تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 1

00:00

00:00

11

الهِدَايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ

عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فهذا شرح العقيدة الطحاوية شرحته شرحًا متوسطًا، أسأل الله أن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعل هذا العمل نافعًا لعباد الله، وأسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعله من العمل الذي لا ينقطع إنه جواد كريم.

التعريف بهذا العلم:

هذا العلم: هو علم العقائد.

التعريف بمتن الطحاوية:  

متن العقيدة الطحاوية يتعلق بعلم الأصول؛ أي: أصول الدين؛ وهو المُسَمَّى بـ(العقائد).

التعريف بعلم أصول الدين:

علم أصول الدين: هو علم العقائد؛ فهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله([1]).

فضل هذا العلم:

وعلم أصول الدين بالنسبة إلى غيره: هو أشرف العلوم؛ لأن شرف العلم إنما يكون بشرف المعلوم، والمعلوم هو الله -سبحانه وتعالى-، فعلم أصول الدين يتعلق بالعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا هو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروض؛ ولهذا لما كتب الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله- أوراقًا جمعها في أصول الدين؛ سَمَّاها: الفقه الأكبر([2])؛ وأما فقه فروع الدين فهو الفقه الأصغر، فيكون العلم-على ذلك- عِلْمَيْن: علم أصول الدين -وهذا هو الفقه الأكبر-، وعلم فروع الدين -وهذا هو الفقه الأصغر-.

وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- له كلام في تقسيم الدين إلى أصول وفروع([3]).

 

مدى الحاجة لهذا العلم:

حاجة العباد إلى هذا العلم فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، وحاجتهم إليه أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجتهم إلى النَّفَسِ الذي يتردد بين جنبي الإنسان؛ لأن الإنسان إذا فقد الطعام والشراب وفقد النَّفَسَ؛ ماتَ الجسدُ، والموت لا بد منه، ولا يضر موت الجسد إذا صلح القلب، أما إذا فَقَدَ العلمَ بالله وأسمائه وصفاته والعلم بشرعه ودينه؛ ماتَ قلبه وروحه([4]).  

وبهذا يتبين حاجة العباد إلى علم أصول الدين؛ وذلك لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة ولا سعادة إلا بأن تعرف ربها وخالقها، وفاطرها، ومعبودها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك أحبَّ إليها من كل شيء، ويكون مع ذلك سعيها وعملها فيما يقربها إليه -سبحانه وتعالى-.

الحكمة من إرسال الرسل، وبيان أن العقل لا يستطيع أن يستقل بمعرفة هذا الأمر:

ولما كانت عقول البشر لا تستقل بمعرفة هذا الأمر -أعني: العلمَ بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله- على التفصيل، اقتضت حكمةُ الله ورحمته بعباده أن أرسل الرسل؛ يعرِّفون بالله، ويَدْعُون إلى الله، ويبشرون من أجابهم، وينذرون من عصاهم وخالفهم، وجعل-سبحانه وتعالى- مفتاح دعوة الرسل وزبدة رسالتهم؛ معرفةَ المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى هذه المعرفة تُبنى مطالبُ هذه الرسالة كلها من أولها إلى آخرها؛ هذا هو الأصل العظيم؛ أصل الدين، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: 

الأصل الأول: معرفة الطريق الموصل إلى الله، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه سبحانه.

الأصل الثاني: معرفة حال السالكين والسائرين إلى الله وما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم؛ ويتبع ذلك معرفة ما يكون في أمور البرزخ من سؤال منكر ونكير، ومن عذاب القبر ونعيمه، ومعرفة العلم بأحكام البعث والنشور، والوقوف بين يدي الله عز وجل، وتطاير الصحف، ووزن الأعمال والأشخاص، والوُرود على الحوض، والمرور على الصراط، ثم الاستقرار في الجنة أو في النار([5]).  

هذه هي أقسام العلم النافع الثلاثة، وليس هناك قسم رابع؛ كما قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في «الكافية الشافية»([6]):

 

والعِلْمُ أقسامٌ ثلاثٌ ما لها

 

 

مِنْ رابعٍ والحقُّ ذو تبيان
 

عِلْمٌ بأوصاف الإله وفعله
 

 

وكذلك الأسماء للرحمن
 

والأمر والنهي الذي هو دينُه
 

 

وجزاؤه يوم المعاد الثاني
 

فأَعرَفُ الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه؛ الذي يمتثل الأوامرَ، ويجتنب النواهي، ويعمل بشرع الله ودينه، وأتبعُهم، أتبع الناس للصراط المستقيم؛ ولهذا سمى الله -سبحانه وتعالى- كتابه المنزل على رسوله r -وهو القرآن العظيم- «روحًا» لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه «نورًا» لتوقف الهداية عليه؛ قال سبحانه: {يلقي الروح من أمره على من يشاء} [سورة غافر آية: 15]، وقال سبحانه: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور} [سورة الشورى آية: 52- 53].

وسماه الله شفاءً؛ قال سبحانه: {يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} [سورة يونس آية: 57].

والله -سبحانه وتعالى- أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وقد بلَّغ النبيُّ r البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستبصرين، ومضى على طريقه r السلفُ الصالح: الصحابةُ والتابعون والأئمة من بعدهم، فاهتدوا بهديه r، وترسموا خطاه، وآمنوا بالله، وبملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وامتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه، واستناروا بنور الله؛ فكانوا على الهدى المستقيم.

فهم أهل السنة والجماعة. والصحابة والتابعون وتابعوهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ هم أهل الحق، وهم الطائفة المنصورة، ثم لما بَعُدَ العهدُ خَلَفَ من بعدهم خلوفٌ غيروا وبدلوا، وتفرقوا في دينهم شيعًا وأحزابًا، ولكن الله -سبحانه وتعالى- حفظ على هذه الأمة أصول دينها؛ كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي r أنه قال: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»([7])، وفي لفظ آخر: «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهم أَمْرُ اللهِ وهم عَلى ذلك»([8]).   

فتصدى العلماء والأئمة لإيضاح أصول الدين وفروعه، والرد على بدع أهل البدع، وإيضاح الحق، فنصر الله بهم الحق، وألّفوا المؤلفات في عقيدة السلف الصالح، ومن هؤلاء الأئمة: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي-نسبة إلى قرية «طحا» من صعيد مصر- المولود سنة تسع وثلاثين ومائتين، والمتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، فقد ألف هذه الرسالة في العقيدة، وهي التي عُرِفَتْ بـ «العقيدة الطحاوية»، وقد تلقاها العلماء بالقبول سلفًا وخلفًا، وفيها بيان عقيدة أهل السنة والجماعة، إلا أنه قد يُلاَحَظ على هذه الرسالة ملحوظات يسيرة منها:  

- أنها قد تتمشى مع معتقد المرجئة([9])، وسيأتي التنبيه عليه-إن شاء الله- في مَوْضعه.

- أن بها أيضًا عبارات مشتبهة وفيها إيهام، لكن القاعدة في هذا أن العبارات المشتبهة تُفَسَّرُ بالعبارات الواضحة؛ لأن القاعدة عند أهل العلم أن النصوص المشتبهة من كتاب الله -عز وجل- تُفَسَّر بالنصوص الواضحة المحكمة وتُرَدُّ إليها؛ هذه هي طريقة أهل العلم الراسخين؛ يردون المتشابه إلى المحكم، ويفسرون النصوص المتشابهة بالنصوص المحكمة فيتضح الأمر، وكذلك أيضًا النصوص المتشابهة في سنة رسول الله r تُفَسَّر بالنصوص الواضحة المحكمة؛ فيزول الاشتباه، وكذلك أيضًا النصوص المشتبهة في كلام أهل العلم تفسر بالنصوص الواضحة من كلامهم؛ ولا يَتعلق بالنصوص المتشابهة ويَترك النصوص المحكمة الواضحة إلا أهل الزيغ والضلال؛ كما قال الله -سبحانه وتعالى- في كتابه العظيم: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} [سورة آل عمران آية: 7]. 

وقد ثبت عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله r تلا هذه الآية، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ»([10]).

فأهل الزيغ يتعلقون بمتشابهه ويتركون المحكم، فمثلًا إذا تعلق النصراني بقول الله عز وجل: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [سورة الحجر آية: 9]، وقال: «نحن» ضميرُ الجمع؛ وهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة، فيقول أهل الحق له: أنت من أهل الزيغ، وهذه من النصوص المشتبهة، والواجب عليك أن تردها إلى النصوص الواضحة المُحْكَمَة؛ كقول الله عز وجل: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [سورة البقرة آية: 163]، وكقوله أيضًا: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} [سورة طه آية: 14].

فـ(نحن) في لغة العرب يقولها الواحد المُعَظِّمُ لنفسه، فعليك أن تُرْجِعَ هذا النصَّ المشتبه إلى النص المُحْكَم. 

ومثال ذلك أيضًا من السنة النبوية: أنه قد يتعلق بعض دعاة السفور -سفور النساء- ببعض النصوص المشتبهة ويقولون: إن حديث الخثعمية في حجة الوداع: «جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ r تَسْأَلُهُ، وَكَانَ رَدِيفَهُ الفَضْلُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ r يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الطَّرَفِ الآخَرِ»([11]).

قالوا: هذا يدل على أنَّ تلك المرأة كانت سافرةً؛ كاشفةَ الوجه، ويدلُّ أيضاً على أن المرأة يجوز لها كشف وجهها، وأنَّ ستر الوجه ليس بواجب. 

ويستدلون أيضًا بحديث أسماء: أنها جاءت إلى النبي r وعليها ثياب رقاق، فأعرض النبي r عنها بوجهه، وقال: «يَا أَسْمَاءُ؛ إِنَّ المَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ»([12]).

قالوا: هذا يدل على جواز كشف الوجه، نقول لهم: أنتم من أهل الزيغ؛ لأنكم تعلقتم بالنصوص المتشابهة، وتركتُم النصوصَ المحكمةَ الواضحة؛ كقول الله عز وجل: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [سورة الأحزاب آية: 53]، والحجاب ما يحجب المرأة عن الرجل، والحجاب يكون جدارًا، أو يكون بابًا، أو يكون غطاءً على الوجه. ومن النصوص المُحْكمة التي أعرضتم عنها كذلك قولُه تعالى: {يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحميا} [سورة الأحزاب آية: 59].

ومن الأدلة كذلك؛ ما ثبتَ في «صحيح البخاري» في قصة الإفك لما سار الجيش، وترك عائشة -رضي الله عنها: «فجَلَسَتْ فِي مَكَانِ الجَيْشِ لَعَلَّهُمْ يَفْقِدُونَهَا ثُمَّ يَرْجِعُونَ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ قَدْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا فَلَمَّا رَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ عَرَفَهَا، وَجَعَلَ يَقُولَ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ -اسْتَرْجِعْ- وَكَانَتْ نَائِمَةً، قَالَتْ: فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِ صَفْوَانَ فَخَمَرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَكَانَ يَعْرِفُنِي قَبْلَ الحِجَابِ»([13])، فقولها: «فَخَمَرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي» صريح في تغطية الوجه، وقولها: «وَكَانَ يَعْرِفُنِي قَبْلَ الحِجَابِ» دليل على أن النساء قبل الحجاب كنَّ يكشفن الوجوه، وأما بعد الحجاب فكن يسترن الوجوه.  

وفي «سنن أبي داود» عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرَّونَ بِنَا، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ r مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا حَاذَوْا بنا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رأسها عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ»([14])، نقول لهم: كيف تتعلقون بحديث أسماء وحديث الخثعمية وتتركون هذه النصوص المحكمة؟ عليكم أن تفسروا حديث الخثعمية بما يتناسب مع هذه النصوص، ثم حديث أسماء هذا ضعيف، وفيه علل كثيرة؛ فهو منقطع؛ لأنه من رواية خالد بن دُريك عن عائشة، وخالد بن دريك لم يسمع من عائشة، ثم هو منكر المتن؛ لا يمكن أن تكون أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة وامرأة الزبير، وامرأة عاقلة دَيِّنة تدخل على النبي r في ثياب رِقاق!! ففيه علل متعددة كثيرة؛ ثم هو كذلك من رواية سعيد بن بشير وهو ضعيف، ولو صح الحديث –جدلًا- لكان محمولًا على ما قبل الحجاب.

فالمقصود من هذا: أن أهل الزيغ يتعلقون بالنصوص المتشابهة، ويتركون النصوص المحكمة؛ وأما الراسخون في العلم فإنهم يأخذون بالنصوص المحكمة، ويُرْجِعون النصوصَ المتشابهة إليها.

ومن ذلك أيضًا في القرآن الكريم-لأهمية هذا المثال-أن نصوص العلو محكمة، فيأتي أهل الزيغ، ويتعلقون بنصوص المعية كقوله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} [سورة الحديدآية: 4]، وكقوله: {لا تحزن إن الله معنا} [سورة التوبة آية: 40]، وقوله: {إنني معكما أسمع وأرى} [سورة طه آية: 46].

فيأتي أهل البدع وأهل الزيغ ونفاة الصفات فيقولون: هذا دليل على أن الله مختلط بالمخلوقات، وأن الله معهم، نقول لهم: أنتم من أهل الزيغ فلماذا تركتم نصوص العلو والمعية المحكمة كقوله تعالى: {ثم استوى على العرش}[سورة الأعراف آية: 54] في سبعة مواضع([15])، وكقوله: {وهو القاهر فوق عباده}[سورة الأنعام آية: 18]، وكقوله أيضًا: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض} [سورة الأعراف آية: 54]، وكقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب} [سورة فاطر آية: 10]، وكقوله: {بل رفعه الله إليه}[سورة النساء آية: 158]، وكقوله: {تعرج الملائكة والروح إليه} [سورة المعارج آية: 4]، وكقوله: {يخافون ربهم من فوقهم} [سورة النحل آية: 50].

حتى إن نصوص العلو تزيد على ثلاثة آلاف دليل كلها صريحة في أن الله فوق السماوات، مستو على عرشه، بائن من خلقه.

ثم إن المعية لا تفيد الاختلاط في لغة العرب؛ فلا تزال العرب تقول: ما زلنا نسير والقمر معنا، في حين أن القمر فوقك، وتقول: فلان معه كذا، وقد يكون فوق رأسه.

فالمقصود أن طريقة أهل الزيغ تعلقهم بالنصوص المتشابهة، وتركهم النصوص المحكمة([16])؛ أما طريقة الراسخين في العلم فإنهم يأخذون بالنصوص المحكمة ويُرْجِعون إليها النصوصَ المتشابهة ويفسرونها بها؛ فيزول الإشكال، وهكذا كلام أهل العلم، فإذا رأيت كلامًا لعالم اشتبه عليك، فارجع إلى كلامه الواضح لتفسره به؛ كما سيأتي في بعض كلام أبي جعفر الطحاوي([17]).   

وهذه «العقيدة الطحاوية» قد تلقاها العلماء بالقبول، وشُرحت بشروح متعددة، لكن هذه الشروح لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.

وأحسن شرحٍ لها: هو الشرح المنتشر المطبوع الذي ألَّفه علي بن علي بن أبي العز الحنفي، المولود سنة سبعمائة وواحد وثلاثين، والمتوفى سنة سبعمائة واثنين وتسعين، وقد ذكر -رحمه الله- في مقدمتها: أن «العقيدة الطحاوية» شرحت شروحًا متعددة إلا أنها لا تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة؛ فأراد أن يشرحها شرحًا يتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.

قَالَ المُؤَلِّفُ -رحمه الله-: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

قَالَ الْعَلامَةُ حُجَّةُ الإِسْلامِ أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ الطَّحَاوِيُّ - بِمِصْرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى مَذْهَبِ فُقَهَاءِ الْمِلَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الأَنْصَارِيِّ([18])، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ([19]) -رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ- وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ):  

الشرح  

نبَّه -رحمه الله- في هذه المقدمة أنه يريد أن يبين عقيدة السلف الصالح على ما يعتقده الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، وصاحبه الأكبر: أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، والصاحب الثاني: أبو عبد الله: محمد بن الحسن الشيباني، قال: (وَمَا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ، وَيَدِينُونَ بِهِ رَبَّ الْعَالَمِينَ)؛ فبين بذلك -رحمه الله- أن هذه العقيدة تتمشى مع معتقد أهل السنة والجماعة.  

وخص هؤلاء الثلاثة؛ لأن أبا حنيفة إمام أئمة المذهب الحنفي، والطحاوي -رحمه الله- وَمَنْ ذَكَرَهُمْ، كلٌّ منهم: أحنافٌ في المذهب؛ يتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، وهذه العقيدة في أصول الدين ليست خاصة بالأحناف. بل هي عامة؛ للأحناف، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والتمذهب إنما هو في فروع الدين كأحكام الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، أما العقيدة والتوحيد؛ فواحدة ليس فيها اختلاف.  

و «العقيدة» مأخوذة من «العَقْدِ» وهو الرَّبْطُ، والعَقْدُ: نقيضُ الحَلِّ، وسميت عقيدة؛ لأن الإنسان يجزم ويعتقد في نفسه، ويُقال: اعتقد فلانٌ الأمر؛ صَدَّقه وعقد عليه قلبه، وضميره. وهي مأخوذة من عقد البيع ونحوه، ثم استُعمِلت في التصميم والاعتقاد الجازم([20])، وتطلق العقيدة على ما يدين به الإنسان ربه، ويعتقده من أمور الدين، فإن كان ما يعتقده الإنسان مطابقًا للواقع؛ فهي عقيدة صحيحة، وإن كان مخالفًا للواقع؛ فهي عقيدة فاسدة.

فمثلًا الجهمية([21])، والمعتزلة([22])، والشيعة([23]) ...................................،  

والرافضة([24]) كلهم لهم عقيدة، ويجزمون بها، لكنها عقائد فاسدة باطلة؛ لمخالفتها للحق، وأهل السنة والجماعة عقيدتهم موافقة للحق؛ فهي عقيدة صحيحة، والعقيدة هي الأساس؛ وهي أساس بناء المجتمعات، فإن كان المجتمعُ عقيدةَ أفرادِه سليمةً؛ صار مجتمعاً قويًّا متماسكًا، وإن كانت عقيدة أفراده منحرفةً؛ صار مجتمعًا متفككًا منهارًا.  

وقد دلت التجارب أن صلاح سلوك المجتمع يتناسب مع مدى صلاح عقيدة أفراده، وأن انحراف سلوك الإنسان يتناسب مع مدى تضاؤل عقيدته وانحرافه، والعقيدة السليمة الصحيحة تعصم الدم والمال، وتصحح جميع الأعمال، والعقيدة الفاسدة تهدر الدم والمال وتفسد جميع الأعمال، قال الله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [سورة الزمر آية: 65]، وقال سبحانه: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [سورة الأنعام آية: 88]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»([25])، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٌ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»([26]).

فدل هذا على أن العقيدة السليمة تعصم الدم والمال، لا يحل دمه ولا ماله ما دام اعتقاده صحيحًا إلا إذا ارتكب واحدة من ثلاث: الزاني بعد الإحصان، والقاتل عمدًا، و المرتد الذي فارق دينه.

فلو صحت العقيدة؛ صحت الأعمال كلها، فإذا كانت العقيدة سليمة صحت الصلاة، وصح الصوم، وصحت الزكاة، وصح الحج، وهكذا جميع العبادات.

أما إذا فسدت العقيدة؛ فسدت جميع الأعمال، فإذا دعا الإنسان غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله، أو طاف بغير بيت الله؛ تقربًا لذلك الغير، أو فعل ناقضًا من نواقض الإسلام؛ أو اعتقد عدم وجوب الصلاة، أو عدم وجوب الزكاة، أو عدم وجوب الحج، أو اعتقد حل الزنا، أو حل الخمر، أو حل الربا، أو حل عقوق الوالدين: فسدت العقيدة، وبطلت الأعمال كلها؛ فلا تصح الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، ولا غيرها من العبادات؛ فكلها تكون باطلة.  

ومن ثمّ اتجهت جهود الأنبياء والمصلحين إلى إصلاح عقائد المجتمعات قبل كل شيء، وكل نبي أرسله الله دعا قومه إلى إصلاح العقيدة فقال: {ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف آية: 59]، كما أخبر الله عن نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم، ونبينا محمد r مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى إصلاح العقيدة، ويقول لقومه: «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ تُفْلِحُوا»([27])، ولم يفعل شيئًا من التشريعات سوى الصلاة؛ لعظم شأنها، فإنها فُرضت قبل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث، كل هذه المدة يدعو قومه إلى إصلاح العقيدة([28]).   

ثم لما هاجر النبي r إلى المدينة وثبتت العقيدةُ؛ نـزلتْ بقيةُ التشريعات؛ فشُرع الأذان، وشُرعت صلاة الجماعة، وفُرضت الزكاة، وفُرض الصوم، وفُرض الحج، وفُرض الجهاد، وَشَرَعَ اللهُ إقامة الحدود؛ كحدّ الزنا، وحد السرقة، وحد شرب الخمر، وهكذا.

وتبين بهذا: أن العقيدة هي الأساس الذي تبنى عليه الأعمال، وهي التي تعصم الدم والمال، فالعقيدة الصحيحة تصحح جميع الأعمال.

 

التَّوْحِيدُ أَوَّلُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ

أَنْوَاعُ التَّوْحِيدِ وَمَعَانِيهِ

قَالَ المؤلف -رَحِمَهُ اللَّهُ-: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا شَيْءَ مِثْلُهُ):  

الشرح  

قوله: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ):     

التوحيد لغةً: مصدر وحَّد يوحِّد توحيدًا، وهو الإفراد([29])؛ واصطلاحًا: هو إفراد الله بالعبادة؛ أي: جَعْلُ اللهِ واحدًا لا شريك له([30]).  

قوله: (مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ):    

أي: عن عقيدة وعن شيء نجزم به، ونتيقن به، ولكن بتوفيق الله ليس بحول منَّا ولا قوة، ولكنَّ الله هو الذي وفقنا لهذا الاعتقاد السليم.   

فلا يستطيع الإنسان أن يفعل شيئًا، ولا أن يعتقد شيئًا، ولا أن يقول شيئًا؛ إلا بتوفيق الله وإعانته، ولهذا قال المصنف -رحمه الله-: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ) أي: واحد لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في ألوهيته وعبادته.   

أقسام التوحيد:  

وتوحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ هي المعروفة عند أهل العلم:  

* توحيد الربوبية. 

* توحيد الألوهية. 

* توحيد الأسماء والصفات([31]).  

وهذا التقسيم ليس مأخوذًا من الرأي والعقل، فلم يأخذه العلماء من عند أنفسهم، وإنما دليلهم على ذلك الاستقراء والتتبع للنصوص([32]).   

وكل قِسْمٍ منها عليه دليل، وإذا كان كل قسم عليه دليل عُلِمَ بذلك أنهم لم يكونوا مبتدعين كما يزعم بعض الناس، حتى إن بعضهم([33]) قال: إن هذا التقسيم للتوحيد مثل تقسيم التثليث عند النصارى-نسأل الله السلامة والعافية-.  

فهذه الأقسام مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله r كما سيأتي، وأيضًا فحالُ الناس الموحدين لله لا تخلو من هذه الأمور الثلاثة، فقد يكون الإنسان موحدًا في ربوبية الله، وقد يكون موحدًا في أسمائه وصفاته، وقد يكون موحدًا في ألوهيته وعبادته، وقد يكون موحدًا لله في ربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته، وقد يكون موحدًا لله في ربوبيته وإنْ لم يكن موحدًا لله في ألوهيته، فأحوال الناس تختلف.

القسم الأول: توحيد الربوبية:

وهو إثبات حقيقة ذات الرب وأفعاله، بأن تعتقد: أن الله-سبحانه وتعالى-  واجب الوجود لذاته، وأنه هو القائم بنفسه، المقيم لغيره، وأنه هو الرب؛ مربي عباده، وأنه هو الخالق، وأنه هو المالك، وأنه هو المدبر، فلا بد في توحيد الله في ربوبيته من هذه الأمور:

الأمـر الأول: إثبات حقيقة ذات الرب؛ بأن تعتقد أن الله واجب الوجود لذاته، لم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم -سبحانه وتعالى-، بخلاف المخلوق فإن وجوده ليس واجبًا ولا ممتنعًا؛ لأنه لو كان واجبًا لما سبقه العدم، فكون العدم سبق وجود المخلوق؛ دليل على أن وجوده ليس واجبًا بل جائزًا، وليس ممتنعًا؛ لأن الله خلقه وأوجده، فالممتنع لا يوجد؛ فدل على أن وجود المخلوق وجود جائز، سبقه العدم، ويلحقه العدم، ويلحق حياته الضعفُ والنقصُ، أما وجود الله فهو وجود واجب لذاته لم يسبقه عدم -سبحانه وتعالى-، ولا يلحقه عدم ولا يلحق حياته نقص ولا ضعف، ولا تغير ولا فساد ولا سِنَة ولا نوم، ولم يتفرع من شيء، ولا يتفرع منه شيء؛ كما قال سبحانه: {قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص آية: 1- 4].

الأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله واعتقاد أن الله هو الرب، وغيره مربوب، كما قال سبحانه: {الحمد لله رب العالمين} [سورة الفاتحة آية: 2]، فهو رب العالمين، وكل ما سوى الله عالَم، والله تعالى رب هذا العالَم، وغيره مربوب.  

الأمر الثالث: إثبات أن الله هو الخالق وغيره مخلوق، كما قال سبحانه: {الله خالق كل شيء} [سورة الرعد آية: 16]، وقال أيضًا: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [سورة الفرقان آية: 2].

الأمر الرابع: اعتقاد أو إثبات أن الله هو المالك وغيره مملوك، فهو مالك كل شيء.  

الأمر الخامس: اعتقاد وإثبات أن الله هو المدبِّر وغيره مدبَّر، فهو مدبر الخلق وهو المحيي، وهو المميت، وهو الرزاق، وهو منـزل المطر، ومسبب الأسباب، يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقبض ويبسط.  

بهذا يكون الإنسان قد وَحّد اللهَ في ربوبيته؛ حيث أثبت وجود الله واعتقد أن الله واجب الوجود لذاته، وأثبت ربوبية الله؛ واعتقد أنه هو الرب وغيره مربوب، وأثبت أن الله هو الخالق وغيره المخلوق، وأثبت أن الله هو المالك وغيره المملوك، وأثبت أن الله هو المدبِّر وغيره المدبَّر، ومع ذلك لا يكفي هذا التوحيد في الإيمان والنجاة من النار، ولا يكون الإنسان مسلمًا بهذا التوحيد وَحْدَهُ إلاّ إذا ضَمَّ إليه غَيْرَهُ من أنواع التوحيد، كما سيأتي.

وهذا النوع من التوحيد أَقَرَّ به الكفار من مشركي قريش، قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} [سورة الزخرف آية: 87]، وقال:{ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله} [سورة العنكبوت آية: 61]، ويقول سبحانه: { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون} [سورة المؤمنون آية: 84- 85]، وقال: { قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون} [سورة المؤمنون آية: 86- 87]، وقال: { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [سورة المؤمنون آية: 88- 89]، وقال:{قل من يرزقكم من السماء والأرض أممن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} [سورة يونس آية: 31].

فهذا النوع من التوحيد أَقَرَّ به كفارُ قريش، ومع ذلك لم يدخلوا في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله r، واستحل دماءهم وأموالهم؛ لأنهم لم يأتوا بلازمه، وهو: توحيد الألوهية والعبادة([34]).  

القسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات:

وهو الإيمان والإقرار بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلا التي ثبتت بالكتاب والسنة. وإثباتها لله على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.  

والأسماء والصفات توقيفية؛ ليس لأحد أن يخترع لله أسماء وصفات من عند نفسه، فما ثبت بالكتاب والسنة أنه اسم لله أو وصف: أثبتناه له، وما لم يثبت بالكتاب والسنة: نتوقف ولا نثبته، فلا بد من الإيمان والإقرار والعلم بما لله من الأسماء والصفات، على الوجه اللائق بالله -عز وجل-، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.  

وهذا النوع أيضًا من التوحيد: أَقَرَّ به كفارُ قريش؛ ولم يوجد عندهم إنكار لشيء من الأسماء والصفات إلا في اسم الرحمن خاصة، فأنـزل الله: {وهم يكفرون بالرحمن} [سورة الرعد آية: 30].

ولما أمر النبي r أن يكتب الكتاب في صلح الحديبية وقال للكاتب: «اكْتُبْ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ سُهَيْلُ -الَّذِي صَالَحَ النَّبِيَّ r بِالمُشْرِكِينَ-: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَإِنَّنَا لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ وَلَا الرَّحِيمَ»([35]).     

قال الحافظ ابن كثير([36]) -رحمه الله-: والظاهر أن إنكارهم لاسم الرحمن إنما هو من باب التعنت والعناد، وإلا فقد وجد في أشعار الجاهلية ما يثبت اسم الرحمن لله -عز وجل-؛ كما قال الشاعر:

وَمَا يَشَأُ الرَّحْمَنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ

ولم يُعْرَفْ عنهم إنكار شيء من الأسماء إلا في اسم «الرحمن» خاصة، وهذا النوع من التوحيد-وهو توحيد الأسماء والصفات-لا يكفي بالإيمان والإسلام، ولا يدخل الإنسان في الإسلام حتى يقر بلازمه، وهو توحيد الألوهية والعبادة.  

القسم الثالث: توحيد الألوهية والعبادة:

وهو توحيد الله بأفعال العباد، وهذا النوع يكون بأفعالك أنت أيها الإنسان من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وبر للوالدين، وصلة للرحم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكف نفسك عن المحرمات؛ تتقرب بها إلى الله، وتوحد اللهَ بها؛ بأن تخلصها لله، وتريد بها وجه الله والدار الآخرة. هذا هو توحيد العبادة.  

وتوحيد العبادة: هو أول دعوة الرسل وآخرها، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، كما أخبر الله تعالى عن الأنبياء:

قال الله تعالى: {لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف آية: 59]، وقال سبحانه: {وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف آية: 65]، وقال: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره(} [سورة الأعراف آية: 73]، وقال: {وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} [سورة الأعراف آية: 85]، وقال سبحانه: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [سورة النحل آية: 36]، وقال سبحانه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} [سورة الأنبياء آية: 25].  

وهذا التوحيد هو آخر ما يخرج به العبد من الدنيا؛ كما قال النبي r في الحديث الصحيح: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»([37]).   

وهذا التوحيد هو الذي لأجله خلق الله الخليقة، وأرسل الله الرسل، وأنـزل الله الكتب، وقام سوق الجهاد، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، ولأجله انقسم الناس إلى شقي وسعيد؛ إلى كفار ومؤمنين، وهذا التوحيد هو الغاية المحبوبة لله والغاية التي ترضي الله -عز وجل-.  

وهذا التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم في قديم الدهر وحديثه؛ بخلاف توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات فهما توحيدان فطريان قد أقر بهما جميع الخلق إلا بعض الطوائف التي شذت وانتكست فطرتها، وعميت بصيرتها- وإلا فجميع الخلائق يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والنـزاع والخصومة بين الأنبياء والرسل وبين أقوامهم في هذا التوحيد، وهو توحيد الألوهية والعبادة.

ومن العلماء-كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم([38]) -من قسم التوحيد بالنسبة إلى الخبر والإنشاء إلى قسمين:  

القسم الأول: توحيد في المعرفة والإثبات؛ وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات ؛ وهو التوحيد القولي، ويقال له: التوحيد الاعتقادي، ويقال له: التوحيد العلمي الخبري.

والقسم الثاني: توحيد في الطلب والقصد؛ وهو توحيد العبادة.

قال العلماء: إن التوحيد الأول -وهو التوحيد في المعرفة والإثبات- كما ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله- وغيره هو إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح؛ كما في قوله -سبحانه وتعالى-: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} [سورة البقرة آية: 136]، وكما في قوله سبحانه وتعالى: {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم * له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير * هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [سورة الحديد آية: 1- 3]، وقوله سبحانه وتعالى: {طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى * له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى * الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى} [سورة طه آية: 1- 8].

وقوله سبحانه وتعالى: {الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون * الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} [سورة السجدة آية: 1- 4]، وهكذا سورة «الإخلاص» بكمالها.

والنوع الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي مثل ما تضمنته سورةُ «الكافرون» قال تعالى: { قل ياأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين} [سورة الكافرون آية: 1- 6]، ومثل ما تضمنته الآية الكريمة؛ آية «آل عمران»: {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [سورة آل عمران آية: 64].

وكذلك أيضًا ما تضمنته سورة «يونس» قال تعالى: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين * إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} [سورة يونس آية: 2 - 3].

وفي آخرها: {قل يآيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين} [سورة يونس آية: 104- 105].  

كذلك جملة سورة «الأنعام» أنكر الله تعالى على المشركين شركهم قال تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله} [سورة الأنعام آية: 136]، ثم قال بعد ذلك: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} [سورة الأنعام آية: 143]، ثم قال: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} [سورة الأنعام آية: 144].

وغالب سور القرآن متضمنة لنوعيْ التوحيد، بل كل سورة في القرآن متضمنة لهذين النوعين؛ فإن القرآن إما خَبَرٌ عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله -وهذا هو التوحيد العلمي الخبري-، وإما دعوة إلى توحيده، ونهي عن الشرك، وعبادة غيره -وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي-، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته -وذلك من حقوق التوحيد ومكملاته-، وإما خبر عن أهل التوحيد، وما حصل لهم في الدنيا من النصر والعز، وما يكرمهم به في الآخرة من الثواب؛ فهذا جزاء من حقق التوحيد، وإما خبر عن أهل الشرك وما أصابهم في الدنيا من النكسة والهزيمة، وما يكون في الآخرة وما تكون عاقبتهم وما يحصل لهم في الآخرة من العذاب والنكال؛ وهذا جزاء من خرج عن التوحيد. 

يتبين من هذا أن القرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وجزاء أهله، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم.

وسورة «الفاتحة» مثلًا متضمنة التوحيد؛ فـ: {الحمد لله رب العالمين} [ سورة الفاتحة آية: 2] توحيد، و{الرحمن الرحيم} [سورة الفاتحة آية: 2] توحيد، و{مالك يوم الدين} [سورة الفاتحة آية: 4] توحيد، و{إياك نعبد وإياك نستعين} [سورة الفاتحة آية: 5] توحيد، و{إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم} [سورة الفاتحة آية: 6- 7] توحيد متضمن للهداية لطريق المنعم عليهم، وهم أهل التوحيد، و{غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [سورة الفاتحة آية: 7] هم الذين فارقوا التوحيد.  

فالقرآن كله من أوله إلى آخره على هذا النمط؛ بهذا التفصيل كله في التوحيد وحقوقه وجزاء أهله، وفي شأن الشرك وأهله وجزائه.  

ونفاة الصفات أدخلوا في توحيد الربوبية نفي الصفات؛ فكل المعطلة بأنواعهم ومدارسهم قالوا: إن معنى التوحيد نفي الصفات، وقالوا: إن إثبات الصفات يستلزم تعدد الواجب، و«الواجب» عندهم هو الله، كما أنهم يسمون المخلوق «الـمُمْكِن». 

ففرارًا من ذلك قالوا بنفي الصفات حتى لا يكون «واجب» إلا واحدًا، فإنَّه بزعمهم لو: كان له سمع وبصر وعلم وقدرة؛ لصار الواجب متعددًا، وهذا من أبطل الباطل، وهو من الفساد بِمَحَلٍّ ظَاهرٍ؛ فإنَّ إثباتَ ذاتٍ مجردةٍ عن جميع الصفات والأسماء؛ لا تُوجد في الخارج؛ فلا يُوجَد شيءٌ في الخارج إلا له اسم وصفة، فإذا نفيتَ الأسماء والصفات عن شخصٍ، فلا يمكن أن يوجَد بِحَالٍ؛ فإذا قلتَ: هناك شيء موجود لكن ليس له طول، ولا عرض، ولا عمق، وليس فوق، ولا تحت، ولا خلف، ولا يمين، ولا شمال؛ فهذا الشيء بهذا الوَصْف؛ لا وجود له إلا في الذهن، وهؤلاء النُّفَاة سلبوا الأسماء والصفات عن الرب، ومعنى هذا: أنهم لم يثبتوا ربًّا ولا خالقًا في الحقيقة، إنما كل ذلك في الذهن، والعياذ بالله.

وقد أفضى هذا التوحيد-بزعمهم-ببعضهم إلى أن وصلوا إلى الحلول والاتحاد -نعوذ بالله- حتى قالوا: إن الوجود واحد، ووقعوا في شَرٍّ من مذهب النصارى؛ فإن النصارى خَصُّوا حلولَ الرب بالمسيح عيسى ابن مريم؛ وهؤلاء الجهمية الغلاة قالوا: إن الله حالٌّ في كل مكان- تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا-.  

فلما وصلوا إلى القول بالحلول والاتحاد، وقالوا: إن الوجود واحد؛ تفرع عن هذا التوحيد -الذي يسمونه توحيدًا وهو من أعظم أنواع الشرك- القول بأن الوجود واحد، وقالوا: بأن فرعون على صواب، وأنه مصيب حينما قال: {أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات آية: 24]، وقالوا: إنَّ عُبَّاد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم إنما عبدوا الله ولم يعبدوا غيره، وقالوا: لا فرق في التحريم بين الأم والأخت والأجنبية، ولا بين الماء والخمر، ولا بين الزنا والنكاح.

وقالوا: الكلُّ مِنْ عَيْنٍ واحد، بل هو العين الواحد، ومن فروع مذهب الاتحادية([39])  قولهم: إن الأنبياء ضَيَّقوا على الناس، وبعَّدوا عليهم المقصود، والأمر وراء ذلك كله؛ فهذا -والعياذ بالله- سببه أن هؤلاء أعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله، وتركوا كتاب الله وراءهم ظهريًّا؛ فتولتهم الشياطين، فقالوا هذه المقالات التي سَوَّدوا بها الأوراق، وأضلوا بها الناس، وتكلموا بالكفر الصراح -نسأل الله السلامة والعافية-.

معنى قوله تعالى: (ليس كمثله شيء)  

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَلا شَيْءَ مِثْلُهُ):

الشرح

قوله: (وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ)؛ أي: أن الله -سبحانه وتعالى- لا يماثله شيء من المخلوقات لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ فليس له مثيل - سبحانه وتعالى-؛ كما قال: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [سورة الشورى آية: 11]، فمن اعتقد أن لله مثيلًا في ذاته، أو مثيلًا في صفاته، أو مثيلًا في أفعاله: فقد كفر؛ لأنه تنقُّصٌ للرب -سبحانه وتعالى-؛ ولأنه لم يثبت واجب الوجود لذاته.

ومن اعتقد لله مثيلًا فهو في الحقيقة لم يعبد الله، وإنما يعبد وثنًا صوَّره في خياله، ونحته له فكره، وهو من عباد الأوثان لا من عباد الرحمن، وهو مشابه للنصارى في كفرهم؛ ولهذا قال العلامة ابن القيم([40]):

لسنا نُشَبِّهُ وصْفَه بصفاتنا

 

 

إن المشبه عابد الأوثان
 

وقال([41]):

من شبه الله العظيم بخلقه
 

 

فهو النسيب بمشرك نصراني
 

 فمن شبه الله بخلقه فقد شابه النصارى؛ لأن النصارى شبهوا المسيح بالله، وقالوا: هو ابن الله -تعالى الله عما يقولون-، ومن مَثَّلَ اللهَ بخلقه؛ فهو في الحقيقة ما عبد الله، وإنما عبد وثنًا؛ كما أن من نفى صفات الله وأسماءه فهو في الحقيقة لم يثبت شيئًا، وإنما عبد عدمًا لا وجود له.   

ولهذا يقول العلماء: المشبه الممثل يعبد صنمًا، والمعطل يعبد عدمًا([42])، والموحد يعبد إلهًا واحدًا فردًا صمدًا، فالممثل المشبه اعتقد أن لله مثيلًا في صفاته، أو في أفعاله؛ فهذا قد عبد وثنًا، والذي نفى الأسماء والصفات قال: ليس لله سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا قدرة، ولا إرادة، وليس فوق السماوات ولا تحتها، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له، ولا محايد له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه؛ فبذلك عبد عدمًا؛ لأنك لو قلت: صِف المعدوم بأكثر من هذا ما استطعت؛ بل إن هذا -والعياذ بالله- أشد من العدم؛ ولهذا فإن المعطل في الحقيقة ما أفاد شيئًا؛ لأنه لا يوجد شيء مسلوب الأسماء والصفات، فكل موجود لا بد له من صفات، حتى الجماد.

ولذلك يكون مذهب أهل السنة والجماعة مذهبًا خالصًا صافيًا من بين فرث ودم، من بين فرث التعطيل، ودم التشبيه والتمثيل.

 

 

([1])   ويعرفه بعض المتكلمين بأنه: «علم يقتدر معه على ِإثبات الحقائق الدينية، بإيراد الحجج لها، ودفع الشبه عنها» انظر: «أبجد العلوم» (2/67)، وهذا التعريف فيه لَوْثةٌ كلامية؛ فقد عَرَّفه بهذا صاحب «المواقف» (1/31)، وذكر في «شرح المقاصد» (1/7) أنَّ عُدَولَه عن قوله: «يُقتدرُ به» إلى قوله: «يُقتدر معه»: مبالغةً في نفي الأسباب؛ واستناد الكُلِّ إلى خَلْق الله تعالى؛ ابتداءً؛ على ما هو المذهب!! ثم إن العقائد عند هؤلاء مكتسبة من النظر في الأدلة التي يسمونها عقلية، وهي في مرتبة اليقين، بخلاف الكتاب والسنة؛ فإن دلالتهما عندهم ظنية، وهؤلاء أيضاً ظنوا أنَّ الأدلة السمعية؛ لفظية فقط، وهذا غلظٌ؛ لأنها نوعان: نوع خبري فقط، ونوع خبري عقلي؛ يدلّ العقول وينبهها على الأدلة العقلية، وهو أكثر النوعيْن في القرآن، وهو يرشد إلى طريقة الاستدلال البرهانية الصحيحة. والله أعلم.

([2])   يروى هذا الكتاب عن أبي حنيفة بروايات أشهرها رواية أبي مطيع البلخي وهو متن صغير اعتنى الأحناف بشرحه فشرحه منهم البزدوي وأبو الليث السمرقندي، أما الشرح المتداول لعلي القاري فهو شرح لرواية حماد بن أبي حنيفة وهي أوسع وأكثر مسائل من رواية أبي مطيع، وقد نقل عنه شيخ الإسلام في «الفتاوى» (5/46-48)، و «درء التعارض» (6/263-264). وانظر: «تاريخ الأدب العربي» لبروكلمان (3/237-420). وانظر للكلام على هذا الكتاب سنداً ومتناً؛ كتاب «براءة الأئمة الأربعة من مسائل المتكلمين  المُبتدعة» (ص 46 وما بعدها)، للدكتور: عبدالعزيز بن أحمد الحميدي.

([3])   انظر للتوسع في هذه القضية وتحريرها «التفريق بين الأصول والفروع» للشيخ سعد الشثري.

([4])   انظر هذا المعنى بتمامه في «مفتاح دار السعادة» (1/87).

([5])   انظر هذا المعنى بتمامه في «الصواعق المرسلة» (1/151).

([6])   انظر: «الكافية الشافية» (2 /48).

([7])   أخرجه أحمد (5/279)، بهذا السياق، وكذا الترمذي (2229)، عن ثوبان رضي الله عنه، لكنه عند مسلم (1920)، عن ثوبان أيضاً، لكن بلفظ: «لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين الحق؛ لا يضرهم من خذله...».

([8])   أخرجه البخاري (3641) واللفظ له، ومسلم (1037) كلاهما من حديث معاوية رضي الله عنه.

       وقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (3/141): «... وفي الباب عن سعدٍ وثوبان في مسلمٍ، وعن قُرَّة بن إياس في الترمذي، وابن ماجه، وعن أبي هريرة في ابن ماجه، وعن عمران في أبي داود، وعن زيد بن أرقم عند أحمد...». وفيه أيضاً عن المغيرة بن شعبة عند مسلم.

([9])   سموا بذلك لقولهم بالإرجاء، وأصل الإرجاء التأخير، وذلك لأنهم أخروا الأعمال عن مسمى الإيمان.

       والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة. انظر: «الملل والنحل» (1/186)، والفصل في «الملل والنحل» (2/113)، و «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» (107، 108).  

([10])   أخرجه مسلم (2665) عن عائشة وهذا لفظه، وأخرجه من حديث عائشة أيضاً البخاري (4547) لكن بلفظ: «فإذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه...» والباقي مثله.

([11])   أخرجه البخاري (1513),  ومسلم (1334) من حديث عبدالله بن عباس -رضي الله عنه-.

([12])   أخرجه أبو داود (4104)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/86) من حديث عائشة، رضي الله عنها، وقال أبو داود: «هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة»، وقال ابن القطان في كتابه «الوهم والإيهام» (3/26): «وخالد بن دريك فإنه مجهول الحال»، هكذا قال مع أن ابن دُريك قال عنه أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (3/328): «لا بأس به»، وقال الذهبي في «الميزان» (2/410): «وثّقه ابن معين والنسائي...». 

وقول ابن القطان هذا، ذكره في «خلاصة البدر المنير» (2/86) ثم تعقبه بقوله: «حاشاهُ؛ فقد وثقه النسائي وغير واحدٍ». وقال المنذري: وفيه أيضاً سعيد بن بشير أبو عبدالرحمن البصري نزيل دمشق مولى بني نضر، تكلم فيه غير واحد، وقال ابن عدي في «الكامل» (3/373): ولا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال فيه مرة: عن خالد بن دريك، عن أم سلمة بدل عائشة»، وانظر «إرواء الغليل» (6/203).

([13])   أخرجه البخاري (4141),  ومسلم (2770) من حديث عائشة، رضي الله عنها، ولفظ البخاري «فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب»، ولفظُ مسلمٍ مثله، إلاّ أنه قال في روايته: «... وكان يراني قبل أن يُضْرَبَ الحجابُ عَلَيَّ...»، وليس فيهما ولا غيرهما قوله: «وكان يعرفني قبل الحجاب».

([14])   أخرجه أبو داود (1833)، واللفظ له، وابن ماجه (2935)، وأحمد (6/30)، والدارقطني (2/294، 295)، وابن خزيمة في «الصحيح» (2691)، وابن الجارود في «المنتقى» (418- غوث المكدود)، والبيهقي (5/48)، وفي سنده يزيد بن أبي زياد. قال الإمام ابن خزيمة في «صحيحه» (4/203): «وفي القلب منه». وضعّفه النووي في «المجموع» (7/226). وكذا أعلّه بيزيد، الحافظُ ابن حجر في «الدراية» (2/32). لكن حسَّنه الألباني لشواهده، كما في كتابه «جلباب المرأة المسلمة» (ص 107- طبعة: المكتبة الإسلامية).

([15])   في سورة الأعراف (54)، ويونس (3)، والرعد (2)، والفرقان (59)، والسجدة (4)، والحديد (4)، وفي سورة طه (5)، لكن فيها بلفظ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.

([16])   انظر تفصيل طريقة أهل البدع هذه ونقضها في:«موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة» (ص365-401).

([17])   جاء في «مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز، فتاوى العقيدة» (1/71- 72  -ط: دار الوطن): «قوله -أي قول الطحاوي-: تعالى عن الحدود والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، والجهات الست، كسائر المبتدعات»: هذا الكلام فيه إجمال، قد يستغله أهل التأويل والإلحاد في أسماء الله وصفاته، وليس لهم بذلك حجة؛ لأن مراده -رحمه الله-: تنزيه الباري سبحانه عن مشابهة المخلوقات، لكنه أتى بعبارة مجملة، تحتاج إلى تفصيل، حتى يزول الاشتباه...»، ثم فصّل مراده بكل شيء من ذلك، إلى أن قال: «وأهل البدع يطلقون مثل هذه الألفاظ، لينفوا بها الصفات، بغير الألفاظ التي تكلم بها، وأثبتها لنفسه، حتى لا يفتضحوا، وحتى لا يشنع عليهم أهل الحق، والمؤلف الطحاوي -رحمه الله- لم يقصد هذا المقصد، لكونه من أهل السنة المثبتين لصفات الله، وكلامه في هذه العقيدة يفسِّر بعضه بعضًا، ويصدِّق بعضه بعضًا، ويُفسَّر مشتبهه بمحكمه». ا هـ.

([18])   هو الإمام المجتهد العلامة المحدث كبير القضاة أبو يوسف يعقوب الأنصاري الكوفي، الإمام الثاني للحنفية، صحب أبا حنيفة سبع عشرة سنة، وتفقه به، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، وكان من أئمة أهل الرأي ولكن يميل لأصحاب الحديث، ورجحه شيخ الإسلام على محمد بن الحسن، وكان سببًا في رجوع أبي حنيفة عن القول بخلق القرآن. 

وثقه جمع من الأئمة وضعفه كثير من الجهابذة، توفي سنة 182هـ . انظر: «سير أعلام النبلاء» (8/535- 539)، و «تاريخ ابن معين» (2/680) و (4/474)، و «التاريخ الكبير» للبخاري (8/397)، و «مجموع الفتاوى» (4/47)، و «ضعفاء العقيلي» (4/438- 444). 

([19])   أبو عبد الله الكوفي فقيه العراق، الإمام الثالث لأهل الرأي والحنفية. قرأ على مالك موطأه، وروى عنه، وتأثر به بعض الشيء فخالف إمامه أبا حنيفة في كثير من المسائل القياسية، ووافق مذهب أهل الحديث من الحجازيين مالك وغيره، وله كلام شديد في الرد على الجهمية.

أثنى عليه جم غفير من الأئمة، وضعفه النقاد والجهابذة النحارير. انظر: «تاريخ ابن معين» (2/511)، و «ضعفاء العقيلي» (4/52-55)، و«اللسان» لابن حجر (5/121، 122).

([20])   المصباح المنير للمقري الفيومي (2/421)، و «لسان العرب» لابن منظور (3/296، 298) مادة (عقد). ط: دار صادر، بيروت. 

([21])   سموا بذلك نسبة إلى جهم بن صفوان، وقد قتله سلم بن أحوز سنة 127هـ، وهم من القائلين بنفي الأسماء والصفات عن الله -تعالى-، وأن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل بالله فقط، وأن الفاعل هو الله وحده، وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم مجازًا، ومن أصولهم تقديم العقل على النقل، كما قالوا بخلق القرآن، وقيل: إن الجهمية لا تعتبر فرقة قائمة بذاتها كالمعتزلة، ولذا لم تذكر كفرقة عند كثير ممن كتب في الملل والنحل، وإنما تذكر ضمن فرق المعتزلة أو المرجئة. انظر: «مقالات الإسلاميين» (1/338)، و «الفصل في الملل والنحل» (4/204). 

([22])   سموا بذلك لاعتزالهم أقوال المسلمين في مرتكب الكبيرة حيث قالوا: إنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن ولا هو كافر، وقيل: لاعتزال زعيمهم واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري. ومذهبهم يقوم على نفي الصفات عن الله -تعالى-، ونفي القدر في معاصي العباد، وإضافة خلقها إلى فاعليها، وأن القرآن مخلوق، ونفوا شفاعة النبي r لأهل الكبائر، وهم فرق كثيرة: منها الجبائية، والضرارية، والنظامية، والجاحظية، وغيرها. انظر: «البرهان في عقائد أهل الأديان» (26،27)، و«مقالات الإسلاميين» (1/335) وما بعدها، و«الملل والنحل» (1/54).

([23])   هم الذين شايعوا علياَّ -رضي الله عنه- على الخصوص وغلوا فيه، وقالوا بإمامته نصًا ووصية، إما جليًا أو خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين لا يجوز للرسول r إغفاله، وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله، ويجمع الشيعة: القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولًا وفعلًا وعقدًا لا في حال التقية، ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك.  

وهم يُسَمَّون بالشيعة؛ لأنهم شايعوا عليًا -رضي الله عنه- ويقدمونه على سائر الصحابة، ويُسَمَّوْنَ بالرافضة: لرفضهم أبا بكر وعمر، وقيل: لرفضهم زيد بن علي، لما تولى أبا بكر وعمر وقال بإمامتهما، وبعضهم غلوا في علي -وهم الغالية- فقالوا بإلهيته، وبعضهم قال بنبوته، وقد قتل علي -رضي الله عنه- بعضهم في زمانه، وهم فرق وطوائف كثيرة، والكلام عنهم متشعب. 

قال شيخ الإسلام في «التسعينية»: «والشيعة هم: ثلاثة درجات، شرها الغالية الذين يجعلون لعلي شيئًا من الإلهية، أو يصفونه بالنبوة، وَكُفْرُ هؤلاء بيِّنٌ لكل مسلم يعرف الإسلام، وكفرهم من جنس كفر النصارى من هذا الوجه، وهم يشبهون اليهود من وجوه أخرى. 

والدرجة الثانية: وهم الرافضة المعروفون كالإمامية وغيرهم الذين يعتقدون أن عليًا هو الإمام الحق بعد النبي r بنص جلي أو خفي، وأنه ظُلم ومنع حقه، ويبغضون أبا بكر وعمر ويشتمونهما، وهذا هو عند الأئمة سيما الرافضة.   

والدرجة الثالثة: المفضِّلة من الزيدية وغيرهم الذين يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما، فهذه الدرجة -وإن كانت باطلة- فقد نُسِبَ إليها طوائفُ من أهل الفقه والعبادة، وليس أهلها قريبًا ممن قبلهم، بل هي إلى أهل السنة أقرب منهم إلى الرافضة؛ لأنهم ينازعون الرافضة في إمامة الشيخين، وعدلهما، وموالاتهما، وينازعون أهل السنة في فضلهما على علي، والنزاع الأول أعظم، ولكن هم المرقاة التي تصعد منه الرافضة، فهم لهم باب».  

[وانظر: «مقالات الإسلاميين» (1/ 65 فما بعدها)، و«الإبانة» (52، 219)، و«الفصل» (4/137)، و«الملل والنحل» (1/144 فما بعدها)، و«الفرق بين الفرق» (21)، و«التبصير في الدين» (ص32 فما بعدها)، و«اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» (52- 63)، و«البرهان» (ص65)، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية خاصة «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية»].

([24])     سموا بذلك لرفضهم زيد بن علي حينما قالوا له: تَبَرّأْ من الشيخين حتى نكون معك، فقال: لا بل أتولاهما وأتبرأ ممن تبرأ منهما، فقالوا: إذًا نرفضك. وهم يثبتون الإمامة عقلًا، وأن إمامة علي وتقديمه ثابت نصًا، وأن الأئمة معصومون، وأن الأُمَّةَ ارتدت بتركها إمامة علي -رضي الله عنه-. انظر: «البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان» للسكسكي (ص36)، و«اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» للفخر الرازي (77، 78)، و«رسالة في الرد على الرافضة» لأبي حامد المقدسي (65-67).

([25])   أخرجه البخاري (3017) من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه.

([26])   أخرجه بهذا السياق أبو داود الطيالسي في «المسند» (289) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (6878)، ومسلم (1676)، عن ابن مسعود أيضاً، وفيه زياةُ في متنيْهما.

([27])   أخرجه ابن خزيمة (159)، وابن حبان (6562)، من حديث طارق بن عبدالله المحاربي، وكذا أخرجه من هذا الوجه الحاكم (2/668 - تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (1/76)، و (6/20)، والدارقطني في «السنن» (3/44)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (36565)، والطبراني في «المعجم الكبير» (8175)، وصححه في «البدر المنير» (1/680)، وكذا صححه الحاكم في «المستدرك» (2/668 - تحقيق: مصطفى عبدالقادر). لكن أخرجه أحمد (3/492)، والطبراني في «الكبير» (4582)، واللالكائي في «السنة» (1414، 1415)، وغيرهم من حديث ربيعة بن عِبَاد -رضي الله عنه-، وفي الباب عن مُنيب بن مُدرك بن منيب الأرذي، عن أبيه، عن جده عند الطبراني في «الكبير» (805)، وعن غيره أيضاً.

([28])   انظر: «عيون الأثر» لابن سيد الناس (1/196).

([29])   انظر: «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (6/90)، و«العين» للفراهيدي (3/280، 281). 

([30]) انظر: «فتح المجيد» (ص 13).                     

([31])   شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي (1/24)، و«رفع الشبهة والغرر» للكرمي (1/67).

([32])   انظر: «أضواء البيان» (3/488 -تفسير الآية التاسعة من سورة الإسراء) وهو نفيس جدًا.

([33])   وهو الضال حسن السقاف في كتابه «التنديد بمن عدَّد التوحيد وإبطال محاولة التثليث في التوحيد والعقيدة الإسلامية»، وقد رد عليه ردًا شافيًا الشيخ عبد الرزاق البدر في كتابه: «القول السَّديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد».

([34])   انظر: «درء تعارض النقل والعقل» لابن تيمية: (1/225- 228)، و«الدرر السنية» لعبدالرحمن ابن محمد بن قاسم: (3/33، 34).

([35])   أخرجه البخاري (2734) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم رضي الله عنهما، ومسلم (1784) من حديث أنس رضي الله عنه، واللفظ أقرب إلى سياق مسلمٍ. 

([36])   انظر: «تفسير ابن كثير» (1/22).

([37])   أخرجه أبو داود (3116)، والحاكم (1299، 1842 - تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، والطبراني في «المعجم الكبير» (221)، والبزار في «مسنده» (2626)، والشاشي في «مسنده» (1372)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/180)، وغيرهم من طريق صالح بن أبي عَريب، عن كثير بن مُرَّة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، به مرفوعاً. وقد أخرجه الإمام أحمد (5/233) بنحوه.  

       والحديث صححه الحاكم عقب إخراجه له، وأعلّه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (5/709) بجهالة صالح بن أبي عَريب. قال ابن حجر في «التلخيص الحبير» (2/103): «وتُعقّب بأنه روى عنه جماعة، وذكره ابن حبان في الثقات». ثم أورد أحاديث بنحوه عن عددٍ من الصحابة. 

([38])   انظر: «الرسالة التدمرية» (ص 5)، و«اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية: (1/465)، و«مدارج السالكين» (3/449)، (1/24-25).

([39])   هم القائلون باتحاد الخالق بالمخلوق، كقول النصارى في عيسى: اتحد اللاهوت بالناسوت، وكقول الصوفية في بعض أقباطهم. ويسمى بالاتّحاد الجزئي، ومنهم من يقول: باتحاد الخالق بجميع المخلوقات، وهذا ما يسمى بالاتحاد الكلي. 

وهو قرين وحدة الوجود، والفرق بينه وبين وحدة الوجود أن الاتحاد يكون بين شيئين. أما الوحدة فهي قولهم: إن الوجود كله هو الله الإله المعبود، فليس هناك إلا شيء واحد، فلا خالق ولا مخلوق. انظر: «المعجم الفلسفي» لمجمع اللغة العربية القاهرة (2، 209)، و «الموسوعة الميسرة» بإشراف محمد شفيق غربال (45)، و«ديوان ابن الفارض» (28، 29).

([40])   انظر: «الكافية الشافية» (2/13).

([41])   انظر: «الكافية الشافية» (2/13).

([42])   الصواعق المرسلة، لابن القيم (1/148).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد