تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

شرح كتاب الطلاق من سنن أبي داود_15

00:00

00:00

1

بسم الله الرحمن الرحيم 

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. اللهم اغفر لشيخنا والحاضرين والمستمعين: أما بعد 

(المتن) 

يقول الإمام أبو داود رحمه الله تعالى في سننه: 

باب إذا شك في الولد. 

2260- حدثنا ابن أبي خلف، قال حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بني فزارة، فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا، قال: فأنى تراه؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق». 

2261- حدثنا الحسن بن علي، قال حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، بإسناده ومعناه، قَالَ: وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه. 

2262- حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، «أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وإني أُنكره»، فذكر معناه. 

(الشرح) 
بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه: أما بعد 

قَالَ المؤلف رحمه الله تعالى: (باب إذا شك في الولد) يَعْنِي: هل يعتبر الشك نفيًا للولد أو لا يعتبر؟ والجواب: أَنَّه لا يُعول عَلَى الشك ولا يُنفى الولد بمجرد الشك, ذكر المؤلف حديث أبي هريرة قَالَ: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من بني فزارة، فقال: إن امرأتي جاءت بولد أسود، فقال: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا، قال: فأنى تراه؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق». 

هذا الحديث صحيح أخرجه الشيخان البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة, وقوله: «إن امرأتي جاءت بولد أسود» في رواية البخاري: وإني أنكرته؛ لسواد الولد, يَعْنِي: سواد الولد مخالف لأبويه, وأراد نفيه, فَقَالَ النَّبِيِّ r: «هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا» والأورق هو الذي في لونه بياض إِلَى السواد, أو الذي فيهِ سواد ليس بسواد خالص (حالك), يَعْنِي هي حُمر وفيها أورق. 

«قال: فأنى تراه؟» كيف جاء هذا يعني؟ حمر وفيها أورق؟ (.....) «قال: عسى أن يكون نزعه عرق» والمراد بالعرق هنا: الأصل والنسب, «قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» يَعْنِي: ولدك عسى أن يكون نزعه عرق, والعرق هنا: الأصل, مأخوذ من عرق الشجرة, يَعْنِي: لو في أصوله البعيدة ما كانت فيهِ هذا اللون, «قال: وهذا» أي اللون الأسود, «عسى أن يكون نزعه عرق» يَعْنِي: عسى أن يكون في أصولك أنت أو في أصول امرأتك من يكون في لونه سواد فأشبهه واجتذبه إليه وأظهر لونه فيهِ. 

وفي هذا الحديث من القياس والرد عَلَى الظاهرية وغيرهم, النَّبِيِّ r قاس النسب عَلَى الابن, «قال هل لك من إبل؟ قال نعم : ثم قال أنى تراه؟ قال عسى أن يكون نزعه عرق، قال وابنك هذا عسى أن يكون نزعه عرق» فقاس هذا على هذا فيهِ إثبات القياس والرد عَلَى من أنكره, قَالَ العلماء والنووي رحمه الله: إن في هذا الحديث دليل عَلَى أن الولد يُلحق بالزوج وإن خالف لونُه لونه؛ حتى لو كَانَ الأب أبيض والولد أسود, أو عكسه, فَإِنَّهُ يُلحق بِهِ ولا يحل له أن ينفيه لمجرد المخالفة في اللون, وَكَذَلِكَ لو كانا الزوجان أبيضين فجاء الولد أسود أو عكسه لاحتمال أَنَّه نزعه عرق من أسلافه؛ وهذا كلام صحيح أَنَّه لا عبرة باللون؛ لِأَنَّهُ وُلد عَلَى فراشهما. 

وفي رواية الحديث الثاني: (أخبرنا معمر، عن الزهري، بإسناده ومعناه، قَالَ: وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه) يعرض من التعريض, التعريض هو أن يُذكر شيءٌ يُفهم منه شيءٌ آخر لا يُذكر, وهو خلاف الكناية, الكناية: ذكر شيء بغير لفظه الموضوع له يقوم مقامه, يَعْنِي الفزاري وهو يعرض أن ينفيه؛ يَعْنِي: الولد. 

وفي الحديث من الفوائد: أن التعريض بنفي الولد ليس نفيًا, يعرض ما نفاه, يَعْنِي: «إني امرأتي ولدت غلامًا أسود» فيهِ دليل أن التعريض بنفي الولد لا يعتبر نفيًا, وَكَذَلِكَ التعريض بالقذف ليس قذفًا, لو عرض إنسان لايعتبر قذفا يقام عليه الحد كأنه يقول: فلانًا واقف مع الفاسق الفلاني, تعريض برميه بالفسق, التعريض بالقذف لا يعتبر قذفًا, والتعريض بنفي الولد لا يعتبر نفيًا. 

الحديث الثالث: «أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وإني أُنكره» يَعْنِي: أستغربه بقلبي أن يكون مني, ولا يعتبر هذا نفيًا. 

والخلاصة في هذا: أن الولد يلحق بالزوج وإن خالف لونُه لونه؛ حتى لو خالف لون الأبوين ما دام أَنَّه وُلد عَلَى فراشه ولا يجوز له أن ينفيه بمجرد المخالفة في اللون؛ لِأَنَّهُ قد يكون نزعه عرقٌ من أجداده أو من أصوله البعيدين. 

(المتن) 

باب التغليظ في الانتفاء. 

2263- حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال أخبرني عمرو يعني ابن الحارث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت آية المتلاعنين يقول: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين». 

(الشرح) 

هذا الحديث أخرجه النسائي وابن ماجة, وفيه: التغليظ في الانتفاء, أَنَّه يغلظ عَلَى من نفى ولده بغير دليل, قَالَ: «أيما امرأة أدخلت على قوم» يَعْنِي: بالانتساب بالباطل, «من ليس منهم» يَعْنِي: من ليس من ذلك القوم, «فليست من الله في شيء» أي ليست من دين الله أو رحمته, أو ليست في شيء يُعتد بِهِ, «ولن يدخلها الله جنته» هذا فيهِ الوعيد الشديد وهذا من الكبائر, وأن المرأة إذا أدخلت عَلَى قوم من ليس منهم فقد ارتكبت كبيرة من كبائر الذنوب؛ لِأَنَّهَا تُوعدت بعدم دخول الجنة وأنها ليست من الله في شيء., وأما كونها لا تدخل الجنة هذا من باب الوعيد, وهذا الذي فعلته معصية من كبائر الذنوب, وكبائر الذنوب لا يُخلد صاحبها في النار وهو تَحْتَ مشيئة الله, بَعْضُهُم تأول قَالَ: لن يُدخلها مع الأولين, ولن تدخلها مع المحسنين ولا الْمُؤْمِنِينَ بل تؤخر أو تُعذب إِلَّا أن تكون كافرة فتُحجب عنها بالخلود في النار والعياذ بالله. 

«وأيما رجل جحد ولده، وهو ينظر إليه، احتجب الله عنه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين» أيضًا هذا وعيد شديد لمن أنكر الولد ونفاه, قوله: «وهو ينظر إليه» يَعْنِي: هذا كناية عن العلم بأنه ولده, يَعْنِي: نفى ولده وهو يعلم أنه ولده, أو معناه: الولد ينظر إِلَى الرجل وهذا فيهِ إشعار إِلَى قلة شفقته ورحمته وقساوة قلبه. 

قوله: «احتجب الله عنه» هذا وعيدٌ شديد ومن الكبائر, يَعْنِي: حجبه وأبعده عن رحمته, «وفضحه» يَعْنِي أخزاه عَلَى رءوس الأولين والآخرين وهذا من باب الوعيد الشديد فيمن نفى ولده بغير دليل وأن هذا من كبائر الذنوب, كما أن الولد إذا انتسب إِلَى غير أبيه فقد ارتكب كبيرة, يَعْنِي: ما من رجل ينتسب إِلَى غير أبيه إِلَّا قد كفر, وَكَذَلِكَ العبد إذا انتسب إِلَى غير مواليه جاء الوعيد بأنه كفر النعمة, وهذا كفر أصغر كفر دون كفر. 

وهذا الحديث فيهِ: التغليظ في الانتفاء كما بوب المؤلف: (باب التغليظ في الانتفاء) التغليظ في نفي الولد بغير دليل, والتغليظ عَلَى المرأة الَّتِي تُدخل عَلَى قومٍ من ليس منهم وأن هذا من الكبائر بأن تنسب الولد إليهم أو تفعل الفاحشة وتلد من غير زوجها وتُدخله عَلَيْهِمْ فهذا من كبائر الذنوب تُوعدت بأن الله لن يُدخلها الجنة, وَكَذَلِكَ أيضًا من جحد ولده وهو يعلم فقد ارتكب كبيرة من الذنوب, كما أن الولد إذا انتسب إلى غير أباه وقبيلته فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب. 

(المتن) 

باب في ادعاء ولد الزنا. 

2264- حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال حدثنا معتمر، عن سلم يعني ابن أبي الزياد، حدثني بعض أصحابنا، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا مساعاة في الإسلام، من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته، ومن ادعى ولدًا من غير رِشدة فلا يرث، ولا يورث». 

(الشرح) 

وهذا الحديث ضعيف في إسناده رجلٌ مجهول في قوله: (حدثني بعض أصحابنا) وَلَكِن ما دل عليه الحديث فنعم, قوله: «لا مساعاة في الإسلام» المساعاة: الزنا, وكان الأصمعي يجعله في الإماء دون الحرائر؛ لأنهن في الجاهلية كن يسعين في مواليهن بالزنا ويكسبن لهم, كَانَ عبد الله بْنُ أُبي له جاريتان يسعين بالزنا فأنزل الله تعالى: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}[النور/33]. 

فكانوا في الجاهلية يتركون الإماء تفعل الفواحش ويكسبن من فروجهن, فَقَالَ: «لا مساعاة في الإسلام» يَعْنِي: لا يجوز ترك الآمة تزني في الإسلام وتكسب لمولاها, ولهذا كَانَ الأصمعي يجعل هذا في الإماء دون الحرائر لِأَنَّهُم يسعون لمواليهن فيكسبن لهم. 

قوله: «من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته» ساعت الآمة إذا فجرت, سعاها فلان إذا فجر بها, يَعْنِي: المفاعلة من السعي, كأن كلًا منهما يسعى لصاحبه في حصول غرضه فأبطله الإسلام, ولم يُلحق النسب بها وعفا عما كَانَ منها في الجاهلية,ممن ألحق بها فلو قال: «من ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته» أي زنى أمة الرجل وفجر بها على النهج المعرف في الجاهلية فحصل بهذا الزنا ولد فقد لحق الولد المتولد من الزنا بعصبته, والمعنى: لحق بمولاه وسيده وهو مولى الآمة الفاجرة, فهذه الآمة الفاجرة إذا فعلت الزنا ثم جاءها ولد فَإِنَّهُ يُلحق بسيده, ولا يلحق بالزاني؛ لِأَنّ الزاني ليس له ولد, في الحديث الآخر يقول النَّبِيِّ r: «الولد الفراش وللعاهر الحجر». 

قوله: «ومن ادعى ولدًا من غير رِشدة فلا يرث، ولا يورث» والرِشدة بالكسر يُقاتل رِشدة ويقال رَشدة يَعْنِي: النكاح الصحيح, من ادعى ولدًا من غير نكاح صحيح ويقابله ولد الزنا فَإِنَّهُ لا يرث ولا يورث؛ لِأَنَّهُ ولد زنا وولد الزنا لا يُلحق وليس له أب, لَكِنْ الحديث فيهِ ضعف هنا, وَلَكِن معناه صحيح: أَنَّه لا يجوز المساعاة في الإسلام في الزنا ولا تُترك الإماء لفعل الفواحش, وإذا حصل فجور من بعض الإماء وولدت من الزنا فلا يُنسب هذا إِلَى الزاني وَإِنَّمَا يُنسب إِلَى من له الفراش, إذا كانت يطأها سيدها يُلحق بالسيد, وإذا كَانَ لها زوج يُلحق بالزوج. 

(المتن) 

2265- حدثنا شيبان بن فروخ، قال حدثنا محمد بن راشد، ح وحدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن راشد وهو أشبع، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله من الميراث شيء، وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه، ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره، وإن كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، فإنه لا يلحق به ولا يرث، وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو ولد زنية من حرة، كان أو أمة». 

(الشرح) 

وهذا الحديث فيهِ ما كَانُوا عليه في الجاهلية من استلحاق من يدعون كما قَالَ الخطابي: أهل الجاهلية كانت لهم إماء يساعين؛ وهن البغايا اللواتي ذكرهم الله في قوله: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ}[النور/33]. 

إذا كَانَ سادتهن يلمون بهن ولا يجتنبونهن فإذا جاءت إحداهن بولد وكان سيدها يطأها وقد وطأها غيره بالزنا فربما ادعاه الزاني وادعاه السيد, فحكم النَّبِيِّ r بالولد لسيدها لآن الآمة فراش السيد كالحرة ونفاه عن الزاني. 

«إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن كل مستلحق اُستلحق بعد أبيه» مستلحق: الذي طلب الورثة أن يلحقوه بهم, استحلق: يَعْنِي ادعى, «بعد أبيه» يَعْنِي: بعد موت أبيه, أبوه ما استلحقه, وأراد الورثة أن يُلحقوه بهم بعد أبيه يَعْنِي: بعد موت أب المستلحق. 

قال: «وقضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له ادعاه ورثته، فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه» يَعْنِي: ولدت هَذِه الأمة وكان سيدها يملكها وقد جامعها, فإذا وُلد له ولد فقد لحق بمن استلحقه, يُلحق بأبيه, ويرثه إذا مات, وأما من استلحقه الورثة بعد أبيهم فهذا يرث ما كَانَ خلفه أبوه, وأما ما حصل من المال الجديد فَإِنَّهُ ليس له مما قُسم قبله من الميراث, الميراث السابق ليس له شيء لِأَنَّهُ ما اُستلحق إِلَّا بعد موت أبيه لكنه ورث أباه ولهذا قَالَ: «فقضى أن كل من كان من أمة يملكها يوم أصابها، فقد لحق بمن استلحقه». 

قوله: «وليس له مما قسم قبله من الميراث شيء» يَعْنِي: هذا الذي ألحقه الورثة بعد موت أبيه ليس له ميراثٌ مما قُسم قبل أن يُلحقوه بهم, «وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه» يَعْنِي: هذا الذي استلحقه أبوه ثم قسم الميراث يرثه ثم إذا استلحق الورثة أحدًا وادعوه فَإِنَّهُ لا يرث من الميراث السابق الذي قُسم, وَإِنَّمَا يرث من الميراث اللاحق. 

«ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره» يَعْنِي: إذا كَانَ أبوه أنكره ونفاه فلا يمكن أن يُلحق بِهِ, «وإن كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها، فإنه لا يُلحق به ولا يرث» يَعْنِي: إذا كَانَ هَذِه الأمة لم يملكها سيدها ثم أصابها أو من حرة عاهر بها (يعني زنا بها) وأصابها بالزنا, العاهر هو الزاني, فَإِن الولد لا يُلحق به ولا يرث لِأَنَّهُ وُلد من آمة لم يملكها أو من حرة زنا بها فَإِنَّهُ لا يُلحق بالواطئ ولا يرث؛ لِأَنّ الواطئ ليس زوجًا ولا سيدًا. 

قوله: «وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه فهو ولد زنية من حرة، كان أو أمة» الذي وطئها بغير نكاح صحيح وبغير ملك يمين فهذا ولد زنية ولا يُنسب إليه ولد وليس هناك ميراث, وللعاهر الحجر. 

(المتن) 

2266- حدثنا محمود بن خالد، قال حدثنا أبي، عن محمد بن راشد بإسناده ومعناه، زاد، «وهو ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة، وذلك فيما استلحق في أول الإسلام، فما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى». 

(الشرح) 

هذا ثبت قَالَ: «وهو ولد زنا لأهل أمه من كانوا حرة أو أمة» يَعْنِي: هذا الذي وُلد من أمة لم يملكها سيدها أو من حرة لم يُعقد عليها بنكاح صحيح فهذا ولد زنا, «وذلك فيما استلحق في أول الإسلام، فما اقتسم من مال قبل الإسلام فقد مضى» وأما الشيء الجديد فلا يُعطى شيء من المال,الشيء اللي مضى في الجاهلية مضى. 

قَالَ الخطابي: هَذِه أحكام قضى بها رسول الله r في أوائل الإسلام ومبادئ الشرع, وهي: أن الرجل إذا مات واستلحق له ورثته ولدًا فَإِن كَانَ الرجل الذي يُدعى الولد له ورثته قد أنكر أَنَّه منه لم يُلحق بِهِ ولم يرث منه, وإن لم يكن أنكره فَإِن كَانَ من آمته لحقه وورث منه ما لم يُقسم بعد من ماله, ولم يرث ما قُسم قبل الاستلحاق, وإن كَانَ من آمة غيره ليس من آمته كابن وليدة زمعة مثلًا أو من حرة زنا بها لا يُلحق بِهِ ولا يرثه ولو استلحقه الواطئ لا يُلحق بِهِ فَإِن الزنا لا يثبت النسب.  

قَالَ النووي: معنى هذا؛ إذا كَانَ للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشًا له فإذا أتت بولد لمدة الإمكان؛ يَعْنِي: بعد وطأه من ستة أشهر وصار ولدًا له فيجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة سواءً كَانَ موافقًا له في الشبه أو مخالفًا له؛ لِأَنّ الزوجة معقودٌ عليها بزواج صحيح, ولأن الآمة يطؤها فإذا ولدت منه بعد ستة أشهر فَإِنَّهُ يكون ولدًا له, أما إذا لم يكن عقد عليها وَإِنَّمَا زنا بها فلا يُلحق بِهِ الولد. 

قَالَ الحافظ شمس الدين اِبْن القيم رحمه الله: قَالَ بَعْضُهُم: هَذِه أحكام وقعت في أول زمن الشريعة إِلَى أن قَالَ: ثم ذكر الاستلحاق, قَالَ الشيخ شمس الدين وليس كما قَالَ: فَإِن هذا القضاء إِنَّمَا وقع بالمدينة المنورة بعد قيام الإسلام ومصيرها دار هجرة وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صور الصورة الأولى أن يكون الولد من أمته التي في ملكه وقت الإصابة فإذا استلحقه لحق به من حين استلحقه؛ لِأَنّ آمته يطؤها.  

وما قُسم من ميراثه قبل استلحاقه لم ينقض؛ يَعْنِي: إذا كَانَ الولد من آمته الَّتِي في ملكه لما أصابها وهي في ملكه, إذا استلحقه وقال: هذا ابني لحقه لِأَنَّهَا فراشٌ له, وما قُسم من الميراث قبل أن يُلحقه ما يرث منه, وما قُسم بعد أن يلحقه يرث منه. 

ويورث من المستلحق وما كان بعد استلحاقه من ميراث لم يقسم ورث منه نصيبه فإنه إنما تثبت بنوته من حين استلحقه, فلا تنعطف على ما تقدم من قسمة المواريث وإن أنكره لم يلحق به وسماه أباه على كونه يدعي له ويقال إنه منه لا أنه أبوه في حكم الشرع إذ لو كَانَ أباه حكمًا لم يُقبل إنكاره له ولحق به الصورة الثانية أن يكون الولد من أمة لم تكن في ملكه وقت الإصابة فهذا ولد زنا لا يلحق به ولا يرثه بل نسبه منقطع منه؛ لِأَنّ الولد من آمة ليست في ملكه, ؟أصابها بالزنا فلا يُلحق بِهِ والزاني ليس له ولد. 

وكذلك إذا كان من حرة قد زنى بها فالولد غير لاحق بِهِ, لا يلحق الولد بالزاني ولا يرث منه وَإِنَّمَا يُلحق الولد بمن يطأ هَذِه الأمة أو هَذِه الزوجة, ولا يرث منه وإن كان هذا الزاني الذي يدعي الولد له يعني أنه منه قد ادعاه لم تفد دعواه شيئًا بل الولد ولد زنا وهو لأهل أمه؛ يَعْنِي: أسياد أمه إن كانت حرة وإن كانت آمة, إن كانت أمة فمملوكة لمالكها, وإن كانت حرة فنسبه إلى أمه وأهلها دون هذا الزاني الذي هو منه, الزاني ما يُعطى ولد ليس له إِلَّا الخيبة, قَالَ النَّبِيِّ r: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» يَعْنِي: الخيبة وإقامة الحد عليه ولا يُعطى ولد. 

وقوله في أول الحديث استلحق بعد أبيه الذي يدعي له ادعاه ورثة الأب ههنا هو الزاني الذي منه الولد وسماه أبًا تسمية مقيدة بكون الولد منه ولهذا قال الذي يدعي له يعني يقال إنه منه, ويدعي له في الجاهلية أنه أبوه فإذا ادعاه ورثة هذا الزاني فالحكم ما ذكر ونظير هذا القضاء قصة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في ابن أمة زمعة فإن ورثة عتبة وهو سعد ادعي الولد أنه من أخيه وادعى عبد أنه أخوه ولد على فراش أبيه فألحقه النبي صلى الله عليه وسلم بمالك الأمة دون عتبة. 

هَذِه القصة حصلت في غزوة فتح مكة فَإِن زمعة والد سودة أم الْمُؤْمِنِينَ له آمة يطؤها وولدت ولد, فَلَمّا ولدت هذا الولد لزمعة اختصم فيها اثنان سعد بْنُ أبي وقاص وقال: هذا ولد أخي, وزمعة قَالَ: هذا أخي؛ لِأَنّ عتبة بْنُ أبي وقاص زنى بها في الجاهلية قبل الإسلام وقال: إذا ولدت آمة زمعة فاقبضه فَإِنَّهُ مني, يوصي أخاه سعد, فَلَمّا ولدت هَذِه الآمة جاء سعد وقال: يا رسول الله هذا ولد أخي عهد إلىَ وأوصاني, وقال أخو سودة واسمه عبد بْنُ زمعة قَالَ: يا رسول الله هذا أخي ولد عَلَى فراش أبي, هَذِه آمة لوالدي يطؤها وهذا وُلد عَلَى فراشه, ماذا حكم النَّبِيِّ r؟ قَالَ: هو لك يا عبد بْنُ زمعة: «الولد للفراش» لِأَنَّهُ وُلد عَلَى فراش زمعة, «وللعاهر الحجر» عتبة زنا بها له الحجر والخيبة ما يُعطى ولد لكنه توفي, وكان هذا الطفل له شبهًا بينًا بعتبة, يشبه عتبة الذي زنى بها, قَالَ: يا رسول الله هذا ولد أخي عهد إليَ أَنَّه ابنه انظر إِلَى شبهه, وقال عبد: يا رسول الله هذا أخي ولد عَلَى فراش أبي, فَقَالَ النَّبِيِّ r: هو لك يا عبد «الولد للفراش وللعاهر الحجر». 

وقال لأخته سودة: احتجبي منه من باب الاحتياط لِأَنَّهُ رأى شبهًا بينًا بعتبة, قالت: فلم تره حتى لحقت بالله. 

هذا معنى قوله: «فألحقه النَّبِيِّ بمالك الآمة دون عتبة» مالك الآمة زمعة, قَالَ: هو لك يا عبد. 

وهو تفسير قوله وإن كان من أمة لم يملكها أو من حرة عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرث, وسيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى وقد يتمسك به من يقول الأمة لا تكون فراشًا وإنما يلحق الولد للسيد بالدعوى لا بالفراش, كقول أبي حنيفة لقوله من كان من أمة يملكها يوم أصابها فقد لحق بمن استلحقه فإنما جعله لاحقًا به بالاستلحاق لا بالإصابة ولكن قصة عبد بن زمعة أصح من هذا وأصرح في كون الأمة تصير فراشًا كما تكون الحرة يلحق الولد بسيدها بحكم الفراش كما يلحق بالحرة كما سيأتي وليس في حديث عمرو بن شعيب أنه لا يلحق ولده من أمته إلا بالاستلحاق, وحديث عمرو بْنُ شعيب هذا اللي معنا. 

وإنما فيه أنه عند تنازع سيدها والزاني في ولدها يلحق بسيدها الذي استلحقه دون الزاني وهذا مما لا نزاع فيه فالحديثان متفقان؛ والله أعلم. 

(المتن) 

باب في القافة. 

2267- حدثنا مسدد، وعثمان بن أبي شيبة، المعنى، وابن السرح، قالوا: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل عليَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مسدد وابن السرح: يومًا مسرورًا، وقال عثمان: تعرف أسارير وجهه، فقال: أي عائشة، ألم تري أن مجززًا المدلجي رأى زيدًا، وأسامة قد غطيا رءوسهما بقطيفة، وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، قال أبو داود: «كان أسامة أسود، وكان زيد أبيض». 

2268- حدثنا قتيبة، قال حدثنا الليث، عن ابن شهاب، بإسناده ومعناه. قال: قالت: «دخل علي مسرورا تبرق أسارير وجهه»، قال أبو داود: وأسارير وجهه لم يحفظه ابن عيينة، قال أبو داود: أسارير وجهه هو تدليس من ابن عيينة، لم يسمعه من الزهري إنما سمع الأسارير من غيره، قال: والأسارير في حديث الليث، وغيره، قال أبو داود: وسمعت أحمد بن صالح، يقول: كان أسامة أسود شديد السواد مثل القار، وكان زيد أبيض مثل القطن. 

(الشرح) 

هذا الحديث حديث صحيح أخرجه الشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة, قصة مجزز المدلجي, وفيه: كَانَ الناس يطعنون في نسب أسامة, وزيد اِبْن حارثة كَانَ تبناه النَّبِيِّ r وكان أبيض, وتزوج أم أيمن فولدت له غلامًا أسود فكان الناس يطعنون في نسب أسامة, قالوا: كيف أسامة أسود وأبوه أبيض, والنبي r كره ذلك, فكان يومًا أسامة وأبوه زيد نائمان «غطيا رؤوسهما وجسمهم بقطيفة وبدت أقدامهما» رجلان سود ورجلان بيض, فجاء مجزز المدلجي وهذا معروف من القافة في العرب, قبيلة معروفة يعرفون الشبه, فمر ورآهما قد بدت رجلاهما فَقَالَ: إن هَذِه الأقدام بعضها من بعض, ورجل هذا أسود ورجل هذا أبيض. 

فالنبي r فرح وسُر بِذَلِكَ ودخل عَلَى عائشة «تُعرف أسارير وجهه فَقَالَ: أي عائشة، ألم تري أن مجززًا المدلجي رأى زيدًا، وأسامة قد غطيا رءوسهما بقطيفة، وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، قال أبو داود: (كان أسامة أسود، وكان زيد أبيض). 

قال أبو داود: (وسمعت أحمد بن صالح، يقول: كان أسامة شديد السواد مثل القار، وكان زيد أبيض مثل القطن) يَعْنِي: هذا شديد البياض وهذا شديد السواد ومع ذلك مجزز المدلجي اللي يعرف الشبه, معروف بعض القبائل تكون مشهورة بمعرفة الشبه والقافة, ما يدري من هذان ما رآهما ولا رأى وجوههما وَإِنَّمَا رأى الأرجل فقط ولا يدري من هما, فَلَمّا دخل ورآهما قَالَ: «إن هَذِه الأقدام بعضها من بعض». 
فالنبي سر بذلك وفرح وذهب إلى عائشة تبرق أسارير وجهه وقال: «يا عائشة ألم تري أن مجززًا المدلجي رأى زيدًا، وأسامة قد غطيا رءوسهما بقطيفة، وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض» 

قوله: «تبرق أسارير وجهه» الأسارير هي الخطوط الَّتِي في الجبهة واحدها السرور وجمعه أسرار. 

هذا الحديث احتج بِهِ العلماء عَلَى ثبوت أمر القافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد إذا لم يوجد ما هو أقوى منه, كالفراش, والبينة, فَإِنَّهُ مقدمٌ عَلَى قول القافة, يَعْنِي: لو اختلفوا في الولد, هذا يقول: ولدي, وهذا يقول: ولدي, وقالت القافة: إنه يُلحق بهذا, لَكِنْ وُجد ما هو أقوى منه, وُجد أن هذا وُلد عَلَى فراش هذا, والثاني اللي يقول: إنه ولدي قد زنا بها, فيعتبر هنا الولد للفراش مثل قصة عتبة بْنُ أب وقاص وزمعة, أو وُجد بينة تدل عَلَى أن هذا ولده, هَذِه أقوى, لَكِنْ إذا لم يكن هناك بينة ولا فراش فالقافة يُعمل بها. 

قوله: «المدلجي» نسبة إِلَى مدلج, هي قبيلة وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد تعترف لهم العرب, وأسامة هذا اِبْن زيد, وزيد هذا تبناه النَّبِيِّ r في أول الإسلام, بل كَانَ يدعى زيد بْنُ محمد ثم لما أنزل الله آية التبني تركه. 

قَالَ الخطابي: هذا الحديث فيهِ دليل عَلَى ثبوت أمر القافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد, وذلك أن رسول الله r لا يُظهر السرور إِلَّا بما هو حقٌ عنده, قَالَ: وكانوا الناس قد ارتابوا في زيد بْنُ حارثة وابنه أسامة وكان زيد أبيض وأسامة أسود فتمارى الناس في ذلك وتكلموا بقول كَانَ يسوء النَّبِيِّ r سماعه, فَلَمّا سمع هذا القول من مجزز فرح بِهِ وسُري عنه. 

وجمهور العلماء عَلَى العمل بأمر القافة وثبوت الحكم بالقافة وهذا مروي عن عدد من الصحابة عمر, وابن عباس, وذهب جمع إِلَى هذا وهو مذهب مالك, والشافعي, وأحمد وهو مذهب جمهور العلماء, وقول عامة أصحاب الحديث, وذهب أهل الكوفة وهم أبو حنيفة وأصحابه إِلَى أن الولد المشكل الذي يدعيه اثنان يُقضى بِهِ لهما, وقالوا: حكم القافة باطل, وهذا مصادم للحديث وهو حديث صحيح في الصحيحين وغيرهما, وهو أن القافة يُحكم به بالشبه إِلَّا إذا وُجد ما هو أقوى منه كالبينة أو الفراش. 

logo

2020 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد