تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 5

00:00

00:00

4

ختم النبوة بمحمد r

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَإِنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ):

الشرح   

نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- خاتم الأنبياء، وقوله: (وإنه خاتم الأنبياء) معطوف على قوله: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المُصْطَفَى وَنَبِيُّه المُجْتَبَى وَرَسُولُه المُرْتَضَى).

فلا بد في صحة الإيمان برسالة محمد r: أن يعتقد المسلم ويؤمن بأنه خاتم الأنبياء؛ ليس بعده نبي، فمن زعم أن بعده نبيًّا؛ فهو كافر بعد أن تقوم عليه الحجة، قال الله تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [سورة الأحزاب آية: 40].

وثبت في الحديث عن النبي r أنه قال: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسَ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟! قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ»([1]).

وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِيّ، وَأَنَا العَاقِبُ. لَيْسَ بَعْدَهُ أَحَدٌ»([2])، والعاقب: الذي ليس بعده شيء.  

وفي حديث ثوبان يقول النبي r: «وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كَلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»([3]).  

 

وقال -عليه الصلاة والسلام-: «فُضّلْتُ عَلى الأنبياء بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ، وَجُعِلَتْ لي الأرضُ طَهُوراً ومسْجداً، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ»([4]) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.  

والشاهد من الحديث أنه قال: «وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»([5])؛ فهذه الأدلة تدل على أنه خاتم النبيين، وأنه ليس بعده نبي، فمن اعتقد أن بعده نبيًّا فهو كافر، ولا يصح إيمانه؛ ولهذا فإن من ادعى النبوة بعده فهو كافر([6])، كمسيلمة الكذاب، والأسود العنسي؛ ومنهم في هذا العصر: «ميرزا غلام أحمد القادياني» الذي ادعى النبوة، والقاديانية([7]) الذين يتبعونه في الهند ويعظمون بلدة «قاديان» ويحجون إليها؛ هؤلاء فرقة كافرة، خارجة عن الإسلام وعن المسلمين، كما أقر بذلك أهل العلم، وأجمعوا على ذلك في العصر الحاضر.  

 

محمد r إمام الأتقياء   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ):

الشرح  

أي أن محمدًا -عليه الصلاة والسلام- إمام الأتقياء، والأتقياء جمع تقي؛ وهو الذي يخشى الله ويتقيه، ويعبده مخلصًا له الدين، ويؤدي ما فرضه عليه، وينتهي عما حرَّمه عليه.

فهو -عليه الصلاة والسلام- إمام الأتقياء، يُقتَدى به وَيَتَّبَعُ؛ كما قال سبحانه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [سورة آل عمران آية: 31]، وهو -عليه الصلاة والسلام- له النصيب الأوفر من صفات المتقين؛ فهو مقدمهم وإمامهم. والله تعالى وصف المتقين بصفات كقوله سبحانه: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} [سورة آل عمران آية: 133- 136]، هذه هي صفات المتقين، وهو -عليه الصلاة والسلام- أسبق الناس إلى هذه الصفات إلى يوم القيامة.

 

 

 

محمد r سيد المرسلين   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَسَيِّدُ المُرْسَلِينَ):

الشرح  

هذا وَصْفُهُ -عليه الصلاة والسلام- أنه سيد المرسلين جميعًا، وهو سيد الناس؛ كما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه -عليه الصلاة والسلام- أفضل الناس، وإذا كان سيد المرسلين -والمرسلون أفضل الناس- فهو r سيد العالمين كما ثبت من الحديث الصحيح قال: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ»([8])، فقد اختاره الله -سبحانه وتعالى-، واصطفاه على خلقه؛ كما في الحديث: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»([9])، وقال -عليه الصلاة والسلام-:  «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»([10])، فهو أفضل الناس على الإطلاق.  

 

وأما ما جاء في بعض الأحاديث من النهي عن تفضيله؛ كحديث : «لَا تُخَيِّرُوني عَلَى مُوسَى»([11])، ورواية: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأُصْعَقُ مَعَهُم فَأَكُونُ أَوَّل مَنْ يفيقُ فإذا موسى باطشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللهُ؟»([12]).  

وفي لفظ: «لَا تُخَيِّروني من بين الأنبياء؛ فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أنا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ»([13]).  

وهذا الحديث له سبب، وهو أن يهوديًّا قال: والذي اصطفى موسى على العالمين، فسمعه مسلم فلطمه، قال: أتقول هذا ورسول الله r بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي واشتكى المسلم للنبي r فقال النبي r: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى»([14])، فيكون النهي محمولًا على ما إذا كان التفضيل على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس، أو يكون التفضيل على وجه الفخر؛ أو على وجه الانتقاص للمفضول؛ فهذا منهي عنه، أو أن النهي محمول على ما إذا كان خاصًّا بمعنى: أن يُفَضِّلَ نبياً بعينه على آخرٍ، بخلاف قوله r: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر»؛ فإنه تفضيل عام؛ فلا بأس. فإن الجهاد -وهو أفضل الأعمال- إذا كان على وجه الحمية والعصبية؛ فإنه لا يكون جهادًا في سبيل الله؛ كما ثبت في الحديث: أن النبي r سئل عن الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل عصبية أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»([15]).    

ومثله الحديث الآخر: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ الله»([16])؛ فيجاب عنه بأجوبة وهو تفصيلٌ لما سبق ذكره:   

الجواب الأول: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس.

الجواب الثاني: أنه محمول على ما إذا كان على وجه الفخر؛ لأن الفخر منهي عنه كما قال النبي r: «وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»([17]).  

الجواب الثالث: أن النهي محمول على ما إذا كان على وجه الانتقاص للمفضول.

الجواب الرابع: أن النهي محمول على ما إذا كان خاصًّا، أما إذا كان عامًّا فلا بأس بتفضيله على عموم الناس، أما تفضيله خاصة كتفضيله على موسى، فيكون منهيًّا عنه.  

وأما الحديث الذي يروى: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى»، وأن بعض الشيوخ امتنع عن تفسيره حتى أُعطي مالًا جزيلًا، فلما أعطي مالًا جزيلًا فسّره، وقال: يعني: أن قرب يونس بن متى وهو في بطن الحوت وفي قعر البحار، كقربي من الله ليلة المعراج. وهذا الحديث باطل محرف لفظًا ومعنى([18])، وهذا يدل على جهل هؤلاء بألفاظ الحديث ومعانيه، وهذا التفسير ذكره بعضهم، وأظنه أبو المعالي الجويني([19])، وهو يتمشى مع القول بنفي العلو عن الله، وأن من كان فوق السبع الطباق، ومن كان في بطن الحوت في قعر البحار فَقُربهم مِنْهُ سواء.  

وقد عُلم بكثير من الأدلة قطعًا أن الله تعالى في العلو؛ فوق العرش، ومحمد -عليه الصلاة والسلام- عُرج به إلى الله في العلو، ويونس إنما كان في قعر البحار، فأين هذا من هذا؟   

وصواب الحديث: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدٌ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»([20])، وفي لفظ: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنَّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى»([21])، وفي لفظ: «مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ»([22])، فليس في الحديث نهي عن تفضيل النبي r على يونس-عليه السلام-، فالصواب أن الأنبياء يتفاضلون؛ كما قال الله تعالى: {ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض} [سورة الإسراء آية: 55]، {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} [سورة البقرة آية: 253].   

وكيف يقال: إن يونس يفضل على محمد r ومحمد -عليه الصلاة والسلام- قد عُرج به إلى السماء، فهو مقرب معظَّم مُبجل، ويونس ممتحن مؤدب مسجون في قعر البحار، فأين المعظَّم، المقرَّب، المبجَّل، من الممتحَن المؤدَّب؟!

ومع ذلك فإنه لا ينبغي لإنسان أن يفضِّل نفسه على يونس، حتى لو كان فاضلًا، فكيف إذا كان مفضولًا؟! فمن قال إنه خير من يونس بن متى -حتى ولو كان فاضلًا-: فكفى بقوله هذا سببًا للحطِّ من مرتبته، فلو قال بهذا أحد: فهو كاذب. وهذا من باب الشرط المقدر؛ كقوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [سورة الزمر آية: 65].

وسبب ذلك أن يونس -عليه الصلاة والسلام- لما ذهب مغاضبًا والتقمه الحوت وهو مليم فسبّح وقال: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [سورة الأنبياء آية: 87]؛ وقد يظن بعض الناس: أنه خير من يونس بن متى، وأنه لا يحتاج إلى هذا الندم والاستغفار والتسبيح، وهذا باطل؛ لأن كل أحد يحتاج إلى أن يستغفر من ذنبه، وكل أحد ظالم لنفسه. 

وكذلك نبينا r نهاه الله عن التشبه بيونس قال: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} [سورة القلم آية: 48]، وأمره بالتشبه بأولي العزم: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} [سورة الأحقاف آية: 35]. 

وقد أخبر الله عن الأنبياء كلهمأنهم يستغفرون، وأولهم آدم وآخرهم نبينا محمد r؛ فأخبر الله عن آدم أنه قال: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} [سورة الأعراف آية: 23]، وموسى أخبر الله عنه قال: {رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} [سورة القصص آية: 16]، وقال نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- وهو أشرف الخلق كما في حديث الاستفتاح: «وَجَّهْتُ وَجْهِي»([23])، وقال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبي جَمِيعاً، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ»([24]).   

فكل أحد -حتى الأنبياء- يحتاج إلى ما احتاج إليه يونس. فمن وقع في نفسه أنه خير من يونس بن متى فهو كاذب.  

 

ثبوت الخلة لنبينا r

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَحِبيبُ رَبِّ العَالَمِينَ):

الشرح  

قوله: (وَحِبيبُ رَبِّ العَالَمِينَ) يعني: نبينا r حبيب رب العالمين، بل هو r، خليلُ رب العالمين، ولو قال الشيخ الطحاوي : (وخليل رب العالمين) لكان أولى؛ لأن الخُلَّة أكمل من المحبة، وقد ثبتت له -عليه الصلاة والسلام- الخلة؛ كما ثبتت لإبراهيم، قال -عليه الصلاة والسلام-: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا»([25])، وفي الحديث الآخر: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًًا مِنْ أهل الأَرضِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ ابْنَ أبي قُحَافَةَ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله»([26])، إذن: فالخلة ثابتة لنبينا r. والخلة أعلى مقامات المحبة؛ والمحبة ثابتة لغير الخليل؛ قال الله تعالى: {إن الله يحب المتقين} [سورة التوبة آية: 4]، وقال: {إن الله يحب المحسنين} [سورة البقرة آية: 195]، وقال: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [سورة البقرة آية: 222]، فهذه المحبة ثابتة لهم، لكن الخلة فوق ذلك. والخلة لم تكن إلا لاثنين: لإبراهيم، ومحمد -عليهما السلام-، فهما الخليلان، وأما ما يقوله بعض الناس ويزعمه من أن الخلة لإبراهيم، والمحبة لمحمد؛ ويقول: إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله؛ فهذا باطل، بل إن محمدًا أيضًا خليل الله، ويُروى في ذلك حديث رواه الترمذي؛ فيه: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللهِ وَلَا فَخْرَ»([27])، وهذا حديث ضعيف لا يصح؛ في سنده راويان ضعيفان: زَمْعَة بن صالح، وسلمة بن وَهْرَام.

والصواب: أن محمدًا خليل الله كما أن إبراهيم خليل الله؛ فقول الشيخ: (وَحِبيبُ رَبِّ العَالَمِينَ) يوهم أنه لا يُثبت الخلّةَ لمحمد r ولو قال: (وخَلِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ) لكان أحسن؛ حتى يُدْفَعَ عنه توهّم عدم إثبات الخلّة لمحمدٍ r([28]).

والخلة هي نهاية المحبة؛ وذلك: لأن المحبة لها درجات ومراتب([29]): 

فأوّلُ مراتب المحبة: العلاقة؛ وهي: تعلق القلب بالمحبوب.  

المرتبة الثانية: الإرادة؛ وهي: إرادة المحب للمحبوب، وَمَيْلُ قلبه إليه، وطلبه له.  

المرتبة الثالثة: الصبابة؛ وهي: انصباب القلب إلى المحبوب؛ بحيث لا يملكه؛ كانصباب الماء في الحدور.

المرتبة الرابعة: الغرام؛ وهو: الحب الملازم للقلب، سمي غرامًا لملازته له، ومنه الغريم، وسمي غريمًا لملازمته لغريمه صاحب الدَّين، ومنه قوله تعالى في جهنم: {إن عذابها كان غراما} [سورة الفرقان آية: 65] يعني: ملازمًا.

المرتبة الخامسة: المودة والود؛ وهو: صَفْوُ المحبة، وخلوصها، وَلُبُّها، ومنه قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [سورة مريم آية: 96].  

المرتبة السادسة: الشَّغَفُ؛ وهو: الحُبُّ الذي وصل إلى شَغَافِ القلب، وهو غلافه، وهي: جلدةٌ دونه؛ كالحجاب.  

المرتبة السابعة: العشق، وهو: الحُبُّ المفرط الذي يُخْشى على صاحبه مَنْهُ، وهذه المرتبة لا يوصف بها الرب، ولا يوصف العبد بها في محبته لربه؛ لأنه لم يرد، ولعل الحكمة في ذلك: أنها محبة مع شهوة.   

المرتبة الثامنة: التتيم؛ وهو: التعّبد، ومنه تيم الله أي: عبد الله، يقال: تَيَّمَهُ الحب؛ أي: عبَّده وذللـه.  

المرتبة التاسعة: التّعبد؛ وهو غاية الذل مع غاية المحبة، يقال: طريق مُعَبَّدٌ إذا وَطِئَتْهُ الأقدامُ، ومحبة العبودية خاصة بالله، ولا تكون إلا لله؛ فإذا صُرفت لغير الله: كانت شركًا.

المرتبة العاشرة: الخلة وسميت خلة لأنها تتخلل القلب والروح حتى تصل إلى سويدائك، كما قال الشاعر([30]): 

قدْ َتَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي
 

 

وَلِذَا سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلا
 

والخلة: هي نهاية المحبة وكمالها، ولا يتسع القلب لأكثر من خليل واحد؛ ولهذا قال النبي r : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللهِ»([31]) يعني نفسه -عليه الصلاة والسلام-؛ يعني: لو كان في قلبي متسع؛ لكان لأبي بكر، ولكن قلبي امتلأ بخلة الله؛ فليس فيه متسع لأكثر من واحدٍ.  

أما المحبة: فيتسع r لكثير؛ كما كان يحب عائشة، ويحب أبا بكر، وكان أسامةُ حِبَّه وابنَ حِبِّه زيد؛ فالقلب يتّسع لأكثر من واحد؛ هذا بالنسبة للمخلوق، أما وَصْفُ اللهِ بالخلة والمحبة، فهو كما يليق بجلاله وعظمته. والله -تعالى- يوصف من هذه المراتب: بالإرادة، والمحبة، والمودة، والخلة، أما بقية المراتب فلم يَرِدْ بها النَّصُّ. فاتصافه بالخلة هو كسائر صفاته كما يليق بجلاله وعظمته؛ لا تشبه صفاتُه صفاتِ المخلوقين.

كل من ادعى النبوة بعده r كاذب   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَكُلُّ دَعْوَى النُّبُوَّةِ بَعْدَهُ فَغَيٌّ وَهَوَى):

الشرح  

كل من ادعى النبوة بعد النبي r فهو غاوٍ؛ والغاوي هو المنحرف عن علم وهوى؛ أي: اتبع هوى نفسه {فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى} [سورة النازعات آية: 37- 39]، فالغيُّ: هو ترك العمل مع العلم، أما الضلال: فَعَمَلٌ مَعْ جَهْلٍ، وقد برأ الله نبيه الكريم من هذين الوصفين؛ قال سبحانه: {والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى} [سورة النجم آية: 1- 2]، أي: ليس ضالًا؛ فيكون جاهلًا، بل هو على علم من ربه، وليس وهو كذلك: غاويًا لا يعمل؛ بل هو راشدٌ. والراشد: هو الذي يعلم ويعمل.

 عموم بعثته | للإنس والجن

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وهُوَ المَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الجِنِّ وَكَافَّةِ الوَرَى):

الشرح 

أي: أنه رسول الله إلى خلقه، يعني: الجن والإنس. والأدلة في كونه مبعوثاً إلى الجنّ واضحة، منها قوله تعالى: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين * قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} [سورة الأحقاف آية: 29- 30]، ثم قالوا بعد ذلك: {ياقومنا أجيبوا داعي الله} [سورة الأحقاف آية: 31]؛ فهذا دليل على أنه مرسل إليهم، وكذلك في سورة «الجن» كما في قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} [سورة الجن آية: 1]، وقوله في سورة «الرحمن»: {يامعشر الجن والإنس} [سورة الرحمن آية: 33] إلى قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [سورة الرحمن آية: 13]؛ قرأها النبي r عليهم وقرأها على الإنس، فقال النبيُّ r: «لَلْجِنُّ أَحْسَنُ رَدًّا مِنْكُمْ مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} [سورة الرحمن آية: 13] مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا قَالُوا: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ يَا رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الحَمْدُ»([32]).

وثبت أيضًا أنهم جاءوا للنبي r وسألوه الزاد؛ فقال: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ في أيديكم، أَوْفَرَ ما يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لدَوابكم...» ([33])، وقال النبي r:  «لَا تَسْتَنْجُوا بِالعَظْمِ وَالرَّوَثِ؛ فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ»([34]).  

وثبت في قصة ابن مسعود أن النبي r قال: «لا تبرح مكانك»، وسمع حركة الجن، ولغطهم، وأصواتهم([35])؛ فأراد أن يذهب لكنه ذكر قول النبي r: «لَا تَبْرَحْ مَكَانَكَ»؛ فلما جاء النبي r أخبره وقال: يا رسول اللهَ! سمعتُ كذا وكذا، وخشيتُ عليك، فتذكرتُ قولك: «لَا تَبْرَحْ...» قال: «هل سمعتَ؟» قال: نعم، فجاءه، فأراه النبي r مكان نيرانهم، وأخبره أنهم سألوه كذا وكذا»([36]).   

فهذه أدلة تدل على أنه  -عليه الصلاة والسلام- مُرْسَلٌ إلى الجن. 

قال ابن القاسم: إنه لم يُرسَل نبي إلى الإنس والجن إلا محمد r، لكن هذا بعيد؛ لأن ظاهر قوله تعالى: {ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى} [سورة الأحقاف آية: 30] ظاهره أن موسى مُرْسَلٌ إليهم، وكذلك أيضًا قوله تعالى: {ألم يأتكم رسل منكم} [سورة الأنعام آية: 130]، دليل على أنه أُرْسِل إليهم رُسُلٌ.

مسألة:  

هل يكون من الجن رسول ونبي؟([37]). 

قاله بعضهم؛ وروي هذا عن الضحاك بن مزاحم، ومجاهد وغيره، والذي رُوي عن ابن عباس: أن الرسل تكون من الإنس خاصة، وأما الجن فيكون فيهم نُذُرٌ؛ يُنْذِرُونَ، كما في الآية: {فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} [سورة الأحقاف آية: 29]؛ {ياقومنا أجيبوا داعي الله} [سورة الأحقاف آية: 31].

فالنبوة والرسالة تكون في الإنس، والجنُّ إنما يكون فيهم نُذُرٌ؛ وأما قوله تعالى: {يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} [سورة الأنعام آية: 130]، فلا يلزم من ذلك أن يكون منهم رسل، وإنما من أحدهما وهم الإنس؛ كقوله تعالى: {مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان} [سور الرحمن آية: 19- 20]، ثم قال: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [سورة الرحمن آية: 22]، وإنما يخرج اللؤلؤ من أحدهما، وهو المالح دون العذب.  

وقال آخرون: لا مانع من ذلك؛ فقوله تعالى: {يامعشر الجن والإنس} [سورة الأنعام آية: 33] ظاهره أن يكون من الجن رسل، وقالوا: إن القول في {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} ليس بصحيح؛ بل قد يخرج من العذب، والله أعلم بالصواب.

وأما كون النبي r مرسلًا إلى عموم الناس إلى يوم القيامة -العرب والعجم- ففي ذلك أدلة واضحة لا شك فيها كما سيأتي، فمن أنكر رسالة محمد r إلى عموم الناس أو قال: إنه رسولٌ إلى العرب خاصَّه؛ فهو كافر؛ قال تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} [سورة سبأ آية: 28]، وقال سبحانه: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} [سورة الفرقان آية: 1]، وقال سبحانه: {ö@è% قل ياأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} [سورة الأعراف آية: 158]، وقال تعالى: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} [سورة الأنعام آية: 19] أي: وأنذر من بلغه إلى يوم القيامة، وقال سبحانه: {وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا} [سورة النساء آية: 79]، وقال سبحانه: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس} [سورة  يونس آية: 2] أي: جميعًا وعمومًا، وقال r في حديث صحيح: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَموتُ وَلَمْ يُؤمن بالذي أُرسلتُ به، إلاّ كَانَ مِنْ أصْحَابِ النَّارَ»([38])، فهذه الأدلة تدل على عموم الرسالة.   

وأما قول بعض النصارى: إن النبوة خاصة بالعرب فيقال لهم: إذا أثبتم أنه رسول إلى العرب فيلزمكم أن تثبتوا أنه رسول الله إلى الناس عامة؛ ما دام أثبتم أنه رسول؛ فالرسول لا يكذب، وقد أخبر أنه رسول الله إلى الناس كافة؛ فيلزمكم تصديقه وإلا فاكفروا؛ فالرسول لا يكذب؛ كما قال r: «قال فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغانِم، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُوراً وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»([39]).  

فيلزمكم أن تؤمنوا كذلك بالقرآن؛ الذي نزل عليه؛ ما دام أنه رسول؛ وفيه نصوصٌ واضحة في عموم رسالته إلى الناس كافةً؛ فإذا لم تؤمنوا بالقرآن، ولم تصدقوه: كفرتم، وإن صدقتموه في أنه رسول؛ فصدقوا في إخباره بأنه رسول الله إلى الناس كافة.

الرسول هو المبعوث لعامة الجن والإنس بالحق والهدى

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ وَكَافَّةِ الْوَرَى بِالْحَقِّ وَالَهُدَى وَبِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ):

الشرح   

قوله: (وَهُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى عَامَّةِ الْجِنِّ وَكَافَّةِ الْوَرَى)؛ أي: بُعِثَ كافةً للناس، وكافةً للجنّ بالحق والهدى، والنور والضياء.  

هذا وصْف الشرع له r أنه جاء بالحق والهدى، والنور والضياء، والعلم النافع؛ فالله تعالى أرسله بالحق: الذي هو المطابق للواقع، والهدى: أي: العلم النافع الذي يثمر العمل الصالح، والنور: الذي يستضاء به ويوصل إلى الله وجنته ودار الكرامة، والضياء: الذي هو أبلغ من النور؛ كما قال -سبحانه تعالى-: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [سورة يونس آية: 5]، فإن الضياء نور فيه حرارة، والقمر فيه نور بدون حرارة، والشمس فيها نور بحرارة.

وذلك أن هذا الشرع فيه نور وضياء، وحرارة الشرع الذي به جاء محمد r نور فيه بيان وإيضاح ودعوة وتعليم وبيان حق الله، وفيه حرارة أيضًا: قوةٌ وقمعُ المجرمين، وجهاد الكافرين، وإقامة الحدود؛ فهو نور وضياء.

القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَإِنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللهِ؛ مِنْهُ بَدَأَ بِلا كَيْفِيَّةٍ قَوْلًا، وَأَنْـَزلَهُ عَلَى رَسُولِه وَحْيًا، وَصَدَّقَه الْمُؤْمِنُونَ عَلَى ذَلِكَ حَقًّا، وَأَيْقَنُوا عَلَى أَنَّهُ كَلامُ اللهِ تَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلامِ البَرِيِّةِ. فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أَنَّهُ كَلامُ البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وَقَدْ ذَمَّهُ اللهُ وَعَابَهُ وَأَوْعَدَهُ بِسَقَرَ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: {سأصليه سقر} [سورة المدثر آية: 26]. فَلَمَّا أَوْعَدَ اللهُ بِسَقَرَ لِمَنْ قَالَ: {إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ} عَلِمْنَا وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ الْبَشَرِ وَلا يُشْبِهُ قَوْلَ الْبَشَرِ): 

الشرح  

قوله: (وَإِنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللهِ):

بالكسر؛ معطوف على قوله: (نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وَإنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ المُصْطَفَى... وَإِنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللهِ) فالكلُّ معمول قول: «نقول في توحيد الله: إن الله واحد لا شريك له»، ونقول: «إن محمدًا عبده المصطفى ورسوله»، ونقول: «إن القرآن كلام الله».  

فالقرآن كلام الله عز وجل، وصفةٌ من صفاته، تكلَّم به، وأنـزله على نبيه وحيًا، وليس بمخلوق كما يقول أهل البدع، وليس معنًى قائمًا بالنفس؛ بل هو كلام الله تكلم به بحرفٍ وصوتٍ يُسْمَعُ؛ سمعه جبرائيلُ، وكلَّم اللهُ محمدًا r ليلة المعراج، وسمع موسى كلامَ الله؛ هذا هو الحق الذي عليه أتباع الرسل من أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعين وأتباعهم([40]).

ومسألة الكلام مسألة عظيمة، وهي من الصفات العظيمة المشهورة التي اشتد النـزاع فيها بين أهل السنة والحق من ناحية، وبين المخالفين لهم من ناحية أخرى. ففي معنى كلام الله وحقيقة كلام الله: مذاهبُ للناس.   

ولما كان النـزاع فيها شديدًا بين أهل السنة وأهل البدع؛ ولما كان الحق قد يلتبس بالباطل لكثرة من خاض في هذه المسألة؛ فلا بد من استعراض المذاهب فيها([41])، وبيان القول الحق الذي تشهد له الأدلة والنصوص، وتشهد له العقول السليمة والفطر المستقيمة، فالناسُ قد تنازعوا في كلام الله على مذاهب، لكن أبرز المذاهب في هذه المسألة: ثمانية مذاهب لأهل الأرض جميعًا؛ سبعة مذاهب باطلة، والمذهب الثامن هو القول الحق.   

ومع كون هذه المذاهب الباطلة سبعةً يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: هذه المذاهب السبعة هي الذائعة بين الناس وبين فضلاء العالم، لا يعرفون غيرها مع بطلانها، وهذه المذاهب بعضها كفريّة وبعضها مبتدعة.

المذهب الأول: مذهب الاتحادية. 

المذهب الثاني: مذهب الفلاسفة. 

المذهب الثالث: مذهب السالمية. 

المذهب الرابع: الكرَّامية. 

 

المذهب الخامس: مذهب الكُلَّابية([42]).

المذهب السادس: مذهب الأشعرية.

المذهب السابع: مذهب الجهمية والمعتزلة.

المذهب الثامن: مذهب أهل السنة والجماعة.

هذه أبرز مذاهب أهل الأرض جميعًا في مسمى كلام الله، وهناك مذاهب أخرى لكنها ليست مشهورة.

المذهب الأول: مذهب الاتحادية:  

وهم الذين يقولون بوحدة الوجود، وأن الوجود واحد، ومذهبهم في كلام الله: أنَّه كلّ ما يُسمع في الوجود، سواء أكان حقًّا وصدقًا، أو باطلاً وكذبًا، وزوراً وبهتاناً، وسواء أكان نظمًا أو نثرًا، وسواء أكان كلام الأعجميين، أو أصوات الطيور أو الحيوانات؛ فكله كلام الله، نعوذ بالله من ذلك.   

كما قال زعيمهم ابن عربي الطائي رئيس وحدة الوجود([43]) في كتابه «الفتوحات المكية»([44]):  

وكل كلام في الوجود كلامه

 

 

سواء علينا نثره ونظامه
 

وهذا المذهب مبني على مذهبهم في القول بوحدة الوجود؛ فإن مذهبهم أن الوجود واحد؛ فليست هناك موجودات، بل ليس هناك رب وعبد، ولا خالق ولا مخلوق؛ بل الوجود كله واحد؛ الرب هو العبد، والعبد هو الرب، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق؛ لا فرق بينهم؛ ولهذا يقول ابن عربي الطائي([45]): 

الرب حق والعبد حق
 

 

يا ليت شعري مَن المكلف
 

إن قلتَ عبد فذاك ميت
 

 

أو قلتَ رب أنَّى يُكلف
 

فالعبد هو الرب، والرب هو العبد فأيهما المكلف، إن قلت: عبد فذاك ميت وذاك نفي، وإن قلت رب أنَّى يُكَلَّف؟ 

وقال أيضًا:

(رب مالكٌ وعبد هالكٌ، وأنتم ذلك)

وهؤلاء الاتحادية أكفر خلق الله، وهم منافقون زنادقة يُظْهِرون الإسلام ويبطنون الكفر، فهم في الدرك الأسفل من النار -نعوذ بالله من النفاق والمنافقين- والله -تعالى- يقول: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [سورة النساء آية: 145] -نسأل الله السلامة والعافية- وليس بعد هذا كفر؛ لأنه إنكار كامل لوجود الله؛ وأصل هذا المذاهب نشأ من إنكار مسألة المباينة والعلو؛ أي: إنكار علو الله على الخلق، وإنكار مباينته للمخلوقات، لَـمَّا قالوا: ليس منفصلًا عنها ولا مبينًا لها، ولا فوقها، وقرروا هذه القاعدة الفاسدة التي هي أصل من أصولهم. والمقصودُ: أنهم منافقون زنادقة؛ يُظْهِرون الإسلام، ويخفون الكفر، ولهم مؤلفات تُحقق وتُنشر، ككتاب «الدرة» وغيره، توجد في كثير من الأقطار العربية، وتُطبع بورق صَقيل، وخط واضح، ومن زعماء القائلين بوحدة الوجود: ابنُ عربي الذي له مؤلفات وكتب مشهورة منها: «الفتوحات المكية»، و«فصوص الحِكَم»، وله مؤلفات في الفقه أيضًا. 

وهذا المذهب لم ينقرض؛ بل هو موجود ومنتشر؛ فهناك من يدافع عن ابن عربي إلى يومنا هذا ويقول: إنه معذور، بل إن هناك رجلًا في السودان على عهد النميري -أحد الحكّام السابقين- يقال له «محمود محمد طه» ادعى أن الله قد حَلَّ فيه، وقال: إنه هو الله -والعياذ بالله-، فهم من أكفر خلق الله، بل أكفر خلق الله. والعجيب أنهم -مع ذلك- يدعون أنهم أولياء الله وخاصته من خَلْقِه.  

فلا بد إذن من بيان مذهبهم حتى لا ينطلي على بعض الناس. فهؤلاء لَـمَّا أنكروا مباينة الله لخلقه وعلوه؛ صاروا بين واحد من ثلاثة أمور:

الأمر الأول:  

أن يقولوا: بأن الله معدوم؛ لا وجود له صراحةً، وهذا لم يستسيغوه؛ لأن الناس سيكشفون كفرهم.

الأمر الثاني:

أن يقولوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مغاير له، ولا محايث له، ولا متصل به، ولا منفصل عنه، كما قال بهذا الجهميةُ الذين نفوا عن الله النقيضين، وهذا أيضًا لم يستسيغوه؛ قالوا: لأن هذا غير متصوَّر.  

القول الثالث:

-وهو الذي اختاروه-، أن الله عين المخلوقات، فالخالق هو المخلوق، وكل ما تروه هو الرب. قال ابن عربي (سِرْ حيث شئت فإن الله ثَمَّ، وقُل ما شئتَ به فالواسع الله، فكل شيء تراه هو الله، والله هو عين هذه المخلوقات، وهو عين هذه الموجودات، والشيء لا يحايد نفسه ولا ينافيها)، فلما ثبت عندهم أن الله عين هذه المخلوقات، قالوا: إن كل كلام في الوجود هو كلامه، سواء أكان حسنًا أو قبيحًا، وسواء أكان كفرًا أو إيمانًا، وكل اسم فهو له؛ حَسَنًا كان أو قبيحًا، وكل صفة -سواء أكانت صفة نقص، أو كمال- فهي له؛ وهذا مذهب كفري شديد؛ بل هم أعظم الناس كفرًا، كفى بهم كفراً أن يقال: كيف يجرؤ عاقل أن يقول: كل كلام يُسمع في هذا الوجود، كلامُ الله مع مافي بَعْض هذا الكلام من الكفر والسب والشتم والغناء والباطل، إلى غير ذلك؟!

فهؤلاء كفرة؛ لا يؤمنون بالله، ولا بملائكته، ولا بكتبه، ولا برسله، ولا باليوم الآخر، ولا بالقدر خيره وشره؛ فهم أكثر الناس كفرًا.

ومن فروع هذا المذهب أنهم يقولون: إن فرعون مصيب حينما قال: {أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات آية: 24]، وكذلك: عُبَّادُ الأصنام والأوثان، يكونون على الحق والصواب، وكل من عَبَدَ شيئًا فهو مصيب؛ فمن عبدَ النار فهو مصيب، ومن عبدَ الصنم فهو مصيب، ومن عبدَ العجل فهو مصيب، وإنما الكفر عندهم التخصيص؛ فلا تنهَ أحدًا عن عبادة شيء؛ فإذا خصصت شيئًا، وقلت: لا يجوز عبادة إلا هذا الشيء؛ فهذا هو الكفر عندهم([46]).

وابن عربي يقول في إحدى مؤلفاته: إن فرعون مصيب حينما قال: {أنا ربكم الأعلى} [سورة النازعات آية: 24]، وإنه لما أَغْرَقه الله فهذا الإغراق تطهير له ؛ لأنه ظن أنه الرب وحده، وهذا غلط، ويقول معارضًا لكتاب الله: إن موسى -عليه الصلاة والسلام- لما أخذ برأس هارون ولحيته حينما عبدوا العجل يقول إنما كان مقصوده: لماذا تنهاهم عن العجل وهم على الصواب؟([47]).  

ومن فروع هذا المذهب أنه لا فرق بين الزنا والنكاح، ولا بين الخمر والماء، ولا بين الأم والأخت والأجنبية؛ الكل واحد، نسأل الله السلامة والعافية.  

فلا بد أن يكون طالب العلم على حذر، وعلى إلمام بهذا المذهب الخبيث الذي هو أكفر مذهب في الأرض؛ وبهذا القدر نكتفي لئلا نسترسل في الكلام.

 

 

([1])   أخرجه البخاري (3535) واللفظ له,  ومسلم (2286) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.         

       وفي البخاري (3534)، ومسلم (2287) بنحوه: من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وعند مسلم (2286) وحده من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وجاء بنحوه أيضاً من حديث أُبيّ بن كعبٍ رضي الله عنه، عند الترمذ (3613) وقال: «حسن صحيح غريب»، وأخرجه أيضاً الإمام أحمد (5/136، 137). 

([2])   أخرجه البخاري (4896),  ومسلم (2354),  واللفظ له، من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه، وَقِفْ على ما أفاده الحافظ في «الفتح» (6/557) من احتمال إدراج ما ورد في بعض طُرق هذا الحديث من تفسير لقوله r: «وأنا العاقب».

([3])   أخرجه الترمذي (2219) وقال: «هذا حديث حسن صحيح»,  وأبو داود (4252),  وابن ماجه (3952)، والحاكم (4/496 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين...»، وأحمد (5/278) من طريق عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان به، وهو حديث صحيح؛ أصله في مسلم (2889)، وفي الباب أحاديث أُخر. انظر: «البخاري» (7121)، ومسلم (2923)، و «عمد القاري» (24/215).

([4])   أخرجه مسلم (523) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([5])   أخرجه مسلم (523)، وغيْره.

([6])   انظر: «الجواب الصحيح» (1/30).

([7])   «القاديانية» نسبة إلى: مرزا غلام أحمد القادياني الهالك سنة 1325هـ. ادعى النبوة، وكان يزعم أنه يتلقى الوحي من السماء، كما زعم أن الله -عز وجل- أخبره بأنه سيعيش ثمانين سنة، وقد صار له أتباع وأعوان؛ فانبرى له كثير من العلماء وردوا عليه وبينوا أنه دجال من الدجالين، وكان منهم العالم الكبير ثناء الله الأمر تسري الذي كان من أشد العلماء عليه حتى إنه في عام 1326هـ تحدى القادياني الشيخ ثناء الله هذا، بأن الكاذب المفتري من الرجلين سيموت، ودعا الله أن يقبض المبطل في حياة صاحبه، ويسلط عليه داء مثل الهيضة والطاعون يكون فيه حتفه، وبعد ثلاثة عشر شهرا وعشرة أيام تقريبا أصيب القادياني بدعوته. وقد ذكر أبو زوجته نهايته بقوله: ولما اشتد مرضه أيقظني فذهبت إلى حضرته ورأيت ما يعانيه من الألم فخاطبني قائلا: أصبت بالكوليرا، ثم لم ينطق بعد هذا بكلمة صريحة؛ حتى مات. وانظر: «القاديانية» لإحسان إلهي ظهير (155 - 159). 

([8])   أخرجه مسلم (2278) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([9])   أخرجه مسلم (2276) من حديث ثوبان رضي الله عنه، وفي الباب بنحوه عن أبي سعيد الخدري عند أهل السنن، وفي الباب أيضاً عن عبدالله بن سلام، وأنس بن مالك، وجابر بن عبدالله وغيرهم. وانظر: «مجمع الزوائد» (8/254) و(9/116) و(10/375- 376)، وكتاب «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في كتاب الكشاف» للزيلعي (2/168- 172) فقد توسع تخريجه واستقصاء طُرقه.

([10])   أخرجه الترمذي (3148) و (3615)، وابن ماجه (4308)، وأحمد (3/2) من طريق علي بن زيد -وفيه ضَعْفٌ-، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وله شواهد من حديث أبي بكر، وابن عباس، وأنس رضي الله عنه، ولذا صححه الألباني في «الصحيحة» (1571).

([11])   أخرجه البخاري (2411، 3408) و (6517، 7472), ومسلم (2373) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([12])   أخرجه البخاري (2411) واللفظ له, ومسلم (2373), والترمذي «تفسير القرآن» (3245), وأبو داود «السنة» (4671), وأحمد (2/264).  

([13])   أخرجه البخاري (6917) بهذا السياق، من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرج نحوه عن أبي هريرة كما تقدم في الذي قبله.

([14])   سبق تخريجه.

([15])   أخرجه بهذا السياق البخاري (2810، 3126، 7458)، ومسلم (1904)، وابن ماجه (2783) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ورواه بنحوه أبو داود (2517) من حديث أبي موسى أيضاً.

([16])   أخرجه البخاري (3415),  ومسلم (2373) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، لكن أخرجه الطيالسي (2366) بلفظ: «لا تفضلوا بين أنبياء الله، أو بينْ الأنبياء r»، وعند أحمد (3/40) من حديث أبي سعيد الخدري، بلفظ: «... لا تفضلوا بعضَ الأنبياء على بعض...».

([17])   أخرجه مسلم (2865) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه، وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه (4214)، والبخاري في «الأدب المفرد» (1/153)، وأبي هريرة عند إسحاق بن راهويه في «المسند» (405)، وحديث أنس حسَّنه الحافظ ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص 93).

([18])   قال الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 172 -ط: السابعة): «لا أعرف له أصلاً بهذا اللفظ...».

([19])   هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، إمام الحرمين، ولد سنة 419هـ في «جوين» من نواحي نيسابور. من كتبه «الشامل في أصول الدين»، و«الإرشاد»، و«الورقات في أصول الفقه»، وهو من أئمة الأشاعرة، وتتلمذ عليه أبو حامد الغزالي. توفي سنة 478هـ في قرية «بشتغال» من أعمال نيسابور. انظر: «شذرات الذهب» لابن العماد (3/358- 362)، و«تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (278-285)، و«الأعلام» للزركلي (4/160).

([20])   رواه البخاري (4603) من حديث ابن مسعود بلفظ: «ما ينبغي لأحدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن متى»، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (11167)، بلفظ: «لا ينبغي» والباقي مثله، وكذا أخرجه أبو يعلى في «المسند» (5278)، وأبو نعيم في «الحلية» (5/57)، (7/128).

       وجَاءَ مِنْ حَديث أبي هريرة عند مسلم (2373) بلفظ: «ولا أقول إن أحداً أفضل من يونس بن مَتىَّ...»، وكذا أخرجه أحمد في «المسند» (1/390)، (1/440، 443)، والشاشي في «المسند» (2/57)، وغيرهم، وجاء من حديث ابن عباس بلفظ: «لا ينبغي لأحدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن مَتىَّ...»، عند أحمد في «المسند» (1/242، 348)، وفي (1/291) لكن بلفظ: «وما ينبغي...». وكذا رواه بهذا اللفظ أبو يعلى في «المسند» (2544).

       وورد أيضاً من حديث عبدالله بن جعفر رضي الله عنه، عند أبي يعلى في «المسند» (6793)، بلفظ: «لا يقولن أحدٌ إني خيرٌ من يونس مَتىَّ». 

([21])   أخرجه البخاري (3412) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

([22])   أخرجه البخاري (4604، 4805) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.  

([23])   أخرجه مسلم (771) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

([24])   هو من تتمة الحديث السابق.

([25])   أخرجه مسلم (532) من حديث جندب بن جنادة رضي الله عنه.

([26])   أخرجه بهذا السياق مسلم (2383) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وله عند مسلمٍ أيضاً عن ابن مسعود ألفاظ أخرى، وأخرجه البخاري (3656) من حديث ابن عباس بلفظ: «لو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي». والحديث له في الصحيح، وفي السنن، والمسانيد، والمعاجم روايات وألفاظ أخرى.

([27])   أخرجه الترمذي (3616)، والدارمي (1/39) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، وقال الترمذي: «هذا حديث غريب»، وضعفه الألباني في «تخريج  الطحاوية» (ص 175 -ط: السابعة).

([28])   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/567)، (10/67)، و«مدارج السالكين» (3/27).

([29])    انظر: «روضة المحبين» (ص 16).

([30])   انظر: «محاضرات الآدباء» (1/334)، و«المنتحل» (1/6).

([31])   ذكره الشارحُ -حفظه الله- أول الباب والحديثُ سبق تخريجه هناك.

([32])   أخرجه الترمذي (3291)، والحاكم (2/515)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/489)، و (4/101)، وفي «دلائل النبوة» (2/232)، وأبو الشيخ في «العظمة» (5/1666)، كلهم من حديث جابر بن عبدالله. وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، وسلَّمَهُ الذهبيُّ، مع أن الذهبيَّ لما أورده في «تاريخ الإسلام» (1/201) قال: «زهير ضعيف». وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد. قال ابن حنبل: كأنَّ زهيرَ بن محمدٍ الذي وقع بالشام؛ ليس هو الذي يُروَى عنه بالعراق؛ كأنه رجلٌ آخر، قلبوا اسمه، يعني: لما يروون عنه من المناكير. وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: «أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة».

       فرواية أهل الشام عنه، غير مستقيمة، قال المباركفوري في «تحفة الأحوذي» (9/127): «حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، وهو من أهل الشام؛ ففي الحديث ضعف، لكن له شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه ابن جرير، والبزار، والدارقطني في «الأفراد» وغيرهم. وصحح السيوطي إسنادهن كما في (فتح الباري) ». 

       تنبيهات: قول الإمام الترمذي: «لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم» أورده عنه الإمام ابن كثير في «التفسير» (4/171)، ثم قال: «كذا قال!! وقد رواه البيهقي في حديث مروان بن محمد الطاطري، عن زهير بن محمد به مثله».

       الشاهد الذي أشار إليه المباركفوري، من حديث ابن عمر، أخرجه ابن جرير في «التفسير» (27/123- 124)، والبزار كما في «كشف الأستار» (3/74)، والخطيب في «التاريخ» (4/301)، وزاد السيوطي في «الدر المنثور» (7/690) نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والدارقطني في «الأفراد». وصحح السيوطي إسناده، لكن ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/117) من رواية البزار، وقال: «رواه البزار، عن شيخه عمرو بن مالك الرَّاسبي، وثّقه ابن حبان، وضعّفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح».   

لكن لم يتفرَّدْ به عمرو بن مالك، بل هو مقرون في رواية ابن جرير بمحمد بن عبَّاد بن موسى العُكْلي، المُلّقب (سَنْد ولا)؛ صدوق يخطئ، كما في «التقريب» (5995)، لكن في إسناديْهما يحيى بن سُليْم الطائفي، وهو مع كونه صدوقاً إلا أنه سيىء الحفظ، كما في «التقريب» (7563)، فلعلَّ الحديثين يكتسبان قوةً بضميمةِ أحدِهما إلى الآخر، والله أعلم.

([33])  أخرجه مسلم (450) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

([34])   أخرجه مسلم (450) بلفظ: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم»، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (39) بلفظ: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنها زاد إخوانكم من الجن»، وكذا الترمذي في «السنن» (18)، وأبو عوانة في «المسند» (585)، والطبراني في «الكبير» (10010)، لكن وقع عند الترمذي ومَنْ بعده بلفظ: «فإنه...». 

وعند البخاري البخاري (3860) من حديث أبي هريرة: «... فقلتُ: مَا بال العظم والرَّوثة؟ قال: هما من طعام الجن...».

قال في «البدر المنير» (2/348): «أما النهي عن الاستنجاء بالعظم؛ فصحيح رواه جماعاتٌ من الصحابة...»، ثم ذكرهم -رحمه الله-. 

([35])   انظر: ما أخرجه أحمد (1/455)، والدارقطني (1/77)، والبيهقي (1/9)، بمعناه، وفي سنده علي بن زيد ابن جوعان وهو ضعيف.

([36])   انظر ما رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (10/67) من حديث ابن مسعود، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/552)، وقال: «رواه الطبراني وفيه يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف».

       والذي في «صحيح مسلم» (450) من حديث ابن مسعود المتقدم قريباً: «أتاني داعي الجن فذهبتُ معه فقرأت عليهم القرآن» قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وميزانهم، وسألوه عن الزاد ...الحديث». وقد توسَّع الحافظ الزيلعيُّ في «نصب الراية» (1/139- 147) في الكلام على طرق حديث ابن مسعود، فلينظره من شاء.

([37])   انظر: «النبوات» لشيخ الإسلام (2/1004).

([38])   أخرجه مسلم (153) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([39])   أخرجه مسلم (523) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([40])   انظر تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة في هذه الصفة الجليلة في «التسعينية» لشيخ الإسلام - طبعة دار المعارف، و«مجموع الفتاوى» – المجلد (12)، و(5/52-558)، و«العقيدة السلفية في كلام رب البرية» لعبد الله بن يوسف الجديع.

([41])   انظر تلك المذاهب مبسوطة ومرتبة في «منهاج السنة» (2/358- 363). 

([42])   هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهم يزعمون أن صفاته -تعالى- لا هي هو ولا غيره، ويقولون بأن الصفات لا تتغاير، وأن العلم لا هو القدرة ولا غيرها، وكذلك سائر الصفات، كما يقولون: إن أسماء الله هي صفاته، ولم يفرقوا بين صفات الذات وصفات الأفعال. انظر: «مقالات الإسلاميين» (1/250، 253) و (225، 227)، و«نهاية الإقدام» للشهرستاني (181)، و«أصول الدين» لعبد القاهر البغدادي (90).   

([43])   هو أبو بكر أو أبو عبدالله محيي الدين محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بابن عربي، ولد سنة 560هـ، من القائلين بوحدة الوجود، والملقب عند الصوفية بالشيخ الأكبر، والكبريت الأحمر وغير ذلك. له كتب: منها «الفتوحات المكية»، و«فصوص الحكم»، و«ديوان الشعر»، و«التعريفات». توفي بدمشق سنة638هـ. انظر: «ميزان الاعتدال» (3/659، 660)، و«الأعلام» (6/281، 282). وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (6/629).

([44])   ذكره في كتابه «الفتوحات المكية» (4/141)، ورد البيتُ في المصدر المذكور هكذا:       

ألا كل قولٍ في الوجود كلامُه
 

 

سواء علينا نثره ونظامه
 

 

([45])   ذكره في كتابه «الفتوحات المكية» (1/2)، وفي «كتاب الجلالة» (ص12) المطبوع ضمن رسائله، وقال في الكتاب المذكور في الصفحة نفسها:

تعجبتُ من تكليف ما هو خالقٍ
 

 

له وأنا لا فعل لي فأراه
 

فيا ليت شعري من يكون مكلفاً
 

 

وما ثم إلا الله ليس سواء
 

 

([46])   يقول ابن عربي في «فصوص الحكم» (ص 195): «والعارف المكمَّل من رأى كل معبود مجلى للحق يُعبد فيه، ولذلك سمّوه كلهم إلهاً مع اسمه الخاص: بحجر، أو شجر، أو حيوان، أو إنسان، أو كوكب، أو مَلك...».

([47])   انظر تصحيح ابن عربي لعبادة من عبد العجل من قوم موسى في «الفصوص» (1/62 وما بعدها)، وتصويبه لدعوى فرعون بالربوبية في «الفصوص» (1/191- 194)، وانظر أيضاً «الفصوص (1/210- 211).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد