تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 3

00:00

00:00

6

حي لا يموت قيوم لا ينام

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ):

الشرح   

قوله: (حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيُّومٌ لا يَنَامُ): فيه إثبات هذين الاسمين للرب -سبحانه وتعالى-؛ فالحي: اسم من أسماء الله عز وجل، والقيوم: اسم آخَر.  

والحي: متضمن لصفة الحياة، والقيوم: متضمن لصفة القيومية؛ لأن أسماء الله -سبحانه وتعالى- مشتقة ليست جامدة، وكل اسم من أسماء الله يدل على الصفة؛ فالرحمن: تدل على صفة الرحمة، والقادر: يدل على صفة القدرة، والعليم: يدل على صفة العلم، وهكذا؛ لأن أسماء الله تعالى مشتملة على المعاني.

والحي والقيوم: اسمان عظيمان من أسماء الرب -سبحانه وتعالى- قد جمع الله -سبحانه وتعالى- بينهما في ثلاث آيات من كتابه عز وجل؛ الآية الأولى: قول الله تعالى في آية «الكرسي»: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} [سورة البقرة آية: 255]، والثانية: قوله تعالى في أول سورة آل عمران: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق} [سورة آل عمران آية: 2- 3]، والثالثة في سورة طه قوله سبحانه: {وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما} [سورة طه آية: 111]؛ فالله تعالى جمع بينهما في هذه الآيات الثلاث، واسم الحي جاء في آيات أخرى كما في قوله تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت}  [سورة الفرقان آية: 58]، وقوله: {هو الحي لا إله إلا هو} [سورة غافر آية: 65]. وهذان الاسمان عظيمان من أعظم أسماء الله الحسنى، حتى قال بعض أهل العلم: إنهما اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وجاء هذا في حديث أسماء بنت يزيد: أن النبي r قال: «فِي هَاتيْنِ الآيَتَيْنِ اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} [سورة البقرة آية: 163]، {الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [سورة آل عمران آية: 1- 2] »([1])، والحديث فيه ضعف ولكنه شاهد.  

ولهذا قال بعض أهل العلم: إنهما اسم الله الأعظم، وما ذاك إلا لأن مدار الأسماء الحسنى كلها تعود إلى هذين الاسمين، وإليهما ترجع معانيها.

فصفة الحياة: ترجع إليها جميع صفات الكَمَال؟؟؟؟؟، ولا يتخلف عنها إلا لضعف الحياة، والله تعالى له الحياة الكاملة، فجميع صفات الكمال ترجع إليها.  

والقيوم الذي لا ينام: يدل على كمال غناه -سبحانه وتعالى- الذي لا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، وهو أكمل مِن القديم؛ لأنه يدلُّ على كمال دين؟؟؟؟؟ الرب، وكمال قوته واقتداره، ودوام ذلك واستمراره أزلًا وأبدًا، فهو القائم بنفسه المقيم لغيره-سبحانه وتعالى-.  

ويدل على أنه واجب بنفسه، وهو واجب الوجود؛ ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى-: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} [سورة البقرة آية: 255]؛ فنفي السِّنة والنوم يدل على كمال الحياة والقيومية؛ ولهذا كانت هذه الآية -آية الكرسي- أعظم آية في القرآن الكريم؛ كما ثبت ذلك في «الصحيح»([2])، وأن مَن قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح([3]).    

وكان النبي r كثيرًا ما يدعو ويتوسل إلى الله بهذين الاسمين؛ فهما اسمان عظيمان ثابتان لله عز وجل، متضمنان لصفة الحياة، والقيومية، ولذلك يعبّد بهما فيقال: عبدالحي، وعبدالقيوم.

صفتا الخلق والرزق

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (خَالِقٌ بِلا حَاجَةٍ، رَازِقٌ بِلا مُؤْنَةٍ):

الشرح    

وهذان أيضًا اسمان من أسماء الرب، فمن أسمائه الخالق، ومن أسمائه الرازق، فهو خالق بلا حاجة إلى أحد؛ لأنه كامل -سبحانه وتعالى-.

وهو الغني عن كل ما سواه، وهو رازق بلا مَؤونة؛ أي: بلا ثقل وكلفة ومشقة، والأدلة على ذلك كثيرة؛ قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} [سورة الذاريات آية: 56- 58].  

وقال سبحانه: {ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} [سورة فاطر آية: 15- 18]، وقال سبحانه: {والله الغني وأنتم الفقراء} [سورة محمد آية: 38]، وقال سبحانه: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم} [سورة الأنعام آية: 14]. 

وثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي ذرٍّ -رضي الله عنه- أن النبي r قال في الحديث الطويل: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنسانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ»([4])، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.  

وهو حديث قدسي من كلام الله عز وجل، لفظًا ومعنى.   

من صفات الله الفعلية أنه يحيي ويميت

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (مُمِيتٌ بِلا مَخَافَةٍ، بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ):

الشرح     

يبين المؤلف أن الله -سبحانه وتعالى- يحيي ويميت، وأنهما صفتان من صفاته الفعلية.

فهو يميت من يشاء، إماتةً بلا مخافة من أحد؛ لأنه ليس فوقه أحد يخافه؛ كما قال -سبحانه وتعالى- حينما أهلك ثمود قوم صالح: {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها} [سورة الشمس آية: 14- 15]، فهو لا يخاف من أحد -سبحانه وتعالى-، وهو الحكيم العليم، وهو الباعث: يبعث عباده؛ يحييهم ويعيد إليهم أرواحهم، ويبعث أجسادهم بعد إماتتهم؛ حينما يؤمر إسرافيل فينفخ في الصور؛ فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين؛ كما سيأتي في مبحث البعث.   

والموت صفة وجوديةٌ؛ خلافًا للفلاسفة([5]) ومَن وافقهم؛ فإنهم يقولون: هو صفة عَدَمية، والصواب: أن الموت صفة وجودية، والدليل على أنه صفة وجودية قول الله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} [سورة الملك آية: 2]، والمعدوم لا يوصف بكونه مخلوقًا؛ وثبت في «الصحيحين» أن النبي r قال: «يُؤْتَى بالمَوْت كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنادي مُنادٍ: يا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيشْرَئبُّونَ وَيَنْظُرون، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ فيقولون: نَعمْ هذا الموتُ، وَكُلُّهُم قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادي: يا أَهل النار، فَيَشْرَئبُّونَ، ويَنْظُرونَ، فيقولُ: هل تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيقولون: نَعَمْ؛ هذا الموتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذبَحُ، ثُمَّ يَقولُ: يَا أَهْلَ الجنة خُلُودٌ فلا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خلودٌ فلا مَوْت...»([6]).  

وهذا بعد إخراج عصاة الموحدين من النار. والموتُ وإن كان عَرَضًا إلا أن الله يقلبه عينًا؛ لأن الله على كل شيء قدير، والذي يُذبَح هو الموت لا المَلَك -كما يتوهمه بعض الناس- لكن الموت صفة وجودية جعلها الله بيد الملَك، وملَك الموت موكل به، والله على كل شيء قدير.  

كما أن العمل الصالح يأتي الإنسان في قبره على صورة شاب حسن، والعمل القبيح يأتي على أقبح صورة، فالله تعالى يجعل عمله عينًا([7])، وكما يأتي القرآن في صورة الرجل الشاحب اللون([8]). 

وكما أن الأعمال توزن يوم القيامة في الميزان يجعلها الله أعيانًا، وكما أن سورة البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة يظلِّلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو صنفان من هذه الأصناف([9])، وكما أن الأعمال الصالحة تصعد إلى الله؛ كما ثبت في القرآن الكريم: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [سورة فاطر آية: 10]، وكما ثبت في الحديث الصحيح.  

 

 

اتصاف الرب تعالى بصفات الكمال أزلًا وأبدًا  

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (مَا زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ، لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شيئًا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أَزَلِيًّا كَذَلِكَ لا يَزَالُ عَلَيْهَا أَبَدِيًّا):

الشرح  

المعنى أن الله -سبحانه وتعالى- لم يزل متصفًا بصفات الكمال -صفات الذات وصفات الفعل-، ولم يكن فاقدًا لشيء منها في وقت من الأوقات، فهو متصف بصفات الكمال قبل خلقه وبعد خلقه.

والصفات تنقسم إلى قسمين:

* صفات الذات.

* وصفات الأفعال.

وصفات الذات ضابطها: ألَّا تنفك عن الباري؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر.

وصفات الأفعال ضابطها: أن تتعلق بالمشيئة والاختيار، كالنـزول، والاستواء، والإحياء، والإماتة، والقبض، والبسط، والرضا، والغضب، والكراهة، والسخط، إلى غير ذلك من صفات الأفعال.

وصفات الأفعال عند أهل العلم، وعند أهل الحكمة حقٌّ، ويقولون: إنها قديمة النوع حادثة الآحاد:؛ أي: نوعها قديم وإن كانت حادثة، فمثلًا الكلام قديم النوع، لكن أفعاله حادثة، فالله تعالى يكلِّم رسله ويكلم أنبياءه ويكلم الناس يوم القيامة، ويكلم آدم، ويكلم أهل الجنة.

والرب -سبحانه وتعالى- لم يزل متصفًا بصفاته، ولم تحدث له صفة من الصفات بعد خلقه؛ بل كان متصفًا بصفة الكمال أزلًا وأبدًا؛ لأن هذه الصفات صفات كمال، ولا يمكن أن يكون فاقدًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات، ولأن فقدها نقص، ولا يمكن أن يتصف الرب بالنقص في أي وقت من الأوقات.  

ولا يَرِدُ على هذا صفات الأفعال والصفات الاختيارية ونحوها مثل الكلام، والاستواء، والتصوير، والطيّ، والقبض، والبسط، والنـزول، إلى غير ذلك؛ لأنها قديمة النوع حادثة الآحاد، وأراد المصنف -رحمه الله- الرد على أهل الكلام مثل الجهمية والمعتزلة، ومَن وافقهم من الشيعة الذين يقولون: إن صفات الأفعال كانت ممتنعة عن الرب -سبحانه وتعالى-؛ أي أن الرب كان لا يتكلم ولا يفعل، وأن هناك فترةً خلا فيها عن الكلام والفعل؛ بل إن الكلام والفعل ممتنع عن الرب، ثم انقلب فجأة فصار الكلام والفعل ممكنًا، والإمكان معناه: القدرة على الشيء، والامتناع معناه: عدم إمكان وجود الكلام والفعل.

وكلامهم هذا من أبطل الباطل، ووافقهم عبدالله بن سعيد بن كُلَّاب([10]) والأشعري([11]) في أن صفات الأفعال كذلك كانت ممتنعة، ثم صارت ممكنة إلا الكلام.

والكلام عنده قديم متعلق بذات الرب لا يتعلق بقدرة ومشيئة، وهذا كلام باطل.

فما تقدمت حكايتهُ هو مذهب أهل الكلام وأهل البدع وأهل الباطل. 

أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن الرب -سبحانه وتعالى- لم يزل متكلمًا، ولم يزل فاعلًا إلى ما لا نهاية؛ لأن الرب فعَّال، قال -سبحانه وتعالى- {كذلك الله يفعل ما يشاء} [سورة آل عمران آية: 40]، وقال:{ولكن الله يفعل ما يريد} [سورة البقرة آية: 253]، وقال سبحانه: {فعال لما يريد} [سورة هود آية: 107]، وقال سبحانه: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [سورة الكهف آية: 109]، وقال سبحانه: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} [سورة لقمان آية: 27]، فهذه النصوص تدل على أن الرب فعَّال، وكل حي فعَّال، والفعل صفة كمال، فلا يمكن أن يكون فاقدًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات.

وقال بعض أهل الكلام: لا بد من أن توجد فترة ليس فيها كلام ولا فعل، قالوا: لأننا لو قلنا إن الكلام متسلسل والفعل متسلسل فمعنى ذلك أنه قد انسدَّ علينا طريق إثبات الصانع وهو الله، فلا ندري هل هذه الأفعال أو الحوادث سابقة لله أو هو سابق عليها؟ 

فلا بد في إثبات أن الله هو الأول من إثبات أن هناك فترة ليس فيها كلام ولا فعل، ثم بعد ذلك يأتي الكلام والفعل حتى يكون الله هو الأول؛ هذه شبهتهم.

وقد ردَّ عليهم أهل السنة من وجوه كثيرة؛ منها:

أولًا: أن إثبات الفترة التي ليس فيها كلام، ولا فعل: لا دليل عليه.

ثانيًا: أن إثبات هذه الفترة تعطيل للرب من الكمال، والرب  فعَّال لما يريد، فلا يمكن أن يكون فاقدًا لهذا الكمال في وقت من الأوقات.   

ثالثًا: أن قولكم: إن الكلام والفعل كان ممتنعًا على الرب، ثم انتقل فجأة فصار ممكنًا؛ نقول: إذا كان الرب -سبحانه وتعالى- فعَّالًا وكاملًا ولم يتجدد له شيء فما الذي جعل الكلام والفعل ممتنعًا ثم جعله ممكنًا؟! كيف يكون ذلك وما من وقت يُقَدَّر إلا والإمكان ثابت قبله إلى ما لا نهاية؟! وهم لا يستطيعون أن يحددوا وقتًا يكون بدءًا للفعل والإمكان.

رابعًا: أنه يلزمكم -على هذا- أن العالَم ليس حادثًا؛ والعالَم حادث، والحادث ممكن أن يوجد، ويجوز ألا يوجد، فإذا أراد الله إيجاده: أوجده، وإذا لم يُرِدْ: فلا.  

وقولكم: إن الرب هو الأول. هذا صحيح: لأن الرب هو الأول الذي ليس قبله شيء، وكون الحوادث متسلسلة في المستقبل لا يمنع أن يكون الله هو الأول؛ لأننا نقول: كل فرد من أفراد الحوادث مسبوق بالعدم، موجود بإيجاد الله له.

وإذا وصفنا بهذا الوصف فلا يلزم وجود هذه الفترة، ولذلك نقول: الحوادث متسلسلة في الماضي إلى ما لا نهاية.

خامسًا: أنكم خالفتم النصوص؛ فإن النصوص فيها أن الرب فعَّال، كما تقدم، وأنكم بهذا تنقصتم الرب -سبحانه وتعالى- حيث نفيتم عنه صفة الكمال، وهو الفعل والكلام، وهذه تسمى مسألة تسلسل الحوادث.

فالمخلوقات- مثل النبات، والحيوان، والأشجار، والطيور، والحيوانات، والسماوات، والأرضين... إلى غيرها؛ تسمَّى: حوادث متسلسلة.  

وأهل السنة يقولون: الحوادث متسلسلة -أي: مستمرة- في الماضي؛ بمعنى: أن الرب لم يزل يفعل ويخلق خلقًا بعد خلق إلى ما لا نهاية في الأزل، ولكن كل فرد من أفراد هذه المخلوقات، مسبوق بالعدم، موجود بإيجاد الله له، ليس له من نفسه وجود ولا عدم.  

أما نوع الحوادث؛ فهو متسلسل إلى ما لا نهاية؛ كما أن الحوادث متسلسلة في المستقبل إلى ما لا نهاية؛ فكما أن تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الله هو الآخر؛ فكذلك تسلسلها في الماضي لا يمنع أن يكون الله هو الأول؛ لأن الحوادث متسلسلة في المستقبل بالاتفاق، حتى عند أهل البدع؛ لأن الله لا يزال يُحْدِث لأهل الجنة نعيمًا بعد نعيم إلى ما لا نهاية. هذا هو الحق الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة النبوية وإجماع السلف الصالح.

وذهب كثير من أهل البدع وأهل الكلام: إلى أن الحوادث متسلسلة في المستقبل، إلا أنها غير متسلسلة في الماضي، وأثبتوا فترةً كان الرب سبحانه فيها مُعَطَّلاً عن العمل، والفعل، والكلام.  

وذهب الجهم بن صفوان([12]) إلى أن الحوادث غير متسلسلة لا في الماضي ولا في المستقبل؛ لأن مَذْهَبَه إلى أن النار والجنة تفنيان. 

وذهب أبو الهذيل العلَّاف([13]) -شيخ المعتزلة في المئة الثالثة- أن أهل الجنة والنار تفنى حركاتهم، ويكونوا كالحجارة.

وعلى هذا: تكون مسألة تسلسل الحوادث من المسائل المهمة العظيمة التي أحجم عنها الفحول من الرجال، حتى إن ابن القيم ذكر هذا في «الكافية الشافية» وأشار إلى أن من عنده علم فليأت به. 

والصور العقلية التي يتصورها العقل في مسألة التسلسل أربع صور:   

الصورة الأولى: الحوادث متسلسلة في الماضي وفي المستقبل.

الصورة الثانية:  الحوادث غير متسلسلة لا في الماضي ولا في المستقبل.

والصورة الثالثة: الحوادث متسلسلة في المستقبل لا في الماضي.

الصورة الرابعة: الحوادث متسلسلة في الماضي لا في المستقبل.

هذه صورٌ عقلية؛ ثلاثُ صورٍ قال بها الناس جميعًا، وصورة لم يقل بها أحد؛ وهي: أن الحوادث متسلسلة في الماضي وفي المستقبل، وهذا قول أهل السنة والجماعة، وهذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص.   

والقول بأن الحوادث غير متسلسلة لا في الماضي ولا في المستقبل هو قول       جهم بن صفوان، وأبي الهذيل العلّاف، وأنكر عليه ذلك أهل السنة، وبَدَّعُوه، وصاحوا به.  

والقول بأن الحوادث متسلسلة في المستقبل دون الماضي هو قول كثير من أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من الشيعة.

والقول بأن الحوادث متسلسلة في الماضي لا في المستقبل لم يقل به أحد.

ولهذا قال لهم أهل السنة: ما الفرق بين تسلسل الحوادث في الماضي وفى المستقبل؟! أنتم وافقتم على أن الحوادث متسلسلة في المستقبل، وأن الرب لا يزال يُحْدِث في أهل الجنة نعيمًا بعد نعيم، إلى ما لا نهاية، وهذا لا يمنع أن يكون سبحانه هو الآخر الذي ليس بعده شيء، وكذلك تسلسل الحوادث في الماضي؛ لا يمنع أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء؛ لأننا نقول: كل فرد من أفراد الحوادث مسبوق بالعدم؛ مخلوق بعد أن لم يكن([14]).   

والصفات الذاتية والفعلية -كما سبق- ثابتة للرب -سبحانه وتعالى- بخلاف قول أهل البدع؛ فإنهم أنكروا الصفات الذاتية والفعلية كالجهمية والمعتزلة؛ وأما الكُلَّابية فإنهم: أثبتوا الصفات الذاتية وأنكروا الصفات الفعلية، فتكون المذاهب ثلاثة:  

أهل السنة: أثبتوا الصفات الذاتية والفعلية.

أهل البدع من الجهمية والمعتزلة: نفوا الصفات الذاتية والفعلية.

عبد الله بن سعيد كلاَّب -زعيم الكلابية-: أثبت الصفات الذاتية، ونفى الصفات الفعلية.

وشبهةُ الكلابية والأشاعرة في ذلك يقولون: لئلا تحلّ الحوادثُ بذات الرب، ويسمونها مسألة حلول الحوادث؛ يقولون -أي: الكلابية والأشاعرة-:

لو أثبتنا الصفات الفعلية: من الغضب، والرضا، والكراهة، والسخط، والقبض، والبسط، والإحياء، والإماتة، والخفض، والرفع، والطَّيِّ، والاستواء، والنـزول؛ لَلَزِمَ من ذلك حلول الحوادث بذات الرب، والله منـزه عن حلول الحوادث به.

قال أهل السنة: ما مرادكم بحلول الحوادث؟! هذا القول -وهو حلول الحوادث- قول مُجْمَل لا بد فيه من التفصيل؛ فإن أردتم بحلول الحوادث أن الله يحل في ذاته شيء من مخلوقاته؛ فهذا باطلٌ، ونفيكم له بهذا الاعتبار: صحيح، وإن أردتم بأن الله تجدد له صفات لم يكن متصفًا بها خلقها لنفسه، أو سماه بها الناس فهذا باطل، وإن أردتم بحلول الحادث نفي أن يكون الله يغضب، ويرضى، ويكره، ويسخط، ويستوي، وينـزل كما يشاء، ويكون متصفًا بالطي، وبالقبض والبسط، والخفض والرفع؛ فهذا باطل؛ لأن هذه المعاني والصفات ثابتة لله، ولا ننفيها عن الله بتسميتكم إياها «حلول الحوادث».

ويتبع هذا البحث مسائل:

المسألة الأولى: الصفة؛ هل هي زائدة على الموصوف أو غير زائدة؟ وهل الصفة غير الموصوف أو الصفة هي الموصوف؟([15]).  

والجواب: أن هذا لفظٌ مجمل؛ لا بد فيه من التفصيل؛ فلا يقال: إن الصفة غير الموصوف، ولا يقال: إنها هي الموصوف، ولا يقال: الصفة زائدة على الموصوف، ولا يقال: غير زائدة؛ بل لا بد من التفصيل؛ بل يقال: إن أردتم بذلك أن الرب -سبحانه وتعالى- له ذات منفصلة عن الصفة؛ فهذا قول باطل، وإن أردتم أن الصفات لها معنى يُفهم منها غير ما يفهم من الذات؛ فهذا صحيح، لكن ليس هناك ذات منفصلة عن الصفات؛ بل الذات لا بد أن توصف بالصفات، فليس هناك ذات مجردة إلا في الذهن.

وهناك فرقٌ بين أن يقال: الصفات غير الذات، وبين أن يقال: الصفات غير الله، فالقول: بأن الصفات غير الله باطل؛ لأن اسم الله؛ اسم له -سبحانه وتعالى- متصف بصفاته، أما القول بأن الصفات غير الذات فهذا صحيح؛ لأن الصفات لها معان غير معنى الذات.   

أما في حق الله؛ فلا يقال: إن صفات الله غير الله؛ ولهذا استعاذ النبي r بالصفات فقال: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ»([16])، وقال: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»([17])، ولم يعُذْ بمخلوق عليه الصلاة والسلام فقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ»([18])، وقال: «... وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي»([19])، فاستعاذ بالعظمة، وقال: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتِ»([20])، فهذه استعاذةٌ بالله، لأن الصفات لا تنفصل عن الذات.  

فالله -تعالى- هو الذات المقدسة، المتصفة بالصفات، والله -تعالى- بذاته وصفاته وأسمائه؛ هو الخالق وغيره مخلوق؛ فإن أريد أن هناك ذاتًا منفصلة مجردة عن الصفات؛ فهذا باطل، وإن أريد أن الذات متصلة بصفاتها؛ فهذا صحيح.  

المسألة الثانية: هل الاسم غير المسمى أو عين المسمى؟ ([21]).

الجواب: هذا فيه تفصيل، فلا يقال: إنه هو المسمى، ولا يقال: إنه غير المسمى؛ بل تارةً يُراد بالاسم المسمى؛ كما تقول: سمع الله لمن حمده؛ فالاسم يراد به المسمى، وتارة يراد به اللفظ الدال على المُسَمَّى؛ كما تقول: الله اسمٌ عربي؛ والرحمن اسمٌ عربي؛ فالرحمن اسم من أسماء الله؛ فالاسم ها هنا هو المرادُ لا المُسَمَّى، أما إذا قال : سمع الله لمن حمده؛  فالاسم يراد به ها هنا المسمى. فلا بد من التفصيل في هذه المسائل.

وجدير بنا هنا أن نقول: إنه يفهم من معاني الصفات ما لا يفهم من الذات، فإن أريد أن هناك ذاتًا مجردة؛ فهذا ليس بصحيح، وإن أريد أن الصفات لها معنى غير معنى الذات فهذا صحيح.

أما الله -سبحانه وتعالى- فلا يقال: إن صفاته غير ذاته، بل الله -سبحانه وتعالى- بذاته وصفاته هو الله، فلا يقال: إن الصفات غير الذات؛ فلا يقال -مثلاً-: الله وعلمه، أو: الله وقدرته.

ولهذا أنكر الإمام أحمد-رحمه الله-  في كتاب «الرد على الزنادقة»([22]) حين رد على الجهمية وعلى أهل البدع لما قالوا: الله وقدرته، الله وعلمه، الله ونوره؛ قال: لا نقول الله وعلمه، الله وقدرته، الله ونوره؛ لأن الواو تفيد المغايرة، بل نقول: الله بعلمه وقدرته ونوره.

سؤال ما هو مذهب الفلاسفة في الصفات؟  

الجواب: أما مذهب الفلاسفة كأرسطو والفارابي وابن سينا وغيرهم من الفلاسفة المتأخرين -وهم الذين يسمون الفلاسفة الإلهيين-؛ فإنهم قالوا: إن المخلوقات والحوادث مقارنة للرب، ملازمة له في الأزل وفي الأبد.  

فَقالوا: إنها مقارِنة للرب، فلم يثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، بل قالوا: إنها مقارنة له في الزمان أزلًا وأبدًا، وهي لازمة له كلزوم النور للسراج والمصباح؛ لا يستطيع الانفكاك عنها، فهي ليست مخلوقة باختياره وإرادته؛ لأنه علتها، وهي المعلولة، وتقدُّمه عليها إنما هو كتقدم العلة على المعلول.      

ولم يُثبتْ أرسطو وجودًا لله إلا من جهة كونه مبدأ للكثرة، وعلة غائية لحركة الفلك، بل هذه الكثرة وهذه المخلوقات مبدؤها الله، أي كأنه جزء منها -عياذاً بالله-، وهو العلة المحرك لها.  

وهؤلاء الفلاسفة قد كَفَّرهم العلماءُ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية([23]) -رحمه الله- فقال ما معناه: أنتم أنكرتم أن يكون الله متقدمًا في الزمان، وأنكرتم أن يكون الله هو الأول الذي ليس قبله شيء حينما قلتم: إن الحوادث والمخلوقات مقارنة للرب في الزمان، ولم تثبتوا أن هذه الحوادث مخلوقة لله بقدرته ومشيئته، فكنتم بذلك كفارًا.

ثم ناقش شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من العلماء -أهل البدع؛ أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة- فقالوا لهم: أنتم خالفتم الفلاسفة فأثبتم فترة كان مُعَطَّلاً فيها عن الفعل حتى تثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، ولم تقولوا كقول الفلاسفة: إن المخلوقات مقارِنةً لله في الزمان، لكنكم حينما أنكرتم العلو -علو الرب على خلقه، واستواءه على العرش- وقلتم: إن الله مختلط بالمخلوقات، ونفى بعضكم -وهم الجهمية المتأخرون- عنه الوصفين المتقابلين، فقالوا: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين له، ولا مُحَايث له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه. ولزم من كلامكم هذا أنه -تعالى عن ذلك- عدم.  

فالجهمية الأُوَل قالوا بالحلول، والجهمية الثانية قالوا بنفي النقيضين؛ فالطائفتان لم تثبتا أن الله فوق المخلوقات، وأنه مستوٍ على العرش، بائن من خلقه، فأنتم أنكرتم أن يكون الله متقدمًا في المكان، فلم تثبتوا أن الله هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، كما أن الفلاسفة أنكروا تقدم الله في الزمان؛ فلم يثبتوا أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، فصرتم بهذا مماثلين للفلاسفة. والله -تعالى- قد وصف نفسه بهذه الصفات الأربع، وبهذه الأسماء الأربعة متقابلةً فقال عز وجلَّ: {uqèd ãA¨|F{$# ãÅzFy$#u| ãÎg»©à9$#u| ß`ÏÛ$رضي الله عنه7ø9$#u| ( uqèdu| È[email protected]ä3Î/ >äóÓx« îLìÎ=رضي الله عنهæ ÇÌÈ} [سورة الحديد آية: 3].

ففسر النبي r الأولية: بنفي تقدم شيء عليه، وفسر الآخرِيّة: بنفي أن يكون بعده شيء، وفسر الظاهر بنفي أن يكون فوقه شيء، فقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ البَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ»([24]). فليس هناك فرق بين كفر الجهمية وكفر الفلاسفة، وهذه فائدة مهمة في بيان ما عليه أهل البدع من الجهمية والمعتزلة.

الخلاصة:    

وعلى كل حال؛ فهذه المباحث مباحث عظيمة؛ ولكن لم يتكلم السلف والسابقون فيها، ولولا أن أهل الكلام وأهل البدع تكلموا فيها بالكلام الباطل وملئوا به الأوراق والكتب، لما اضطر أهل العلم إلى رد هذا الكلام الباطل، بمثل هذا التفصيل.   

صفتا الخالق والبارئ

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ الْخَالِقِ، وَلا بِإِحْدَاثِ الْبَرِيَّةِ اسْتَفَادَ اسْمَ الْبَارِي):

الشرح  

المعنى: أن الله -سبحانه وتعالى- اسمه الخالق، واسمه الباري؛ ولم يزل له هذا الاسم، والبارئ: أي: الذي خلق الخلق وبرأ البرية وأحدثها، ولم يزل له الأسماء الحسنى؛ لأنه -سبحانه وتعالى- قادر على الفعل في أي وقت. 

ومادام أنه فعَّال وقادر على الفعل في أي وقت؛ فهو متصف بالصفات؛ فالإنسان حينما يتكلم ويكون قادرًا على الكلام يقال: إنه متكلم، فإذا تكلم أمس ثم تكلم اليوم يقال: إنه متكلم؛ وإذا كان ساكتًا وهو قادر على الكلام يقال: إنه متكلم بالقوة، وإذا تكلم يقال: إنه متكلم بالفعل؛ لأنه قادر على الكلام؛ والكاتب إذا كان يكتب ويباشر الكتابة، يقال: كاتب بالفعل؛ وإذا رفع يده عن القلم يقال: كاتب بالقوة؛ لأنه قادر على الكتابة؛ فالقادر على الفعل يكون فاعلًا له، والله -سبحانه وتعالى- فعال قادر على الفعل في أي وقت من الأوقات؛ ولهذا هو -سبحانه وتعالى- الخالق وهو البارئ قبل الخلق وبعده.  

الله تعالى هو الرب بكل معاني الربوبية قبل أن يخلق الخلق

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيِّةِ وَلا مَرْبُوبَ، وَمَعْنى الخَالقِ وَلا مَخْلُوقَ):

الشرح    

(لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ): لأنه -سبحانه وتعالى- هو مُرَبِّي عباده، وحافظهم، ومدبر أمرهم.

وقولُهُ: (ومعنى الخَالِقُ وَلَا مَخْلُوقَ): هذا قد يفهم منه أنه يميل إلى قول أهل الكلام الذين يقولون: إن هناك فترة ليس فيها مخلوق؛ وسبق بطلان هذا القول؛ لأن الرب -سبحانه وتعالى- لم يزل فَعَّالًا لما يريد؛ مطلقًا؛ في كل وقت، وعلى هذا فله معنى الربوبية، وله معنى الخالق في كل وقت؛ في الأزل وفي الأبد.

الله تعالى هو الخالق قبل إنشاء الخلق وبعد إنشائه

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَكَمَا أَنَّه مُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَ مَا أَحْيَا اسْتَحَقَّ هَذَا الاسْمَ قَبْلَ إِحْيَائِهِمْ كَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الخَالِقِ قَبْلَ إِنْشَائِهِم):

الشرح  

أي: أنه -سبحانه وتعالى- محيي الموتى؛ وكذلك أيضًا هو الخالق قبل إنشائهم وبعد إنشائهم، ومن صفاته الفعلية: أنه يحيي ويميت، ومن أسمائه: الخالق؛ وذلك لأنه قادر على الفعل في أي وقت؛ ولذلك فإن له صفات الفعل -سبحانه وتعالى-.

متعلقات القدرة والرد على المعتزلة

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (ذَلِكَ بَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلِيْهِ فَقِيرٌ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ):

الشرح 

أي: لكونه -سبحانه وتعالى- متصفًا بصفاته الذاتية والفعلية في الأزل، وأنه لم يزل فعالًا، وأنه ليس هناك فترة يعطل فيها الرب -سبحانه وتعالى-؛ فهو على كل شيء قدير؛ وأراد بذلك الردَّ على المعتزلة الذين يقولون: إن الله على ما يشاء قدير، ولا يقولون: إن الله على كل شيء قدير([25]).

لأن هناك شيء لا يقدر عليه اللهُ عند المعتزلة؛ وهى أفعال العباد؛ ولذلك أوّلوا وحرَّفوا قوله تعالى: {إنه على كل شيء قدير} بقولهم: على كل ما هو مقدورٌ لَهُ، وأفعال العباد -بزعمهم- لا يقدر عليها؛ لأن أفعال العباد من خير وشر وطاعة ومعصية: فهم الذين خلقوها وأوجدوها، والله لا يقدر عليها، أو يقولون: إن العباد أحدثوا أفعالًا من طاعات ومعاص استغلالاً، ولهذا قالوا: إن العبد يستحق الثواب من الله كما يستحق الأجير أجره؛ لأنه هو الذي أوجده؛ وقالوا: إنه يجب على الله أن يعاقب العاصي، وأن يخلد صاحب الكبيرة في النار؛ لأنه توعد بذلك وهو لا يخلف وعيده؛ ولذلك قالوا: إن أفعال العباد لا يقدر عليها الرب، وسيأتي شرح هذا إن شاء الله في بابه.

والمقصود أنهم لا يقولون: إن الله على كل شيء قدير، بل يقولون: إنه على ما يشاء قدير؛ ولذلك إذا رأيت في بعض الكتب يُذْكَرُ في آخرها عبارةُ: (وهو على ما يشاء قدير)، فاعلم أن هذا يتمشى مع مذهب المعتزلة، ولا يَرِدُ على ذلك قوله -تعالى-: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} [سورة الشورى آية: 29]؛ لأن هذا مقيد بجمعهم؛ فلا يقال: إنه على ما يشاء قدير، بل يقال: إنه على كل شيء قدير؛ لأن معنى قولهم: (على ما يشاء قدير)؛ يُفْهَمُ منه أن هناك شيئًا لا يشاؤه الله؛ فلا يقدر عليه، وهي أفعال العباد؛ وهذا باطل؛ وعلى هذا فقياس مذهبهم ألَّا يقال: الله بكل شيء عليم، بل يُقالُ: هو عالم بكل ما يعلمه ونحوها من العبارات التي لا فائدة فيها، فالحاصل: أن تحريفهم للآية، على معنى: أنه على كل شيء مقدور له قدير؛ أما أفعال العباد فليست مقدورة له؛ فهو من أبطل الباطل؛ وهو كذلك مصادمٌ لنصوص القرآن والسنة، لأنَّ الله -تعالى- يقول: {إن الله على كل شيء قدير} [سورة البقرة آية: 20]  ويقول: {وكان الله على كل شيء مقتدرا} [سورة الكهف آية: 45]، و(كل) من صيغ العموم، فكل ما يسمى شيئًا؛ فإن الله -تعالى- يقدر عليه.

فكلّ ممكن فهو داخل في هذا بخلاف الممتنعُ الذي لا يمكن؛ لأنه لا يسمى شيئًا؛ فلا يرد على هذا أيضاً المُحالث لذاته، مثل كون الشيء موجودًا معدومًا في وقت واحد، ومثل قولهم: هل يقدر على خَلْقِ مثل نَفْسِه؟!، ومثل قولهم: هل يقدر على إعْدَامِ نفسه؟!

والجواب: أن هذا من الممتنع المُحال تمامًا؛ لأنه لا يمكن إيجادها ولو تصورًا، ولا تسمى شيئًا باتفاق العقلاء؛ وليست داخلة في قوله: {إن الله على كل شيء قدير} [سورة البقرة آية: 20].

وقد اختلف العلماء في المعدوم الذي يمكن وجوده: قالوا: هل يسمى شيئًا أو لا؟([26]).  

والصواب: أنه يسمى شيئًا في الذِّكْر والكتاب والعلم؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: {يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} [سورة الحج آية: 1]، فالساعة لم تأت ومع هذا فقد سمَّاها الله شيئًا؛ فهي شيء عظيم في الذِّكْر، وفي علم الله، وفي الكتاب، ومن الأمثلة قوله -سبحانه وتعالى-: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [سورة الإنسان آية: 1]، فإنّه لم يكن شيئًا في الوجود، لكنه شيء في علم الله، وَذِكْره، وكتابه، ومن الأمثلة كذلك قوله -سبحانه- عن زكريا: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [سورة مريم آية: 9]، أي: لم تك شيئًا في الوجود، ولكن في علم الله، وَذِكْره، وكتابه.

فهذا في الممتنع الذي يمكن وجوده، أمَّا الممتنع الذي لا يمكن وجوده؛ فإنه لا يسمى شيئًا، فلا يقال: إنه داخل تحت القدرة.

 

الخلق جميعًا كلهم فقراء إلى الله   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٍ، وَكُلُّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرْ):

الشرح 

هذا وصف لله -سبحانه- بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء عليه يسير؛ فلا يعجزه شيء، ولا يشق عليه شيء؛ وليس هناك شيء عسير على الله سبحانه وتعالى.  

قوله:( وَكُلُّ شَيءٍ إِلَيْهِ فَقِيرٌ) لأن المخلوقين كلهم فقراء إلى الله كما قال سبحانه: {يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} [سورة فاطر آية: 15- 17]، وقال -سبحانه-: {والله الغني وأنتم الفقراء} [سورة محمد آية: 38]، وقال سبحانه: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [سورة الروم آية: 27]؛ أي: هين عليه؛ فكل شيء هين على الله، وكل شيء يسير على الله، وكل مخلوق هو فقير إلى الله -عز وجل-، والله هو الغني -سبحانه وتعالى-.  

الرد على الممثلة والمشبهة والمعطلة    

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (لا يَحْتَاجُ إِلَى شَيءٍ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ):

الشرح 

لا يحتاج إلى شيء من الأشياء، فـ(الشيء) شاملة لجميع الموجودات؛ فهو لا يحتاج إلى أي مخلوق لكمال غِنَاه. وقوله: {ليس كمثله شيء} [سورة الشورى آية: 11] هذا رد على الممثلة والمشبهة، وقوله: {وهو السميع البصير} [سورة الشورى آية: 11] رَدٌّ على المعطلة الذين ينكرون الأسماء والصفات. فهذه الآية تضَمّنَتْ الردَّ على طائفتيْن: الممثلة، والمشبهة؛ الذين يشبهون الله بخلقه، ويمثلون الصفات بصفات المخلوقين، وعلى المعطلة؛ الذين ينكرون الأسماء والصفات.

الله سبحانه خلق الخلق وهو عالم به   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (خَلَقَ الخَلْقَ بِعِلْمِهِ):

الشرح  

الله -سبحانه وتعالى- هو الذي خلق الخلق بعلمه، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو عليم بكل شيء كما قال -سبحانه-: {إن الله بكل شيء عليم} [سورة الأنفال آية: 75]، وقال سبحانه: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [سورة الملك آية: 14]، وقال -سبحانه-: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [سورة الأنعام آية: 59]، وقال: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون} [سورة الأنعام آية: 60].

وهو -سبحانه وتعالى- يعلمهم قبل خلقهم، ويعلمهم بعد خلقهم.

وأراد المؤلف الرد على المعتزلة الذين يقولون: إنه لا يعلم الخلق إلا بعد خلقه، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن علم الله شامل للماضي والحاضر والمستقبل؛ فهو سبحانه يعلم ما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في المستقبل والحاضر، وأيضًا يعلم ما لم يكن لو كان فكيف يكون؟ كما في قوله سبحانه عن الكفار الذين سألوا الرجعة إلى الدنيا؛ قال سبحانه: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} [سورة الأنعام آية: 28]؛ فهذا علمه بحالهم لو رُدُّوا، ومثل قوله عز وجل: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} [سورة الأنفال آية: 23]، فهذا عِلْمُه بحالهم.

ومثل قول الله - سبحانه تعالى- في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين} [سورة التوبة آية: 46- 47]، فإنّه يعلمُ سبحانه لو خرجوا ماذا سيحدث؛ وذلك قولُه: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا} [سورة التوبة آية: 47] يعني: شرًّا؛ وقال بعضهم: إن الشر هو الفتنة والفساد، ثم قال تعالى: {ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين} [سورة التوبة آية: 47]، وهذا من لطفه سبحانه بعباده أنه ثبطهم ومنعهم حتى لا يفسدوا على عباد الله المؤمنين.

قدَّر الله مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض  

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَقَدَّرَ لَهُمْ أَقْدَارًا):

الشرح  

الله -سبحانه وتعالى- قدَّر الأقدار والآجال، وجعل لكل شيء من مخلوقاته أقدارًا وأجلًا، قال سبحانه: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}  [سورة الفرقان آية: 2]، وقال سبحانه: {لكل أجل كتاب} [سورة الرعد آية: 38]، ومن ذلك: أن الله -سبحانه وتعالى- قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقدَّر لكل أجل كتابًا، وخلق كل شيء فقدره تقديرًا؛ كما في الحديث الذي ثبت في «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن النبي r قال: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ»([27]).  

وثبت في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ r وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ في ذلكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ في ذَلكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ المَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؛ فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا»([28])، وهذا من تقدير الأجل.

ومن ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- قدَّر الموت على كل أحد، وجعل له أجلًا مقدرًا؛ كما قال سبحانه: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [سورة يونس آية: 49]، وقال: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} [سورة المنافقون آية: 10- 11].  

وأسباب الموت متعددة؛ سواء أَقَدَّرَ اللهُ الموتَ على العبد بالمرض أو بالقتل أو بالغرق أو بالحرق أو بأي سبب من الأسباب، فإنه قد مات بأجله الذي قدره الله عليه.

وهذا فيه الرد على المعتزلة الذين يقولون: إن المقتول قُطِعَ عليه أجلُه؛ ولو لم يُقتل لعاش إلى أجل آخر، وهذا باطل؛ لأن الله -تعالى- قدَّر الموت، وجعل له أسبابًا؛ قدَّر بأن هذا سيموت بالقتل، كما قدر الموت على من يموت بالمرض، أو بالهدم أو بالغرق أو بالحرق أو بغير ذلك من الأسباب.  

فقول المعتزلة هذا من أبطل الباطل؛ لأن معنى ذلك: أن له أجلًا لا يصل إليه، أو أن الله جعل له أجلين، فجعلوه تعالى عن قولهم كالجاهل الذي لا يعلم العواقب، وهذا من أبطل الباطل؛ والصواب أن المقتول؛ كغيره أجله مُقَدَّر بالقتل؛ لا يتقدم ولا يتأخر، فهو داخل في قول الله عز وجل: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} [سورة يونس آية: 49]، ومن ذلك: حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان أنها قالت للنبي -r-: اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجي رَسُولِ اللهِ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ r: «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ بِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ لن يُعَجِّلَ شيئاً قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤخِّرَ شيئاً عن حِلِّه، وَلَوْ كُنتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ»([29])،  أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.  

وهذا دليل واضح بأن الآجال مضروبة ومعدودة؛ ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- يكره أن يدعى له بطول العمر ويقول: إن هذا أمر فُرغ منه([30])، لكن ظاهر حديث أم حبيبة أنه جائز؛ لأن النبي قال: «لَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ أَوْ عَذَابٍ في القَبْرِ كَانَ خَيراً»([31])، ولم يقل: إنه ممنوع، فدل على جوازه، لكن ينبغي أن يُقَيَّد بالطاعة، فإذا قلتَ: أطال الله عمرك على طاعته؛ فهذا حسن، أما إذا قلتَ: أطال الله عمرك فقط؛ فهذا ليس دعاءً. ومنه ما جاء في الحديث أن النبي r قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ»([32])، فإذا طال العمر على شرٍ، فهذا شرٌّ لا خير، وإذا طال العمر على خيرٍ؛ فهذا خيرٌ، ونحن في لهجتنا الدارجة نقول: (أطال الله عمرك)، (طوَّل الله عمرك)، فينبغي أن يضاف إليها: «على طاعته»؛ حتى تحصل الفائدة، وتكون الدعوة فيها خير.    

 

 

([1])   أخرجه أبو داود (1496)، والترمذي (3478)، وابن ماجه (3855) من طريق عبيدالله بن أبي زياد القداح، عن شهر بن حوشب، عن أسماء، وشهر متكلم فيه، والحديث قال فيه الترمذي:  «حسن صحيح»، وتعقّبه الحافظ فقال في «الفتح» (11/224): «وفيه نظر؛ لأنه من رواية شهر بن حوشب»، لكن له شاهد من حديث أبي أُمامة عند ابن ماجه (3856)، والحاكم (1/684- تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وغيرهما. والحديث الأول حَسّنه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» (3123)، وحَسَّن الثاني أيضاً في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (746). 

([2])   أخرجه مسلم (810) من حديث أُبي بن كعب رضي الله عنه.

([3])   أخرجه البخاري (2311) من حديث أبي هريرة.

([4])   أخرجه مسلم (2577).

([5])   كلمة فلسفة تتكون من مقطعين: هما (فيلو) و(سوفيا). ومعنى (فيلو) في اليونانية: محب، و(سوفيا): الحكمة، فالفيلسوف هو محب الحكمة، ومذهبهم: أن العالم قديم، وعلّته مؤثرة بالإيجاب، وليست فاعلة بالاختيار، وأكثرهم ينكرون علم الله -تعالى-، وينكرون حشر الأجساد، ومن أشهرهم أرسطاليس. انظر: «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» (145، 146)، و«الفصل في الملل والنحل» (1/94)، و«الملل والنحل» (2/155)، و(المعجم الفلسفي» (138-140).

([6])   أخرجه البخاري (4730) واللفظ له, ومسلم (2849) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

([7])   انظر ما أخرجه أحمد (4/287، 295) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، في حديث طويل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن حديث البراء كما في «مجموع الفتاوى» (4/291): «... وهو في المسند وغيره بطوله، وهو حديث حسن؛ ثابت...». وقال ابن منده في «الإيمان» (2/965): «هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء...»، وأورده الإمام ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص 57- 58) من رواية الإمام أحمد، ثم قال: «... وهو صحيح صححه جماعة من الحفاظ»، وصححه الألباني -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (3/219).   

([8])   رواه ابن ماجه (3781)، والدارمي (2/543)، وأحمد (5/348، 352، 361)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (30045)، والبغوي في «شرح السنة» (4/435)، والعقيلي في «الضعفاء» (1/143)، وابن عدي في «الكامل» (2/21)، والبيهقي في «الشعب» (2/344)، والحاكم في «المستدرك» (1/556، 560، 567 -طبع الهند)، وأبو عبيد القاسم بن سلاَّم في «فضائل القرآن» (ص 36- 37)، وغيرهم، من حديث عبدالله بن بُريدة عن أبيه، وبعضهم يرويه مطوّلاً، وبعضهم يختصره. والحديثُ حسَّنه الإمام ابن كثير في «التفسير» (1/34- 35) وساق له شواهد عن عدد من الصحابة. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/159) -بعد أن عزاه لابن ماجه وأحمد-: «ورجاله رجال الصحيح»؛ وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (4/126): «هذا إسنادٌ رجاله ثقات...».

([9])   رواه مسلم (804)، والحاكم في «المستدرك» (1/752 - تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وأبو عوانة في «المسند» (2/485)، وابن حبان في «الصحيح» (116)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/395)، والدارمي في «السنن» (2/543)، وعبدالرزاق في «المصنف» (5991)، والطبراني في «الأوسط» (468 -تحقيق: طارق عوض الله)، وفي «الكبير» (7542، 7543، 7544، 8118)، وأحمد في «المسند» (5/249، 251، 254، 257) وغيرهم من حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه، وفي الباب عن غيره من الصحابة.

([10])   هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن محمد بن كُلاَّب القطان المتوفى بعد سنة 240هـ بقليل. عده الأشعري من متكلمي أهل السنة، وقال عنه ابن حزم: إنه شيخ قديم للأشعرية. انظر: «طبقات الشافعية» (2/299)، و«لسان الميزان» (3/290، 291)، و«الملل والنحل» (1/148)، و«مقالات الأشعري» (1/298، 299)، (2/52، 54، 112، 202، 203، 231)، و«الفصل» لابن حزم (2/289)، (5/77).

([11])   هو علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، من نسل أبي موسى الأشعري، ولد سنة 260هـ، وإليه ينسب مذهب الأشاعرة. كان مُعْتَزِلياً، ثم أشعريًا، ثم رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات كما هو واضح من مؤلفاته، ومنها: «الإبانة عن أصول الديانة»، و«مقالات الإسلاميين»، و«إمامة الصديق». توفي سنة 324هـ ببغداد. انظر: «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (128-146)، و«البداية والنهاية» (11/210)، و«الإعلام» (4/263)، و«طبقات الشافعية» (3/347). 

([12])   هو جهم بن صفوان السمرقندي، أبو محرز، من موالي بني راسب، رأس الجهمية وإليه ينتسبون؛ لأنه أول من نشر المذهب. قال الذهبي: الضال المبتدع، رأس الجهمية، هلك في زمان أصغر التابعين، وما علمته روى شيئًا، ولكنه زرع شرًا عظيمًا. قتله سلمة بن أحوز سنة 128هـ . انظر: «ميزان الاعتدال» (1/426)، و«الأعلام» (2/141).

([13])   هو محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلّاف، ولد سنة 135هـ في البصرة، وكان من أئمة المعتزلة. كفَّ بصره في آخر عمره. توفي سنة 235هـ بسامراء. انظر: «سير أعلام النبلاء» (10/542، 543)، و«الأعلام» (7/131). 

([14])   للتوسع في هذه المسألة انظر: «موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (3/996- 1012)، و«الأصول التي بنى عليها المبتدعة مذهبهم في الصفات» (1/317- 2/453).  

([15])   انظر: «مجموع الفتاوى» (5/326، 338).  

([16])   أخرجه من حديث عثمان بن أبي العاص، بهذا السياق؛ ابنُ ماجه (3522)، والطبرانيُّ في «الكبير» (8342)، وأخرجه بنحوه من حديث عثمان بن أبي العاص أيضاً؛ مسلمٌ (2202)، وأبو داود (3891)، وابن ماجه (3522)، والترمذي (2080)، والنسائي في «الكبرى» (7546، 7724، 10837- 10839)، وغيرهم.

([17])   أخرجه مسلم (2708) من حديث خولة بنت حكيم السُّلمية رضي الله عنها.

([18])   أخرجه مسلم (486) من حديث عائشة رضي الله عنها.

([19])   أخرجه النسائي (5529), وأبو داود (5074), وابن ماجه (3871)، وأحمد (2/25) من حديث ابن عمر، ورواه الحاكم في «المستدرك» (1/698 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وابن حبان (961)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (29278)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (837)، والحديث صححه الحاكم، والنووي في «الأذكار» (ص 65)، وصححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 131 -ط: السابعة).

([20])   انظر: «سيرة ابن هشام» (2/268) ورد هذا اللفظ في سياق قِصّةٍ أخرجها الضياء في «الأحاديث المختارة» (179- 181)، وقِوام السنة في «الحجة» (1/216) و (2/473- 474)، والطبراني في «الدعاء» (1036)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (49/152)، وقال الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 131 -ط: السابعة): «ضعيف، رواه ابن إسحاق بسندٍ ضعيف مُعْضل».

([21])   انظر: «مجموع الفتاوى» (6/185- 207). 

([22])   (ص 221، 283).

([23])   انظر: «درء تعارض النقل والعقل» (1/69).

([24])   أخرجه مسلم (2713) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([25])   انظر: «الإيمان بالقضاء والقدر» للحمد (ص147-149) وتعليق الشيخ ابن باز عليه هناك.

([26])   انظر: «مجموع الفتاوى» (2/143- 146).

([27])   أخرجه مسلم (2653).

([28])   أخرجه البخاري (3208),  ومسلم (2643) واللفظ له.

([29])   أخرجه مسلم (2663).

([30])   انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز الحنفي (ص 66).

([31])   أخرجه مسلم (2663). 

([32])   أخرجه بنحوه أحمد (5/40) و(5/43، 47 - 50)، والترمذي (2330) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، وقال: «حسن صحيح»، والدارمي (2742)، والحاكم (1/489 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/371)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (34424)، والطبراني في «الأوسط» (5449 -تحقيق: طارق عوض الله)، والبزار في «مسنده» (3623)، والطيالسي (864)، وغيرهم. وفي سنده علي بن زيد: ضعيف، لكن له شاهد لا بأس به من حديث عبدالله بن بسر؛ أخرجه الترمذي (2329)، وأحمد (4/188) و(4/190)، والضياء في «المختارة» (9/43، 60، 83، 85)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/371)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (34420)، والطبراني في «الأوسط» (1441، 2268 -تحقيق: طارق عوض الله)، وعبد بن حُميد في «المنتخب من المسند» (509).

       وفي الباب بمعناهما عن أبي هريرة، وجابر، وأنس، وعبادة بن الصامت، وغيرهم. انظر: «مجمع الزوائد» (10/203- 204).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد