تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 4

00:00

00:00

6

شمول علمه سبحانه وتعالى  

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَعَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ):

الشرح      

في هذا إثبات علم الله -عز وجل-، وقد سبق الكلام على علم الله، عند قول المؤلف: (خَلَقَ الخَلْق بِعِلْمهِ)، وهنا كرَّر ما أشار إليه، فقال: (لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ)؛ والمعنى: أنَّ عِلْمَ الله -سبحانه وتعالى- سابق للمقادير.

ومراتب القدر -كما هو معلوم- أربع:

المرتبة الأولي: عِلْم الله الشامل لجميع الكائنات.  

الثانية: كتابته لها في اللوح المحفوظ.

الثالثة: إرادته ومشيئته.  

الرابعة: خلقه وإيجاده([1]).  

هذه مراتب القدر، فمن لم يؤمن بها؛ لم يؤمن بالقدر، والأدلة عليها كثيرة؛ قال الله -تعالى-: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [سورة الحج آية: 70]، فهذا دليل على إثبات العلم والكتاب، وقال سبحانه: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [سورة الحديد آية: 22].

وللإرادة أدلة كثيرة كما سبق؛ منها قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [سورة يس آية: 82]، ومنها قوله تعالى: {ولكن الله يفعل ما يريد} [سورة البقرة آية: 253].  

وللخلق والإيجاد أدلة كثيرة، منها قوله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [سورة الفرقان آية: 2]، ومنها قوله تعالى: {الله خالق كل شيء} [سورة الرعد آية: 16]، ومن أنكر المرتبة الأولى والثانية -العلم والكتابة- فقد كفَّره أهل العلم؛ لأن من أنكر العلم؛ فقد نَسَبَ اللهَ إلى الجهل، ولا شَكَّ في كفر هذا وأمثاله.   

وكانت القدرية الأولى ينكرون العلم والكتابة، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله-: (ناظروا القدريةَ بالعلم فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا)؛ وذلك لأنهم ينسبون الله إلى الجهل، والقدرية الأولى قد انقرضوا، وأما عامة القدرية فهم يثبتون العلم والكتابة، وينكرون عموم الإرادة والمشيئة بجميع الكائنات؛ حتى تشمل أفعال العباد، فإنهم قالوا: إن أفعال العباد ما أرادها الله ولا خلقها؛ فالعباد هم الذين أرادوها وخلقوها.  

وَعِلْمُ الله -كما سبق- شامل للماضي والمستقبل والحاضر، بل لِما لم يكن أن لو كان كيف يكون؟ وأدلة العلم كثيرة من الكتاب والسنة: فمنها قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [سورة الأنعام آية: 59]، ومنها قوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} [سورة الأنفال آية: 75].  

أما الدليل العقلي على ثبوت العلم لله -عز وجل-:     

فإنه يستحيل إيجاد هذه الأشياء مع الجهل؛ ولأن الإيجاد يستلزم الإرادة، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم؛ فثبت علم الله في الشرع والعقل؛ ففي الشرع فالأدلة كثيرة؛ منها قوله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} [سورة الأنفال آية: 75]، ومنها قوله تعالى: {أنزله بعلمه} [سورة النساء آية: 166]، وقوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} [سورة الجن آية: 26]، وقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [سورة الأنعام آية: 59].   

وهناك من قَسَّم المراتب إلى ستة، وهذا كلام لا نعرف من قاله.

ومعروف عند أهل العلم أن المراتب أربعة، والمشيئة واحدة لا تنقسم.

والإرادة جعلها شيخ الإسلام -رحمه الله- على درجتين، وكل درجة تتضمن مرتبتين([2]): 

الدرجة الأولى: العلم، وتتضمن مرتبة العلم والكتابة.

والثانية: الإرادة وتتضمن الإيجاد والخلق.

فهذه أربع مراتب، ولا نعرف أنَّ أحدًا قسمها ستًّا.

 

الله تعالى خلق الخلق لعبادته وتوحيده

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ):

الشرح    

في هذا أن الله -سبحانه وتعالى- أمر العباد بطاعته ونهاهم عن معصيته، فبعد أن ذكر الخلق والقدر، ذكر مقتضى خلق الخلق؛ وهو عبادته وتوحيده وطاعته، فقال: (وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ)؛ كما قال سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [سورة الذاريات آية: 56]، ومعنى يعبدون: أي: يوحدون؛ بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والوقوف عند الحدود، والاستقامة على دين الله، قال سبحانه: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} [سورة الملك آية: 2]، فهذه هي العبادة التي خلق الله الخلق من أجلها.

ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَمَشِيئَتُهُ تَنْفُذُ لا مَشِيئَةَ لِلْعِبَادِ إِلا مَا شَاءَ لَهُمْ، فَمَا شَاءَ لَهُمْ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ):

الشرح   

هذا في بيان مشيئة الرب، وأن كل شيء يجري بتقديره ومشيئته، وأن مشيئة الله نافذة؛ أما مشيئة العباد فهي تابعة لمشيئة الله -عز وجل-؛ فلا يتخلف ما شاءه الله؛ كما دَرَجَ أن يُقَالَ: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)؛ فكل شيء يجري بتقدير الله ومشيئَتِهِ. وإرادتُهُ الكونية؛ لا تتخلف، والمشيئةُ لا تنقسم كما تنقسم الإرادة، قال الله -سبحانه وتعالى-: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} [سورة الإنسان آية: 30]، وقال -سبحانه-: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [سورة التكوير آية: 29]، وقال -سبحانه-: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} [سورة الأنعام آية: 111]، وقال -سبحانه-: {ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [سورة الأنعام آية: 112]، وقال -سبحانه-: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني} [سورة السجدة آية: 13]، وقال -تعالى-: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [سورة الأنعام آية: 39]، وقال -سبحانه-: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} [سورة الأنعام آية: 125].   

فمشيئة الله نافذة؛ أما مشيئة العباد فهي تابعة لمشيئة الله عز وجل؛ فقد يشاء العبد شيئًا لكن لا يقع؛ لأن الله لم يشأ وقوعه، وقد يشاءُ العبد شيئًا فيقع؛ لأن الله أراد وقوعه.

وقد أنكر الله -سبحانه وتعالى- على الكفار احتجَاجَهُم بالمشيئة ؛ كما في قوله -عز وجل-: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون} [سورة الأنعام آية: 148] الآية، وقال -سبحانه -: {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين} [سورة النحل آية: 35]، وقال الله - سبحانه وتعالى- عن نوح في خطابه لقومه: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون} [سورة هود آية: 34]، فهؤلاء المشركون احتجوا بالمشيئة على محبة الله ورضاه، فأنكر الله عليهم ذلك؛ لأنهم استدلوا بها على أن ما شاءه الله فقد أحبه ورضيه، فلولا أنه أحبه ورضيه لما شاءه؛ فأنكر الله عليهم ذلك؛ لأن الله قد يشاء الشيء ولا يرضاه ولا يحبه، أو أنهم عارضوا شرع الله ودينه بمشيئته، أو عارضوا قضاء الله وقدره بالشرع، قال تعالى ذاكرًا قولهم: {لو شاء الله ما أشركنا} [سورة الأنعام آية: 148].   

فأنكر الله عليهم ذلك؛ فلا يعارَض ما شرعه الله بالمشيئة؛ لأن الله حكيم فيما يقدره ويشاؤه -سبحانه وتعالى-، فإذا قدّر اللهُ الشركَ على العبد؛ فله الحكمةُ البالغة، ولا يكون هذا حجة للعبد في جواز الشرك، ولو قدّر اللهُ المعصيةَ على العبد؛ فله الحكمة البالغة، ولا يكون هذا دليلًا على جواز المعصية.

مسألة الضلال والهدى   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي فَضْلًا، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذُلُ وَيَبْتَلِي عَدْلًا):

الشرح  

هذا فعله -سبحانه وتعالى-؛ يهدي من يشاء ويعصم ويعافي، فضلًا منه وإحسانًا، ويضل ويبتلي؛ عدلًا منه وحكمة، وهذه المسألة -مسألة الهدى والضلال- مسألة عظيمة من أهم مسائل القدر، حتى إن العلامة ابن القيم -رحمه الله - قال: إنها قلب أبواب القدر([3]).    

وأراد المؤلف -رحمه الله- الرد على القدرية والمعتزلة الذين يقولون: إنه يجب على الله فعل الأصلح للعبد، وهي نفسها مسألة الهدى والضلال.

والقدرية أنكروا أن يهدي الله أحدًا أو أن يضل أحدًا فقالوا: إن العبد هو الذي يهدي نفسه، وهو الذي يضل نفسه، وأجابوا على النصوص فقالوا: معنى «يهدي»: يعني يبين له الطريق الصواب، ويسميه مهتديًا، ومعنى «يضله»: أي: يسميه ضالًّا، أو يحكم عليه أن يضل نفسه بعد أن يُخلق.

ولا بد من بيان مراتب الهداية وأنواعها حتى يتبين هذا الباب.

اعلم -وفقك الله- أنَّ مراتب الهداية أربعة:  

المرتبة الأولى: الهداية العامة:

وهي أن يهدي كل مخلوق إلى ما يصلح معاشه ويقيمه، وهي عامة لكل مخلوق؛ للآدميين، والطيور، والوحوش، والصغار، والكبار، والأطفال، ويدخل في ذلك: هداية الطيور إلى أوكارها، وهداية الأنعام إلى مراتعها، وهداية الطفل إلى ثدي أمه، وهداية الإنسان إلى ما يصلحه في معاشه، وما يقيم به أمور حياته؛ كما هداه الله كيف يأكل، وكيف يشرب، وكيف ينكح.  

ومن أدلة الهداية العامة قول الله- سبحانه وتعالى-: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} [سورة الأعلى آية: 1- 3]، وقال -سبحانه- في جواب موسى لفرعون: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [سورة طه آية: 50]، وهذه الهداية لم ينكرها أحد.

النوع الثاني: هداية البيان والدلالة والإرشاد والتعليم والدعوة والإبلاغ:

وهي هداية الإنسان إلى ما يصلحه في معاده وهي النجاة من النار، وهذه خاصة بالمكلفين من الجن والإنس، وليست للحيوانات ولا الطيور، وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه؛ لأن الله لا يعذب أحدًا حتى تقوم عليه الحجة، وحتى يُهدى هذه الهداية. 

وهذه الهداية هي التي أَرسل اللهُ من أجلها الرسل، وأَنَـزلَ من أجلها الكتب قال سبحانه: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [سورة النساء آية: 165]، وقال سبحانه: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم} [سورة التوبة آية: 115]، أي: ما كان الله ليضلهم بعد أن هداهم وبين لهم طريق الخير، فلما بَيَّن لهم طريق الخير وتركوه؛ أضلهم عقوبةً لهم؛ قال -سبحانه-: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [سورة فصلت آية: 17]؛ هديناهم؛ أي: دللناهم على طريق الخير وطريق الشر، فلما بَيَّن الله لهم طريق الخير وطريق الشر واستحبوا العمى على الهدى؛ جاءتهم العقوبة وهي المذكورةُ في قوله: {فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون} [سورة فصلت آية: 17].  

وهذه الهداية ثابتة للرسل والأنبياء والمصلحين والدعاة، أي أن كلهم يقدرون عليها؛ قال الله -تعالى- للنبي r: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} [سورة الشورى آية: 52]، أي: ترشد وتدل وتبلغ وتدعو إلى الأمر الذي خُلق العباد له؛ وتبين ما أوجب الله عليهم من توحيده وطاعته وترك معصيته. فإذا بعث الله الرسول فأرشد الناس ودلهم على ما أوجب الله عليهم من التوحيد والطاعة واجتناب المعصية؛ قامت الحجةُ عليهم، فإن عصوا بعد ذلك أو كفروا؛ استحقوا العذاب.

النوع الثالث: هداية التوفيق، والإلهام، والتسديد:

وهي أن يوفق الله الإنسان إلى قبول الحق والرضا به واختياره، وهذه الهداية خاصة بالله، فلا يقدر عليها إلا هو –سبحانه-؛ فلا يقدر عليها أحد من الخلق؛ لا الأنبياء، ولا غيرهم؛ وهذه هي التي نفاها الله عن النبي r بقوله: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} [سورة القصص آية: 56]، أي: أن النبي r لا يخلق الهداية في القلب، ولا يلهمه، ولا يجعله يقبل الحق ويختاره ويرضى به، قال سبحانه: {من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم} [سورة الأنعام آية: 39]، فالله -تعالى- هو الذي يهدي ويضل، والعبد هو الضال والمهتدي. ولا بد في وقوع هذه الهداية من أمرين:  

الأمر الأول: الهداية من الله.

والثاني: الاهتداء من العبد.

فإذا هداه الله واهتدى؛ حصلت له الهداية بالتوفيق، وكذلك الإضلال من الله، والعبد هو الضال؛ فإذا أضله الله فَضَلَّ؛ صار ضالًّا.

فالهداية والإضلال بيد الله عز وجل؛ وقد اتفقت رسل الله وكتبه المنـزلة، على أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.   

وهذه المسألة مسألة عظيمة؛ لأن أفضل ما يقدِّره الله على العبد وأجل ما يقْسِمه له هو الهداية، وأعظم ما يبتلي الله به العبد، وأعظم مصيبة تصيبه هو أن يقدّر الله عليه الإضلال، وكل نعمة فهي دون نعمة الهداية، وكل مصيبة هي دون مصيبة الإضلال.

وهذه المرتبة أنكرها المعتزلة والقدرية، فأنكر عليهم أهل السنة وبدَّعُوهم وضللوهم، ومن ذلك قول المؤلف -رحمه الله-: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَعْصِمُ وَيُعَافِي فَضْلًا، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَخْذِلُ وَيَبْتَلِي عَدْلًا).  

فأهل السنة قالوا: النصوص واضحة؛ أن الله -سبحانه وتعالى- بيده الهداية والإضلال، ومن ذلك قول تعالى: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ...} [سورة السجدة آية: 13]، فلو كانت الهداية بيد العبد لما قيدها الله بالمشيئة، ولكن الله -سبحانه وتعالى- خص المؤمن بنعمة دينية دون الكافر؛ كما قال -سبحانه-: {ولو لا نعمة ربي لكنت من المحضرين} [سورة الصافات آية: 57]، وقال -سبحانه-: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة} [سورة الحجرات آية: 7- 8].

هذه النعمة اختص الله بها المؤمنين؛ فجعلهم يقبلون الحق، ويرضون به، ويختارونه، وألهمهم إياه، وخلق الهداية في قلوبهم؛ فصاروا مهتدين، وله الفضل والإحسان. 

والكافر أضله الله وخذله وابتلاه، كل ذلك عدلًا منه، وحكمة بالغة.

والمعتزلة والقدرية تأولوا النصوص، فقالوا: قَوْلُهُ: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} [سورة النحل آية: 93] معناه: يسميه مهتديًا، ويبين لهم طريق الصواب، أو يسميه ضالًّا، أو يحكم عليه بالإضلال، بعد أن يخلق الضلال من نفسه، ففسروها بهداية الدلالة والإرشاد، وهذا من أبطل الباطل.  

وضرب القدرية مثلًا لذلك -والله يقول: {فلا تضربوا لله الأمثال} [سورة النحل آية: 74]-، فقالوا: مَثَلُ الله في ذلك مَثَلُ رجل له ابنان أعطى كل واحد منهما سيفًا، وقال لهما: جاهدا به في سبيل الله؛ فالأول أطاع والده وجاهد به في سبيل الله؛ والثاني عصى والده وجعل يستعرض رقاب المسلمين ويقتلهم، فهذا اختار طريق الحق من نفسه، وهذا اختار طريق الضلال من نفسه، والله -تعالى- ما خص الأول بهداية ولا خص الثاني بالإضلال!! وهذا من أبطل الباطل كما أوضحناه قبلُ.

والمرتبة الرابعة: الهداية إلى طريق الجنة والنار يوم القيامة:

فالكفار يهديهم الله إلى النار، والمؤمنون يهديهم الله إلى الجنة، قال سبحانه وتعالى في الكفار: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [سورة الصافات آية: 22- 23] الآية، وقال سبحانه في المؤمنين: {والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [سورة محمد آية: 4- 6]، فهذه هداية بعد قتلهم يهديهم إلى طريق الجنة، ويصلح بالهم بإرضاء خصومهم، وقبول أعمالهم. 

فهذه مراتب الهداية؛ وأهل السنة يقسمون الهداية إلى قسمين:

هداية دلالة وإرشاد.

وهداية توفيق وإلهام([4]).  

والقدرية والمعتزلة ليس عندهم إلا هداية واحدة؛ هي: هداية الدلالة والإرشاد، أما هداية التوفيق فهم يردونها إلى هداية البيان والإرشاد، وهذا من أبطل الباطل، وهذا مبني على أصلهم الفاسد، وهو قولهم: بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله؛ فما دام يجب على الله فعل الأصلح للعبد؛ قالوا: فلا يمكن أن يهدي الله أحدًا، ولا أن يضل أحدًا.  

وهذا أيضًا مبني على أصلهم الفاسد الآخر، وهو القول: بأن أفعال العباد مخلوقة لهم؛ فالعباد هم الذين خلقوا الهداية والضلال، وهم الذين يخلقون الطاعات والمعاصي، ولو خص الله أحدًا بالهداية وخذل أحدًا؛ لكان ظالمًا، والله عدل لا يجور.  

وكما سبق: فإنَّ الله له حكمة بالغة في تقدير الكفر والمعاصي وغيرهما، وأن الذي ينُسب إلى الله إنما هو الخلق، وهو مبني على الحكمة، والذي ينسب إلى العبد هو المباشرة والكسب.   

ولهذا: فإن الهداية والإضلال بيد الله؛ فالله تعالى يهدي ويضل، والعبد يباشر؛ فيكون هو المهتدي أو الضال.  

 

تقلب العباد في مشيئة الله    

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَكُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي مَشِيئَتِهِ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ):

الشرح  

قوله: (وَكُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي مَشِيئَتِهِ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ) أي: أن كل العباد يتقلبون بين مشيئته وفضله؛ كما قال سبحانه: {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} [سورة التغابن آية: 2] فهو -سبحانه وتعالى- يهدي من يشاء فضلًا منه وإحسانًا، ويضل من يشاء مشيئة وحكمة وعدلًا {وما ربك بظلام للعبيد} [سورة فصلت آية: 46].   

فالله -سبحانه وتعالى- عليم بالـمَحالّ التي تصلح للهداية؛ عليم بالمحل الذي يصلح لغرس الكرامة فيهديه، وعليم بالمحل الذي لا يصلح لغرس الكرامة فلا يهديه.  

وهو -سبحانه وتعالى- يتصرف في عباده كما يشاء، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، والله تعالى وضع الأشياء في مواضعها، ولا يكون الإنسان ظالمًا إلا إذا منع الشخص مما يستحقه.

والله تعالى ما منع الكافر شيئًا يستحقه؛ فالهداية والإضلال ملكه، وبيده -سبحانه وتعالى- فهو يهدي من يشاء، ويضل من يشاء؛ يهدي من يشاء فضلًا وإحسانًا، ويضل من يشاء مشيئة وحكمة وعدلًا.  

ولهذا قال:  {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} [سورة غافر آية: 17]، وقال: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [سورة طه آية: 112].  

والظلم يختلف الناس في تفسيره، ولعله يأتي -إن شاء الله- في العقيدة بيان حقيقة الظلم، وأقسامه، والأقوال فيه.  

تعالى الله سبحانه عن الأضداد والأنداد   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الأَضْدَادِ وَالأَنْدَادِ):

الشرح 

قوله: (وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ الأَضْدَادِ وَالأَنْدَادِ)؛ أي: أن الله تعالى متعال عن الأضداد والأنداد، و(الأضداد) جمع ضِدٍّ وهو المخاِلف، و(الأنداد) جمع نِدٍّ وهو المِثل، فهو سبحانه لا مخالف له، «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن»([5]) فلا يمكن أن يخالفه شيء، كما قال سبحانه: {ولم يكن له كفوا أحد} [سورة الإخلاص آية: 4] فلا ضد له، ولا مخالف له، ولا مثل له -سبحانه وتعالى-، ومقصودُ الماتن -رحمه الله- الإشارة إلى الردّ على المعتزلة؛ القائلين بأنَّ العبد يخلق فِعْل نفْسه.

لا راد لقضاء الله   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (لا رَادَّ لِقَضَائِهِ، وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلا غَالِبَ لِأَمْرِهِ):

الشرح  

لا يرد قضاء الله راد، فإذا قضى الله شيئًا فلا يرده أحد، ولا بد من وقوعه، (وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)؛ أي: لا يؤخر أحد حكم الله، بل لا بد أن ينفذ، (وَلَا غَالِبَ لِأَمْرِ اللهِ)؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- هو الغالب، وهو الواحد القهار، إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، فلا يغلب أمر الله شيء.        

الإيمان بأن كل شيء يجري بمشيئة الله وقدره   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (آمَنَّا بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَيْقَنَّا أَنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدَهُ):

الشرح  

أي: صدقنا، واعتقدنا ذلك، وقوله: (وَأَيْقَنَّا): من اليقين وهو الاستقرار؛ يقال: يقن الماء إذا استقر في المكان، أي: ثبت هذا في قلوبنا واستقر، بأنَّ كلَّ ما تقدَّم، فإنه يجري بمشيئة الله وَقَدرِه.

والمعنى: أن كل شيء يجري بقضاء الله وقدره وإرادته وتكوينه ومشيئته. ومشيئة الله نافذة، وقدر الله جارٍ ماضٍ، وما أراده الله لا بد أن يكون؛ آمنا بذلك وصدقنا، واستقر ذلك في قلوبنا؛ لأن هذا من الإيمان بقضاء الله وقدره.  

كما لا بد من الإيمان بعلم الله بالأشياء، وكتابتها في اللوح المحفوظ، وإرادته لكل ما يوجد في هذا الكون؛ لأنه هو الذي خلقه وأوجده.   

وهذا مكتوب قبل أن تُخْلَقَ الخلائقُ بخمسين ألف سنة؛ كما ثبت في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي r قال: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرشُه عَلَى المَاءِ»([6]).  

وأن محمدًا عبدُه المصطفى ونبيُّه المجتبى  

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَإنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المُصْطَفَى وَنَبِيُّهُ المُجْتَبَى وَرَسُولُه المُرْتَضَى):

الشرح  

(إن) –بكسر الهمزة- معطوف على قوله: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ)؛ لأن (إن) تكسر بعد القول كما في قوله تعالى: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب} [سورة مريم آية: 30]، وكما في قوله: {يقول أئنك لمن المصدقين} [سورة الصافات آية: 52]؛ وتقرأ الجملة هكذا: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلا شَيْءَ مِثْلُهُ، وَإنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المُصْطَفَى وَنَبِيُّه المُجْتَبَى وَرَسُولُه المُرْتَضَى). فقد عطف المؤلف إثبات النبوة على إثبات توحيد الله في ربوبيته، وفي أسمائه، وصفاته، وأفعاله، وفي ألوهيته وعبادته.

قوله: المجتبى والمصطفى والمرتضى: متقاربة، يعني: أن محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي العربي المكي، ثم المدني هو عبد الله ورسوله، اجتباه الله، واصطفاه على العالمين، وارتضاه، واختصه بالرسالة والنبوة -عليه الصلاة والسلام-.  

فلا بدّ من الإيمان بأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأنه خاتم النبيين، وأنه أفضل الأنبياء، وأنه رسول الله إلى العرب والعجم، والجن والإنس؛ من لم يؤمن بهذا فهو كافر ليس بمؤمن، ولو زعم أنه يوحد الله و يعبده.  

شهادتان لا تصح إحداهما بدون الأخرى: من شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم تقبل منه، ومن شهد أن محمدًا رسول الله ولم يشهد أن لا إله إلا الله لم تقبل منه، وإذا أطلقت إحداهما دخلت فيها الأخرى، وإذا اجتمعتا تُفسر الشهادة الأولى بتوحيد الله، والثانية الشهادة برسالة النبي r.  

ولهذا نفى الله الإيمان عن أهل الكتاب -اليهود والنصارى-؛ لأنهم لم يشهدوا أن محمدًا رسول الله، وإن كانوا يزعمون أنهم مؤمنون بالله؛ قال الله تعالى في سورة «براءة»: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [سورة التوبة آية: 29]، فنفى عنهم الإيمان؛ لأنهم لم يؤمنوا بأن محمدًا رسول الله، وإن كانوا يزعمون أنهم آمنوا بالله، وأنهم يعملون بكتبهم، لكن الإيمان نُفِيَ عنهم؛ فما صح، ولا اعتُبِرَ.  

وقد جمع الله له r بين العبودية والرسالة، وهذه أفضل المقامات وأكملها، وكلما حقق الإنسان العبودية لله؛ كلما علت درجته، ومرتبته عند الله.  

ولا يمكن أن يخرج أحد عن العبودية أبدًا، فالناس -بل جميع المخلوقات- معبدة لله؛ العبودية العامة، قال سبحانه: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [سورة مريم آية: 93]؛ هذه هي العبودية العامة، ومعناها: أن كل مخلوق تنفذ فيه مشيئة الله وقدرته وإرادته. 

وأما العبودية الخاصة؛ فهذه خاصة بالمكلفين، الذين يعبدون الله باختيارهم، ويوحدونه؛ من الجن والإنس والملائكة، وأكمل المقامات للنبي r هي العبودية الخاصة والرسالة([7]).   

وكلما حقق الإنسان عبوديته لله؛ كلما علت درجته ومرتبته؛ ولما كان الأنبياء أكثر الناس عبودية لله؛ كانوا أفضل الناس وأقربهم إلى ربهم عز وجل، ولذلك كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- أكثر الناس عبودية لله -عز وجل-، وأعلاهم وأشرفهم منزلةً، ولهذا: فقد وصفه الله بالعبودية في المقامات الشريفة، فقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [سورة الإسراء آية: 1]، ووصفه بالعبودية في مقام الدعوة إلى الله فقال: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} [سورة الجن آية: 19]، ووصفه بالعبودية في مقام الوحي فقال: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [سورة النجم آية: 10]، ووصفه بالعبودية في مقام التحدي فقال: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} [سورة البقرة آية: 23]، فهذه أكمل المقامات وأشرفها.

كيفية إثبات النبوة  

وفي ثبوت النبوة كلام للناس؛ فكثير من أهل الكلام والنظر يثبتون النبوة بالمعجزات؛ فيرون أن المعجزات هي الدليل على النبوة.    

والمعجزات لا شك أنها من دلائل النبوة، لكن ليست دلائل النبوة محصورة في المعجزات، بل دلائل النبوة كثيرة؛ منها: المعجزات، وخوارق العادات التي يجريها الله على يد النبي، مثل الإسراء والمعراج.

وكذلك من أعظم المعجزات الدالة على نبوته r: القرآن الكريم، ومنها: نَبْعُ الماء من بين أصابعه r، وكذلك تكثير الطعام، وإخباره عن المغيبات بوحي من الله عز وجل.  

وهناك أيضًا دلائل كثيرة، حتى ألف العلماء مؤلفات كـ«دلائل النبوة» للبيهقي وغيره.  

والنبوة يدعيها أصدق الناس، وأكذبهم، والناس يفرقون بين الصادق وبين الكاذب في أخباره وأقواله وأفعاله، فلا بد أن يقول مدعيها  للناس كلامًا، ولا بد أن يخبرهم بأخبار، ولا بد أن يفعل أشياء؛ يعرف الناس بها الصادق من الكاذب.  

بل إن الناس يعرفون الصادق من الكاذب في غير دعوى النبوة؛ فأنت تعرف الصادق من الكاذب في بيعه وشرائه؛ فتعرف المهندس الصادق، وتعرف الطبيب الصادق الناصح؛ ولهذا تجد بعض الناس يشترى من فلان؛ لأنه صادق، ولا يشتري من فلان؛ لأنه كاذب.  

فإذا كان هذا حاصلاً في أمور الناس المعيشية، فكيف لا يُعرف الصادق من الكاذب في دعوى النبوة؟!

فالنبيُّ يعرف الناسُ صدقه فيما يُخْبِرُ به من الأخبار، وبما يفعله من أمور كلها مشتملة على علوم وأحوال يتبين بها صدقه، فصدق النبي ووفاؤه ومطابقة أقواله لأفعاله؛ دليل على نبوته.  

ومن أمثلة ذلك: استدلال خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- زوج النبي r على نبوته بما جبل الله نبيه عليه من الأخلاق والصفات الحميدة مثل الصدق والوفاء، وذلك لمَّا جاءه جبريل في أول البعثة في صورته التي خلق عليها، وقد ملأ ما بين السماء والأرض، رُعِبَ النبي r رعبًا شديدًا، وجاء إلى زوجه خديجة وقال: «لَقد خَشيتُ على نفسي، فَقَالتْ له خديجة: كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلَ الكَلَّ، وَتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتُقْري الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ»([8])، فالنبي r يعلم أنه صادق، ولكن يخشى أن يكون عرض له عارض سوء، فبينت له خديجة أنه لا يمكن أن يعرض له عارض سوء؛ لأن الله لما جبله على هذه الصفات الحميدة فلا يخزيه -سبحانه وتعالى-. فهذا من الأدلة التي يُستدل بها على نبوة النبي r.  

ومن ذلك أيضًا: تصديق ورقة بن نوفل ابن عم خديجة له، وكان قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب من الإنجيل بالعربية، فجاءت خديجة بالنبي r إلى ابن عمها، وقالت: اسمع من ابن أخيك.  

فأخبره النبي r خبره، فآمن به وصدقه في الحال، واعترف بنبوته، وقال: «هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنزِلَ عَلى مُوسَى»([9])، والناموس: هو صاحب السر في الخبر، يعني جبريل الذي ينـزل على موسى وآمن في الحال، وكان ورقة كان شيخًا كبيرًا قد عمي وطعن في السن، فتمنى أن يكون جذعًا حين يخرجه قومه، قال: «يَا لَيْتَنِي فيها جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُول الله r أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟! فَقَالَ وَرقَة: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجَلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ»([10])، فآمن ورقة رضي الله عنه، وجاء في حديث أن النبي r شهد له بالجنة، والمقصود: أن ورقة استدل بذلك على صدق النبي r.

وكذلك أيضًا هرقل ملك الروم لما كتب له النبي r له الكتاب يدعوه إلى الإسلام كتب له: «مِنْ مُحَمَّدٍ عبد الله ورسولُه إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ.. فَإِني أَدعوكَ بدِعاية الإِسْلام أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ توليت فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ، وَ {ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [سورة آل عمران آية: 64] »([11]).

فاهتم هرقل بهذا الكتاب اهتمامًا عظيمًا، وسأل في بلده: هل يوجد أحد من العرب؟ -وكان أبو سفيان في ذلك الوقت في الشام في تجارة ومعه أصحابه- فقيل: نعم هاهنا، فقال: عليَّ به، وقال لترجمانه: قل لهم: أيكم أقرب نسبًا من هذا الرجل؟ فقالوا: أبو سفيان، فقدم أبا سفيان وجعلهم خلفه، وقال لترجمانه: نسائل هذا الرجل مسائل فإن كذبني فكذبوه؛ ولهذا تحاشى أبوسفيان الكذب وهو في كفره وقال: لولا أن يؤثر عليَّ الكذب لكذبت.   

فسأله أسئلة استدل بها على صدق النبي r واعترف بنبوته، «قَالَ لَهُ: كَيْفَ نَسَبُهُ فيكم؟ قُلتُ: هُوَ فِينا ذُو نَسَبٍ»([12])، قال: «وَكَذَلِكَ الرُسُلُ تبعَثُ في أَحساب قومها»([13])، وسأله: «فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلتُ: لَا»([14]). فَقَالَ: «فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ»([15])، وسأله «فَأَشْرَافُ النَّاسِ يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قلتُ: بل ضُعَفَاؤُهُمْ» ([16])، فَقَالَ: «وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ»([17])، وسأله «أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُون؟»([18]) فَقَالَ: يَزِيدُونَ، فَقَالَ: وَكَذَلِكَ أَمرُ الإيمانُ حتى يتمَّ»([19])، وسأله فقال: «فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سُخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلتُ: لَا»([20])، قَالَ: «وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةُ القُلُوب([21])، وسأله «فَكَيْفَ كَانتْ حربُهُ وحربُكم؟ قلتُ: كانتْ دُوَلاً وسجالاً؛ يُدال علينا المرة، وتُدال عليه الأخرى»([22]) يعني مرة ننتصر عليه، ومرة ينتصر علينا فقال: «فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهم العَاقِبَةُ»([23])، وسأله «فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ به؟ قَالَ: يَأْمُرُنَا بِعِبَادَةِ اللهِ، وَيَنْهاَنا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصَدَقةِ، وَالعَفَافِ وَالوَفَاء بالعهد، وأَدَاء الأَمَانَةِ»([24]).   

ثم قال لهم: «وَهَذِهِ صِفة نَبيٍّ كنتُ أعلمُ أَنَهُ خارجٌ، ولكن لم أكن أعلم أنه منكم»([25])، «وإن يَكُ ما قُلتُ حقاً؛ فيوشك أن يَملك موضع قدميَّ هاتين، ولوْ أرجو  أن أخْلُصَ إليه لتجشمت لقاءَه، ولو كنتُ عنده، لغسلتُ قَدَمَيْهِ»، «فإنْ كان ما تقولُ حقاً فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ»([26]).  

ثم أُخرج أبو سفيان وقومه، فقال لهم أبوسفيان حين خرج: «لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ إِنَّه لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ»([27])؛ قوله:  (أَمِرَ) يعني عظم شأنه، و(ابن أبي كبشة): نسبة إلى أحد أجداده الغامضين من جهة الرضاع، وكانت العرب إذا كرهت الإنسان نسبته إلى جد غامض، قال أبو سفيان: «والله ما زلتُ ذليلاً مستيقناً بأن أمره سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ قَلبي الإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ([28]).  

فهذا هرقل استدل على نبوة النبي r بهذه الأدلة من غير المعجزات وخوارق العادات.  

وكذلك النجاشي -رحمه الله ورضي عنه- لما جاءه الصحابة وهاجروا إليه سألهم، واستخبرهم خبر النبي r واستقرأهم القرآن فقرءوا عليه، فقال لهم: «إِنَّ هَذَا وَالَّذِي أَتَى بِهِ مُوسَى مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ»([29]).

وبهذا يتبين أن الأدلة على نبوة الأنبياء كثيرة، ليست خاصة بالمعجزات وخوارق العادات، كما يزعمه بعض أهل الكلام والنظر من الأشاعرة وغيرهم، حتى إن المعتزلة أنكروا خوارق العادات التي تجري على أيدي المؤمنين، وخوارقَ العادات التي تجري على أيدي السحرة، مع أنها واقعة، وقالوا: حتى لا يلتبس النبي بغيره، وهذا من جهلهم، وهو من أبطل الباطل.  

ومن دلائل النبوة أيضاً: ما أبقاه الله تعالى من آثار الأمم المهلَكة؛ فإن الله تعالى ينصر المؤمنين، ويؤيدهم على القوم الكافرين، ويهلك الكفارَ ويعاقبهم، فبقيَّةُ آثارهم في العالم موجودةٌ، وأخباريهم متواترة؛ يعرفها الناسُ جميعًا؛ كتواتر الطوفان الذي أغرق الله به قوم نوح، وكغرق فرعون، وكآثار قوم لوط، وقوم هود، وقوم صالح. 

ولهذا في سورة «الشعراء»؛ لما ذكر قصة موسى، ثم قصة إبراهيم، ثم قصة نوح، ثم قصة هود، ثم قصة صالح، ثم قصة لوط، ثم قصة شعيب قال الله -تعالى- بعد كل قصة: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} [سورة الشعراء آية: 8- 9].

ومن دلائل النبوة كذلك: ما اشتملت عليه الشرائع التي جاء بها الأنبياء من العلوم والأعمال والأحوال العظيمة، وما اشتملت عليه من الرحمة للخلق، ودعوتهم إلى ما فيه خلاصهم ونجاتهم، ودعوتهم إلى ترك ما فيه هلاكهم، فهي مشتملة على علوم وأحوال وصفات إذا تخلق بها الناس، وعملوا بها حصلت لهم السعادة، وهي مشتملة كذلك على التحذير من أسباب الهلاك والأخلاق السيئة. 

مراتب الأنبياء والرسل والفرق بين الأنبياء والرسل:

والأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- على مراتب ودرجات، فالرسل أفضل من الأنبياء.

وهناك فرق بين النبي والرسول: 

فمن العلماء من قال: إن الفرق بين النبي والرسول أن كلًّا من النبي والرسول يوحى إليه، لكن الرسول يوحى إليه بشرع ويؤمر بتبليغه، والنبي يوحى إليه ولا يؤمر بتبليغه، فإذا أوحي إليه وأمر بتبليغه كان رسولًا، وإن لم يؤمر بتبليغه كان نبيًّا، ولكن هذا قول مرجوح، والصواب أن الرسول هو الذي يُرسَل إلى أمة كافرة فيؤمن به بعضهم ويكفر به بعضهم، كنوح -عليه الصلاة والسلام- أُرسل إلى الكفار، فآمن به بعضهم، وكفر به بعضهم، ومثل نوح أيضاً: هودٌ، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونبينا محمد r.   

أما النبي: فهو الذي يرسل إلى قوم مؤمنين، ويكلَّفُ بالعمل بشريعة سابقة([30])، فمثلًا آدم -عليه الصلاة والسلام- نبي؛ لكنه نبي إلى بنيه، ولم يقع الشرك في زمانه، والأمرُ كذلك بالنسبة لنبيِّ الله شيث، وأمَّا نوح -عليه السلام- فكان أول رسول بعثه الله بعد وقوع الشرك أول ما وقع في الأرض؛ فأرسله إلى بنيه وإلى غير بنيه.    

قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ثم وقع الشرك([31])، هذا معنى قوله: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين} [سورة البقرة آية: 213].

وبالمثل: داود وسليمان أنبياء؛ لأنهم كلفوا بالعمل بالتوراة جميعًا التي أُنزلت على موسى -عليه الصلاة والسلام- وأُرْسِلا إلى بني إسرائيل الذين كانوا بعد موسى، حتى جاء عيسى -عليه الصلاة والسلام- بشريعةٍ مستقلة؛ وهو تابع أيضًا لما جاء في التوراة، ولكنه خفف بعض الأحكام، وقال: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم} [سورة آل عمران آية: 50]. 

فالصواب الذي أقره وحكم به أهل العلم: أنَّ الرسول هو الذي بُعث إلى أمة من أهل الشرائع الكبيرة؛ أي: إلى أمة كافرة؛ فيؤمن به بعضهم ويكفر بعضهم، والأنبياء هم الذين يوحى إليهم، ويرسلون إلى المؤمنين خاصة، وَيُكَّلفُون بالعمل بشريعة سابقة.  

 

 

([1])   انظر: «شفاء العليل» (1/133- 226).

([2])   انظر: «العقيدة الواسطية» لشيخ الإسلام، و«مجموع الفتاوى» (2/152) و(12/127) و(16/137- 138)، و«جامع الرسائل والمسائل» (1/183). 

([3])   انظر: «شفاء العليل» (ص 65 وما بعدها)، نشر: دار الفكر، بيروت، طبع سنة: 1398هـ تحقيق: محمد بدر الدين أبو فراس الحلبي.

([4])   انظر: «مدارج السالكين» (1/9- 14).

([5])   أخرجه أبو داود (5075)، ومن طريقه البيهقي في «الأسماء والصفات» (342 -تحقيق: الحاشدي)، ورواه أيضاً النسائي في «السنن الكبرى» (9840) من حديث إحدى بنات النبي r، وضعّفه الحاشدي في تعليقه على «الأسماء والصفات» للبيهقي (1/420- 421)، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (1/258) -بعد ما عزاه إلى أبي داود والنسائي-: «... وأم عبدالحميد، لا أعرفها». وفي الباب أحاديث وآثار، لا تخلو أسانيدها من مقال. انظر: «الأسماء والصفات» للبيهقي (1/421- 425).

([6])   أخرجه مسلم (2653).

([7])   انظر: «مدارج السالكين (1/105).

([8])   أخرجه البخاري (3) واللفظ له، ومسلم (160).

([9])     أخرجه البخاري (3) وفي مواضع متفرقة من صحيحه الجامع, ومسلم (160)، وهو طرف آخر للحديث السابق. 

([10])   أخرجه البخاري (6982) واللفظ له,  ومسلم (160)، وهو طرف آخر للحديث السابق.  

([11])   أخرجه البخاري (7) بهذا اللفظ، من حديث أبي سفيان بن حَرْبٍ، وهو خَبَرٌ طويل، وسيأتي تخريجه بتمامه.

([12])   أخرجه البخاري (2947) واللفظ له، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).

([13])   أخرجه البخاري (4553),  ومسلم (1773) بهذا اللفظ.

([14])   أخرجه البخاري (7) واللفظ له، ومسلم (1773).

([15])   أخرجه البخاري (4553)، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).

([16])   أخرجه البخاري (7) وهذا لفظه، ومسلم (1773).

([17])   لم يقع في «الصحيحين» بلفظ: «وكذلك أتباع الرسل»، بل عند الطبراني في «المعجم الكبير» (7272)، وليس عند لفظ: «في أول الأمر»، ولفظه في «البخاري» (7): «... فذكرتَ أنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتّبَعُوهُ؛ وهم أتَّبَاعُ الرُّسل...»، ولفظُ مسلمٍ (1773): «... فقلتَ: بل ضعفاؤهم؛ وهم أتَّباعُ الرُّسل...».

([18])   أخرجه البخاري (7)، ومسلم (1773) بهذا اللفظ.

([19])   أخرجه ا لبخاري (7) وهذا لفظه، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).

([20])   أخرجه البخاري (7) واللفظ له، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).

([21])   أخرجه البخاري (4553)، ومسلم (1773)، كلاهما بهذا اللفظ، وله عند البخاري في مواضع من الصحيح، بنحوه.

([22])   أخرجه البخاري (2941) واللفظ له، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).

([23])   أخرجه البخاري (2804)، ومسلم (1773).

([24])   أخرجه البخاري (2941) واللفظ له، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).   

([25])   أخرجه البخاري (2941) واللفظ له، ومسلم (1773)، وأحمد (1/262).       

([26])   أخرجه البخاري (7) ومسلم (1773) واللفظ له، وأحمد (1/262). 

([27])   أخرجه البخاري (4553)، ومسلم (1773) واللفظ لهما، وأحمد (1/262).     

([28])   أخرجه البخاري (2941) بهذا اللفظ، ورواه مسلم (1773) بنحوه.   

([29])   أخرجه أحمد (1/201- 202) و (5/290- 291) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وكذا ابن خزيمة (2260)، وأبو نُعيم في «الحلية» (1/115- 116)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (6/27): « رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع».

([30])   انظر: «النبوات» لشيخ الإسلام (2/687- 690، 714).

([31])   أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/480، 596)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (15184)، وابن جرير في «التفسير» (2/334)، كلهم من طريق أبي داود الطيالسي، عن همام بن منيه، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه».

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد