب؛ أي انتهيت إِلَى آخره, والحديث كما سبق ضعيف لَكِنْ سقي الماء عَلَى ظمأ, وكسوة اَلْمُسْلِم عَلَى عري, والإطعام عَلَى جوع هذا من أفضل القربات ودلت عَلَى ذلك النصوص الأخرى. 

نعم: 

أحسن الله إليكم 

(المتن) 

باب في المنيحة. 

1683- حدثنا إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، ح وحدثنا مسدد، قَالَ: حدثنا عيسى وهذا حديث مسدد وهو أتم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة أعلاهن منيحة العنز، ما يعمل رجل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة». 

قال أبو داود: في حديث مسدد، قال حسان: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمسة عشر خصلة. 

(الشرح) 

نعم: هذا الباب قَالَ المؤلف: (باب في المنيحة) المنيحة يُقال منيحة ويقال مِنحة، منحة بكسر الميمي ويُقال منيحة مع زيادة الياء وهي العطية, المنيحة: العطية, قد تكون من الحيوان وقد تكون من الثمار, وفي صحيح مسلم أن النَّبِيِّ r منح أم أيمن عذاقًا أي نخلًا, ثم تكون المنيحة أحيانًا عطية للرقبة وهي الهبة, وقد تكون عطية اللبن أو الثمرة, وقد تكون الرقبة باقية عَلَى ملك صاحبها ويردها إليها إذا انقضى اللبن أو الثمر المأذون فيهِ, يَعْنِي: كانت العرب الواحد منهم يعطي مثلًا الفقير ويمنحه شاة يعطيها مدة يشرب لبنها ويجز صوفها لمدة شهر شهرين أو ثلاثة أو ستة أشهر وقد يعطيه إياها منحة يتصدق بها, أو يعطيه بقرة يشرب لبنها مدة يعطيها للفقير يكون غني عنده بقرة يتمنحها هو وأولاده يشرب لبنا هو وأولاده مدة ثم يردها عليه, وإذا أعطاه الرقبة ووهبها له فهذا أفضل أو يعطيه ناقة مثلًا يشرب لبنها ثم يردها إليه مدة أو يهبها له. 

وَكَذَلِكَ قد تكون المنحة ثمر يعطيه مثلًا نخلة يعطي الفقير نخلة يأكل ثمرها مع الناس ثم يردها إليه وهذه منحة, وهذه من أفضل الخصال, ومن أفضل القربات, لأن الفقير ينتفع ومثله الآن يعطي واحد سيارته يقضي عليها حوائجه أو يؤجرها ويأخذ أجرتها مدة شهر أو شهرين أو ستة أشهر أو سنة وهذه منحة تقوم مقام مثل منحة الشاة أو البقرة أو منحة النخلة,  يعطيه نخلة يعطي للفقير نخلة أو نخلتين أو ثلاث يستفيد منها يأكل ثمرها ثم يردها إليه, فالمنحة قد تكون يهبها ثمرها أو لبنها ثم يردها إليه, وقد يملكها إياه, يعطيه الشاة ويقول: هي لك, أو يعطيه بقرة له أو ناقة أو يملكه نخلة أو يعطيه سيارة مثلًا، فقير يعطيه سيارة يشتري سيارة يستفيد منها؛ هَذِه المنحة، يقال: منحة ويقال: منيحة. 

ذكر المؤلف رحمه الله حديث عبد الله بْنُ عمرو وهو له طريقان: 

الطريق الأول: طريق إبراهيم بْنُ موسى عن إسرائيل. 

والثاني: طريق مسدد عن عيسى. 

 وحديث مسدد أتم يقول المؤلف, يَعْنِي حديث مسدد أتم من حديث إبراهيم, حديث الأوزاعي عن إسرائيل وعيسى, عن حسان بن عطية، عن أبي كبشة السلولي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، ما يعمل رجل بخصلة منها» وفي لفظ: «ما يعمل عبدٌ بخصلة منها», «رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة». 

الحديث صحيح أخرجه البخاري رحمه الله في صحيحه فهو من أصح الأحاديث, وفيه: أن الله سبحانه وتعالى تفضل عَلَى عباده بأربعين خصلة من فضل الله وإحسانه أن من عمل بخصلة منها بهذا الشرط يدخل الجنة: «رجاء ثوابها، وتصديق موعودها» شرطين. الشرط الأول: رجاء ثوابها والشرط الثاني: تصديق موعودها رجاء الثواب من الله والثاني تصديق الله بهذا الوعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدخله الله بها الجنة.  

فإذا أعطى أخاه عنزة يتمنحها كَانَ له هذا الثواب, فكيف إذا أعطاه بقرة أو أعطاه ناقة خلفة! أو أعطاه مالًا! أو أعطاه سيارة! هذا ثواب أعظم. 

«منيحة العنز» يَعْنِي: يحلبها ويتمنحها مدة ثم يردها إليه, ينتفع بلبنها وينتفع بصوفها ثم يردها إليه, أو يملكها إياه.  

قال أبو داود: (في حديث مسدد، قال حسان) حسان بْنُ عطية الراوي, (فعددنا ما دون منيحة العنز) نريد أن نعدها, الرسول r قَالَ: أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز يَعْنِي في أقل من منيحة العنز, أراد حسان بن عطية قال عددت منها (رد السلام، وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، قال: فما استطعنا أن نبلغ خمسة عشر خصلة). 

قوله: (قَالَ حسان بْنُ عطية) هذا موصول بالإسناد المذكور, قَالَ اِبْن بطال: ليس في قول حسان ما يمنع من وجدان ذلك, وقد حث رسول الله r عَلَى أبواب من أبواب الخير والبر لا تُحصى كثرة, ومعلوم أَنَّه r كَانَ عالمًا بالأربعين المذكورة, وَإِنَّمَا لم يذكرها لمعنًا هو أنفع لنا من ذكرها, وذلك خشية من اقتصار العاملين عليها وزهدٍ في غيرها من أبواب الخير. 

وقال الحافظ: إن بَعْضُهُم تطلبها "الأربعين" فوجدها تزيد عَلَى الأربعين, فمما زاده زاده من الخصال إعانة الصانع؛ إنسان عنده مهنة وصانع تُعينه, "والصنعة للأخرق" الأخرق الذي لا يُحسن شيء تصنع له, "وإعطاء شسع النعل، والستر على المسلم، والذب عن عرضه، وإدخال السرور عليه، والتفسح له في المجلس، والدلالة على الخير، والكلام الطيب، والغرس، والزرع، والشفاعة، وعيادة المريض، والمصافحة، والمحبة في الله، والبغض لأجله، والمجالسة لله، والتزاور، والنصح، والرحمة, وكلها في الأحاديث الصحيحة، وفيها ما قد ينازع في كونه دون منيحة العنز، وحذفت مما ذكره أشياء. 

لكن هذا اجتهاد في عدها, وكونها أقل من منيحة العنز فيه نظر, قد تعقب ابن المنير بعضها وقال: إن الأولى أن لا يعتني بعدها لما تقدم .  
وقال الكرماني إن جميع ما ذكره رجم بالغيب، ثم من أين عرف أن هذا أدنى من المنيحة؟ قال الحافظ: إنما أردت بما ذكرته منها تقريب الخمس عشرة التي عدها حسان بن عطية، وهي إن شاء الله تعالى لا تخرج عما ذكرته، ومع ذلك فأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير أدناها منيحة العنز ، وموافق لابن المنير في رد كثير مما ذكره ابن بطال مما هـو ظاهر أنه فوق المنيحة؛ هذا كلام الحافظ. 

وفي فتح القدير للمناوي قال: تطلبها بعضهم في الأحاديث فزادت عن الأربعين ومنها السعي على ذي رحم قاطع، وإطعام جائع، وسقي ظمآن، ونصر مظلوم. 
ونوزع بأن بعض هذه أعلى من المنحة، وبأنه رجم بالغيب، فالأحسن أن لا يعد لأن حكمة الإبهام أن لا يحتقر شيء من وجوه البر وإن قل كما أبهم ليلة القدر وساعة الإجابة يوم الجمعة.  

وهذا هو الصواب: أن عدها ليس عليه دليل وان النبي أبهمها ولم يعدها لأجل أن يتطلبها الناس ويبحثوا عنها وأخفاها الله تعالى على لسان نبيه حتى يكون هذا أدعى لهم إلى البحث عن أنواع الخير وفعلها, كما أُخفيت ليلة القدر ليجتهد الناس في البحث عنها, وكما أُخفيت ساعة الجمعة, ساعة الجمعة قال الحافظ: اُختلف فيها على أربعين قولًا ذكرهم في فتح الباري لكن أحسنها قولان: إذا دخل الخطيب حتى تُقضى الصلاة, أو آخر ساعة بعد العصر. 

وكذلك هنا يقول النبي: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز» هذه أعلى شيء يعني كلها دونها, (.....) «ما يعمل رجلٌ بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها إِلَّا أدخله الله بها الجنة» فأخفاها فأُخفيت هَذِه الأربعين حتى يطلبها اَلْمُسْلِم ويبحث عنها, يقول: لعلها هَذِه، لعلها هذه فلا يزال يفعل الخير ويكثر من أفعال الخير حتى يكثر ثوابه وأجره؛ هذا هو الصواب في هَذِه المسألة وأنه ليس هناك دليل عَلَى تعدادها وأما الذين عدوا هَذِه الأشياء فعدوها اجتهادًا منهم, وَلَكِن الآن منيحة العنز هَذِه واضحة، المنحة هذه واحدة والباقي أربعون خصلة دونها الله أعلم بها, يبحثها اَلْمُسْلِم ويتطلبها حتى يكثر أجره وثوابه. 

نعم: 

الطالب: أحسن الله إليكم يا شيخ بالنسبة للمنيحة الأفضل أَنَّه يمنحه ثم يعطيه؟. 

الشيخ: الأفضل يعطيه الرقبة, إذا منحه الرقبة أفضل, أو منحه يأخذ الثمرة أو اللبن لمدة ثم يردها عليها فحسن هذا لَكِنْ هذا أفضل إذا أعطاه إياها لو تصدق بها عليه أفضل. 

نعم: 

أحسن الله إليكم 

بارك الله فيكم (....) الثلاثاء في درس إن شاء الله وفق الله الجميع. 

 

logo

2020 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد