تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 11

00:00

00:00

6

سوق حديث الإسراء لإجمال ما سبق:   

كان من حديث الإسراء أنه r: «أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ فِي اليَقَظَةِ - عَلَى الصَّحِيحِ - مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى رَاكِبًا عَلَى البُرَاقِ بِصُحْبَةِ جِبْرَائِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَنَـزَلَ هُنَاكَ، وَصَلَّى بِالأَنْبِيَاءِ إِمَامًا، وَرَبَطَ البُرَاقَ بِحَلْقَةِ بَابِ المَسْجِدِ.   

وقد قيل: إنه نـزل ببيت لحم فصلى فيه، ولا يصح عنه ذلك البتة، «ثُمَّ عُرِجَ بِهِ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ جِبْرِيلُ فَفُتِحَ لَهُ، فَرَأَى هُنَاكَ آدَمَ أَبَا البَشَرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَحَّبَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ لَهَ، فَرَأَى فِيهَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَلَقِيَهُمَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا فَرَدَّا عَلَيْهِ السَّلَامَ وَرَحَّبَا بِهِ وَأَقَرَّا بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَرَأَى فِيهَا يُوسُفَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَرَحَّبَ بِهِ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ فَرَأَى فِيهَا إِدْرِيسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ وِأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ فرَأَى فِيهَا هَارُونَ ابْنَ عِمْرَانَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَلَقِيَ فِيهَا مُوسَى فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ بَكَى مُوسَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّهُ غُلَامٌ بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَلَقِيَ فِيهَا إِبْرَاهِيمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى ثُمَّ رُفِعَ لَهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الجَبَّارِ -جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَت أَسْمَاؤُهُ-، فَدَنَا مِِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، وَفُرِضَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَرَجَعَ حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلَاةً، فَقَالَ لهُ موسى: أنا أعلم بالناس منك، عالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وإن أمتك لا تُطيق، فارجع إلى ربك فَسَلْهُ، فرجع فسأله فجعلها أربعين، ولا زال يراجعه حتى جعلها خمساً. فنودي: إني قد أمضيتُ فريضتي وخففتُ عن عبادي، وأجزي الحسنة عشراً».

هذا معنى ما ذكره البخاري في «صحيحه»([1]) من حديث مالك بن صعصعة.

وفيه أيضاً لكن من حديث أنسٍ: «أَنهُ لـمَّا عَلى موسى، وسأله: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إليَّ خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فلْيُخَفِّفْ عنك ربك وعنهم، فالتفت النبيَّ r إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أنْ نعم إن شئتَ، فعلا به إلى الجبار فقال وهو في مكانه: يا ربّ خففْ عَنَّا فإن أمتي لا تستطيع هذا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ نَـزَلَ حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَمَرَهُ مُوسَى بِالرُّجُوعِ وَسُؤَالِ التَّخْفِيفِ، فَقَالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي»([2]). 

الحوض

ثبوت الحوض  

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَالحَوْضُ الَّذِي أَكْرَمَهُ اللهُ -تَعَالَى- بِهِ غِيَاثًا لِأُمَّتِهِ حَقٌّ):

الشرح 

الحوض مما تواترت فيه الأحاديث الصحيحة.

وأصل الحوض في اللغة: مجمع الماء، أو ما يكون محلًّا لجمع الماء في الحقل، -مشتق من السيلان- ومنه قولهم: حاض الوادي إذا سال.

وأما الحوض الوارد في الأحاديث فالمراد به شرعًا: الحوض المورود للنبي r في عرصات القيامة.

وقد أنكر الحوضَ بعضُ طوائف الخوارج، وبعضُ المعتزلة، وأما أهل الحق -أهل السنة-: فإنهم يؤمنون بالحوض، وهو حق يجب اعتقاده والإيمان به، والأدلة على ثبوته كثيرة، تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًّا؛ منها:

- حديث أنس رضي الله عنه: «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كما صَنْعاء وَالمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ أَوْ كما بَيْنَ المَدِينَةِ وَعَمَّانَ»([3]).  

وعَمـَّان -بفتح العين وتشديد الميم- هي مدينة معروفة، يقول ابن الأثير في «النهاية»: إنها مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء.

- ومنها: حديث أنس رضي الله عنه: «إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مْنَ اليَمَنْ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ»([4]). 

- ومنها: حديث يزيد الرقاشي عن أنس أيضاً: «إِنَّ لِي حَوْضًا عَرْضُه كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إِلَى الكَعْبَةِ -أَوْ قَالَ:- صَنْعَاءَ»([5]). 

- ومنها: حديث ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه: «حَوْضِي كَمَا بَيْنَ عَمَّانَ إِلَى اليَمَنِ»([6]).

- ومنها: حديث ثوبان: «إِنَّ حَوْضِي مِنْ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ البَلْقَاءِ»([7]).

- ومنها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «حَوْضِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوْاءٌ»([8]). 

- ومنها: عند ابن ماجه: «حَوْضِي مَا بَيْنَ المَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ»([9]). 

- ومنها في رواية الدارقطني: «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وَجَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ»([10]). وهما قريتان بالشام قيل: بينهما مسيرة ثلاثة أيام.  

فهذه ثمانية أحاديث، وهي أحاديث مختلفة في تحديد المسافة، واختلف العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث على أقوال؛ منها:

1- أن اختلافها إنما هو؛ لأنها على وجه التقريب لا التحديد.

2- ومنها: أن اختلافها إنما هو بالنسبة للطول والعرض.

3- ومنها: أن اختلافها بحسب ما يعرفه السائل من حجازي أو يماني أو شامي.

4- ومنها: أن اختلافها إنما هو بالنسبة للمُجِدِّ في السير والبطيء فيه.

5- ومنها: أن النبي r أخبر بالمسافة القريبة أولًا ثم أعلمه الله بالزيادة فضلًا منه ورحمة.  

أما القول الأول من هذا الاختلاف: وهو أنها على وجه التقريب لا التحديد: فالمعنى: أنه يقرّب في كل منها؛ لبُعد أقطار الحوض وسعته بما تسنح له العبارة -عليه الصلاة والسلام-، فهو يقرّب ذلك؛ للعلم ببُعد ما بين البلاد النائية بعضها من بعض، لا على إرادة المسافة من حيث هي.

لكن يجاب عن هذا القول بأن ضرب المثل والتقدير إنما يكون فيما يتقارب، وأما هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يومًا وينقص إلى ثلاثة أيام فلا يَتَأَتَّى.

وأما القول الثاني: وهو أن الاختلاف بالنسبة إلى الطول والعرض، فيردّه حديثُ عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- : «حَوْضِي مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ»([11]).

وبهذا يكون هذان القولان ضعيفين، وأرجحُ هذه الأقوال: الثلاثُ الأخيرة؛ وهي: أن الاختلاف بالنسبة إلى الـمُجِدّ في السير والبطيء، أو أن النبي r أُخبر بالمسافة القريبة أولًا، ثم أعلمه الله بالزيادة، أو أن الاختلاف بحسب ما يعرفه السائل، لكن أرجحها الرابع؛ وهو أن النبي r أُخبر بالمسافة القريبة أولًا، ثم الثالث؛ وهو بحسب ما يعرفه السائل، ثم الرابع؛ وهو أن اختلافه بالنسبة إلى المجد في السير([12]).

مسألة: هل في العرصات أحواض أخرى غير حوض النبي؟

الجواب: ورد في الأحاديث أن هناك أحواضًا أخرى للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وأن لكل نبيٍّ حوضًا، لكن حوض نبينا محمد r أعظمها، وأوسعها، وأحلاها، وأكثرها ورودًا -جعلنا الله ممن يرده بمنه وكرمه-. 

 

ومن الأدلة على أن لكل نبي حوضًا:

حديث الحسن عن سمرة الذي أخرجه الترمذي في «جامعه»: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدًا»([13])، لكن هذا من رواية الحسن عن سمرة، وسماع الحسن من سمرة اختلفوا فيه؛ والأرجح أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة.  

ومنها: حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «إِنَّ لِي حَوْضًا طُولُهُ مَا بَيْنَ الكَعْبَةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ يَدْعُو أُمَّتَهُ، وَلِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ الفِئَامُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ العُصْبَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيهِ النَّفَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأَتِيهِ الرَّجُلَانِ وَالرَّجُلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ فَيُقَالُ: لَقَدْ بَلَّغْتُ، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الأَنْبِياءِ تَبَعًا يَوْمَ القِيَامَةِ»([14]).

مسألة: الحوض قبل الصراط أم بعد الصراط؟

الجواب في هذه المسألة للسلف قولان:   

أحدهما: أن الحوض يورد بعد الصراط؛ فيكون المرور على الصراط أولًا ثم يورد الحوض، واختار هذا الحافظ ابن حجر والسيوطي -رحمهما الله-، واحتج هؤلاء بحديث النضر بن أنس؛ فإن ظاهره يقتضي ذلك، وذلك أن أنساً قال: «سَأَلْتُ النبيَّ r أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ فَقَالَ: أَنَا فَاعِلٌ، قَالَ: قلتُ: يَا رسول الله! فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي على الصِّرَاطِ، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: فَاطلبني عِنْدَ المِيزَانِ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ المِيزَانِ؟ قَالَ: فاطلبني عِنْدَ الحَوْضِ، فإني لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاث المَوَاطِنَ»([15]).

- وكذلك أيضًا من أدلتهم حديث لقيط وافد بني المنتفق فإن فيه أنه قال في آخر الحديث: «فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوض الرَسول»([16])، يعني: بعد المرور على الصراط.

القول الثاني: أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط وهذا هو الصواب؛ لما يأتي من الأدلة الشرعية والعقلية.

فمن الأدلة الشرعية:  

الأحاديث التي تدل على منع المرتدين على أعقابهم وأنهم يُذادون عن الحوض:

- كحديث أنس رضي الله عنه: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيقول: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ»([17]).   

- ومنها حديث سهل بن سعد الأنصاري رضي الله عنه «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ -وزاد أبو سعيد الخدري: رضي الله عنه- فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُْحًقا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي»([18]).

فهذه الأحاديث تدل على أن الحوض يورد قبل الصراط من وجهين:  

الأول: لو كان الورود على الصراط قبل الحوض لكان مثل هؤلاء المذادين الذين يذادون عن الحوض ويطردون لا يجاوزون الصراط؛ لأنهم إن كانوا كفارًا فالكافر لا يجاوز الصراط بل يكب على وجهه في النار قبل أن يجاوزه، وإن كانوا عصاة وهم من المسلمين فجازوا الصراط لم يشفع لهم في دخول النار أو عفا الله عنهم بدون شفاعة، وإن لم يكن شفاعة ولا عفو دخلوا النار ولبثوا فيها بقدر عصيانهم، وحينئذ يلزم حجبهم عن الحوض مع أنهم من المسلمين، وهذا لاسيما أن عليهم سيما الوضوء كما جاء في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله r: «تَرِدُ عَليَّ أُمتي الحوضَ وأنا أذودُ الناس عنه كما يذودُ الرجلُ إبل الرَّجلِ عن إبله. قالوا: يا نبي الله! أتعرفنا؟ قال: نعم لكم سيما ليست لأحدٍ غيركم؛ تَرِدُونَ عليَّ غرًّا مُحجلين من آثار الوضوء...»([19]).

الثاني: لو كان الورود على الصراط قبل الحوض، للزم ألا يُحجب عن الحوض أحد؛ لأن من جاوز الصراط؛ لا يكون إلا ناجيًا مسلمًا؛ ومثل هذا لا يُحجب عن الحوض. 

ومن الأدلة العقلية:  

- أن الناس يردون الموقف عطاشى، فمن المناسب ورود المؤمنين الحوض قبل مرورهم على الصراط.  

- وأما حديث النضر بن أنس الذي استدل به أهل القول الأول على أن الصراط يكون قبل الحوض؛ فيجاب عنه بأجوبة؛  منها:

أولًا: أن المراد بالحوض في الحديث؛ حوض آخر يكون بعد الجواز على الصراط، لا يذاد عنه أحد، كما جاء في بعض الأحاديث؛ كحديث لقيط بن عامر وفيه: «ثُمَّ يَنْصَرِفُ نَبِيُّكُمْ وَيَنْصَرِفُ عَلَى أَثَرِهِ الصَّالِحُونَ، فَيَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنَ النَّارِ، فَيَطَؤُ أَحَدُكُمُ الجَمْرَ فَيَقَولُ: حَسْ. يَقُولُ رَبُّكَ عز وجل: أَوَ أَنَّهُ أَلَا فَتَطَّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيِّكُمْ عَلَى أَظْمَأَ -وَاللهِ- نَاهِلَةٌ عَلَيِهَا قَطُّ مَا رَأَيْتُهَا، فَلَعَمْرُ إِلَهَكَ مَا يَبْسُطُ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إِلَّا وُضِعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهِّرُهُ مِنَ الطَّوْفِ وِالبَوْلِ وَالأَذَى»([20]).

 

ثانيًا: أن الحوض نفسه يمتد إلى ما وراء الجسر كما يفيده حديث لقيط هذا، وأن المؤمنين إذا جاوزوا الصراط وقطعوه دنا لهم الحوض فشربوا منه، فإنه ورد أن طوله شهر وعرضه شهر، فإذا كان بهذا الطول والسعة فما الذي يحيل امتداده إلى ما وراء الجسر؟ وعلى هذا: فَيَرِدُهُ المؤمنون مرتين؛ مرةً قبل الصراط، ومرةً بعده؛ جمعًا بين الأدلة، وهذا ما في حيز الإمكان، ووقوعُه موقوفٌ على خبر الصادق.  

وهذا كلام العلامة ابن القيم -رحمه الله- في «زاد المعاد» يقول([21]): إذا كان الحوض بهذه السعة مسافته شهر، فهذا يدل على أنه يمتد، وأنه طويل، وأنه يكون ما وراء الجسر، وأن الناس يردونه مرةً قبل الصراط، ومرةً بعد المرور على الصراط. 

وسلك بعض أهل العلم طريقاً للجمع آخر، فقالوا: إن للنبي r حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة وهو الكوثر، وكل منهما يسمى كوثرًا([22]). ولكن هذا لا يصلح جوابًا عن حديث النضر؛ لأنه صرح أنه يوم القيامة. وأجاب الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عن هذا فقال: وفيه نظر؛ لأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثرًا؛ لكونه يُمَدُّ من نهر الكوثر([23]).  

وقال الحافظ أيضًا: ظاهر الأحاديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها، وهذا يدل على أن الحوض بعد الصراط؛ إذ لو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من الكوثر فيه.

وأجاب الحافظ عن الأحاديث التي تدل على منع المرتدين على أعقابهم من الشرب من الحوض، فقال ما مفادُه: وأما ما أُورد عليه من أن جماعة يُدفعون عن الحوض بعد أن يروه ويُذهب بهم إلى النار، فجوابه أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون الجنة، فيُدفعون في النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط.  

قُلت:وهذا تأويل بعيد.

وأجاب السيوطي عن إشكال يَرِدُ على القول بأن الحوض يورد بعد الصراط؛ قال: فإذا قيل: إذا خلصوا من الموقف دخلوا الجنة فلا يحتاجون إلى الشرب من الحوض، فالجواب: بل هم محتاجون إلى ذلك؛ لأنهم محبوسون هناك لأجل المظالم؛ فكان الشرب في موقف القصاص، -يعني: يكون الشرب على ما ذكر السيوطي بعد المرور على الصراط؛ لأنه ثبت أن المؤمنين إذا تجاوزوا الصراط حُبسوا على قنطرة بين الجنة والنار قيل: إنها طرف الصراط، وقيل: إن الصراط خاص بالمؤمنين حتى يقتص بعضهم من بعض المظالمَ التي بينهم، فإذا هُذِّبُوا ونُقُّوا دخلوا الجنة.

قال السيوطي -رحمه الله-: يكون الحوض في هذا المكان.

قلت: ولكن هذا أيضًا بعيد؛ لأن هذا التأويل تَردُّه الأحاديث الكثيرة التي صرحت بأنه يُزاد عن الحوض أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، وهذا يدل على أن الحوض في موقف الحساب لا في موقف قصاص المؤمنين بعضهم من بعض. 

وجمع بعض العلماء بين الأحاديث، بجمع آخر وهو: أنه يقع الشرب من الحوض قبل الصراط لقوم ويتأخر الشرب بعد الصراط لآخرين؛ بحسب ما عليهم من الذنوب والأوزار حتى يُهذَّبوا منها على الصراط. قال بعض أهل العلم: وهو جمع حسن القول، وعلى هذا الجمع؛ يكون هناك حوضان: أحدهما: حوض قبل الصراط، والآخر: حوض بعده، أو أن الحوض نفسه يمتد إلى ما وراء الجسر، كما سبق هذا في الجواب عن حديث النضر.  

هذه أقوال العلماء في الحوض هل قبل الصراط أو بعد الصراط؟ لكن سماحة شيخنا: الشيخ عبد العزيز بن باز -غفر الله له ورحمه وجمعنا به في الفردوس الأعلى- تنبه لأمر لم يتنبه له هؤلاء العلماء الذين قالوا: إن الحوض قبل الصراط فقال سماحة شيخنا -رحمه الله-: إن صحت الأخبار أنهم يَرِدُون بعد الصراط؛ فهذا نهرٌ يردونه في الجنة؛ لأن الصراط ممدود على متن جهنم؛ يصعد الناس عليه إلى الجنة، فمن جاوز الصراط وصل إلى الجنة، والحوضُ في الأرض؛ فلا يرجعون إلى الأرض مرةً ثانية بعد صعودهم إلى الجنة، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث، ويدل على ذلك أنه يذاد أقوام قد غيروا وبدلوا، وهذا يكون في موقف القيامة، أما بعد المرور على الصراط؛ يكون الأمر قد انتهى؛ فمن سقط في النار فقد سقط، ومن تجاوز الصراط وصل إلى الجنة.  

مسألة: هل الحوض قبل الميزان أو بعده؟ 

الجواب: في المسألة قولان لأهل العلم: 

أحدهما: أن الميزان أسبق من الحوض، وحُجّةُ هذا القول؛ ظاهرُ حديث النضر بن أنس؛ فإنه قَدَّم الميزانَ على الحوض. 

الثاني: أن الحوض قبل الميزان، وهذا هو الراجح، وحُجّةُ هذا القول؛ الأحاديثُ التي تدل على أنه يزاد عن الحوض أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، فلو كان ورود الحوض بعد الميزان: لما حُجب عنه أقوام؛ لأن هؤلاء الذين خفت موازينهم، يعرفون أنه لا سبيل لهم إلى الشرب من الحوض، فلا يردونه إطلاقا.  

ويدل على ذلك أيضًا العقلُ؛ لأن المعنى يقتضيه؛ فإن الناس يخرجون من قبورهم عطاشى؛ فمن المناسب أن يكون الورود على الحوض قبل الميزان؛ للحاجة الشديدة إلى الشرب، فيُقدم قبل الميزان([24]).

صفة الحوض

الشرح  

الذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم، ومورد كريم، يمد من شراب الجنة من نهر الكوثر الذي هو أشد بياضًا من اللبن، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحًا من المسك، وأنه في غاية الاتساع، وأن عرضه وطوله سواء، وأن كل زاوية من زواياه مسيرة شهر، وكلما شُرب منه؛ فهو في زيادة واتساع، وأنه ينبت في خلاله من المسك، والرضراضُ من اللؤلو، وقضبان الذهب، ويثمر ألوان الجواهر، -فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء-.  

مكان الحوض 

الشرح  

بين القرطبي -رحمه الله- في «التذكرة» أن مكان الحوض لا يكون على هذه الأرض، وإنما يكون في الأرض المبدلة التي قال الله فيها: {يوم تبدل الأرض غير الأرض} [سورة إبراهيم آية: 48]، والأرض المبدلة تظهر لنزول الجبار -تعالى- لفصل القضاء، قال القرطبي -رحمه الله-: «ولا يخطر ببالك أو يذهب وهمك، إلى أن الحوض يكون على وجه هذه الأرض، وإنما يكون وجوده في الأرض المبدلة على مسامتة هذه الأقطار أو في المواضع التي تكون بدلاً من هذه المواضع في هذه الأرض. وهي أرض بيضاء كالفضة، لم يسفك فيها دم، ولم يُظلم على ظهرها أحد، تظهر لنزول الجبار جَلَّ جلاله؛ لفصل القضاء»([25]).

شُبَهُ المنكرين للحوض

الشرح 

قال القرطبي تبعًا للقاضي عياض([26]) -رحمهما الله-: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمدًا r بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي؛ إذ قد روى ذلك عن النبي r من الصحابة ما ينيف على الثلاثين، منهم في «الصحيحين» ما ينيف على العشرين، وفي غيرها بقية ذلك مما صح نقله، واشتهرت رواته، ثم رواه من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلمَّ جرًّا.

وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكر ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره، وغلوا في تأويله، من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة إلى تأويله، فَخَرقَ مَنْ حَرَّفه إجماعَ السلف، وفارق مذهب أئمة الخلف. 

والذي أنكره: الخوارجُ وبعضُ المعتزلة، وممن كان ينكر الحوض عبيد الله بن زياد -أحد أمراء العراق لمعاوية([27])-، وولده الذي يطرد من الحوض ويذاد عنه، فقد دلت الأحاديث على أن الذين ارتدوا؛ كالأعراب الذين ارتدوا بعد وفاة النبي r: يُطردون ويذادون، ولهذا أخبرنا هذا الحديث أنه: «يُذُادُ أَقْوَامٌ فَيَقُولُ النَّبِيُّ: أَصْحَابِي أَصْحَابِي»([28])، وفي لفظ: «يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ... إنَّ هؤلاء إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُم»([29]). 

قال السفاريني([30]) -رحمه الله-: إنه يطرد عن الحوض أقوام، أنواع جنس المفترين على الله وعلى رسوله من المُحْدِثين في الدين؛ كالخوارج وسائر أهل الأهواء والبدع المضلة. 

وثانيًا: كل من يرتد عن دين الله أو أحدث فيه ما لا يرضاه الله ولم يأذن به، وأشدهم من خالف جماعة المسلمين: كالخوارج، والروافض، والمعتزلة. 

وثالثًا: الظلمة المسرفون في الظلم والجور وطمس معالم الحق، وإذلال أهله.

ورابعًا: المتهتكون في ارتكاب المناهي، والمعلنون في اقتراف المعاصي، المستخفون بها.   

هذا قول السفاريني -رحمه الله-: يرى أن كل هؤلاء يطردون عن الحوض، لكن ظاهر الأحاديث الصحيحة أن الذين يذادون إنما هم الكفرة المرتدون على أعقابهم عن الديانة؛ هذا هو ظاهر الأحاديث، أما هذه الأنواع التي ذكرها -وهم: المفترون على الله الكذب، وعلى رسوله الكفرة- فلا بأس ولا غبار على هذا القول، أما كون العصاة يذادون، فهذا محل نظر ويحتاج إلى دليل، والله أعلم.   

 

 

الشفاعة   

قَالَ المُؤَلِّفُ رحمه الله: (وَالشَّفَاعَةُ الَّتي ادَّخَرَهَا لَهُمْ حَقٌّ كَمَا رُوِيَ فِي الأَخْبَارِ):

الشرح 

الشفاعة في اللغة: قيل: الوسيلة والطلب، والحق أنها مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر، فهي إذًا في اللغة: ضم الشيء إلى الشيء به يصير الشيء زوجًا بعد إذ كان منفردًا؛ فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له.

واصطلاحًا: قيل: سؤال الخير للغير، وقيل: هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم، وقيل: هي مساعدة ذي الحاجة عند من يملك الحاجة، والمشفِّع والمشفَّع المُشْفِع اسم فاعل من شفع يشفع فهو شافع وشفيع، وهو الذي يقبل الشفاعة، والمشفَّع اسم مفعول من شفع يشفع، وهو الذي تقبل شفاعته.   

أقسام الشفاعة:   

مُثْبَتَة: وهي لأهل التوحيد: وهي لا تكون إلا للموحدين الذين ماتوا على التوحيد. 

ومنفية: وهي لأهل الشرك الأصلي كما قال الله: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [سورة المدثر آية: 48].  

أنواع الشفاعة الـمُثْبَتَة:   

النوع الأول: الشفاعة العظمى: وهي التي تكون في موقف القيامة لإراحة الناس من الموقف، وهي خاصة بنبينا محمد r، ودليلها حديث الصور الطويل وفيه: «أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ آدَمَ، ثُمَّ نَوحًا، ثُمَّ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ يَأْتُونَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا r، فَيَذْهَبُ فَيَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ فِي مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الفَحْصُ، فَيَقَولُ اللهُ: مَا شَأْنُكَ -وَهُوَ أَعْلَمُ؟- قَالَ رَسُولُ اللهِ r، فَأَقُولُ: يَا رَبِّي؛ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ الرَّبُّ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيكُمْ فَأَقْضِيَ بَيْنَكُمْ قَالَ: فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاسِ»([31]).   

ولكن الأئمة حينما يوردون حديث الشفاعة من طرق متعددة لا يذكرون فيه الشفاعة العظمى، في أن الرب يأتي لفصل القضاء، كما ورد في حديث الصور، مع أن فصل القضاء هو المقصود في هذا المقام، وهو مقتضى سياق أول الحديث؛ فإن الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعْدَهُ من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم، كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه، فإذا وصلوا إلى الجزاء، إنما يذكرون الشفاعة في عصاة الأمة، وإخراجهم من النار، فما الحكمة من ذلك؟  

الجواب: أن مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث؛ هو الرد على الخوارج، والمعتزلة، والزيدية، الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها، فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم في بدعتهم هذه المخالفة للأحاديث.  

النوع الثاني: الشفاعة لأهل الجنة في الإذن لهم في دخولها: ودليلهم ما في «صحيح مسلم» عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجَنَّةِ»([32]).

النوع الثالث: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب: ودليله حديث عكاشة بن محصن حين دعا له رسول الله r أن يجعله من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب وهو في «الصحيحين»([33]).

ومن الأدلة أيضًا قول الله -تعالى- في جواب قول النبي r لما قال: «أُمَّتِي أُمَّتِي» قال: «أَدْخِلِ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ بَابِ الأَيْمَنِ»([34])، والذين يدخلون الجنة بغير حساب هم شركاء الناس في بقية الأبواب.   

النوع الرابع: الشفاعة في رفع درجات قوم من أهل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثوابهم ومن دليل ذلك حديث أنس: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجَنَّةِ»([35]). 

فهذه أربعة أنواع لم خالف فيها أحد، بل إن الخوارج والمعتزلة وافقوا فيها.  

النوع الخامس: الشفاعة في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ليدخلوا الجنة: ودليلها ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «السَّابِقُ بالخيرات يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ»([36])، وَالـمُقْتَصِدُ يدخل بِرَحْمَةِ اللهِ، وَالظَّالِمُ نَفْسَهُ وَأَصْحَابُ الأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الجنة بِشَفَاعَةِ محمدٍ r».    

النوع السادس: الشفاعة في قوم قد أمر بهم إلى النار ألا يدخلونها: ودليلها حديث حذيفة عند مسلم وفيه: «وَنَبِيُّكُمْ قائمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ»([37]).

النوع السابع: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه: وهي خاصة بأبي طالب عم النبي r، وخاصة بالنبي r، ودليلها ما ورد من طرق متعددة أن النبي r قيل له: إن أبا طالب يحميك ويذود عنك ويؤويك فهل نفعته؟ قال: «نَعَمْ، وَجَدْتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنْ النار فَأَخْرَجْتُهُ إِلَى ضَحْضَاحٍ»([38]). وفي روايةٍ: «لعلَّه تنفعُه شفاعتي يوم القيامة فيُجعل في ضَحْضَاحٍ من النار يبلغ كَعْبيه منه دِمَاغُهُ»([39])، نسأل الله السلامة والعافية.  

 

النوع الثامن: الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد r ممن دخلوا النار ليخرجوا منها: وهذا أدلته متواترة؛ فمن ذلك حديث أنس رضي الله عنه: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي»([40])، وهذه شفاعة تتكرر من النبي r أربع مرات كما ثبت في حديث أنس، وأنه في المرة الأولى يقال: «انطلقْ فأخرجُ منها من كان في قلبه مثقالُ شعيرة من إيمان»، وفي الثانية يقال له: «انطلقْ فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان»، وفي الثالثة يقال له: «انطلقْ فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان»، وفي الرابعة يقول: «لَأَخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»([41]). 

فهذه ثمانية أنواع للشفاعة المثبتة، المتفق عليها من الأمة الأربعة؛ الأولى، وهذه الأربعة الأخيرة مختلف فيها: خالف فيها الخوارج والمعتزلة، وأنكروها جهلًا منهم بصحة الأحاديث، وعنادًا ممن علم ذلك، واستمر على بدعته الوعيدية.

والفائدة والحكمة من الشفاعة هي: إكرام الشفيع في قبول شفاعته كما في الحديث: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ r مَا شَاء»([42])، والحكمة في إلهام الناس التردد إلى غير النبي r في موقف القيامة؛ يسألون الأنبياء أن يشفعوا لهم، ولم يلهموا لمجيء النبي r من أول وهلة؛ هو لإظهار فضله وشرفه r.  

أقسام الناس في الشفاعة:

القسم الأول: وهم الذين غلوا في إثباتها، فأثبتوها مطلقة؛ وهم المشركون والنصارى، والمبتدعون من الغلاة في المشايخ، وبعض الصوفية؛ فأثبتوا شفاعة الأصنام والأوثان، ويجعلون شفاعة من يعظمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا.  

القسم الثاني: وهم الذين غلوا في نفيها، فنفوا شفاعة نبينا محمد r وغيره في أهل الكبائر، وهم الخوارج والمعتزلة.  

القسم الثالث: وهم الذين توسطوا، وهم أهل السنة والجماعة، فيقرون بشفاعة نبينا r في أهل الكبائر، وبشفاعة غيره، ويشترطون لها شرطين أخذوهما من النصوص:   

الشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، ودليله قول الله -تعالى -: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}  [سورة البقرة آية: 255].   

والشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له، ودليله قول الله -تعالى-: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [سورة الأنبياء آية: 28].

وهذا القِسْم أيضاً: ينفون الشفاعة عن المشركين؛ عملًا بقول الله -تعالى-: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [سورة المدثر آية: 48].   

 

 

 

الأعمال الموعود عليها الشفاعة:

قال السفاريني -رحمه الله- إن الأعمال الموعود عليها الشفاعة خمسة([43]):

الأول: إخلاص التوحيد، فمن قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه؛ استحقها، ودليله حديث أبي هريرة أنه سأل النبي r فقال: «مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يوم القيامة؟ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أو نَفْسِه»([44]). 

الثاني: الدعاء بما ورد بعد سماع النداء -يعني: إجابة المؤذن- والدعاء بالدعاء الوارد في ذلك، ودليله حديث جابر: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ؛ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ؛ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»([45]).

الثالث: الصبر على لأواء المدينة وجدبها، ودليله حديث سعد بن أبي وقاص: «وَلَا يَثبت أَحَدٌ عَلَى لأْوائِها وَجَهْدِها إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ»([46]).

الرابع: الموت في أحد الحرمين، ودليله حديث سلمان: «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الحَرَمَيْنِ اسْتَوْجَبَ شَفَاعَتِي وَكَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الآمِنِينَ»([47]).

الخامس: الصلاة على الرسول r عشرًا في الصباح وعشرًا في المساء، ودليله حديث أبي الدرداء: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ»([48]). 

هذا هو الذي ذكره السفاريني -رحمه الله- لكن هذه الأنواع فيها نظر.

أما النوع الأول: وهو إخلاص التوحيد: فهذا لا شك فيه أن من أخلص التوحيد لله فهو من أهل الشفاعة، وهذا في الحديث في «الصحيحين» قال: «مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»([49]).  

أما النوع الثاني: إجابة نداء المؤذن: فهذا مقيد بإخلاص التوحيد.

وأما الثالث: الصبر على لأواء المدينة وجدبها: فالحديث  فيه محمول على الموحد الذي اجتنب الكبائر؛ جمعًا بين الأحاديث؛ لأن النبي r قال: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتُ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ»([50])، فلا بد من اجتناب الكبائر، قال -تعالى-: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [سورة النساء آية: 31].

وأما النوع الرابع: الموت في أحد الحرمين: وهو في حديث سلمان: «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الحَرَمَيْنِ اسْتَوْجَبَ شَفَاعَتِي وَكَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الآمِنِينَ»([51])، فلا أظن الحديث يصح، فالموت في أحد الحرمين ليس باختيار الإنسان، قال تعالى: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} [سورة لقمان آية: 34]، ولكن الحديث لو صح فهو محمول على المؤمن الموحد، والمؤمن الموحد لا شك أنه من أهل الشفاعة. 

النوع الخامس: الصلاة على الرسول عشرًا في الصباح وعشرًا في المساء: إن صح الحديث؛ فهو محمول على مَنْ فعل ذلك وكان من المؤمنين الموحدين.  

شُبَهُ المنكرين للشفاعة:  

وهم المعتزلة والخوارج الذين أنكروا الشفاعة، وأنكروا أن يخرج أحد من النار بعد دخولها، واستدلوا: 

أولًا: بقول الله -تعالى-: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} [سورة البقرة آية: 48]، وقول الله -تعالى-: {أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} [سورة البقرة آية: 254]، وقول الله -تعالى-: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة} [سورة البقرة آية: 123]؛ قالوا: دلت هذه الآيات على أن من دخل جهنم من أهل الكبائر يـُخلَّد فيها، ولا تُقبل فيه الشفاعة. 

والجواب: أن هذه الآيات مخصوصة بالكفار، ويؤيد هذا سياق الخطاب في الآية الأولى والثالثة، فإن الآية نـزلت ردًّا على اليهود في زعمهم أن آباءهم يشفعون لهم.

الدليل الثاني: استدلوا بقول الله -تعالى-: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [سورة المدثر آية: 48]، ووجه الدلالة أنها دلت على أن صاحب الكبيرة لا تنفعه الشفاعة.

والجواب: أن الآية في الكفار، بدليل وصفهم في الآيات السابقة لها في قوله -تعالى-: {ما سلككم في سقر}[سورة المدثر آية: 42]، إلى قوله: {وكنا نكذب بيوم الدين} [سورة المدثر آية: 46].   

الدليل الثالث: استدلوا بقول الله -تعالى-: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} [سور غافر آية: 18]، ووجه الدلالة أن الآية دلت على أن الظالم ليس له شفيع يطاع، والعاصي ظالم. 

والجواب: أن المراد بالظالمين الكفار؛ لأن الظلم إذا أُطلق انصرف إلى الكفر؛ إذ الكفر أعظم الظلم؛ بدليل قول الله -تعالى-: {إن الشرك لظلم عظيم} [سورة لقمان آية: 13]. 

الدليل الرابع: استدلوا بقول الله -تعالى-: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} [سورة آل عمران آية: 192]، ووجه الدلالة: أن الآية دلت على أن من دخل النار فهو هالك لا تنفعه الشفاعة، بل هو مُبْعَدٌ؛ ممقوتٌ؛ غير مرضي عنه: فلا يدخل في قول الله -تعالى-: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [سورة الأنبياء آية: 28]؛ لأن من أخزاه الله: لا يُرتضى. 

الجواب: أن المراد بقوله: {تدخل النار} يعني: تـُخَلِّد، والمخلِّد في النار: هالك، لا تنفعه الشفاعة؛ إذ الخلود في النار خاص بمن مات على الكفر.  

ويجاب عن الشبه الثلاث الأولى: بجواب آخر؛ وهو أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس على الإطلاق؛ وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداءً بدون إذن فيقبل شفاعته، أما إذا أذن له في أن يشفع فشفع؛ لم يكن مستقلًّا بالشفاعة، بل يكون مطيعًا له؛ تابعًا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولة، ويكون الأمر كله للآمر المسئول، كما قال الله -تعالى-: {قل لله الشفاعة جميعا} [سورة الزمر آية: 44].

والذي يبين أن هذه هي الشفاعة المنفية قول الله -تعالى-: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} [سورة الأنعام آية: 51]، وقوله -سبحانه-: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} [سورة السجدة آية: 4]، وقوله: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [سورة الأنبياء آية: 28]، وقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [سورة البقرة آية: 255].  

والخلاصة: أن المنفيَّ: الشفاعةُ التي يثبتها أهلُ الشرك ومن شابههم من أهل البدع، من أهل الكتاب، والمسلمين الذين يظنون أن للخلق عند الله من القدر أن يشفعوا عنده بغير إذنه، كما يشفع الناس بعضهم عند بعض، فيقبل المشفوع إليه شفاعة شافع لحاجته إليه رغبةً ورهبةً، وكما يعامل المخلوقُ المخلوقَ بالمعاوضة، فالكفار لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الآخرة، ولكن قد يُخَفّف العذابُ عن بعضهم؛ بسبب نُصرته ومعونته، فإنه تنفعه الشفاعة في تخفيف العذاب، لا في إسقاط العذاب بالكلية، وهذا خاص بأبي طالب. وبهذا يتبين أن أدلة الخوارج والمعتزلة التي يستدلون بها في نفي بعض أنواع الشفاعات؛ إنما هي الأدلة التي يُستدل بها كلها في الكفرة.  

مسألة: التوسل طلب الشفاعة، والاستشفاع طلب الشفاعة؛ وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يطلبه ويرجوه، والاستشفاع بالنبي r وغيره في الدنيا إلى الله في الدعاء -بمعنى التوسل به- فإذا قال إنسان: أنا أتوسل بالنبي r، أو أنا أستشفع بالنبي r في الدنيا، فما المراد بالتوسل والاستشفاع؟ وهل هو جائز أو غير جائز؟  

الجواب: أن هذا مجمل فيه تفصيل؛ لأن التوسل والاستشفاع بالنبي r يراد به ثلاثة أمور؛ أمران متفق عليهما بين المسلمين، والثالث مختلف فيه. 

 

أما الأمران المتفق عليهما:

فالأول: التوسل بالرسول r؛ بمعنى: التوسل بالإيمان به وطاعته؛ فهذا فَرْضٌ لا يتم الإيمان إلا به، وهو أصل الإيمان والإسلام.  

والثاني: التوسل بالنبي r؛ بمعنى: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا أيضًا جائز ونافع، وهذا كان في حياة النبي r، ويكون يوم القيامة حيث يتوسلون بشفاعته. فمن أنكر التوسل بالرسول r بأحد هذين المعنيين: فهو كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتدًّا، وإن كان الثاني أخفى من الأول.  

الثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته r والسؤال بذاته؛ فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه لا في الاستسقاء ولا في غيره؛ لا في حياته ولا بعد مماته؛ لا عند قبره ولا غير ذلك، ولا يُعْرف هذا في شيء من الأدعية.  

وأما حديث الأعمى الذي فيه قل: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ، نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه لتُقْضى لي، اللهم فشفِعهُ فِيَّ»([52])؛ فالصواب أن الأعمى توسل بدعاء النبي r فكان النبي r  يدعو، وهو يؤمِّن.

إذاً: فالتوسل بالذات ممنوع، وكذلك التوسل بالجاه؛ كأن يقول: أتوسل بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بحُرمة فلان؛ فهذا ممنوع ومبتَدع([53]).  

ولكن التوسل الشرعي يكون: إما بدعاء الحي الحاضر؛ كأن يدعو وأنت تُؤَمِّنُ، أو تتوسل بإيمانك بالله ورسوله وتوحيده، أو تتوسل بعملك الصالح، كما توسل الثلاثة الذين دخلوا الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والثاني توسل بعفّته عن الزنا، والثالث توسل بأمانته؛ فهذا لا بأس به ومنه قول موسى عليه السلام: {إني لما أنزلت إلي من خير فقير} [سورة القصص آية: 24]، فلك أن تتوسل بفقرك وحاجتك إلى الله، أو تتوسل بأسماء الله وصفاته.

وفي «الصحيحين» وغيرهما عن جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- في حديث الشفاعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ r بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللهُ الناسَ: الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنَو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يَطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ.

 فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟

فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عليكم بآدم، فَيَأْتُونَ آدَمَ -عليه السلام- فَيَقُولَونَ له: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إلى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.

فَيَأْتُونَ نَوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ؛ إنكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبَّكَ، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي -عز وجل قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُها عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي؛ اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ.

فَيَأْتـُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ؛ أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشفع لنا إلى ربك، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لهم: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وإني قَدْ كنتُ كذبتُ ثلاث كذبات...، اذهبوا إلى غيري، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى.

فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يا موسى أَنْتَ رَسُولُ اللهِ فَضّلَكَ اللهُ برسالته وبكلامه عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى. 

فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى؛ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ -وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا-، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ r.  

فَيَأْتُونَ محمداً r فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ؛ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَخَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقد غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إلى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَانطلقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي -عز وجل-، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عليه شيئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثم يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تَعْطَهُ، وَاشَفَعْ تُشَفَّعْ، فأرفعُ رأسي فَأَقُولُ: أُمَّتِي، يَا رَبِّ؛ أُمَّتِي، يَا رَبِّ؛ فَيُقَالُ يا محمد: أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِم مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذلك مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْير، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى»([54])، أخرجاه في «الصحيحين»، ومسند أحمد، واللفظ للبخاري. 

وقد جاء في حديث الصور التصريح بالشفاعة العظمى، ومن مضمونه أنهم يأتون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يأتون رسول الله محمد r، فيذهب فيسجد تحت العرش في مكان يقال له: «الفحص» فيقول الله: «مَا شَأْنُكَ؟» -وهو أعلم- قال رسول الله r: «فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي خَلْقِكَ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، فَيَقُولُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: شَفَّعْتُكَ، أَنَا آتِيكُمْ فَأَقْضِيَ بَيْنَكُمْ، قَالَ: فَأَرْجِعُ فَأَقِفُ مَعَ النَّاس»، ثم ذكر انشقاق السموات، وتنـزُّل الملائكة في الغمام، ثم يجيء الرب -سبحانه وتعالى- لفصل القضاء، والكروبيون والملائكة المقربون يسبحونه بأنواع التسبيح قال: «فَيَضَعُ اللهُ كُرْسِيَّهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ أَرْضِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي أَنْصَتُّ لَكُمْ مُنْذُ خَلَقْتُكُمْ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا أَسْمَعُ أَقْوَالَكُمْ وَأَرَى أَعْمَالَكُمْ، فَأَنْصِتُوا لِي؛ فَإِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ وَصُحُفُكُمْ تُقْرَأُ عَلَيْكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ». 

إلى أن قال: «فَإِذَا أَفْضَى أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ قَالُوا: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّنَا فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فَيَقُولُونَ: مَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ أَبِيكُمْ؟ إِنَّهُ خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَكَلَّمَهُ قُبُلًا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَطْلُبُ ذَلِكَ إِلَيْهِ»، وذكر نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدًا r إلى أن قال: قال رسول الله r: « فَآتِي الجَنَّةَ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ البَابِ ثُمَّ أَسْتَفْتِحُ فَيُفْتَحَ لَي فَأُحْيَا وَيُرَحَّبَ بِي، فَإِذَا دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَنَظَرْتُ إِلَى رَبِّي -عز وجل- فَخَرَرْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَأَذَنَ لِي مِنْ حَمْدِهِ وَتَمْجِيدِهِ بِشَيْءٍ مَا أَذِنَ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ثُمَّ يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى- لِيَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ يَا مُحَمَّدُ؛ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَسَلْ تُعْطَهُ، فَإِذَا رَفَعْتُ رَأْسِي قَالَ اللهُ -وَهُوَ أَعْلَمُ-: مَا شَأْنُكَ؟ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ فَشَفِّعْنِي فِي أَهْلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُونًَ الجَنَّةَ فَيَقُولُ اللهُ -عز وجل-: قَدْ شَفَّعْتُكَ وَأَذِنْتُ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ»([55])، الحديث رواه الأئمة ابن جرير في «تفسيره»، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي، والبيهقي وغيرهما -والله أعلم-.  

الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته([56])

قَالَ المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَالمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ):

الشرح 

الميثاق لغة: العهد. والميثاق شرعًا واصطلاحًا: هو العهد الذي أخذه الله -تعالى- من آدم وذريته، والأصل في ذلك قوله -تعالى-: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [سورة الأعراف آية: 172- 173].   

فما هو هذا العهد؟  

اختلف العلماء في هذا العهد؛ ما هو؟ على قولين مشهورين: 

القول الأول: أن الله -تعالى- استخرج ذرية آدم من صلبه؛ من ظهره، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال؛ بأن الله ربهم، ثم عاهدهم ثم إنَّ الله ميَّزهم إلى أصحاب اليمين؛ وإلى أصحاب الشمال؛ فيكون المقصود بالعهد: أنَّ الله سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمتْ به ما خاطبها ربُّها؛ فشهدت، ونطقت.  

القول الثاني: أن الله استخرج ذرية بني آدم بعضهم من بعض من أصلابهم بعد الولادة؛ شاهدين على أنفسهم: أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو؛ فالإخراجُ: من ظهور بني آدم؛ بعضهم من بعض، ومعنى أشهدهم على أنفسهم أي: بلسان الحال لا بلسان المقال؛ أي: دلَّهم على توحيده، وفطرهم عليه؛ بأن بسط لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدتْ بها عقولُهم وبصائرهم التي ركبها الله فيهم، فكل بالغ يعلم ضرورةً أن له ربًّا واحدًا.  

فالمراد بالإشهاد: فَطْرهم على التوحيد؛ فكل مولود يولد على الفطرة، فقام ذلك مقام الإشهاد.

والأدلة التي استدل بها أهل القول الأول؛ -بأن الميثاق هو استخراجُه ذريةَ آدم من ظهره- أي: أرواحهم -وإنطاقها، حتى نطقتْ، وشَهِدتْ، ثم أعادها-: كالآتي:

أولًا: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد: أن النبي r سئل عن هذه الآية: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [سورة الأعراف آية: 172] الآية، فقال: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ واسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ للنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقَالَ رسولُ r: إِنَّ اللهَ -عز وجل- إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ للنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ»([57]). 

الدليل الثاني: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّي؛ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ: أي: رَبِّ؛ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ، فقَالَ: رَبِّ؛ كَمْ عُمُرَهُ؟ قَالَ: سِتينَ سَنَةً، قَالَ: أَيْ رَبِّ؛ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ، فلمَّا قَضَى عُمُرُ آدم المُدَّةُ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ فَقَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: أَوَلَمْ تُعْطَهَا ابْنَكَ دَاوُدَ ؟ قَالَ: فجحد آدمُ فجحدتْ ذريته، وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ»([58]).  

هكذا جاء في الحديث. والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل هذا القول، وردت في أحاديث عن ابن عباس, وابن عمر وتكلم فيها بعضهم، ومن الأدلة حديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم -عليه الصلاة والسلام- بنعمان وهو واد إلي جنب عرفة - يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال: â à Mó¡s9r& öNä3În/tÎ/ ( (#qä9$s% 4’n?t/ ¡ !$tRô‰Îgx© ¡ á [سورة الأعراف آية: 172]»([59]) إلى آخر الآية وحديث عبد الله بن عمرو الذي يرويه مجاهد عنه قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿ŒÎ)ur x‹s{r& y7•/u‘ .`ÏB ûÓÍ_t/ tPyŠ#uä `ÏB óOÏd͑qßgàß öNåktJ­ƒÍh‘茠á [سورة الأعراف آية: 172]. قال: أُخذوا من ظهره كما يؤخذ المشط من الرأس فقال لهم: ألست بربكم قالوا: بلى قالت الملائكة: شهدنا âcr& (#qä9qà)s? tPöqtƒ ÏpyJ»uŠÉ)ø9$# $¯RÎ) $¨Zà2 ô`tã #x‹»yd tû«Î#Ïÿ»xî ÇÊÐËÈ á [سورة الأعراف آية: 172]»([60]).

وأقوى ما يشهد لصحة هذا القول حديثُ أنس المخرَّج في الصحيحين عن النبي ﷺ أنَّ الله تعالى يقولُ لأهونِ أهل النار عَذاباً: لو أنَّ لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتُك ما هو أهون من هذا وأنت في صُلب آدم ألا تشرك بي فأبيتَ إلا الشرك([61])، وقد روي من طريق أخرى «قد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فَيُرَدُّ إلى النار»([62])، وليس فيه قوله: «في ظهر آدم».

أدلة القول الثاني الذين يقولون: إن الله -تعالى- نصب الأدلة على ربوبيته، ووحدانيته، وأن الإشهاد كان بلسان الحال، قالوا: آيةُ سورة الأعراف تدل على هذا القول من وجوه:  

أحدها: أنه قال في الآية: (من بني آدم) ولم يقل: من آدم.

الثاني: أنه قال: (من ظهورهم) ولم يقل: من ظهره، وهو بَدل بعضٍ، أو بَدل اشتمالٍ؛ وهو أحسن.

الثالث: أنه قال: (ذريتهم) ولم يقل: ذريته.

الرابع: أنه قال: (وأشهدهم على أنفسهم)، ولا بد أن يكون الشاهد ذاكراً لِمَا شهد به، وهو لا يذكر شهادته إلا بعد خروجه إلى هذه الدار؛ لا يذكر شهادته قبل ذلك.

الخامس: أنه سبحانه أخبر أنَّ حِكْمَتَه بهذا الإشهاد؛ إقامة الحجة عليهم؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: (إنَّا كنا عن هذا غافلين)؛ والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة، التي فُطروا عليها بدليل قول الله -تعالى-: âWxߙ•‘ tûïΎÅe³t6•B tûï͑ɋYãBur žxy¥Ï9 tbqä3tƒ Ä¨$¨Z=Ï9 ’n?tã «!$# 8p¤fãm y‰÷èt/ È@ߙ”9$# 4 á  [سورة النساء آية: 165].

سادسا: تذكريُهم بذلك؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: (إنا كنا عن هذا غافلين)؛ ولا شك أنهم غافلون عن ذلك الإخراج لهم من صلب آدم؛ كلهم غافلٌ عن هذا، وغافلون أيضاً عن إشهادهم جميعا ذلك الوقت إذْ هذا لا يذكره أحد منهم.

سابعا: أن هناك حكمتين في هذا الإشهاد؛ وهما: لئلا يَدَّعُوا الغفلةَ؛ أو يَدَّعُوا التقليد كما في قوله: â÷rr& (#þqä9qà)s? !$oÿ©VÎ) x8sŽõ°r& $tRät!$t/#uä `ÏB ã@ö7s% $¨Zà2ur Zp­ƒÍh‘茠.`ÏiB öNÏdω÷èt/ ( á [سورة الأعراف آية: 173]؛ إذ الغافلُ لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره، ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت به الحجة من الرسل والفطرة.

الثامن: أن الله توعدهم بجحودهم وشركهم في ادعائهم التقليد في قوله: $uZä3Î=ökçJsùr& $oÿÏ3 Ÿ@yèsù tbqè=ÏÜö7ßJø9$# ÇÊÐÌÈ á  [سورة الأعراف آية: 173]، والله -سبحانه- إنما يهلكهم بمخالفة رسلهم وتكذيبهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل؛ إِذْ أخبرَ أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون.

التاسع: أنه سبحانه أخبر أنه أشهد كُلَّ واحدٍ على نفسه، واحتج عليه بهذا في غير موضع من كتابه كقوله: âûÈõs9ur NßgtFø9r'y™ ô`¨B t«n=y{ ÏNºuq»yJ¡¡9$# uÚö‘F{$#ur £`ä9qà)u‹s9 ª!$# 4 á [سورة لقمان آية: 25]، وإنما ذلك بالفطرة؛ وهي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسلُه بقولهم: â’Îûr& «!$# A7x© ÌÏÛ$sù ÏNºuq»yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur ( á [سورة إبراهيم آية: 10].

العاشر: أنه جعل الإشهاد آية وهي الدلالة الواضحة المبينة المستلزمة لمدلولها وإنما يتضح ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، وهذا شأن آيات الرب تكون واضحة بينة مستلزمة لمدلولها قال -تعالى-: ây7Ï9ºx‹x.ur ã@Å_ÁxÿçR ÏM»tƒFy$# öNßg¯=yès9ur šcqãèÅ_ötƒ ÇÊÐÍÈ á [سورة الأعراف آية: 174].

ويؤيد هذا القول: أحاديثُ منها: روايةُ الحسن، عن الأسود بن سريع -من بني سعد-: قال: «غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات قال: فتناول قومٌ الذريّة بعدما قتلوا المُقَاتِلة فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: ألا ما بال أقوام قتلوا المقاتِلة حتى تناولوا الذرية قال: فقال رجل يا رسول الله أوليس أبناء المشركين؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: إن خياركم أبناء المشركين إنها ليست نسمةٌ تُولَدُ إلا وُلدتْ على الفطرة فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها»([63]).

قال الحسن: ولقد قال الله في كتابه: âøŒÎ)ur x‹s{r& y7•/u‘ .`ÏB ûÓÍ_t/ tPyŠ#uä `ÏB óOÏd͑qßgàß öNåktJ­ƒÍh‘茠á الآية. [سورة الأعراف آية: 172]، ومنها حديث أبي هريرة t في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ:  «مَا مِنْ مولودٍ يُولَدُ إلاّ على الفطرة»([64]) وفي رواية لمُسلمٍ: «على هذه الملة»([65]). وفي رواية له أيضاً: «إلاّ على هذه الملة، حتى يُبَيِّنَ عنه لسانُه»([66]).

ومنها حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ «إني خلقت عبادي حنفاء كُلَّهُمْ، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم»([67]).

قالوا: والقول الأول يضعفه أمران؛ إذ هو متضمن لها:

 أحدهما: كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان وأنه بهذا تقوم عليهم الحجة يوم القيامة. الثاني: أن الآية دلت على هذا، والآية لا تدل عليه بالوجوه العشرة السابقة.

أما الآثار التي استدل بها أهل القول الأول، فأجاب عنها أهل القول الثاني بأنها تدل على أن الله -سبحانه- صور النسمة وقدَّر خلقها وأجلها وعملها, واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له, ولا تدل على أنها خُلقت خلقا مستقراً، واستمرت موجودةً ناطقةً كلها في موضع واحد, ثم يوصل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة كما قاله ابن حزم. فهذا لا تدل الآثار عليه كما أنها لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا، كما قال من قال: إن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بل الرب يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا فيجيء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق كشأنه -سبحانه- في جميع مخلوقاته؛ فإنه قدَّر لها أقدارا وآجالا، وصفات، وهيئات، ثم أخرجها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير السابق.  

فالآثار المروية إنما تدل على هذا المقدار، وبعضها يدل على أن الله استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة عليهم هناك، وأما الآثار التي في بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة، وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر([68])، وفي بعضها الأخذ وإراء آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد كما في حديث أبي هريرة السابق([69])، والذي فيه الإشهاد على الصفة التي قالها أهل الأول قالوا: إنه موقوف على ابن عباس وعمر, وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين وهو معروف بتساهله -رحمه الله- لكن قال المحقق الشيخ أحمد محمد شاكر حديث ابن عباس وعمر صحيحان مرفوعان وتعليلهما بالوقف على ابن عباس وعمر غير سديد كما بين ذلك عند شرحه لهما في المسند([70]).

بعد هذا: هل بين هذين القولين تناف؟ أو هل يمكن الجمع بين هذين القولين؟ قال شيخنا سماحة الشيخ عبد العزيز -رحمه الله-: لا تنافي بين القولين؛ فإن الأخذ للذرية من ظهر آدم والإشهاد عليهم: كان تقدمةً لبعثة الرسل، والحجةُ إنما قامت ببعثة الرسل؛ فهم الذين ذكَّروهم بتلك الشهادة؛ فقامت للرسل الحجة على الناس، كما لو كان عند الإنسان شهادة ثم نسيها ثم ذكَّره أحدٌ إياها، وقال له: يا فلان اذكر أن عندك شهادة في وقت كذا على كذا. وأيضاً: فإن الأخذ من ظهور بني آدم أخذٌ من ظهر آدم؛ فإن ظهورهم ظهر له؛ وعلى هذا: فلا منافاة بين الأقوال وظاهر هذه الأحاديث، فهذه الأحاديث ظاهرة في أن الله -تعالى- استخرج ذرية آدم أمثال الذّر -الأرواح- وأشهدهم ثم أعادهم -سبحانه وتعالى- وَكَوْنُ الإنسانِ لا يذْكُر الشهادةَ؛ لا يستلزم أن يكون ذلك لم يقع؛ فقد جاءت الرسل بعد ذلك، وذكَّرتهم بالشهادة، والحجة إنما قامت ببعثة الرسل، وعلى ذلك فلا منافاة بين القولين.

القدر

منزلة وحقيقة الإيمان بالقدر

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: (وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار، جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه).

هذا المبحث في القدر، وأن الله -سبحانه وتعالى- عَلِمَ كل شيء، ولا يخفى عليه -سبحانه- شيء.

والمؤلف -رحمه الله- بحث القدر في مواضع من هذا المتن. والقَدَر بالفتح، والسكون؛ لغةٌ: وهو مصدر قدرتُ الشيءَ؛ إذا أحطت بمقداره([71])، واصطلاحا: تعلُّق عِلْمِ الله وإرادته أزلاً بالكائنات قبل وجودها فلا حاجة إلا وقدَّرها الله أزلًا، أي: سَبَقَ به علمُ الله، وتعلقت به إرادتُه.

منـزلةُ الإيمان بالقدر من الدين: الإيمانُ بالقدر أحد أصول الإيمان الستة، ودليله حديث جبريل، وفيه لما سأل النبيَّ ﷺ عن الإيمان قال له: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»([72]) فجعله سادس أصول الإيمان، فمن لم يؤمن بالقدر؛ فقد ترك أصلا من أصول الإيمان، وجحده، فيشبه من قال الله فيهم: â tbqãYÏB÷sçGsùr& ÇÙ÷èt7Î/ É=»tGÅ3ø9$# šcrãàÿõ3s?ur <Ù÷èt7Î/ 4 $yJsù âä!#t“y_ `tB ã@yèøÿtƒ šÏ9ºsŒ öNà6YÏB žwÎ) Ó“÷“Åz ’Îû Ío4quŠysø9$# $u‹÷R‘‰9$# ( tPöqtƒur ÏpyJ»uŠÉ)ø9$# tbr–Štãƒ #’n<Î) Ïd‰x©r& É>#x‹yèø9$# 3 á  [سورة البقرة آية: 85].

فإذًا: من أنكر القدر؛ فليس بمؤمن، بل ولا مسلم، فلا يُقبَل عملُه. قال العلامة ابن القيم -رحمه الله- بعد ذكر آثار الإيمان بالقدر: «وهذه الآثار كلها تحقق هذا المقام، وتبين أن من لم يؤمن بالقدر؛ فقد انسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه، وهذا في كل كتاب أنـزله على رسله». انتهى كلامه -رحمه الله- وهو كلام عظيم للإمام ابن القيم يقول -رحمه الله-: هذه الآثار كلها تحقق هذا المقام، وتبين أن من لم يؤمن بالقدر؛ فقد انسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله، ولم يعرفه، وهذا في كل كتاب أنـزله على رسله؛ فهو يوضّح أن مثل هذا لم يؤمن بالقدر ولم يؤمن بالله بل إنه ليس مؤمنًا، ولم يصح إيمانه.

فالإيمانُ: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، ومن أنكر أو جحد أصلا من هذه الأصول: فقد خرج عن دائرة الإسلام، وصار من الكافرين -نسأل الله السلامة والعافية-؛ لأن هذه الأصول نـزلت بها الكتب، وجاءت بها الرسل، وأجمع عليها المسلمون؛ فمن جحد واحداً منها؛ فقد خرج عن دائرة المسلمين، ودخل في دائرة الكافرين. وهناك آثار وأحاديث جاءت في مقت القدرية([73]) لكنها ضعيفة عند أهل العلم، وبعضها موقوف على الصحابة، والموقوف أصح؛ ومن ذلك: ما ورد عن ابن عمر t، عن النبي ﷺ، أنه قال: «القدرية مجوس  هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم»([74])، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم -يعني: القدرية الذين ينكرون القدر- لو كان لأحدهم مثل أُحُدٍ ذهباً، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر».

ثم استدل بالحديث السابق؛ حديثِ ابن عمر: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» إلى آخره([75])

وعن عبادة بن الصامت t أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة» يا بني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات على غير هذا ليس مني»([76]) وفي رواية لابن وهب قال رسول الله ﷺ «من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه عز وجل الله بالنار»([77]) وهذا ذكره الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد.  

وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: لقيتُ أُبيَّ بنَ كعبٍ فقلت: يا أبا المنذر، إنه قد وَقَعَ في نفسي شيء من هذا القدر فحدثني بشيء -لعلَّه يذهبُ من قلبي- قال:  «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه؛ لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم، ولو أنفقت جَبَل أُحدٍ ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلتَ النارَ. فأتيتُ حذيفةَ فقال لي مثلَ ذلك، وأتيتُ ابنَ مسعود فقال لي مثل ذلك، وأتيتُ زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك»([78]) حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه، قد ذكر هذا الحديثَ، الإمامُ محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد.

فحقيقةُ الإيمان بالقدر: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. والقدرُ -كما سيأتي-:  سُنّةُ الله في خلقه؛ وهو: أنَّ الله -سبحانه- أوجد وأفنى، وأفقر وأغنى، وأمات وأحيا، وهدى وأضل، فالقدرُ شاملٌ لكل شيء في هذا الكون؛ للذوات، والصفات، والحركات، والأفعال، ولكن من أهم ما يجب الإيمان به: أن يعلم المسلمُ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

ولكن متى خرجت القدريةُ؟ وما زمن خروجهم؟ ومن أول من تكلم بالقدر؟ خرجتْ القدريةُ في أواخر عهد الصحابة رضوان الله عليهم، وأول من تكلم في القدر شخص يقال له: معبد الجهني بالبصرة([79]).

مراتبُ الإيمان بالقدر: مراتبُ الإيمان أربع:

الأولـى: مرتبةُ العِلْم، وصفة العلم من الصفات الذاتية لله -تعالى-، وهي تتناول الموجودَ والمعدوم، والواجب، والممكن، والمبتَدَع؛ وذلك: أن عِلْمَ الله محيطٌ بالأشياء؛ على ما هي عليه لا محو فيه، ولا تغيير، ولا زيادة، ولا نقص؛ فإن الله يعلمُ ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون؛ إذاً فَعِلْمُ الله يتناولُ الموجودَ، والمعدوم، والواجب، والممكن، والمبتَدع، والأدلة على القدر من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى، واتفق على إثبات القدر الصحابةُ والتابعون، ولم يخالف فيها إلا مجوس هذه الأمة، وهم القدرية من المعتزلة ومن وافقهم.  

المـرتبة الثانية: مرتبة الكتابة: وهي أن الله كتب مقادير الخلائق وما هو كائن إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ، والأدلة على إثباتها قول الله تعالى: â !$tB z>$|¹r& `ÏB 7pt6ŠÅÁ•B ’Îû ÇÚö‘F{$# Ÿwur þ’Îû öNä3Å¡àÿRr& žwÎ) ’Îû 5=»tGÅ2 á  [سورة الحديد آية: 22]، وفي الحديث: «أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة»([80])، ومن الأدلة على المرتبتين الأوليين قول الله تعالى: â Os9r&  öNn=÷ès? žcr& ©!$# ãNn=÷ètƒ $tB ’Îû Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur 3 ¨bÎ) šÏ9ºsŒ ’Îû A=»tFÏ. 4 á [سورة الحج آية: 70].

المـرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة وهي إثبات مشيئة الله النافذة الماضية وإثبات نفوذ قدرته ومشيئته، وشمول قدرته، ومن الأدلة على إثباتها قول الله تعالى: â  öqs9ur uä!$x© ª!$# $tB (#qè=tGtGø%$# á [سورة البقرة آية: 253]، وقول الله: â   öqs9ur $oYø¤Ï© $oY÷s?Uy ¨@ä. C§øÿtR $yg1y‰èd á [سورة السجدة آية: 13].

الـرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد: وهي إثبات خلق الله وإيجاده لكل شيء. ومن الأدلة على إثباتها قول الله تعالى:    âßالله خالق È[email protected]à2 &äó_x« á [سورة الأنعام آية: 102]، وقوله: â nوخلق¨@ä. &äóÓx« ( á [سورة الأنعام آية: 101].  

فهذه مراتب القدر: العلم، والكتاب، والإرادة، والخلق، وقد نظمها بعضهم فقال:

علم كتابة مولانا مشيئته

 

 

وخلقه وهو إيجاد وتقدير
 

مذاهبُ الناس في القدر ثلاثة:

المذهب الأول: مذهب أهل السنة؛ أن كل شيء بقضاء الله وقدره؛ حتى العجز والكيس يعني: حتى العجز والجد والنشاط كلّه بقدر؛ فكل شيء بقضاء الله وقدره، ويدخل في ذلك عندهم: خَلْقُ أفعال العباد، كما قال الله تعالى: â $¯RÎ) ¨@ä. >äóÓx« çm»oYø)n=yz 9‘y‰s)Î/ ÇÍÒÈ á [سورة القمر آية: 49]، وقال: â وخلق   @à2 &äóÓx« ¼çnu‘£‰s)sù #\ƒÏ‰ø)s? ÇËÈ á [سورة الفرقان آية: 2]، ومن ذلك: إقرارهم بأن الله -تعالى- يريد الكفر من الكافر، ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه؛ فيشاؤه: كونًا ولا يرضاه: دينًا, وأنه لا حادث إلا وقد قدره الله أزلًا؛ أي: سبق به علمه.

ويعتقد أهل السنة: أن الإرادة قسمان: كونيةٌ قَدَرِيةٌ خلقية؛ ترادفُ المشيئةَ، ودينيةٌ شرعيةٌ أمريةٌ؛ ترادف المحبةَ، ويثبتون أن العبد فاعلٌ حقيقةً، ولكنه مخلوق لله، ومفعول له، ولا يقولون: هو نفس فعل الله؛ فيفرقون بين الخالق والمخلوق، والفعل والمفعول, ويعتقدون أنَّ مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله؛ في كل شيء؛ مما يوافق ما شرعه، وما يخالفه؛ من أفعال العبد وأقواله، فالكل بمشيئة الله، فما وافق ما شرعه: رَضِيَه وأحبَّه، وما خالفه: كَرِهَهُ؛ كما قال الله تعالى: â  bÎ) (#rãàÿõ3s?  cÎ*sù ©!$# ;ÓÍ_xî öNä3Ztã ( Ÿwur 4ÓyÌötƒ Ínϊ$t7ÏèÏ9 tøÿä3ø9$# ( bÎ)ur (#rãä3ô±[email protected] çm|Êötƒ öNä3s9 3 á  [سورة الزمر آية: 7].

المذهب الثاني: مذهب القدرية؛ ومن أصولهم: نفي خلق الفعل مطلقاً فيقولون: أفعال العباد ليست مخلوقة لله يعنون: أفعالهم من خير وشر وطاعة ومعصية؛ لم يقدرها الله ولم يشأها ولم يخلقها([81])، وغلاة القدرية والرافضة أنكروا أن الله عالم بالأزل، فالقدرية قسمان: غلاة ومتوسطون، فالغلاة أنكروا المرتبتين الأوليين؛ علم الله وكتابته، والمتوسطون أنكروا عموم المرتبتين الأخريين فآمنوا بالعلم والكتابة, واعترفوا وصدقوا بالمرتبتين الأوليين، ولكن جحدوا عموم المرتبتين الأخريين كما سيأتي؛ فغلاة القدرية القدامى: كمعبد الجهني -الذي سأل ابن عمر عن مقالته- وكعمرو بن عبيد؛ فإنهم ينكرون علم الله المتقدم، وكتابته السابقة، ويزعمون أن الله أمر ونهى وهو لا يعلم مَنْ يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أُنف أي: مُستأنف، وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وكان أول من أظهر ذلك بالبصرة، معبد الجهني، وأخذ عنه هذا المذهب غيلان الدمشقي، فردّ عليه بقية الصحابة كعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عباس, وواثلة بن الأسقع, وغيرهم.

فالقدرية ينقسمون إلى فرقتين:

الأولى: تنكر أن الله سبق علمه بالأشياء مطلقا، وتزعم أن الله لم يقدّر الأمور أزلا، ولم يتقدم علمه بها، وإنما يعلمها إذا وقعت، وهؤلاء هم الغلاة. قال العلماء: وهؤلاء الطائفة انقرضوا، وهم الذين كفَّرهم الأئمة؛ مالك، والشافعي، وأحمد، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله-: ناظِروا القدريةَ بالعلم؛ فإن أقروا به: خُصموا، وإن أنكروه: كفروا.

الفرقة الثانية: المتوسطون أو عامة القدرية؛ الذين أقروا بالعلم والكتاب المقرون بالعلم، وإنما خالفوا السلف في زعمهم أن أفعال العباد مقدورة لهم، وواقعة منهم على جهة الاستقلال يعني: يقولون: أفعالُ الله لم يشأها الله، ولا خلقها؛ فيقولون: إن مشيئة الله عامة إلا أفعال العباد، وخلق الله عامٌّ لكل شيء إلا أفعال العباد، وهذا المذهب مع كونه مذهبا باطلا؛ أخفّ من المذهب الأول.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وهؤلاء مبتدعة ضالون لكنهم ليسوا بمنـزلة أولئك. وفي هؤلاء خلق كثير من العلماء والعباد» يعني: يوجد من العلماء من اعتنق هذا المذهب، ومنهم من أخرج له البخاري ومسلم في صحيحهما([82])، لكن من كان داعية إلى بدعته لم يخرجوا له، وهذا مذهب فقهاء الحديث كأحمد وغيره، أنَّ من كان داعية إلى بدعته فإنه يستحق التعزير لدفع ضرره عن الناس، وإن كان في الباطن مجتهدا، فأقل عقوبته أن يهجر فلا يكون له مرتبة في الدين، فلا يُستقضى ولا تُقبل شهادته. انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله-.

فالقدرية والمعتزلة؛ نفاةُ القدر: يثبتون للعبد مشيئة تخالف مشيئة الله، أي: تخالف ما أراده الله من العبد وشاءه، ويزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه استقلالاً، بدون مشيئة الله وإرادته وشبهتهم أنهم قالوا: لئلا يلزم على ذلك أن يخلق المعاصي ويعذب عليها وذلك بناءً على أصلهم وهو: أنه يجب على الله فعل الأصلح للعبد، وفعل الأصلح للعبد هو في أن يقدّر لهم الطاعة لا المعصية؛ فلو قدَّر المعصيةَ وعذَّب عليها؛ للزم عليه أن يخلق المعاصي ويعذب عليها.

وللردِّ عليهم نقول: أنتم في قولكم هذا كالمستجير من الرمضاء بالنار فإنهم هربوا من شيء فوقعوا في شر منه، فإنه يلزم على قولهم أن مشيئة الكافر غلبت مشيئة الله، فإن الله قد شاء الإيمانَ منه -على قولهم- والكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئةُ الكافر دون مشيئة الله! وهذا من أقبح الاعتقاد، وهو قول لا دليل عليه بل هو مخالف للدليل النقلي والعقلي، وهل أضل ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر، والكافر شاء الكفر، فغلبت مشيئةُ الكافر مشيئةَ الله؟!.  

ثانيا: أنه يلزم على قولهم أنه يقع في ملك الله ما لا يريد.

ثالثا: يلزم على قولهم: الإشراك في الربوبية، وأن الله ليس ربا لأفعال الحيوانات؛ ولأفعال العباد؛ فإن مذهب هؤلاء القدرية: أن الله -سبحانه- ليس على كل شيء قدير، وأن العباد يقدرون على ما لا يقدر عليه، وأن الله -سبحانه- لا يقدر أن يهدي ضالا، ولا يضل مهتديا، وهذا كما قال بعض العلماء: شرك في الربوبية مختصر؛ ولهذا ورد: أن القدرية مجوس هذه الأمة؛ لمشابهة قولهم لقول المجوس، فالقدريةُ يثبتون مع الله خالِقين للأفعال فليست أفعالهم مقدورة لله، بل هي واقعة بغير مشيئة الله وإرادته، ولا قدرة له عليها أصلاً، بل العباد خالقون لأفعالهم بدون مشيئة الله، فالله -تعالى عن زعمهم- لم يخلق أفعالهم ولم يقدر ذلك عليهم، ولم يكتبه، ولا شاءه؛ فشابهوا المجوس في كونهم أثبتوا خالقاً مع الله؛ ولهذا سُمُّوا: مجوس هذه الأمة، وسُمُّوا قدرية: لإنكارهم القدر([83]).  

والرد عليهم: بأن ربوبية الله -سبحانه- الكاملة المطلقة تبطل قولَ هؤلاء؛ لأن مقتضى ربوبية الله شاملة لجميع ما في هذا الكون من الذوات، والصفات، والحركات، والأفعال، وحقيقة قول هؤلاء: أن الله ليس رباً لأفعال الحيوانات، ولا تناولتها ربوبيته، وكيف تتناول ما لا يدخل تحت قدرة الله ومشيئة وخلقه؟ وهذا قول عامتهم ومتصوفتهم، وهذا القول شائع في القدرية، يعني: هذا المذهب إنما هو مذهب عامة القدرية.  

المذهب الثالث: مذهب الجبرية([84]) هم يقولون: إنَّ العبد ليس بفاعل أصلاً، بل هو مجبور على أفعاله, وأفعاله واقعة بغير باختياره, وأن الفاعل منه سِوْاهُ، والمحرِّكَ له غيرهُ؛ فهو آلةٌ محضة، وحركاتُه بمنـزلة هبوب الرياح، وحركات المرتعش؛ هذا قولُ عامة الجبرية، وأما متصوفتهم -ممن يزعمون الترقي في مقام الشهود للحقيقة الكونية والربوبية الشاملة-: فيرون أن كل ما يصدر من العبد؛ من ظلم، وكفر، وفسوق: هو طاعة محضة؛ لأنها إنما تجري وفق ما قضاه الله وقدَّره؛ فهو محبوبٌ لديه، مرضي عنه، فإنه وإنْ خالف أمرَ الشرع؛ فقد أطاع إرادته ونفذ مشيئته، وهؤلاء شر من القدرية النفاة وأشد عداوة لله، ومناقضة لكتابه، ورسله ودينه. وتُسمَّى الجبرية قدرية؛ لاحتجاجهم بالقدر وخوضهم فيه، والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. والجبرية والقدرية في طرفي نقيض؛ فالقدرية غلوا في نفي القدر، حتى أخرجوا أفعال العباد عن خلق الله ومشيئته، والجبرية غلوا في الإثبات حتى سلبوا العباد قدرتهم واختيارهم، وزعموا أنهم لا يفعلون شيئا البتة، وإنما الله هو فاعل تلك الأفعال حقيقةً، فهي نفس فعله، لأفعالهم والعبيد ليس لهم قدرة ولا إرادة ولا فعل البتة وأن أفعالهم بمنـزلة حركات الجماد لا قدرة لهم عليها، وإمامهم في هذا المذهب، هو: الجهم بن صفوان([85]).

والردُّ عليهم: أن هذا المذهب باطل ضرورة؛ لأننا نفرق -بالضرورة- بين حركة البطش، وحركة المرتعش، ونعلم أن الأول باختياره، دون الثاني.

ثانيا: ولأنه لو لم يكن للعبد فعل أصلاً؛ لما صَحَّ التكليفُ، ولا ترتَّب استحقاق الثواب والعقاب على أفعاله، ولا إسناد الأفعال التي تقضي سابقة قصد إلى العبد على سبيل الحقيقة، مثل: صلى، وصام، وكتب، بخلاف مثل: طال، واسودّ لونُه، وجرى النهر، وذهبت الريح.

ثالثا: النصوص القطعية تنفي ذلك وتنسب الأفعال إلى العباد؛ كما قال الله -تعالى-: âLä!#t“y_ $yJÎ/ (#qçR%x. tbqè=yJ÷ètƒ ÇÊÐÈ á [سورة السجدة آية: 17]، وقال -سبحانه-: â`yJsù uä!$x© `ÏB÷sã‹ù=sù ÆtBur uä!$x© öàÿõ3u‹ù=sù 4 á [سورة الكهف آية: 29]، وقال -سبحانه-: â(#qßJŠÏ%r&ur no4qn=¢Á9$# á [سورة البقرة آية: 43]، وقال: â`yJsù y‰Íky­ ãNä3YÏB tök¤¶9$# çmôJÝÁuŠù=sù ( á [سورة البقرة آية: 185]؛ فالعبد هو المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، والمصلي، والصائم؛ حقيقةً، ولا يصح وصف الله بأفعال عباده، فالعبد هو الفاعل حقيقةً؛ بجعل الله له فاعلا، ومنشأ ضلال الجبرية، وشبهتهم: أنهم يقولون: إن العبد لا فعل له؛ لئلا يقع في ملك الله ما لا يريد؛ ولئلا يوجد خالق غير الله؛ يعني: عكس شبهات القدرية.

ومنشأ ضلال كلٍّ منهما هو بالتسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، منشأ ضلالهم يعني: أنَّ كُلاًّ من القدرية والجبرية سووا بين إرادة الله ومحبته.

فإذاً: منشأ ضلال كل منهما: التسوية بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا، فسوى بينهما الجبرية والقدرية، ثم اختلفوا، فالإرادة عند الجبرية واحدة وهي: الكونية، فقالوا: الكون كله بقضاء الله وقدره، فيكون محبوبا مرضيا؛ حتى المعاصي والكفر، والإرادة عند القدرية واحدة، وهي: الشرعية، فقالوا: ما شرعه الله فقد قدَّره وأمر به، وأحبَّهُ؛ وليست المعاصي محبوبة لله، ولا مرضية له؛ فليست مقدَّرة ولا مقضية، بل هي خارجة عن مشيئته وخلقه.

الرد عليهم: أن نقول: قد دلَّ على الفرق بين المشيئة والمحبة الكتابُ والسنةُ، والفطرةُ الصحيحة، أمَّا المشيئة فمن الكتاب: قولُ الله -تعالى-: âöqs9ur $oYø¤Ï© $oY÷s?Uy ¨@ä. C§øÿtR $yg1y‰èd á  [سورة السجدة آية: 13] وقال سبحانه: âöqs9ur uä!$x© ª!$# $tB (#qè=tGtGø%$# á [سورة البقرة آية: 253] وقال: â$tBur tbrâä!$t±[email protected] HwÎ) br& uä!$t±o„ ª!$# 4 á [سورة الإنسان آية: 30] وقال: â`tB Î*t±o„ ª!$# ã&ù#Î=ôÒムá [سورة الأنعام آية: 39] وقال: â`yJsù ÏŠÌãƒ ª!$# br& ¼çmtƒÏ‰ôgtƒ ÷yuŽô³o„ ¼çnu‘ô‰|¹ ÉO»n=ó™M~Ï9 ( `tBur ÷ŠÌãƒ br& ¼ã&©#ÅÒムö@yèøgs† ¼çnu‘ô‰|¹ $¸)Íh‹|Ê %[`tym á [سورة الأنعام آية: 125] وأما نصوص المحبة والرضا فقال -سبحانه-: âª!$#ur Ÿw =Ït䆠yŠ$|¡xÿø9$# ÇËÉÎÈ á [سورة البقرة آية: 205] وقال: âŸwur 4ÓyÌötƒ Ínϊ$t7ÏèÏ9 tøÿä3ø9$# ( á [سورة الزمر آية: 7] وقال: â‘@ä. y7Ï9ºsŒ tb%x. ¼çmã¥ÍhŠy™ y‰ZÏã y7În/u‘ $\drãõ3tB ÇÌÑÈ á [سورة الإسراء آية: 38] عقب ما نهى عنه الشرك والظلم والفواحش والكبر، وفي الحديث: «إن الله كره لكم ثلاثاً -قيلَ: وقالَ-: وكثرة السؤال وإضاعة المال»([86])، وفي المسند « إن الله يحب أن تُؤتَى رُخَصه كما يكره أن تؤتى معصيتُه»([87]).

ومذهب أهل السنة أن المشيئة والمحبة ليس مدلولهما واحدا, ولا هما متلازمان، بل قد يشاء الله ما لا يحبه، ويحب ما لا يشاء كونه، فالأول: كمشيئته لوجود إبليس وجنوده، ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بُغْضِهِ لبعضه، والثاني: كمحبته لإيمان الكفار، وطاعات الفجار، ولو شاء ذلك لوُجد ذلك كله؛ فإنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

ويُردُّ على الطائفتين بقول الله -تعالى-: âª!$#ur ö/ä3s)n=s{ $tBur tbqè=yJ÷ès? ÇÒÏÈ á [سورة الصافات آية: 96] أي: خلقكم والذي تعملون([88])؛ فدلت على أن أفعال العباد مخلوقة لله، وعلى أنها أفعالهم حقيقةً، ففيها الرد على الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه استقلالاً. ويَردُّ عليهم كذلك بحديث حذيفة: «إن الله يَصْنَعُ كُلَّ صانع وصنعته»([89])، فالله سبحانه خلق الإنسان بجميع أغراضه وحركاته.  

وهؤلاء الجبرية والجهمية يُخرِجُون عن أفعال الله وأحكامه؛ حِكَمَها ومصالحها؛ فيزعمون أن الله -تعالى- يفعلُ لا لعلةٍ ولا لحكمةٍ، وإنما هو محض مشيئة، وصِرْفُ إرادةٍ، وكان شيخهم الجهم بن صفوان -قبحه الله- يقف على الجَذمى -يعني: المصاب بالجذام فيقول-: أرحم الراحمين يفعل هذا! إنكاراً للرحمة والحكمة([90]).  

ولهذا الأصل الذي أَصَّلوه لوازم وفروع كثيرة فاسدة ذكرها ابن القيم -رحمه الله- من تسعين وجهاً. والذي عليه أهل السنة والجماعة هو: إثبات العلة والحكمة في أفعال الله وشرعه وقدره، فما خلق شيئاً ولا قضاه ولا شرعه، إلا لحكمة بالغة وإن قصرت عنها عقول البشر.

والأدلة الدالة على إثبات هذا الأصل كثيرة، وأنه سبحانه حكيمٌ شَرَعَ الأحكامَ لحكمةٍ ومصلحةٍ؛ فما خلق شيئا عبثاً، ولا خلق شيئاً سدى؛ فمن ذلك قولُ الله -تعالى-: âóOçFö7Å¡yssùr& $yJ¯Rr& öNä3»oYø)n=yz $ZWt7tã á  [سورة المؤمنون آية: 115] وقوله: âÜ=|¡øts†r& ß`»|¡RM}$# br& x8uŽøIム“´‰ß™ ÇÌÏÈ á [سورة القيامة آية: 36] وقوله: â$tBur $oYø)n=yz ÏNºuq»yJ¡¡9$# uÚö‘F{$#ur $tBur $yJåks]÷t/ šúüÎ6Ïè»s9 ÇÌÑÈ $tB !$yJßg»oYø)n=yz žwÎ) Èd«ysø9$$Î/ á  [سورة الدخان آية: 38 - 39]  وقال â!$tBur š»oYù=y™ö‘r& žwÎ) ZptHôqy‘ šúüÏJn=»yèù=Ïj9 ÇÊÉÐÈ á [سورة الأنبياء آية: 107] وقال: âtbqä3u‹Ï9 šúüÏJn=»yèù=Ï9 #·ƒÉ‹tR ÇÊÈ á [سورة الفرقان آية: 1]. وأمَّا أهل السنة فقد توسطوا؛ فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقةً، ولهم قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة ومشيئة، وأن الله خالقهم وخالق قدرتهم ومشيئتهم؛ فأفعال العبد تضاف إليه على جهة الحقيقة، والله خلقه وخلق فعله كما قال -سبحانه-: âª!$#ur ö/ä3s)n=s{ $tBur tbqè=yJ÷ès? ÇÒÏÈ á [سورة الصافات آية: 96] فأخبر أن العباد يعملون ويصنعون، ويؤمنون ويكفرون، ويفسقون ويكذبون، فللعبد مشيئة ولا تكون إلا بمشيئة الله كما قال -سبحانه-: â$tBur tbrâä!$t±[email protected] HwÎ) br& uä!$t±o„ ª!$# 4 á [سورة الإنسان آية: 30] والله أعلم.

قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: (وقد علم الله -تعالى- فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة).

هذه الإرادة التي أشار إليها الشيخ، هي المرتبة الأولى من مراتب القدر، وهي: أن الله علم ما يعمله العباد، وأنه يعلم كل شيء سبحانه كما ثبت ذلك في النصوص، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو يعلم أفعال عباده، وحركاتهم، وسكناتهم، وأفعالهم؛ علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ قبل خلقه، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبدالله بن عمرو مرفوعاً «كتب اللهُ مقادير الخلائقِ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء»([91]). فالله علم أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وأعمالهم وخلق ذلك قبل أن تُخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء.  

ثم قال -رحمه الله-: (فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه).  

قولُه: (لا يزداد ولا ينقص منه) لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ كما قال -سبحانه-: â¨@ä.ur >äóÓx« çm»uZøŠ|Áômr& þ’Îû 5Q$tBÎ) &ûüÎ7•B ÇÊËÈ á [سورة يس آية: 12] والإمام المبين هو اللوح المحفوظ وقال -سبحانه-: âóOs9r& öNn=÷ès? žcr& ©!$# ãNn=÷ètƒ $tB ’Îû Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur 3 ¨bÎ) šÏ9ºsŒ ’Îû A=»tFÏ. 4 á [سورة الحج آية: 70] والكتاب هو: اللوح المحفوظ، وقال -سبحانه-: â!$tB z>$|¹r& `ÏB 7pt6ŠÅÁ•B ’Îû ÇÚö‘F{$# Ÿwur þ’Îû öNä3Å¡àÿRr& žwÎ) ’Îû 5=»tGÅ2 `ÏiB È@ö6s% br& !$ydr&uŽö9¯R 4 ¨bÎ) šÏ9ºsŒ ’n?tã «!$# ×ŽÅ¡o„ ÇËËÈ á  [سورة الحديد آية: 22] فقوله سبحانه ⠒Îû 5=»tGÅ2 á يعني: اللوح المحفوظ.   

وقول الطحاوي: (وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه).

معناه: أنَّ أفعالهم وغير أفعالهم؛ فحركاتهم وسكناتهم: كلها مكتوبة.  

وقوله -رحمه الله-: (وكل ميسر لما خلق له).

معناهُ: أنه تعالى ييسر أهلَ السعادة للسعادة، وييسرُ أهلَ الجنة للسعادة؛ فيعملون بعمل أهل الجنة ويموتون على التوحيد والإيمان ويعملون بعملهم، وييسر الكفرةَ للكفر فيعملون بعمل أهل النار فيموتون على الكفر؛ فيدخلون النار. فالمؤمنون ييسرّهم للإيمان والتوحيد والعمل الصالح، فيموتون على التوحيد؛ فيدخلون الجنة، والكفار ييسرهم للكفر وللمعاصي؛ فيموتون على الكفر؛ فيدخلون النار -نسأل الله السلامة والعافية-.  

وقوله رحمه الله-: (والأعمال بالخواتيم).  

معناهُ: أنَّ من خُتم له بالتوحيد والإيمان؛ صار من أهل الجنة، ومن خُتم له بالكفر؛ صار من أهل النار، كما في الأحاديث الصحيحة كحديث عبدالله بن مسعود t مرفوعاً -وهو من أحاديث الأربعين النووية- «إن أحدكم يُجْمَعُ خلقُه في بطن أمة أربعين يوما، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، يبعث الله ملَكاً، ويؤْمَرْ بأربع كلمات ويقال له: أكتب عمله، ورزقه، وأجله وشقي أو سعيد, ثم يُنْفَخُ فيه الروحُ، فإن الرجل منكم ليعملُ حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع, فيسبق عليه بعمل أهل النار ويعملُ حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب, فيعملُ بعمل أهل الجنة»([92]).

فهذا الحديثُ يدل على أن الأعمال بالخواتيم ومثل ذلك أيضاً: قولُ الرسول ﷺ: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتب مقعده من النار ومقعده من الجنة» قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكلّ على كتابنا وندعُ العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»([93]).   

أمَّا مَنْ كان مِنْ أهل السعادة فيُيَسّرُ لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فيُيسّر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قول الله -تعالى-: â$¨Br'sù ô`tB 4‘sÜôãr& 4’s+¨?$#ur ÇÎÈ s»£‰|¹urقَ 4Óo_ó¡çtø:$$Î/ á [سورة الليل آية: 5].

فالسعادة والشقاوة مكتوبة في اللوح المحفوظ

ثم قال الشيخ: (والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله).  

والمعنى: لأن السعادة مكتوبة والشقاوة مكتوبة؛ في اللوح المحفوظ -كما سبق- وكذلك أيضا: فإنَّ كُلَّ شخصٍ -كما في حديث ابن مسعود المقتدم- وهو في بطن أمه يُنفخ فيه الروح وتُكتب سعادتُه وشقاوته، وهذه الأمور توافق ما هو مسطورٌ في اللوح المحفوظ؛ لأنَّ الأصل هو ما دُوِّنَ وَكُتِب في اللوح المحفوظ؛ فالسعادة والشقاوة كله مكتوب في اللوح المحفوظ؛ هذا في التقدير العام الذي في اللوح المحفوظ والذي هو مكتوبٌ فيه كل شيء â¨@ä.ur >äóÓx« çm»uZøŠ|Áômr& þ’Îû 5Q$tBÎ) &ûüÎ7•B ÇÊËÈ á [سورة يس آية: 12].          

ثم هناك تقدير عمري: لكل شخص وهو في بطن أمه؛ تُكتبُ له السعادةُ والشقاوةُ، والعملُ، والرزقُ، والأجلُ، ثم هناك تقدير سنوي: يكونُ في ليلة القدر؛ يكتب الله فيها ما يكون في تلك السنة من موت وحياة، وإذلالٍ وإعزازٍ، وإشقاء وإسعاد، ثم هناك تقدير يومي: وهو أن الله سبحانه و-تعالى- يُقدِّر ما يكون في كل يوم كما قال -سبحانه-: â¨@ä. BQöqtƒ uqèd ’Îû 5bù'x© ÇËÒÈ á [سورة الرحمن آية: 29]؛ فيُعزُّ، ويُذل، ويخلق، ويحيي ويميت، ويُسعد ويُشقي، ويُفقر ويُغني([94]) -سبحانه وتعالى-.

ثم قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: (وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه)([95]).  

أصلُ القدر؛ سِرُّ الله في خلقه؛ وهو كونُه أَفْقَر وأغنى، وأوجد وأفنى، وأمات وأحيا، وهدى وأضل، فهذا سِرُّ الله في خلقه لم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ من خَلْقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ فكما تَقَرَّرَ؛ القدرُ سر الله في خلقه يعني: ما أطلَّع عليه أحدٌ منهم؛ فلا يعرفون لماذا أفقر هذا؟ ولماذا أغنى هذا؟ ولماذا أضل هذا؟ ولماذا هدى هذا؟ ولماذا أحيا هذا؟ ولماذا أمات هذا؟ ولماذا أوجد هذا؟ ولماذا أفنى هذا؟ هذا سر الله، وله الحكمة البالغة في ذلك، وهو مبنيٌّ على علمه وحكمته، وَلَيْسَ للعبد أن يسأل، ولا أن يعترض، بل يُسَلِّم الأمر لله؛ كما قيل: القَدَرُ سِرُّ الله؛ فلا نكشفه.  

ثم قال الطحاوي: (والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان).  

يعني: أنَّ ذاتَّ التعمق والغوص والبحث في هذا وفي حكمته، والاعتراض على الله: وسيلةٌ إلى الحرمان ووسيلة إلى الطغيان. والذريعة، والوسيلة، والدرجة؛ متقاربة؛ لكن الطغيان يكون في مقابلة الاستقامة.  

والحرمان في مقابلة الظفر, والخذلان في مقابلة النصر فالحرمان يكونُ في مقابلة الحصول على الظفر, والطغيان في مقابلة الاستقامة, فالخذلان هو الهزيمة في مقابلة النصر؛ فهذه معاني متقاربة، وحاصلُ المعنى: أن التعمق والبحث والغوص والسؤال عن سر الله في خلقه؛ وسيلة إلى حرمان الشخص, وخذلانه ومجاوزة الحد, أي: هو وسيلة إلى حرمانه من التوحيد والإيمان الخالص, ووسيلة إلى طغيانه وتجاوزه الحد؛ فأنت عبد مأمور بأن تسلّم ولا تعترض، فإذا اعترضتَ وتعمقت؛ صار ذلك وسيلة إلى طغيانك ومجاوزتك لحد العبودية، فَتَذَكَّرْ أنِّكَ عبدٌ مأمور؛ فلا تتجاوز حدك، ولا تسأل، ولا تَقُلْ في قدر الله: لماذا فعل كذا؟ فلا يقال: لماذا؟ ولا يُعترض على أفعال الله ولا حِكْمته، فلا يقال: كيف؟ فإيَّاك أنْ تعترض على الله بـ (لماذا؟) ولا بكيف؟ لأنِّ مَنْ اعترض على حكمة الله وقدر الله وقال: لماذا فعل كذا؟ أو قال: كيف فعل كذا؟ فقد تجاوز حدَّه ولم يكن موحدًا, ويخشى عليه الانحرافُ والهلاكُ.

ولهذا قال المؤلف: «التعمق في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان ودرجة الطغيان الحرمان».  

ثم قال -رحمه الله-: (فالحذر كل الحذر من ذلك: نظرًا، وفكرًا، ووسوسةً).  

والمعنى: أنه ينبغي للإنسان أن يحذر كل الحذر؛ بالتفكير، والنظر، والوسوسة، والاعتراض على الله، فلا يَقُلْ لماذا خلق هذا؟ ولماذا أوجد هذا؟ ولماذا هدى هذا؟ ولماذا أضل هذا؟ ولماذا أفقر هذا؟ ولماذا أغنى ذاك؟، فلا تعترض عليه تعالى؛ فإذا أفقر أحدًا فلا تقل مثل ما يقوله بعضُ العامة: (هذا ما يستحق؛ فلان ما يستحق، فلان ليس كفئا لذلك)؛ لأنِّ هذا نوعُ اعتراضٍ على الله! والله حكيم عليم وهو الذي قَدَّرَ أن يكون هذا غنيا أو فقيراً فلا تعترض على الله؛ فله الحكمةُ في ذلك؛ فهو الذي قَدَّرَ أن يكون هذا فقيراً، وأن يكون هذا مؤمناً، وهذا كافراً أو يكون هذا مطيعاً وهذا عاصياً، فلا تعترض، فهذا سر الله في خلقه له الحكمة البالغة وسلّمْ الأمرَ لَهُ فإن لم تفعل: كان هذا سبباً وذريعةً، ووسيلةً إلى حرمانك من التوحيد الخالص، وسبباً في طغيانك ومجاوزتك الحد.  

ثم قال الطحاوي: (فإن الله -تعالى- طوى علم القدر عن أنامه).  

أي: طوى علم القدر عن أنامه. والأنامُ هم الناس أي: الخلق، والمعنى أنه تعالى: طوى عِلْمَ القدر عنهم يعني: أخفاه -سبحانه وتعالى- عن الناس؛ لأنه مما اختص به -سبحانه- نَفْسَهُ؛ فلا يعلم ذلك لا ملك مقرَّب، ولا نبي مرسَل، كما لا يعلمون الحكمةَ في خلق هذا، وإيجاد هذا, وإغناء هذا، وإفقار هذا, وإضلال هذا وإماتة هذا؟ ولماذا هذا يعيش لمدة طويلة، ربّما مائة وعشرين، وهذا يموت وهو ابن أربعين، أو دون ذلك، وهذا يموت طفلاً، وآخرُ يموت في بطن أمه؛ فليس لك أن تعترض وتقول: لم؟ ولماذا؟ وكيف؟ لأنه سِرٌّ قد طواه الله عنك، وأخافه عن الأنام، والناس؛ فله الحكمة البالغة -سبحانه- يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد.

ثم قال -رحمه الله-: (ونهاهم عن مرامه).  

ومُرادُه بقوله: ونهاهم عن مرامه: أي: طلبه، وعن السؤال عنه والبحث عنه.

وقول المؤلف: (كما قال -تعالى- في كتابه: âŸw ã@t«ó¡ç„ $¬Hxå ã@yèøÿtƒ öNèdur šcqè=t«ó¡ç„ ÇËÌÈ á [سورة الأنبياء آية: 23] ).  

معناه: أنه سبحانه لا يُسألُ عما يفعل؛ لحكمته البالغة فهو -سبحانه- لا يُسأل عَمَّا يفعل لكمال حكمته؛ لأنه حكيم وأمَّا العِباد فإنهم يسألون؛ لأنهم مأمورون؛ منهيون؛ مكلَّفون؛ فالله-سبحانه وتعالى- هو: الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو الحكيم فيما يقدِّرُه، وفيما يشرعه فلا يُسأل عما يفعل -سبحانه-، وأما العباد فهم يسألون.

وقول الطحاوي: (فمن سأل لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب، ومن رد حُكم الكتاب: كان من الكافرين).  

معناه: أنَّ من سأل فقال: لم فعل كذا؟ ولماذا؟ فقال: لم أغنى هذا؟ ولم أفقر هذا؟ ولم هدى هذا؟ ولم أضَلَّ هذا؟ فقد رد حكم الكتاب؛ يعني: عارض قول الله في قوله:  âŸw ã@t«ó¡ç„ $¬Hxå ã@yèøÿtƒ á [سورة الأنبياء آية: 23]؛ فالله -تعالى- يقول هذا، وأنت تقول: لماذا فعل؟! فلا شك أنه ردٌّ لحكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.  

ثم قال -رحمه الله-: (فهذا جملة من يحتاج إليه من هو مُنَوُّر قلبُه من أولياء الله -تعالى-).  

أي: أنَّ هذه الأمور التي ذكرها المؤلف -رحمه الله- في القدر، وهي: عدم الاعتراض على الله, والتسليم له, وعدم التعمق؛ هذا الذي يحتاجه من نوَّر الله قلبه من أوليائه، يعني: من أحبابه المؤمنين؛ فأولياء الله هم المؤمنون، كما قال سبحانه: âIwr& žcÎ) uä!$uŠÏ9÷rr& «!$# Ÿw ê’öqyz óOÎgøŠn=t栟wur öNèd šcqçRt“øts† ÇÏËÈ šúïÏ%©!$# (#qãZtB#uä (#qçR%Ÿ2ur šcqà)­Gtƒ ÇÏÌÈ á [سورة يونس آية: 62 - 63].

وقوله: (وهي درجة الراسخين في العلم).  

لأن الراسخين في العلم، هم الذين يسلمون لقضاء الله وقدره, ويعلمون أن الله -تعالى- حكيم في شرعه، وقدره, وفي أمره ونهيه.

ثم قال -رحمه الله-: (لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود).  

أي أنَّ: العلم علمان: علم في الخلق موجود وهو علم الشريعة وتفاصيلها, وعلم في خلقه مفقود، وهو علم الغيب وعلم القدر الذي غاب وطواه الله عن أنامه؛ فلا تسأل عن العلم المفقود، فعلم الغيب لا يعلمه إلا الله؛ قال -سبحانه-: âãNÎ=»tã É=ø‹tóø9$# Ÿxsù ãÎgôàム4’n?tã ÿ¾ÏmÎ7øŠxî #´‰tnr& ÇËÏÈ á  [سورة الجن آية: 26] وقال â* ¼çny‰YÏãur ßxÏ?$xÿtB É=ø‹tóø9$# Ÿw !$ygßJn=÷ètƒ žwÎ) uqèd 4 á [سورة الأنعام آية: 59] فلا يعلم الأنبياء شيئا من الغيب إلا ما أعلمهم الله وأطلعهم عليه؛ فالعلمُ المفقود لا تسأله ولا تطلبه؛ وهو علم الغيب، ومن ذلك علم القدر والعلم الموجود علم الشريعة وتفاصيلها، كما تقدَّم.  

وقوله: (فإنكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر).  

معناه: أنَّ من أنكر العلم الموجود، وهو علم الشريعة: فقد كفر, وَعِلْمُ الشريعة هو ما جاء في كتاب الله، وسنة رسول الله، فمن أنكرها كفر, ومن ادعى العلم المفقود، وهو علم الغيب: كفر أيضاً([96]).

وقوله: (ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود).

معناه: أنه لا يثبت الإيمان إلا بأن تطلب العلم الشرعي، والمقصود به: الكتاب والسنة، وتترك طلب العلم المفقود، وهو: علم الغيب.  

 

اللوح والقلم

تعريف اللوح والقلم وآراء العلماء فيهما

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن باللوح والقلم، وبجميع ما فيه قد رُقم).  

هذا مبحثٌ فيما يتعلق باللوح والقلم. وقوله: (ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رُقم) يعني: نؤمن بجميع ما كَتَبَ به القلمُ، وللمقادير أقلام؛ سيتأتي تفصيل القول فيها. والقلم في اللغة: ما يُكتب به, والمراد به هنا شرعًا: القلم الذي خلقه الله، وكتب به المقادير في اللوح المحفوظ، واللوح في اللغة: ما يُكتب عليه, والمراد به شرعًا: اللوح الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه، والأدلة على ثبوت اللوح والقلم كثيرة، منها: قول الله -تعالى-: ö@t/â uqèd ×b#uäöè% Ó‰‹Åg¤C ÇËÊÈ ’Îû 8yöqs9 ¤âqàÿøt¤C ÇËËÈ á  [سورة البروج آية: 21 - 22]، وفي الحديث الذي رواه الطبراني بسنده أن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء كفّتاه ياقوتة حمراء قلمه النور وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر الله فيه كل يوم ستين وثلاثمائة نظرة يخلق في كل نظرة ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء»([97]) الحديث رواه الطبراني بسند ضعيف.

ولكن قول الله -تعالى-: âö@t/ uqèd ×b#uäöè% Ó‰‹Åg¤C ÇËÊÈ ’Îû 8yöqs9 ¤âqàÿøt¤C ÇËËÈ á [سورة البروج آية: 21 - 22] يُغني عن ذلك الحديث -على القول بضعْفِه- وكذلك: قول الله -تعالى-: â!$tB z>$|¹r& `ÏB 7pt6ŠÅÁ•B ’Îû ÇÚö‘F{$# Ÿwur þ’Îû öNä3Å¡àÿRr& žwÎ) ’Îû 5=»tGÅ2 `ÏiB È@ö6s% br& !$ydr&uŽö9¯R 4 ¨bÎ) šÏ9ºsŒ ’n?tã «!$# ×ŽÅ¡o„ ÇËËÈ á [سورة الحديد آية: 22] وقوله -سبحانه-: âóOs9r& öNn=÷ès? žcr& ©!$# ãNn=÷ètƒ $tB ’Îû Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur 3 ¨bÎ) šÏ9ºsŒ ’Îû A=»tFÏ. 4 ¨bÎ) y7Ï9ºsŒ ’n?tã «!$# ×ŽÅ¡o„ ÇÐÉÈ á [سورة الحج آية: 70] وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ. ومن الأدلة من السنة: حديثُ عبادة بن الصامت t قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة»([98]) والحديث صحيح ثابت.  

واختلف العلماء في القلم والعرش أيهما أسبق في الوجود؟ على قولين ذكرهما الحافظ أبو العلاء الهمداني([99]) أصحهما: أن العرش كان قبل القلم.

والدليل على ذلك: ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء»([100]). ووجه الدلالة: أن الحديث صريح أن التقدير إنما وقع بعد خلق العرش؛ فدل على أن العرش مخلوق قبل القلم، والتقدير وقع عند أول خلق القلم بلا مهلة، يعني: أن الله أول ما خلق القلم كتب به المقادير؛ لما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت t قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب»([101]) الحديث. يعني: أنه عند أول خلقه القلم قال له اكتب بدليل الرواية الأخرى «أولَّ ما خلق الله القلمَ قال له: اكتب»([102]) بنصب (أولّ) على الظرفية، ونصْب (القلمَ) على المفعولية؛ فيكون قوله: «إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب» جملة واحدة؛ وأما على رواية رفع (أولُ) و(القلمُ) فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم المحسوس المشاهَد، ويكون قولهُ: «أول ما خلق الله القلم وقال له: اكتب» جملتيْن ليتفق الحديثان.

إذًا: حديث عبد الله بن عمرو؛ أفاد أن العرش سابق على التقدير, وحديث عبادة بن الصامت أفاد أن التقدير مقارن لخلق القلم؛ يوضحه اللفظُ الآخر: (لما خلق الله القلم قال له اكتب فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) فهو يوضّح أن الأولية بالنسبة للكتابة. وقد ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله- في الكافية الشافية الخلافَ في العرش والقلم؛ أيهما خُلق أولاً؟ واختار أن العرش مخلوق أولاً، فقال -رحمه الله-:

والناس مختلفون في القلم الذي كُتب القضاءُ به من الدَّيان

هل كان قبل العرش أو هو بعده؟ قولان عند أبي العلا الهمداني

والحق أن العرش قبل؛ لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان

فرجَّح أن العرش مخلوق قبل القلم؛ لأنه قبل الكتابة.

وقولُه: والعرش كان ذا أركان؛ يعني: كان موجوداً موجود.  

 

وأقلام المقادير التي وردت في السنة

أولا: القلم العام الشامل لجميع المخلوقات، وهو الذي كتب به في اللوح المحفوظ المقادير هذا القلم العام الشامل لجميع المخلوقات, وما بعده من الأقلام كلها مأخوذة منه وتوافقه([103]).

القلم الثاني: خبر خلق آدم، وهو قلم عام أيضا، لكن لبني آدم، وورد فيه آثار تدل على أن الله قدَّر أعمال بني آدم، وأرزاقهم، وآجالهم، وسعادتهم عقيب أبيهم([104]).

القلم الثالث: حين يُرسل المَلَكُ إلى الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة([105]).

القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه، الذي بأيدي الكرام الكاتبين، الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم، كما ورد ذلك في الكتاب والسنة.  

فحاصلُ معنى قوله: (ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رُقم)؛ أنه:  لا بد من الإيمان باللوح المحفوظ؛ المذكور في الكتاب العظيم، وأن الله كتب فيه مقادير كل شيء، وما هو مكتوبٌ فيه شامل؛ عامٌ. لا يخرج عنه أي شيء، والمقادير الأخرى كلها مأخوذة منه؛ راجعة إليه كما تقدمت الأدلة على ذلك. وكذلك: الإيمانُ بالقلم؛ قال بعض العلماء إنه هو القلم الذي أقسم الله به في قوله -سبحانه-: âúc 4 ÉOn=s)ø9$#ur $tBur tbrãäÜó¡o„ ÇÊÈ á [سورة القلم آية: 1].

قال الطحاوي -رحمه الله-: (فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله -تعالى- فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن: لم يقدروا عليه. ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله -تعالى- فيه ليجعلوه كائنا: لم يقدروا عليه).  

يعني: أنَّ ما قدَّره اللهُ وكتبه؛ لا يُغيَّر ولا يبدَّل، ولا يستطيع أحد أن يغيره أو يبدله؛ كما قال الله :U â$¨B ËxtGøÿtƒ ª!$# Ä¨$¨Y=Ï9 `ÏB 7puH÷q§‘ Ÿxsù y7Å¡ôJãB $ygs9 ( $tBur ô7Å¡ôJムŸxsù Ÿ@řöãB ¼çms9 .`ÏB ¾Ínω÷èt/ 4 á [سورة فاطر آية: 2].   

وثبت في حديث ابن عباس حين ما علمه وقال له: «يا غلام إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك -إلى أن قال-: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رُفعتْ الأقلامُ، وجفتْ الصحفُ»([106]) أي: أقلامُ المقادير؛ قد رُفعتْ وجفت الصحف فلا تُغَيَّرُ، ولا تُبَدَّلُ، ولو اجتمع الكون كلهم على أن يغيروا شيئا مما كتبه الله: ما استطاعوا أن يغيروا ما كتب ليجعلون غير مكتوب، وَلَماَ استطاعوا أن يزيدوا فيه شيئاً لم يكتب فيه.  

ثم قال -رحمه الله-: (جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة).  

وهذا قَدْ دَلَّ عليه حديث ابن عباس السابق، في قوله عليه الصلاة والسلام: (رفعت الأقلام وجفت الصحف).  

قال المؤلف -رحمه الله-: (وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه).

وهذا لأنَّ المقدور كائن لا محالة فلا بُدَّ من الإيمان بهذا؟؛ وأن تعلم أنَّ الذي أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك؛ لأن كل شيء قد كُتبَ في اللوح المحفوظ؛ حتى العجز والكيس؛ فحركاتُ العبد، وسكناتُه، وأقواله، وأفْعاله، وتصرفاته كلها مكتوبة؛ كما في حديث ابن عباس السابق أن النبي ﷺ قال له: «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك»([107]).  

قال المؤلف -رحمه الله-: (وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمهُ في كل كائن من خلقه).

هذا بناءاً على ما سبق, والأدلة على هذا واضحة, فعلى العبد أن يعلم أن كل شيء قد سبق به علم الله الشامل لكل شيء، والسابق لكل شيء؛ فالله تعالى يعلم ما كان في الماضي وما يكون في المستقبل وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما قال -سبحانه-: âóOs9r& öNn=÷ès? žcr& ©!$# ãNn=÷ètƒ $tB ’Îû Ïä!$yJ¡¡9$# ÇÚö‘F{$#ur 3 á [سورة الحج آية: 70] â¨bÎ) ©!$# È[email protected]ä3Î/ >äóÓx« 7LìÎ=tæ ÇÐÎÈ á [سورة الأنفال آية: 75] وقال تعالى: âtb%x.ur ª!$# È[email protected]ä3Î/ >äóÓx« $VJŠÎ=tã ÇÍÉÈ á [سورة الأحزاب آية: 40] وقال سبحانه: â* ¼çny‰YÏãur ßxÏ?$xÿtB É=ø‹tóø9$# Ÿw !$ygßJn=÷ètƒ žwÎ) uqèd 4 ÞOn=÷ètƒur $tB †Îû ÎhŽy9ø9$# Ìóst7ø9$#ur 4 $tBur äÝà)ó¡[email protected] `ÏB >ps%u‘ur žwÎ) $ygßJn=÷ètƒ Ÿwur 7p¬6ym ’Îû ÏM»yJè=àß ÇÚö‘F{$# Ÿwur 5=ôÛu‘ Ÿwur C§Î/$tƒ žwÎ) ’Îû 5=»tGÏ. &ûüÎ7•B ÇÎÒÈ á [سورة الأنعام آية: 59]. والكتاب المبين: هو اللوح المحفوظ -كما تقدَّم-.  

فمن لم يؤمن بعلم الله الشامل؛ فليس بمسلم؛ ولهذا لما أنكر القدرية الأُولى، الغلاة علمَ الله الشامل كَفَّرهم العلماءُ، كمالك، والشافعي، وأحمد([108]).  

وقال فيهم الإمام الشافعي -رحمه الله-: ناظِروا القدريةَ بالعلْم؛ فإن أقرُّوا به: خُصِمُوا، وإن أنكروه كفروا([109]).  

فمن أنكر العلم؛ نسبَ الله للجهل، ومن نسب الله إلى الجهل؛ كفر؛ فلا بد من الإيمان بعلم الله الشامل.    

قال المؤلف -رحمه الله-: (فقدَّر ذلك تقديراً مُحْكَماً، مُبْرَماً).

قوله: (قدَّر ذلك تقديرا محكما مبرما)، يعني: لا يُغَّيرُ، ولا يُبَدَّلُ ذلك التقديرُ المبرمُ المحْكمُ؛ الذي لا خلل فيه، فلا يمكن أن يُنقض.

ثم قال -رحمه الله-: (ليس فيه ناقض ولا معقب).  

قوله: "ليس فيه ناقض؛ من (الانتقاض)"؛ يعني: لا يستطيع أحد أن ينقض حكم الله، وما قدَّره، وما كتبه في اللوح المحفوظ، ولا يستطيع أحد أن يغيره بزيادة أو نقصان، أو يؤخره أو يقدّمه، فلا معقب لحُكمه، ولا رادّ لقضائه.

وقوله -رحمه الله-: (ولا مزيل ولا مغير).  

يعني: لا أحد يزيل، ولا ينقض، ولا يغيّر، بالزيادة أو النقصان، شيئاً مما كُتِبَ في اللوح المحفوظ أو يَمْحُوَهُ.  

ثم قال -رحمه الله-: (ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه).  

ومُرادُهُ: لا يستطيع أحد أن ينقص، ولا أن يزيد مما قضاه وقدره في خلقه السماوات والأرض -سبحانه وتعالى-.

قال المؤلف -رحمه الله-: (وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة).  

قولُه: (من عَقْد الإيمان) يعني أن هذا: من اعتقاد الإيمان وأصل المعرفة، فعلى المسلم أن يعتقد أن الله كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، وأنه لا يستطيع أحد أن يغير ما كتبه الله، ولا أن ينقضه، ولا أن يقدمه أو يؤخره، ولا أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه. كما سبق تفصيله قريباً.

وقوله -رحمه الله-: (وذلك من عقد الإيمان، وأصول المعرفة، والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته).  

 

 

([1])   انظر: «صحيح البخاري» (3207)، و(3887). 

([2])   أخرجه البخاري (7517) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. 

([3])   أخرجه مسلم (2303) من حديث مُعْتَمِر، عن أبيه، عن قَتادة، عن أنس مرفوعاً بلفظ: «ما بين ناحيتَيْ حَوْضِي كما بيْن صَنعاء والمدينة»، وساقه أيضاً عن هشام، وأبي عوانة كلاهما عن قتادة، عن أنسٍ مرفوعاً بمثله، لكنَّ مُسْلماً قال: «غير أنهما شَكّا فقالا: أو مِثلَ ما بين المدينة وعَمَّان...». ومن طريق هشام به أخرجه ابن ماجه (4304)، باللفظ المزبور، وكذا أخرجه غيره من طريق هشام به. وهو في الصحيحين بلفظ الحديث التالي.

([4])   أخرجه البخاري (6580),  ومسلم (2303)، وليس في رواية مسلمٍ قولُه: «إنَّ».

([5])   أخرجه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» (4099) من حديث أنس بن مالك. وفي سنده عكرمة بن عمَّار العجلي، قال الحافظ في «التقريب» (4672): «... صدوقٌ يغلط...»، وفيه أيضاً: يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف.

([6])   أخرجه ابن عدي في «الكامل» (5/354)، وقال محمد طاهر المقدسي في «ذخيرة الحفاظ» (3/1250): «رواه عائذ بن نسير العجلي، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه. وهذا يرويه عائذ، وعنه يحيى بن يمان. ويحيى في جملة أهل الصدق إلا أنه يهم ويغلط، وعائذ ضعيف».

([7])   أخرجه الترمذي (2444)، وأحمد في «المسند» (5/275)، والحاكم في «المستدرك» (4/204 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، والطبراني في «الأوسط» (396 -تحقيق: طارق عوض الله)، وابن أبي عاصم في «السنة» (706)، وصححه الحاكم في «المستدرك» (4/204)، والألباني في «ظلال الجنة» (706، 707)، والحديث له عن ثوبان طرق وألفاظ أخرى، في الصحيح، وفي السنن.

([8])   أخرجه البخاري (6579)، ومسلم (2292) واللفظ له.

([9])   أخرجه ابن ماجه (4301)، وابن أبي عاصم في «السنة» (723)، بسند ابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه (الكعبة) بدل (المدينة)، وصححه الألباني، رحمه الله في «ظلال الجنة» (723).

([10])   هو في الصحيحين وغيرهما من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنه، نحوه، وليس فيه ذكر المدينة. وانظر:  «البخاري» (6577)، و«مسلم» (2299)، ورواية الدارقطني المشار إليها، عزاها إليه الحافظ في «الفتح» (11/472). 

([11])   سبق قبل قليل.

([12])   انظر: «فتح الباري» لابن حجر (11/471، 472).

([13])   أخرجه الترمذي (2443)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (1/44)، والطبراني في «الكبير» (7/212)، وابن أبي عاصم في «السنة» (734)، وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث، عن الحسن، عن النبي r مرسلًا، ولم يذكر فيه عن سمرة وهو أصح». قال الألباني: «إن الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح». انظر: «السلسلة الصحيحة» (1589)، و«فتح الباري» (11/467). 

([14])   أخرجه مطولاً أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/110)، وابن أبي الدنيا في «كتاب الأهوال» كما ذكره ابن كثير في «النهاية» في الفتن والملاحم (1/363)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (2118)، وأخرجه مختصراً بدون ذكْر موضع الشاهد ابن ماجه (2/279)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (31681)، و(34104)، وأبو يعلى (1028)، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (904)، وابن أبي عاصم في «السنة» (723). قال الترمذي: «وقد روى الأشعث بن عبدالملك هذا الحديث، عن الحسن، عن النبي r مرسلًا». انظر: «السلسلة الصحيحة» (1589)، وصحح الرواية المرسلةَ وضعّفَ الموصولةَ الحافظُ في «الفتح» (11/467)، والروايةُ المختصرة مع أن في سندها عطية العَوْفي، فقد صحح الحديثَ الألبانيُّ في «ظلال الجنة» (723) لشواهده الكثيرة، وأشار إلى أن أصل الحديث من رواية أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما؛ من طرق عنه.

([15])   أخرجه الترمذي: (2433) والسياق له، وأحمد: (3/178)، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (2220)، وابن عساكر في «تاريخه» (9/360- 361)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، وصححه الألباني. انظر: «السلسلة الصحيحة» (2630).

([16])   الحديث بطوله أخرجه ابن الإمام أحمد في «زوائد المسند» (4/13)، وفي «السنة» (11120)، والحاكم (4/605- 607)، والطبراني في «الكبير» (477)، وابن أبي عاصم في «السنة» (636)، وابن خزيمة في «التوحيد» (2/460- 470)، والحديث قوَّاهُ الإمام ابن القيم في «زاد المعاد» (3/677- 678)، وفي «حادي الأرواح» (ص 170)، وصححه الحاكم في «المستدرك» (4/607). لكن قال الحافظ ابن كثير في «البداية» -بعد أن ساقه من رواية ابن الإمام أحمد- (5/82): «هذا حديث غريب جداً وألفاظه في بعضها نكارة...». 

([17])   أخرجه البخاري واللفظ له (6582)، ومسلم (2304).

([18])   أخرجه البخاري (6583)، و(6584) واللفظ له، ومسلم (2290)، و(2291)، وفي الصحيح عن غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.

([19])   أخرجه مسلم (247) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أيضاً (249) عن أبي هريرة بسياق آخر، وفيه موضع الشاهد بلفظ مقارب. وأخرجه أيضاً (248) من حديث حذيفة وفيه موضع الشاهد بسياق مقارب أيضاً.

([20])   الحديث سبق تخريجه.

([21])   انظر: «زاد المعاد» (3/588).

([22])   انظر: «التذكرة» للقرطبي (ص 347). 

([23])   (11/ 466).

([24])   انظر: «التذكرة» للقرطبي (ص 347)، و«فتح الباري» (11/466).

([25])   انظر: «المفهم» (6/90).

([26])   انظر: «التذكرة» (ص 350 -ط: دار الريان).

([27])   نقل هذا الإنكار عنه الحافظُ في «الفتح» (11/467)، ثم نقل ما يدل على رجوعه عنه.

([28])   انظر البخاري عقب (6585)، ومسلم (249) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

([29])   أخرجه البخاري (4625)، ومسلم (2860) من حديث ابن عباس رضي الله عنه.

([30])   انظر: «لوامع الأنوار» للسفاريني (2/197)، و«التذكرة» للقرطبي (352).  

([31])   أخرجه اسحاق ابن راهويه في «مسنده» (10)، والطبراني في «التفسير» (12/576)، وأبو الشيخ في «العظمة» (3/822- 837)، والطبراني في الأحاديث الطوال (ص 266- 277) كلهم من طريق إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة مرفوعا في حديث طويل، قال ابن كثير في «التفسير» (2/196) بعد إيراد الحديث من طريق الطبراني: «ثم ذكره بطوله ثم قال: هذا حديث مشهور وهو غريب جداً، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، وقد اُختلف فيه فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر إلا أنه يُكتب حديثه في جملة الضعفاء. قلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة قد أفردتها في جزء على حدة وأما سياقه فغريب جداً. ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة وجعله سياقا واحدا فأُنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفا قد جمعه كالشواهد لبعض مفردات هذا الحديث، فالله أعلم»، وأصل حديث الشفاعة في الصحيحين: أخرجه البخاري (4476),  ومسلم (193) من حديث أنس رضي الله عنه.     

([32])   أخرجه مسلم (196). 

([33])   انظر: «صحيح البخاري» (5705)، وصحيح مسلم (218، 220). 

([34])   أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194) واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. 

([35])   سبق قبل حديث قال الحافظ في «الفتح» (11/428) -بعد أن سرد أدلة بعض أنواع الشفاعات-: «ودليل الخامسة: قولُه في حديث أنس عند مسلم: (أنا أول شفيع في الجنة)، كذا قاله بعض من لقيناه؛ وقال: وجه الدلالة منه: أنه جعل الجنة ظرفاً لشفاعته. قلتُ: وفيه نظر؛ لأني سأبين أنها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يطلب هنا أن يشفع لمن لم يبلغ عمله درجة عالية؛ أن يبلغها بشفاعته. وأشار النووي في «الروضة» إلى أن هذه الشفاعة من خصائصه، مع أنه لم يذكر مستندها».

([36])   أخرجه الطبراني في «الكبير» (11/189) حديث (11454) قال الهيثمي في «المجمع» (10/686): «فيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو وضاع»، وبنحوه عن أبي الدرداء مرفوعاً، وانظر كلام الهيثمي حول هذا الحديث في «مجمع الزوائد» (7/95- 96).

([37])   أخرجه مسلم (195).

([38])   أخرجه البخاري (3883),  ومسلم (209) واللفظ له من حديث العباس رضي الله عنه.   

([39])   أخرجه البخاري (3885)، ومسلم (210)؛ من حديث أبي سعيد الخدري إلا أنَّ مسلماً قال في روايته: «من نارٍ». 

([40])   أخرجه الترمذي (2435)، وأبو داود (4739) من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه»، وصححه ابن حبان (6468)، وقال الحافظ ابن كثير في «التفسير» (1/488): «وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس، وعن جابر مرفوعاً: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبدالرزاق أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس قال قال رسول الله r: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»؛ فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخيْن، وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفرداً به من هذا الوجه، عن عباس العنبري، عن عبدالرزاق».

([41])   أخرجه البخاري (7510) واللفظُ له, ومسلم (193).

([42]) أخرجه البخاري (1432) وهذا سياقُه, ومسلم (2627) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

([43])   لوامع الأنوار (2/215).

([44])   أخرجه البخاري (99).

([45])   أخرجه البخاري (614). 

([46])   أخرجه مسلم (1363) بهذا السياق، وأخرجه بنحوه (1378) من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه.

([47])   أخرجه الطبراني في «الكبير» (6104)، والبيهقي في «الشعب» (4180)، وقال الزيلعي في كتاب «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» (1/197): «رُوي من حديث جابر، وأنس، وسلمان، وعمر، وحاطب؛ وكلها ضعيفة». ثم عَزَاها إلى مُخرِّجيها، وبيَّن عللها؛ حديثاً حديثاً. وانظر: «مجمع الزوائد» (3/58)، وانظر: للأهمية «الفوائد المجموعة» للشوكاني (1/114).   

([48])   أخرجه الطبراني في «الكبير» -كما في «جلاء الأفهام» (143، 449)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/120): «رواه الطبراني بإسنادين وإسناد أحدهما جيد ورجاله وُثِّقُوا».

       لكن أشار العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (1/314) إلى انقطاعه، وكذا السخاوي في «القول البديع» (ص 179)، وضعَّفَه الألبانيُّ في «ضعيف الترغيب والترهيب» (396 - الطبعة الجديدة).

([49])   سبق قبل قليل.

([50])   أخرجه مسلم (233) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي الباب عن ابن مسعود، وأنس، وأبي بكرة، لكن بأسانيد واهية. انظر: «مجمع الزوائد» (1/298- 300).  

([51])   سبق قبل قليل، وأنه لم يصح عن سلمان ولا عن غيره.

([52])   أخرجه الترمذي (3578) واللفظ له,  وابن ماجه (1385) من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب»، وصححه ابن خزيمة (1219)، والحاكم (1180)، وانظر رسالة: «التوسل: أنواعه، وأحكامه» للألباني.

([53])   انظر: «مجموع الفتاوى» (1/323) وما بعدها.

([54])   أخرجه البخاري (4712) وهذا سياقهُ, ومسلم (194), وأحمد (2/435)، ووقع عند مسلم وأحمد: «كما بيْن مكة وَهَجَر».  

([55])   سبق تخريجه تحت القسم الأول من أقسام الشفاعة.

([56])   انظر: «معارج القبول» (1/18).

([57])   أخرجه أحمد (1/44)، والترمذي (3075) وقال: «هذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع من عُمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار، وبين عمر، رجلاً مجهولاً».

       والحديث أخرجه أيضاً: مالك في «الموطأ» (2/898 -تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي)، ومن طريقه أخرجه كُلٌّ من: النسائي في «الكبرى» (11190)، وأبي داود (4703)، والحاكم في «المستدرك» (1/80 -بتحقيق: مصطفى عبدالقادر)، و(2/354، 594)، وصححه !! وابن حبان (6166)، والبغوي في «شرح السنة» (1/138- 139)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (3886)، وابن أبي عاصم في «السنة» (196).

       والحديث ضعّفه الألباني في «ظلال الجنة» (1/87)، وفي «السلسلة الضعيفة» (3073).

       بهذا الإسناد، لكنه صححه لغيره في تخريج «شرح الطحاوية» (266) فقال: «صحيح لغيره إلا مسح الظهر؛ فلم أجد له شاهداً». وانظر أيضاً: «السلسلة الصحيحة» (4/159).  

([58])   أخرجه الترمذي (3076)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة، عن النبي r.

 

 

[59]))  (صحيح): أخرجه أحمد (1 / 272), وابن جرير في  «التفسير» (9/110- 111، دار الفكر), وابن أبي عاصم في «السنة» (202), والحاكم (2/593 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر), والبيهقي في «الأسماء و الصفات» (ص 326 - 327)، والنسائي في «الكبرى (19111)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار (3889)، وابن منده «في الرد على الجهمية» (ص28- 29). كلهم من طريق الحسين بن محمد المروذي, حدثنا جرير بن حازم عن كلثوم بن جبر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ... فذكره. 

 قال الحاكم: «صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي. وقد تابع الحسينَ، وهبُ بنُ جرير عن أبيه، به، كما عند الحاكم (1/80 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، فلم يتفرد به حسين كما قال الحافظ ابن منده في «الرد على الجهمية» ص (29). وقال الألباني -رحمه الله-: و حقهما أن يقيداه بأنه على شرط مسلم، فإن كلثوم بن جبر من رجاله, و سائرهم من رجال الشيخين، لكن قال النسائي عقب إخراجه هذه الرواية (6/347): «وكلثوم هذا ليس بالقوي وحديثه ليس بالمحفوظ»، ورجح الحافظ ابن كثير في «التفسير» (3/501) وقفه على ابن عباس, وتعقبه الألباني بأن هذا  الموقوف في حكم المرفوع، لسببين: 

الأول: أنه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع، ولذلك اشترط الحاكم في كتابه «المستدرك» أن يخرج فيه التفاسير عن الصحابة كما ذكرذلك فيه (1 /55).

الآخر: أن له شواهد مرفوعة عن النبي ﷺ عن جمع من الصحابة، وهم: عمر بن الخطاب, وعبدالله بن عمرو, وأبو هريرة, وأبو أمامة, وهشام بن حكيم أو عبد الرحمن بن قتادة السلمي على خلاف عنهما - ومعاوية بن أبي سفيان, وأبو الدرداء, وأبو موسى، و هي إن كان غالبها لا تخلوا أسانيدها من مقال، فإن بعضها يقوي بعضا. بل قال الشيخ صالح المقبلي في «الأبحاث المسددة» -كما نقله الألباني عن «فتح البيان» (3/406) لصديق حسن خان-:  «ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات في ذلك». ثم قال الألباني: ولاسيما وقد تلقاها أو تلقى ما اتفقت عليه من إخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادهم على أنفسهم، السلف الصالح من الصحابة والتابعين دون اختلاف بينهم، منهم عبد الله ابن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وناس من الصحابة، وأبي بن كعب، وسلمان الفارسي، ومحمد بن كعب، والضحاك بن مزاحم، والحسن البصري، وقتادة، وفاطمة بنت الحسين، وأبو جعفر الباقر، وغيرهم. وقد أخرج هذه الآثار الموقوفة, وتلك الأحاديث المرفوعة الحافظ السيوطي في «الدر المنثور» ( 3 /141 - 145)، وأخرج بعضها الشوكاني في «فتح القدير» ( 2/215 - 252) ». انتهى كلام الألباني. وانظر: «الصحيحة» (1623), و«شرح الطحاوية» (ص266).

([60])  أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (9/113 - دار الفكر), وذكره السيوطي مرفوعاً في الدر المنثور (1: 142), وعزاه لابن منده في كتاب الرد على الجهمية، ولكن في المطبوع (ص63 -بتحقيق: الفقهيي، ذكره ابن منده من رواية مجاهد عن ابن عمر ولم يسنده. وكذا وقع تسمية الصحابي عنده، وأخشى أن يكون تصحيفاً، أو خطئاً طباعياً. وقد رواه موقوفاً على عبدالله بن عمرو ابن جرير في «التفسير» (9/112 -دار الفكر)، ورجح ابن كثير في «التفسير» (2/263) الرواية الموقوفة. 

([61])   أخرجه البخاري: أحاديث الأنبياء (3334) واللفظ له, ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (2805), وأحمد (3/127، 129).

([62])   أخرجه أحمد (3/207).

[63]))   (صحيح): أخرجه أحمد (4/24) وهذا لفظه، وأخرجه أيضاً في (3/435) بنحوه، وقال الهيثمى (5/316): «رواه أحمد بأسانيد وبعضها رجاله رجال الصحيح». وأخرجه أيضًا: النسائى فى الكبرى (5/184، رقم 8616), والدارمى (2/294، رقم 2463)، وابن جرير (9/112- 113) ، والبيهقى (9/77، رقم 17868)، و (9/130، رقم 18114). وصححه ابن حبان (1/341، رقم 132), والحاكم (2/133- 134، رقم 2566، 2567)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين», ووافقه الذهبي. وقال أبو نعيم فى الحلية (8/263) «حديث الأسود مشهور ثابت». وقال ابن عبدالبر في «التمهيد» (18/68: «... وهو حديث بصريٌّ صحيح». وانظر «الصحيحة» (402), و«صحيح الجامع» (5571).   

([64])  أخرجه البخاري الجنائز (1385), ومسلم: القدر (2658), وأبو داود: السنة (4714), وأحمد (2/233), وفي مواضع أخرى من مسنده، ومالك: الجنائز (1/241 -تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي) من حديث أبي هريرة.  

([65])  أخرجه مسلم: القدر (2658).

([66])   أخرجه مسلم: (2658).

([67])   أخرجه مسلم: (الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا) (2865) واللفظ له, وأحمد (4/162).

([68]) يشير الشارح إلى ما رواه مسلم بن يسار, عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذُرِّيَّةً فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون, ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله فَفِيمَ العمل؟ قال: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فَيُدْخِلَهُ به الجنة, وإذا خلق العبد للنار اسْتَعْمَلَهُ بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أهل النار فَيُدْخِلَهُ به النار» أخرجه مالك (2/898، رقم 1593)، وأحمد (1/44، رقم 311)، والبخارى فى التاريخ الكبير (8/97)، وأبو داود (4703)، والترمذى (3075)، وقال : حسن, ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلاً مجهولاً». وقال ابن كثير: مسلم بن يسار لم يسمع عمر كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة. وانظر «الأسماء والصفات» للبيهقي (ص 325) , «والضعيفة» للألباني (3071)، وقد تقدّم أنه صححه لشواهده، إلا مسح الظهر؛ فلم يجد له شاهداً. 

([69]) ؟؟؟؟؟؟ لم يكتب

([70])  انظر: «المسند» ( ؟؟؟؟ ) بتعليق الشيخ أحمد شاكر.

([71])  انظر: «لسان العرب» (5/74), و« الصحاح» (2/74) مادة (قدر).

([72])   أخرجه  مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610), والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990), وأبو داود: السنة (4695), وابن ماجه: المقدمة (63), وأحمد (1/51)، والسياقُ لمسلمٍ وأبي داود.

[73]))  قال البيهقي في «الاعتقاد» (ص316): «وإنما سموا قدرية؛ لأنهم أثبتوا القدر لأنفسهم ونفوه عن الله سبحانه وتعالى, ونفوا عنه خلق أفعالهم, وأثبتوه لأنفسهم».

([74])  أخرجه أبو داود: السنة (4691) ومن طريقه الحاكم (1/159 ، رقم 286) , والبيهقى (10/203 ، رقم 20658), كلهم من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم, عن أبيه, عن ابن عمر, عن النبي  صلى الله عليه وسلم قال... فذكره، وهذا إسناد منقطع، فأبو حازم وهو سلمة بن دينار لم يسمع من ابن عمر -رضي الله عنهما-.

وأخرجه أحمد: (2/86) من طريق أنس بن عياض, ثنا عمر بن عبدالله مولى غفرة، عن عبدالله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال:... فذكره بنحوه. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف عمر بن عبدالله, ضعفه النسائي، ويحيى بن معين, وقال يحيى بن معين: لم يسمع من أحد من أصحاب النبى ﷺ.

ورواه الطبراني في «الأوسط» (2494), والآجري في «الشريعة» (419), وابن عدي في «الكامل» (3/212), والفريابي في «القدر» (216) كلهم من طريق زكريا بن منظور عن أبي حازم به, وإسناده ضعيف منكر. 

ورواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (225), وقال: هذا حديث لا يصح، لكن حسَّنه الألباني في «ظلال الجنة» (338)، و (339). وورد بمعناه أيضاً من حديث أبي هريرة عند ابن أبي عاصم في «السنة» (342)، وصححه الألباني في «ظلال الجنة» (342)، وورد بمعناه أيضاً من حديث جابر بن عبدالله عند ابن ماجه (92)، وابن أبي عاصم في «السنة» (328)، وغيرهما. وحسَّنه الألباني في «ظلال الجنة» (328).

([75])   سبق تخريجه. أخرجه مسلم: الإيمان (8) , والترمذي: الإيمان (2610) , والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) , وأبو داود: السنة (4695) , وابن ماجه: المقدمة (63) , وأحمد (1/27).

([76])   (صحيح): أخرجه: أحمد (5/317، رقم 22757)، وابن أبى شيبة (7/264، رقم 35922)، والطيالسي (577)، والبزار في «مسنده» (2687)، وابن جرير فى تفسيره (29/17), والترمذي: و (2155) باب إعظام ؟؟؟؟؟؟؟ الإيمان بالقدر، وفي تفسير القرآن (3319), وأبو داود: السنة (4700), وابن أبي عاصم في «السنة» (102) و( 103) و ( 104 ) و (105)، والطبراني في «مسند الشاميين» (58) و(59) و( 1949)، وأبو نعيم في «الحلية» (5/248)، والبيهقي (10/204). وصححه الألباني في «الطحاوية» (232, 271), وفي «المشكاة» (94)، وفي «ظلال الجنة» (102 - 107).

([77])  أخرجه ابن وهب في القدر (26)، وفيه انقطاع، بين سليمان بن مهران (الأعمش)، وعبادة بن الصامت، فإنه لم يدركه، ويغني عنه مما وقع في بعض روايات الحديث السابق: «فإنَ مت على غير هذا دخلتَ النار».

([78]) (صحيح): أخرجه أحمد (5/182، رقم 21629) والسياق لَهُ، وابن حبان (2/505- 506)، وأبو داود (4699)، وابن ماجه (77)، والطبرانى (5/160، رقم 4940)، والبيهقى «السنن الكبرى» (10/204)، والطبراني في «الكبير» (4940)، والخطيب في «الموضح» (1/179)، وابن أبي عاصم في «السنة» (245)، وفي «شعب الإيمان» (1/203، رقم 182) كلهم من طريق أبي سنان، عن وهب بن خالد الحميري، عن ابن الديلمي...به, وتابعه سفيان عن أبي سنان. وصححه ابن حبان (2/505، 727)، والألباني في «الظلال» (245)، وفي «المشكاة» (115)، وفي «شرح الطحاوية» (629)، ووقع في بعض طرق هذا الحديث من رواية سفيان، عن أبي سنان، عن وهب بن خالد الحميري، عن ابن الديلمي، عن أبي بن كعب، وفي بعض الطرق من رواية إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان، عن وهب بن خالد عن ابن الديلمي، عن زيد بن ثابت.

([79]) قال ابن تيمية -رحمه الله-: «أما فتنة القدر فأول من تكلم بها معبد الجهني رجل من البصرة, وكان عنده حظ من العلم يقال له: معبد بن خالد, ويقال: معبد بن عبدالله ابن عويمر مات بعد الهزيمة, وكان يومئذ مع الأشعث وأصابته جراحة وهو أول من تكلم بالقدر وهو الذي تبرأ منه عبدالله بن عمر بن الخطاب». وانظر: «بيان تلبيس الجهمية» (1/274), و«مجموع الفتاوى» (7/384).

([80])   (صحيح): وتقدم تخريجه قريبًا.  

[81]))  قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وقد نص الأئمة كمالك، والشافعي، وأحمد على تكفير قائل هذه المقالة». وانظر «تحقيق مسألة علم الله» (ص 176-178).

([82])   قلت: ممن أخرج له الشيخان ممن رمي بالقدر: قتادة بن دعامة السدوسي, وتلميذه سعيد بن أبي عروبة, وشريك بن عبدالله بن أبي نمر, وعبدالله بن أبي نجيح المكي, والحسن بن ذكوان, وغيرهم. وانظر «هدي الساري» (459-460). وانظر في حكم رواية المبتدع «التقييد والإيضاح» (ص148-150). 

[83])) قال الخطابي -رحمه الله-: «إنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذاهبَ المجوس في قولهم بالأصلين وهما: النور والظلمة, يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله والشر إلى غيره، والله سبحانه خالق الخير والشر لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته. وخلقه الشرَّ شرًّا في الحكمة كخلقه الخير خيرًا». وانظر: «القضاء والقدر» للبيهقي (ص283-284).

([84]) الجبرية: هم أتباع الجهم بن صفوان الترمذي، وسموا جبرية؛ لأن مذهبهم: أن العبد مجبور على فعله وحركاته، وأفعاُله اضطرارية، فالجبرية يزعمون أن العباد لا يفعلون شيئاً ألبتة، وأن الفاعل عندهم هو الله حقيقة, وإضافة أفعال العباد إليهم عند الجبرية مجاز. وانظر «بيان تلبيس الجهمية» (1/277), و«الواسطية» (ص10).

[85])) هو جهم بن صفوان أبو محرز الراسبي، مولاهم، السمرقندي، الكاتب المتكلم، أسّ الضلالة، ورأس الجهمية، كان صاحب ذكاء وجدال، كتب للأمير حارث بن سريج التميمي. وكان ينكر الصفات، وينزه الباري عنها بزعمه، ويقول بخلق القرآن, ويقول: إن الله في الأمكنة كلها. وقُتل سنة 128 هـ مع الحارث بن شريح ضد بني أمية.

وانظر: «تاريخ الطبري» ( 7 /220، 221، 236، 237)، و«تاريخ الجهمية والمعتزلة» (ص 10) وما بعدها للقاسمي، و«ميزان الاعتدال» (1/ 426), و«الملل والنحل» (1 /199 – 200)، والفِصَل( 4 /204) , و«الكامل» لابن الأثير (5 /342 - 344).  

([86])   أخرجه البخاري: الزكاة (1477) , ومسلم: الأقضية (593) , وأحمد (4/249)، واللفظ له من حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-، وفي الباب أيضاً: عن أبي هريرة، وأبي مسعود، ومعقل بن يسار، وانظر: «مجمع الزوائد» (1/157- 158).

([87])   (صحيح): أخرجه أحمد (2/108، رقم 5866)، وابن حبان (2742)، والبيهقي في «الكبرى» (5201)، والبزار كما فى «كشف الأستار» (1/469، رقم 988)، والطبرانى فى «الأوسط» (5/275، رقم 5302)، وقال الهيثمى (3/162): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبرانى فى الأوسط وإسناده حسن», وصححه الألباني في «الإرواء» (564), وفي «صحيح الجامع» (1885).

([88]) قال ابن كثير -رحمه الله- في «التفسير» (7/26): «يحتمل أن تكون «ما» مصدرية، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي» تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب «أفعال العباد»، عن علي بن المديني، عن مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن ربْعِيّ بن حراش، عن حذيفة مرفوعا قال: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته».

([89]) (صحيح): أخرجه البخارى فى «خلق أفعال العباد» (1/46) ، وابن أبى عاصم فى «السنة» (1/158 رقم 357) ورقم (358) وصححه، والبزار في «مسنده» (2837)، والبيهقى فى «شعب الإيمان» (1/209، رقم 190), وفي «الأسماء و الصفات» (ص 26 و 388) من طرق عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا به. ووقع في بعض روايات هذا الحديث: «إن الله خالق» بدل «يَصْنَعُ»، وفي بعضهما: «صانع». وصححه الحاكم (1/85، رقم 85) وقال: «صحيح على شرط مسلم», ووافقه الذهبي، وقال الألباني -رحمه الله-: وهو كما قالا، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/197): «رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير أحمد بن عبدالله أبو الحسين بن الكردي، وهو ثقة». وصححه الحافظ في «الفتح» (13/498).

وانظر: «الصحيحة» (1637), و«صحيح الجامع» (1777).

([90]) انظر: «إغاثة اللهفان» (2/177).

([91])   مسلم: القدر (2653) واللفظ له, والترمذي: القدر (2156), وأحمد (2/169).

([92])   أخرجه البخاري: بدء الخلق (3208) واللفظ له, ومسلم: القدر (2643), والترمذي: القدر (2137), وأبو داود: السنة (4708), وابن ماجه: المقدمة (76), وأحمد (1/382).

[93]))   أخرجه البخارى (4949)، ومسلم (2647)، وأبو داود (4694)، والترمذى (3344), وأحمد (1/129، رقم 1067) من حديث علي -رضي الله عنه-.

([94]) وروي حديث حسن في هذا الباب رواه ابن ماجه برقم (202), وابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير (4/274)-، وابن حبان في «الصحيح» (689)، وأبو نعيم في «الحلية» (5/252-253)، وابن أبي عاصم في «السنة» (301) كلّهم: عن هشام بن عمار, ثنا الوزير بن صبيح, حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس, عن أم الدرداء, عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ قال: «في شأنه أن يغفر ذنبا ويكشف كربا ويجيب داعيا ويرفع قوما ويضع آخرين». قال البوصيري في الزوائد (1/88): «هذا إسناد حسن لتقاصر الوزير عن درجة الحفظ والإتقان». وصححه الألباني في «ظلال الجنة» ( 301 )، وجاء بمعنى حديث الباب عن عبدالله بن منيب، وابن عمر، لكن بأسانيد واهية. وانظر: «تغليق التعليق» (4/332- 333)، و «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي (3/397- 398)، وراجع الدارقطني في «العلل» (6/229) وقفه.

([95]) جاء هذا المعنى في حديث ضعيف أخرجه أبو نعيم فى الحلية (6/182) من طريق الهيثم بن جماز، عن أبي بكر عمران القصير، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تكلموا في القدر فإنه سر الله، فلا تفشوا لله سره. وهو حديث ضعيف جدًّا آفته الهيثم بن جماز وهو متروك. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (4131). وجاء نحوه من حديث عائشة عند ابن عدي في «الكامل» (7/190)، وضعّفه وحديث ابن عمر معاً، الحافظُ العراقي في «تخريج الإحياء» (2/1161). وضعف حديث عائشة ابنُ الجوزي في «العلل المتناهية» (1/155)، وجاء بمعناه أيضاً من حديث أنس، كما عند الخطيب في «التاريخ» (2/388)، وفي سنده محمد بن عبد بن عامر، وهو وضاع.

[96] - انظر: «مجموع الفتاوى» (13/230-248), و«مدارج السالكين» (2/475-477).

([97]) هذا الحديث روي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا:

أماحديث ابن عباس المرفوع: فأخرجه الطبرانى في «الكبير» (10/260، رقم 10605)، وعنه أبو نعيم في «كلية» (4/305)، من طريق زياد بن عبد الله, عن ليث, عن عبد الملك بن سعيد بن جبير, عن أبيه, عن ابن عباس, أن نبي الله ﷺ فَذَكَرَهُ.  

وهذا إسناد ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سليم, قال يحيى بن معين: ليث بن أبى سليم ضعيف إلا أنه يكتب حديثه, وقال أحمد بن حنبل: ليث بن أبى سليم مضطرب الحديث، ولكن حدث عنه الناس.

قال ابن سعد: كان رجلا صالحا عابدا، وكان ضعيفا فى الحديث، يقال: كان

يسأل عطاء، وطاووسا، ومجاهدا عن الشىء فيختلفون فيه فيروى أنهم اتفقوا، من غيرتعمد.

وقال ابن حبان: اختلط فى آخر عمره فكان يقلب الأسانيد, ويرفع المراسيل, ويأتى عن الثقات بما ليس من حديثهم.

وأما حديث ابن عباس الموقوف: فأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (2/492، رقم 42)، والحاكم (2/516، رقم 3771 و (2/565، رقم 3917)، والطبراني في «التفسير» (27/135)، واللالكائي في «الاعتقاد» (1225) كلهم من طريق أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس به موقوفًا.

وهذا إسناد ضعيف فأبو حمزة الثمالي, رافضي ضعفه أحمد ويحيى بن معين, وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجانى: واهي الحديث، وتابعه عن سعيد بن جُبير به، بُكيّر بن شهاب، عند الطبراني في «الكبير» (10/260، رقم 10605)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/191): «رواه الطبراني من طريقيْن، ورجال هذه ثقات». وبكير هذا قال عنه الذهبي في «المغني» (995): «... فعراقيّ صدوق»، وكذا في «الميزان» (2/67)، أما ابن حجر فقال: «مقبول». انظر: «التقريب» (757)، وقال الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص93 -ط: السابعة): «وإسناده يحتمل التحسين».

[98]))   سبق تخريجه.

([99]) هو الإمام الحافظ المقرئ العلامة شيخ الاسلام: أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الهمذاني العطار، شيخ همذان. مولده في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مئة.

وله التصانيف في الحديث، وفي الزهد والرقائق، وقد صنف كتاب «زاد المسافر» في خمسين مجلدا، وكان إماما في الحديث وعلومه. وكان عالما إماما في القراءات, والنحو, واللغة.

وتوفي -رحمه الله- في جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمس مئة، وله نيف وثمانون سنة.

وانظر: «المنتظم» (10 /248)، و«الكامل»: (11 /167) لابن الأثير، و«العبر» ( 4 /206) ، و«البداية والنهاية» ( 2 /28), و«الشذرات»: (4 /131).

([100])          تقدم تخريجه.

[101]))          (صحيح): وتقدم تخريجه.

[102]))          تقدم تخريجه.

([103]) كما في حديث عبادة بن الصامت السابق.

([104]) منها ما رواه مسلم بن يسار, عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال قال رسول الله ﷺ: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذُرِّيَّةً فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون, ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون».

 فقال رجل: يا رسول الله فَفِيمَ العمل؟ قال: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فَيُدْخِلَهُ به الجنة, وإذا خلق العبد للنار اسْتَعْمَلَهُ بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أهل النار فَيُدْخِلَهُ به النار». وقد سبق تخريجه. 

([105]) منها حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يبعث الله إليه ملكا ويؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله, وشقى أو سعيد, ثم ينفخ فيه الروح؛ فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار, وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة». وقد تقدم تخريجه.

[106]))          (صحيح): أخرجه أحمد (1/293، رقم 2669)، والترمذى (2516) والسياقُ له وقال : «حسن صحيح»، وصححه الحاكم (3/623- 624، 6303- 6304), والألباني في «المشكاة» (5302)، وفي «ظلال الجنة» (316 - 318)، وله عن ابن عباس طرق، قال الحافظ ابن رجب في «جامع الطوم والحكم» (ص185): «وقد رُويَ هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة؛ من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أبي رباح، وعبيدالله بن عبدالله، وعمر مولى غُفرة، وابن أبي ملكية وغيرهم، وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قال بان منده وغيره...».

([107])          انظر: التخريج السابق. 

[108]))   انظر: «تحقيق مسألة علم الله» (ص 176-178), و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (7/241).

([109])  انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (23/349).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد