تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 13

00:00

00:00

2

ما كيفية المحبة؟ وهكذا، ولهذا لما قيل للإمام مالك في الاستواء، قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهذه قاعدة عامة، تقال في جميع الصفات.

كذلك لا نجادل ولا نخاصم، ولا نورد الشبه في دين الله وشرعه، ولا نعترض على الله في تشريعه ولا في أوامره ولا في نواهيه، بل نسلم الأمر لله، فنحن عبيد مأمورون، نعلم أن الله حكيم، وأنه ما شرع ذلك إلا لما فيه من الحكمة والمصلحة والرحمة للعباد.

النهي عن الجدال في القرآن

(م) (وَلَا نُجَادِلُ فِي القُرْآنِ):

(ش) هذا يحتمل معنيين:

المعنى الأول: يحتمل أنه أراد: أنَّا لا نقول فيه كما قال أهل الزيغ: إن القرآن مخلوق، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، بل نقول: إن القرآن كلام رب العالمين، نـزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ.

المعنى الثاني: يحتمل أنه أراد: أنَّا لا نجادل في القراءة الثابتة، بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح. وكل من المعنيين المذكوريْن حق، ويشهد لصحة المعنى الثاني حديثُ عبدالله بن مسعود t أنه قال: «سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، وَسَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِخِلَافِهَا، فجئتُ به النبيّ ﷺ فأخبرتُه، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهَةَ، وَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، فلَا تَخْتَلِفُوا؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا»([1]).

وللفائدة نقول: هناك فرق بين ترتيب سور القرآن وترتيب آياته؛ فترتيب سور القرآن لم يكن واجبًا منصوصًا عليه؛ على الصحيح، بل كان بالاجتهاد من الصحابة، ولهذا: كان ترتيب مصحف ابن مسعود t، على غير ترتيب المصحف العثماني، وأما ترتيب الآيات، فهو ترتيب منصوص عليه؛ فليس لأحدٍ أن يقدّم آيةً علي آية، وجمع عثمانُ t الناس على حرف واحد اجتماعًا سائغًا جائزًا، وقيل واجبًا.

واختلف العلماء في الأحرف السبعة ما هي؟ فقال جمهور السلف من العلماء والقراء: إن قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة رخصة من الله، وقد جعل الاختيار إليه في أي حرف اختاره، فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على حرف واحد؛ جمعهم الصحابة وعثمان على حرف واحد اجتماعًا سائغًا لا واجبًا، فهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة، ولم يكن في جمعهم له ترك لواجب ولا فعل لمحظور.

والقول الثاني: أن الترخص في الأحرف السبعة صار منسوخًا؛ إذ أن الترخص كان في أول الإسلام لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولًا، فلما نزلت ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرًا عليهم، وهو أوفق لهم وأرفق بهم؛ أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الأخيرة -عَرْضة جبريل القرآن-، وترك ما سواه، فكان اجتماعهم واجبًا.

وذهب طوائف من الفقهاء وأهل الكلام إلى أن المصحف مشتمل على الأحرف السبعة، وذهب الجمهور على أن المصحف مشتمل على حرف واحد، وأما ما روي عن ابن مسعود أنه يجوز القراءة بالمعنى فغير صحيح؛ لأنه إنما قال: قد نظرت إلى القَرَأَةِ، فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول أحدكم: هلم وأقبل وتعال واقرأ ([2]).

القرآن كلام الله

(م) ( وَنَشْهَدُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ العَالمَينَ، نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، فَعَلَّمَهُ سَيِّدَ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-):

(ش) سبق أن القرآن كلام الله، وأن الله تكلم به، وسمعه جبرائيل وألقاه إلى محمد ﷺ، كما قال –تعالى-: {نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين} [سورة الشعراء آية: 193 - 194]، والروح الأمين هو جبريل-عليه السلام-.

القرآن كلام الله لا يساويه شيء من البشر

(م) (وَهُوَ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، لَا يُسَاوِيهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ المَخْلُوقِينَ، وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ):

(ش) هذا هو الحق، وهو معتقد الصحابة والتابعين وأهل السنة؛ أن القرآن كلام الله، وأنه لا يساويه شيء من كلام البشر، كما رُوي في الحديث: «فَضْلُ كَلَامِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الكَلَامِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ»([3]).

ولا نقول: إنه مخلوق؛ لَفْظُه ومعناه؛ كما تقوله المعتزلة. والأشاعرةُ يقولون: الكلامُ هو المعنى القائم بالنفس، وأما الحروف والألفاظ فهي مخلوقة، والعلماء يقولون: من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر؛ على العموم، أما الشخص المعيَّن إذا قال: القرآن مخلوق؛ فلا نكفّره حتى تقوم عليه الحجة؛ لأنه قد يَكون له شبهةٌ، فإذا كُشِفَتْ الشبهةُ، وأصرَّ بعد البيان، فإنه يكفُرُ، هكذا قال أهل العلم، كالإمام أحمد وغيره([4]).

 

مخالفة من قال بخلق القرآن جماعةَ المسلمين

(م) (وَلَا نَقُولُ بِخَلْقِهِ، وَلَا نُخَالِفُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ):

(ش) من قال: إن القرآن مخلوق، فقد خالف جماعة المسلمين، والجماعة هم: الصحابة، والتابعون، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

لا يجوز تكفير المسلم بذنب ما لم يستحله

(م) (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ):

(ش) هذا معتقد أهل السنة والجماعة؛ أنه لا يُكفَّر أحدٌ من أهل القبلة، ما لم يفعلوا شيئًا من نواقض الإسلام، ولو زنا، أو سرق، أو عق والديه، أو قطع الرحم؛ نقول: هذا عاصٍ مرتكب لكبيرة، ناقص الإيمان، ضعيفه، إلا إذا استحلَّ شيئًا من ذلك؛ فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله في تحريم الزنا، وفي تحريم عقوق الوالدين، وهكذا.

ولا بد أن يكون ما استحله أمرًا قطعيًّا ليس فيه خلاف بين أهل العلم؛ إما واجبًا أنكره، أو حرامًا استحله، كمن أنكر وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الحج، أو استحل الزنا، أو شُرْبَ الخمر، أو الربا، أو عقوق الوالدين؛ فمن فعل شيئًا من ذلك كفر، أما إذا فعله مقرًّا بوجوبه أو تحريمه -إذا كان محرَّمًا-، فهو عاص ضعيف الإيمان، مرتكب لكبيرة، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة. 

والناس لهم في هذه المسألة أربعة مذاهب:

المذهب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة؛ وهو الذي سبق.

المذهب الثاني: مذهب المرجئة الغلاة، وهم ينفون التكفير نفيًا عامًّا، فيعممون النفي والسلب، فيقولون: لا نكفِّر من أهل القبلة أحدًا، بل الزاني والسارق وشارب الخمر؛ إيمانه كامل، ويدخل الجنة من أول وهلة ([5]). 

المذهب الثاني: مذهب الخوارج؛ وهو عكس مذهب المرجئة؛ يقولون: يكفر المسلم بكل ذنب كبير، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب -بزعمهم-، وإن كانت متواترة، ويكفِّرون من خالفهم، ويستحلون منه ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، فيقولون: الزاني كافر، وشارب الخمر كافر، والمرابي كافر، والعاق لوالديه كافر، ومن تكلم بكلمة الكفر أو فعل كبيرةً من الكبائر: كفر ([6]).

المذهب الثالث: مذهب طوائف من أهل الكلام والفقه، يقولون: نفرق بين العمل وبين القول والابتداع، فيقولون: إن مرتكب الكبيرة لا يكفر، كما يقول أهل السنة، فيوافقونهم على هذا الفعل، لكن المبتدع الذي ابتدع وتكلم بكلام كفري فإنَّا نكفره.

ودليلهم: يقولون: إن البدع مظنة الردة، فتعطَى حكمها، وهم يفرقون بين الأعمال وبين الاعتقادات البدعية، فلا يكفرون الذين يعملون الكبائر، ويكفرون أصحاب الاعتقادات البدعية، وإن كان صاحبها متأولًا، وحملوا النصوص على هذا.

أما أهل السنة والجماعة: فقد خالفوا هذه الطوائف كلها، قالوا: من ارتكب الكبيرة -سواء كانت الكبيرة عملية، أو بدعية أو قولية- فهذا لا يكفر إلا إذا استحلها، ولكن نصفه بأنه ضعيف الإيمان، وناقص الإيمان، فلا يسلبون عنه اسم الإيمان مطلقًا، ولا يعطونه اسم الإيمان مطلقًا، فهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أما الأدلة والمناقشات والردود، فسيأتي الكلام عليها فيما بعد -إن شاء الله-.

حكم أهل الكبائر والفساق والعصاة وأهل البدع من أهل القبلة ومذاهب الناس فيهم: 

قلنا: إن للناس في هذا مذاهب وقد سبق استعراض هذه المذاهب.

 ونعود إلى المذهب الأول: مذهب المرجئة التي تنفي التكفير نفيًا عامًّا، فتعمم النفي والسلب، فمن شبههم وأدلتهم عمومًا نصوص الوعد؛ مثل قول النبي ﷺ: «ما مَنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا ثم مات على ذلك، اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ قلت: وإن زنا وإن سَرق؟ قال: وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ»([7])، ومثل حديث: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحمدًا رَسُولُ اللهِ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإسلام، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»([8]).

ومثل حديث البطاقة، وفيه: «يُؤْتَى بِرَجُلٍ فَيُخْرَجُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ البَصَرِ سَيِّئًا، ثُمَّ يُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ»([9])، ومنها أحاديث الشفاعة كحديث: «أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ»([10])، وحديث أبي هريرة: «أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مِنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَومَ القِيامَةِ؟ قَالَ .... رسول الله ﷺ: أسعدَ الناس بشَفَاعَتي يَومَ القِيَامةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أو نَفْسِهِ»([11]).  

ويناقش المرجئة في قولهم: لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، فنقول: قولكم هذا يُرد عليه بأمرين:

الأمر الأول: أن في أهل القبلة منافقين يتظاهرون بالشهادتين، ويتجهون إلى القبلة في الصلاة والذبح، ويتظاهرون ببعض ما يمكنهم إظهاره من شعائر الإسلام، وفيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [سورة النساء آية: 145]، فقولكم: لا نكفر من أهل القبلة أحدًا بذنب؛ يلزمكم أن لا تكفروا المنافقين، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وهم من أهل القبلة.

ثانيًا: أنه لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، أو المحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك؛ فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا؛ لأنه أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.

وَيُرَدُّ أيضًا عليهم بنصوص الوعيد، فإن نصوص الوعد تدل على بقاء الإيمان معهم، ونصوص الوعيد تدل على أن الإيمان يضعف وينقص، فقولكم: لا يتأثر إيمانه وأنه هو كامل الإيمان، باطل تردُّه نصوصُ الوعيد.

أما المذهب الثاني: مذهب الخوارج والمعتزلة الذين يطلقون التكفير، فيكفرون بالذنب، فإنهم يقولون: يكفر المسلم بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير، ويرون اتباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترة، ويكفِّرون من خالفهم، ويستحلون منه ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي ﷺ: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ»([12]) ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهم، وكفروا أهل صفين –مِن الطائفتين-، في نحو ذلك من المقالات الخبيثة لهم، ومستندهم وشبهتهم في هذا التكفير نصوصُ الوعيد، مثل حديث: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يِزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»([13]).  

ويرد عليهم أولًا: بنصوص الوعد التي استدل بها المرجئة؛ فإنها تدل على بقاء الإيمان، كما أنه يُرَدُّ على المرجئة القائلين بأنه: مؤمن كامل الإيمان، بنصوص الوعيد التي استدل بها الخوارج؛ وهي تدل على أن الإيمان يضعف وينقص، وكذلك نقول: إن الله أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرًا مرتدًّا؛ لوجب قتله، ولا يقام عليه الحد؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»([14]) وقال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٌ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، وَزِنًا بِعْدَ إِحْصَانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ بغير نَفْسٍ»([15])، وأمر الله بجلد الزانيين وجلد القاذف، وكان النبي ﷺ يجلد شارب الخمر ولم يقتله، فلو كان من ارتكب الكبيرة كافرًا؛ لوجب قتله، ولا تقام عليه الحدود.

ويُرَدُّ عليهم أيضًا بالإجماع على توريث الزاني والسارق وشارب الخمر، إذا صلوا إلى القبلة، وانتحلوا دعوة الإسلام؛ من قراباتهم المؤمنين الذين ليسوا بتلك الأحوال، فلو كان الزاني والسارق وشارب الخمر كافرًا؛ لما ورث من أقاربهم المستقيمين، فكونهم يرثون، يدل على أنهم ليسوا كفارًا.

ويُردُّ عليهم أيضًا: أنه ثبت أن النبي ﷺ نهى عن لعن رجل يشرب الخمر، وكان اسمه حمارًا، وكان النبي ﷺ يضحك منه، وكان كلما أُتي به إليه: جلده، فأُتي به إليه مرة فأمر به فَجُلِدَ، فلعنه رجل، فقال النبي ﷺ: «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»([16]) فنهى عن لعنه بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله، مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا بقوله: «لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَعَاصِرَهَا»([17]).

ويُردُّ عليهم أيضًا: بأن الله -تعالى- قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}  [سورة الحجرات آية: 9] إلى قوله: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [سورة الحجرات آية: 10]، فقد وصفهم الله بالإيمان والإخوة، وأمر بالإصلاح بينهم؛ مع أنهم يقتتلون؛ والقتالُ من الكبائر؛ فدلَّ على أن الكبيرة لا تخرجه من الإسلام.

المذهب الثالث: الذي يفرق أصحابه بين البدعة في الأقوال والاعتقادات وبين الأعمال التي هي من كبائر الذنوب، فيفرقون بينها ويقولون: إذا ارتكب بدعة، أو قال قولًا مبتدعًا، فإنه يكفر، أما إذا فعل كبيرة من كبائر الذنوب فإنه: لا يكفر، وهذا يُنسب إلى طوائف من أهل الكلام والفقه والحديث، كما مضى.

فهم لا يكفرون الذين يعملون الكبائر، ويكفرون أصحاب الاعتقادات البدعية، وإن كان صاحبها متأولًا، فيقولون: من قال هذا القول: يكفر، ولا يفرقون بين مجتهد مخطئ وغيره، أو يقولون: كل مبتدع يكفر، وشبهتهم؛ قالوا: إن البدعة مظنتها النفاق والردة؛ وهي أصل البدع.

ويرد عليهم:

أولًا: أن البدع الاعتقادية من جنس الأعمال، لا فرق بينهما، فإن الرجل يكون مؤمنًا باطنًا وظاهرًا، لكن تأول تأويلًا أخطأ فيه، إما مجتهدًا وإما مفرطًا مذنبًا، فلا يقال: إن إيمانه يحبط بمجرد ذلك الاعتقاد أو العمل، بغير دليل شرعي، بل هذا يوافق قول الخوارج والمعتزلة، ولا يقال: لا يكفر، بل يُفَرَّقُ بين المقالة والقائل.

ثانيًا: أن نصوصًا كثيرة قد دلت على أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وهذا يشمل الاعتقادات والأعمال، ولهذا: فإن مذهب أهل السنة: ألا يقال لا نكفر أحدًا بذنب، ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول: بأنا لا نكفر أحدًا بذنب، بل يقال: لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب، ويعممون السلب، فيقولون: يكفر بكل ذنب، أو بكل ذنب كبير.

ثالثًا: سلك أهل السنة مسلكًا عدلًا هو الوسط، وهو التفريق بين الأقوال، والقائل المعيّن؛ فالأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الله، أو نفي ما أثبته الرسول ﷺ، أو إثبات ما نفاه، أو الأمر بما نهى عنه، أو النهي عما أمر به: يُقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر، ويقال: من قالها فهو كافر، وهذا عام لا يعين شخصًا بعينه؛ كالقول بخلق القرآن، والوعيد في الظلم في النفس والأموال، فيقال: من قال بخلق القرآن فهو كافر، وأما الشخص المعين، فلا نشهد عليه أنه من أهل الوعيد وأنه كافر إلا بأمر تجوز معه الشهادة، كأن يُعلم بأنه منافق، أو يُنْكِر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، ويُستتاب فلا يتوب؛ لأن الحكم عليه بالكفر بدون دليل؛ من أعظم البغي، لأن هذا حكم الكافر بعد الموت، كما بوب أبو داود في «سننه»: باب النهي عن البغي([18])، وذكر فيه قصة الرجلين المتواخيين من بني إسرائيل أحدهما مذنب والآخر مجتهد في العبادة …، وأن المجتهد كان يأتي المذنب، ويقول: «أَقْصِرُ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ، أَوْ: لَا يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ، فَقُبِضَ أَرْوَاحُهُما فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ، فَقَالَ: لهذا المُجْتَهِد: أكُنتَ بي عَالمًا، أو كنتَ على ما في يدي قادِرًا؟ وقَالَ للمُذْنِبِ: اذهبْ فادخل الجنة بِرَحمَتي، وقَالَ للآخر: اذهبوا به إلى النار. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والذي نَفْسي بيده لتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ»([19]).

فالشهادة على المعين بالكفر من البغي.

ثانيًا: أن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدًا مخطئًا مغفورًا له.

ثالثًا: يمكن أن يكون لم يبلغه ما وراء ذلك القول من النصوص، فيكون معذورًا لجهله.

رابعًا: يمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله، كما غفر الله للذي قال: «لبنيه: إذا أَنَا متُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذَرُّني في الرّيح؛ فوالله لئن قَدَرَ الله عَليَّ ليعذِبَنيِّ عَذابًا ما عذَّبه أحدًا»([20])، فغفر الله له من خشيته، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته، أو شَكَّ في ذلك، وهذا الحديث في «الصحيحين».

وفي بعض ألفاظ الحديث أنهم سحقوه وأحرقوه: «واذْرُوا نِصْفَهُ في البَرِّ، ونِصْفَه في البَحْرَ، فَأَمَرَ اللهُ البَحْرَ بجمع مَا فِيهِ، وأمر البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثم قال: لِمَ فعلتَ؟ قال: مِنْ خشيتك، وأنتَ أعلم، فَغَفَرَ لَهُ»([21])، وقال في حديث أبي سعيد في قصة أخرى، لكنها بنحو القصة الأولى: «فَمَا تَلَافَاهُ أنْ رَحِمَهُ عِندها» أو: «فما تلافاهُ غيرُها»([22])، قال العلماء: إن هذا الرجل إنما فعل ذلك عن جهل ليس معاندًا ولا مكذبًا ولا متعنتًا، ولكن فعله عن جهل، وإلا فهو معترف ومصدق بأنه لو تُرك على حاله لبعثه الله.  

لكن هذه المسألة دقيقة فخفيت عليه، ولهذا قال العلماء: من أنكر أمرًا دقيقًا مثلُه يجهله؛ يكون معذورًا فلا يكفر في هذه الحالة، أما لو أنكر البعث متعمدًا؛ عن عنادٍ وعن تكذيب، فهذا لا شك في كفره، فلهذا: لا يحكم على الشخص المعين بالكفر إلا بعد التثبت ومعرفة حاله.  

وخامسًا: أنه قد يكون حديث عهد بالإسلام، أو قد يكون نشأ في بادية بعيدة عن الإسلام.

ولكن التوقف في أمر الآخرة؛ في أهل البدع: لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا، لمنع بدعته، وأن نستتيبه، فإن تاب وإلا قتلناه، إذا كان مستحقًّا للقتل، ثم إذا كان القول في نفسه كفرًا، قيل: إنه كفر، والقائلُ له يَكْفُر إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع([23]).  

ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله

(م) (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ):

(ش) لا نقول ذلك، لأن هذا قول المرجئة الجهمية؛ يقولون: لو ارتكب جميع الكبائر والمنكرات فلا يضرّه ذلك، ولا يُنقِص من إيمانه؛ فإيمانه كامل، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فإذا قال الإنسان: أشهد أن لا إله إلا الله وآمن، فلا يضره أي ذنب ولو ارتكب جميع الجرائم والكبائر، حتى قالوا: لو هدم المساجد، وقتل الأنبياء والرسل، وداس المصحف بقدميه فلا يكون كافرًا حتى يكذِّب بقلبه، أمَّا ما دام قلبه مصدقًا: فلا وهذا من أبطل الباطل. والمقصودُ: أنَّا لا نقول كما تقول المرجئة، ولا نقول بقول الخوارج فنكفر بالذنب.

ما ينبغي على المؤمن اعتقاده في حق نفسه وحق غيره

(م) (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ):

(ش) هذا مذهب أهل السنة والجماعة؛ يرجون للمحسنين أن يعفو الله عنهم، ويتجاوز عن سيئاتهم.

 

يرجون من الله أن يدخل المحسنين الجنة

(م) (وَيُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ):

(ش) هكذا نرجو للمؤمن، فإذا رأينا الشخص مستقيمًا محافظًا على ما أوجب الله عليه؛ نرجو له المغفرة، ونرجو أن يدخله الله الجنة، لكن لا نشهد بالجنة إلا لمن شهدت له النصوص؛ كالعشرة المبشرين، والحسن والحسين، وغيرهم، لكن نشهد بالجنة للعموم، فنقول: كل مؤمن في الجنة، وإذا رأيت رجلًا منحرفًا فلا تشهد له بالنار، لكن نشهد بالنار للكفرة على العموم، فنقول: كل كافر في النار، إلا إذا علمتَ أنه مات على الكفر، وعلى الردة، وقامت عليه الحجة، فهذا لا بأس أن نقول: هو في النار.

فنحن نرجو الخير للشخص المستقيم، ونخاف على المنحرف؛ فالرجاء للمحسنين، والخوف على المسيئين من معتقد أهل السنة، ولهذا روي عن الإمام أحمد أنه سُمع وهو يقول عند الموت: بَعْدُ بَعْدُ، ثم أفاق فُسئل فقيل له: يا إمام، تقول: بعد بعد؟! فقال: إن الشيطان جاء إليَّ، وقال: فُتَّنِي يا أحمد، فتني يا أحمد، فتني يا أحمد، فقلت: بعد بعد، أي: ما دام أنَّ الروح ما خرجت، فما فتّك بعد. فإذا كان هذا الإمام أحمد -رحمه الله- فكيف بغيره؟ فالحي ما تؤمَن عليه الفتنة حتى تخرج روحه، وأما المسيئون؛ فأهل السنة يستغفرون لهم، ويخافون عليهم النار، ولا يقنِّطُونه من رحمة الله، قال أبو علي الروزباري -رحمه الله-: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حَدِّ الموت.

وقالوا: ينبغي للعبد أن يكون رجاؤه في مرضه أرجح من خوفه؛ حتى لا يموت الإنسان إلا وهو حَسَنُ الظنِّ بالله، بخلافه في زمن الصحة؛ فإنه يكون خوفه أرجح من رجائه؛ حتى يحمله الخوف على العمل الصالحُ والبُعد عن السيئات؛ عملًا بالأحاديث، ومنها الحديث القدسي، وهو في «الصحيح» عن النبي ﷺ: «يَقُولُ اللهُ U أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ»([24])، وما ثبت في «صحيح مسلم» عن جابر t قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»([25]).

وقال بعض السلف: مَن عبد الله بالحب وحده؛ فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده؛ فهو خارجي، ومن عبده بالرجاء وحده؛ فهو مرجئي، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء؛ فهو مؤمن موحد([26]).

والله -سبحانه وتعالى- قد أثنى على المؤمنين الذين يعبدونه بالخوف والرجاء، فقال –سبحانه و تعالى-: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } [سورة الإسراء آية: 57] وقال الله تعالى: {أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه}  [سورة الزمر آية: 9]، وقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا}  [سورة السجدة آية: 16]، وقال سبحانه: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [سورة الأنبياء آية: 90].

وقد دلت الأدلة على مدح أهل الخوف والخشية والرهبة، والثناء عليهم، فقال الله تعالى: {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [سورة آل عمران آية: 175]، وقال سبحانه: {وإياي فاتقون} [سورة البقرة آية: 41]، وقال: {وإياي فارهبون} [سورة البقرة آية: 40]، وقال سبحانه: {فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون} [سورة البقرة آية: 150].

وقد مدح الله -سبحانه وتعالى- أهل الإحسان مع الخشية والخوف، قال سبحانه: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [سورة المؤمنون آية: 57 - 61].

ومن السنة ما في «المسند» والترمذي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [سورة المؤمنون آية: 60]؛ أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الخَمْرَ؟ قَالَ: لَا يَا بنت أبي بكر، أو يا بنت الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي وَهو يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَّبلَ مِنْهُ»([27]).  

قال الحسن -رحمه الله-: عملوا والله بالطاعة واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا([28]).

الأسباب التي تسقط بها عقوبة جهنم عن فاعل السيئات

(م) (وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ وَلَا نُقَنِّطُهُمْ):

(ش) هناك أحد عشر سببًا تسقط به عقوبة جهنم عن فاعل السيئات، عُرِفتْ بالاستقراء من الكتاب والسنة([29]):

الأول: التوبة: والتوبة النصوح هي: الخالصة التي لا يختص بها ذنب دون ذنب، وكون التوبة سببًا لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها فهذا لا خلاف فيه بين الأمة، وليس شيء يكون سببًا لغفران جميع الذنوب إلا التوبة، قال الله تعالى: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [سورة الزمر آية: 53]، وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية نـزلت في التائبين، ولهذا قال بعدها: {لا تقنطوا} [سورة الزمر آية: 53] ثم قال بعدها: {وأنيبوا إلى ربكم}  [سورة الزمر آية: 54].

الثاني: الاستغفار، قال الله تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [سورة الأنفال آية: 33]، لكن الاستغفار تارة يُذكر وحدَه، وتارة يُقرن بالتوبة، فإن ذُكر وحده؛ دخلتْ معه التوبةُ، كما إذا ذُكرت التوبةُ وحدها؛ شملت الاستغفارَ. فالتوبةُ تتضمن الاستغفار، والاستغفار يتضمن التوبة، فكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، أما عند الاقتران، فيفسَّر الاستغفارُ؛ بطلب وقاية شَرِّ ما مضى، والتوبة تفسَّر بالرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله، فهما إذا اجتمعا: افترقا، وإذا افترقا: اجتمعا.

ونظير هذا: الفقيرُ والمسكين، والإثم والعدوان، والبر والتقوى، والفسوق والعصيان، والكفر والنفاق، والإيمان والإسلام، كل هذه الأمور إذا أُطلق أحدهما؛ دخل فيه الآخر، وإذا اجتمعا: صار لكل واحد منهما معنى يَخَصُّهُ.

 

الثالث: الحسنات، قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [سورة هود آية: 114]، وقال ﷺ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا»([30]).

رابعًا: المصائب الدنيوية، وفي الحديث: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، ولا أذى ولا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةَ يَشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ الله بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»([31]).  

خامسًا: عذاب القبر، فقد يُعذب الإنسانُ في قبره، ثم تسقط عنه عقوبة جهنم.

سادسًا: دعاء المؤمنين واستغفارهم في الحياة وبعد الممات.

سابعًا: ما يُهدى إليه بعد الموت؛ من ثواب صدقة، أو قراءة، أو حج، أو نحو ذلك.

ثامنا: أهوال يوم القيامة وشدائده، قد تُسقِط عنه عقوبة جهنم.

تاسعًا: اقتصاص المؤمنين بعضهم من بعض، حينما يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار([32]) بعد عبور الصراط، فإذا كان لأحدهم مظلمة على شخص، ثم أخذها قبل دخول الجنة؛ سقطت عنه عقوبةُ جهنم.

عاشرًا: شفاعة الشافعين، فقد يشفع له فلا يدخل جهنم.

الحادي عشر: عفو أرحم الراحمين، فقد يعفو الله عن بعض الناس من غير شفاعة، قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء آية: 48]، فَيُعْفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفى لغيره.

فالخلاصةُ: أن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يرجون للمحسنين أن يعفو الله عنهم، ويدخلهم الجنة برحمته، ولا يؤمّنونه مكر الله، ولا يشهدون لمعيّن بالجنة إلا من شهد له النصُّ، ونخافُ على المسيُ، ونستغفر له، ولا نقنِّطُهُ من رحمة الله.

مسألة: يكثر السؤال عن رؤية الملائكة ربهم في الدنيا، فهل هذا صحيح؟

الجواب: لا يرى اللهَ أحدٌ في الدنيا لا الملائكة ولا غيرهم، كما مر في حديث أبي ذر: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»([33])، فالملائكة خلق من خلقه، فلو كشف الحجاب لأحرقت سبحاتُ وجهه الملائكةَ وغيرهم، فلا يراه أحد في الدنيا في اليقظة، أما في النوم فيمكن، فلا يستطيع أحد أن يثبت لرؤية الله؛ فالله تعالى لمَّا تجلى للجبل تدكدك وهو صخر، فكيف بالمخلوق الضعيف؟!  

مسألة: هل ثبت في الكرسي حديث صحيح؛ لأن بعض العلماء يقول: إن أثر ابن عباس أخذه عن بني إسرائيل؟

الجواب: قوله في الحديث: «الكُرْسِيُّ هُوَ عِلْمُهُ» ليس في الصحيح([34])، أما قوله: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ»([35]) فيحتمل نقله ولكنه ليس بصحيح، والعلماء قد اعتمدوه، ولكن سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- كان يرى أنه يحتمل أن يكون أخذه من بني إسرائيل، وعلى هذا نقول: العرش مخلوق والكرسي مخلوق، والكرسي دون العرش، أما العلماء كالدارمي وغيره، فهم اعتمدوا ما ثبت عن ابن عباس أنه قال: «الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ، وَالعَرْشُ لَا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللهُ»([36]).

مسألة: التفكر في عِظَمِ خلْقِ العرش والكرسي يورث الخشية لله تعالى، فهل يصح أن يجعل الإنسان في ذهنه صورة تخيلية لهما؟

الجواب: ما دام الكرسي والعرش مخلوقين؛ فلا يضر ذلك، أما التفكَّر في كنه ذات الرب أو كنه صفاته: فهذا ممنوع.

مسألة: هل محبة الرسول ﷺ لذاته أم لله تعالى؟

الجواب: الذي يُحَبُّ لذاته هو الله سبحانه وتعالى، أما محبة الرسول فهي تابعة لمحبة الله، ومحبة المؤمنين كذلك، لكن محبة الرسول ينبغي أن تكون فوق محبة الأولاد وفوق محبة النفس التي بين جنبيك، هذا هو الأكمل، وهو الأفضل، أما إذا قدم محبة غير الرسول على محبة الرسول، فهذا يكون نقصًا وضعفًا في الإيمان، وقد توعد الله من قدم شيئًا من ذلك على محبته ومحبة رسوله فقال: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [سورة التوبة آية: 24]، فمن قدم محبة الأبناء أو الآباء أو التجارة أو المساكن على محبة الله ورسوله؛ فهو فاسق ضعيف الإيمان، فالكمال أن تقدم محبة الله ورسوله على كل شيء.

مسألة: العلو يختلف في الاتجاه بحسب كل إنسان على سطح الأرض، فتكون جهة العلو في كل اتجاه، فما هو توجيهكم لهذا القول؟

الجواب: العلو ما كان فوق السماوات والأرضين، بل الأفلاك كلها ما لها إلا جهتان مثل الأرض، فالأرض كروية الشكل، فجهة العلو لها من جميع الجهات، فإذا كنت في مكان وشخص في مكان آخر؛ فهو يتصور أنك تحته، وأنت تتصور أنك تحته، وكلكم في العلو على وجه الأرض، أما السفل فهو المركز في وسط الأرض، بحيث لو انخرق من هنا خرق وانخرق من هنا خرق، ونـزل من هنا شخصٌ ونـزل من هنا آخَرُ، لالتقتْ رجلاهما في المركزْ، ثم لو فرضنا أنهما استمرا في خرق الأرض، وتجازا المركز، فإنهما يكونان صاعديْنن والحالة هذه. إذًا: الأرض والسماء ما لهما إلا جهتان؛ جهة العلو والسفل، أما أنا وأنت والمخلوقات المتحركة فلها ست جهات، أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق، وتحت.

أما المخلوقات الثابتة كالسماوات والأراضين والأفلاك كلها: فما لها إلا جهتان؛ العلو والسفل، فالعلو ما كان على سطحها، والسفل: مَحَطُّ الأثقال.

وفق الله الجميع لطاعته ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

 

 

[1]))   أخرجه البخاري (3476) من حديث عبدالله بن مسعود.

[2]))   انظر: «فتح الباري» (19/27) وما بعدها. ويقولُ شيخُ الإسلام ابن تيميًّة –رَحِمَه الله-: (ولا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْحُرُوفَ السَّبْعَةَ الَّتِي أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيْهَا لا تَتَضَمَّنُ تَنَاقُضَ الْمَعْنَى وَتَضَادَّهُ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعْنَاهَا مُتَّفِقًا أَوْ مُتَقَارِبًا كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ –رَضي الله عَنه-: (إنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ أَقْبِلْ وَهَلُمَّ وَتَعَالَ). وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى أَحَدِهِمَا لَيْسَ هُوَ مَعْنَى الآخَر، لَكِنْ كلا الْمَعْنَيَيْنِ حَقٌّ وَهَذَا اختلاف تَنَوُّعٍ وَتَغَايُرٍ لا اخْتِلَافُ تَضَادٍّ وَتَنَاقُضٍ، وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ»، إنْ قُلْتَ: غَفُورًا رَحِيمًا أَوْ قُلْت: عَزِيزًا حَكِيمًا؛ فَاَللَّهُ كَذَلِكَ مَا لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ أَوْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ). اهـ، مِن كلامُه مِن «مَجموع الفتاوى» (13/ 389).

[3]) ) الترمذي: فضائل القرآن (2926) ، والدارمي (3356) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه عبدالله بن أحمد في «السنة» (1/149، 150)، ومحمد بن نصر في «قيام الليل» (ص 122)، والبيهقي في «الاعتقاد» (ص 101)، وفي «الأسماء والصفات» (507، 508)، وضعّفه الشيخ الحاشدي في تعليقه على «الأسماء والصفات» للبيهقي (1/581- 582)، وقد روي من حديث عثمان، وأبي هريرة، ولا يصح عنهما. انظر: تعليق الشيخ الحاشدي على «الأسماء والصفات» للبيهقي (1/578- 580)، و (1/583).  

[4]))   قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (7/507-508): (أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال: إنه جهمي كفره ولا كل من وافق الجهمية فى بعض بدعهم بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم فى الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله فى إظهار السنة والدين، وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالًا مبتدعين، وظلمة فاسقين). ولا يعرف أنَّ معينًا من أهل العلم قال بهذا القول المرذول ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟[يراجع  ويُعرض على الشيخ]. 

[5]))   قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (16/196): (و القول بأن أحدًا لا يدخلها من أهل التوحيد ما أعلمه ثابتا عن شخص معين فأحكيه عنه لكن حكي عن مقاتل بن سليمان).

وقال في «منهاج السنة« (5/286): (وقد حكي عن بعض غلاة المرجئة أن أحدًا من أهل التوحيد لا يدخل النار ولكن هذا لا أعرف به قائلًا معينًا فأحكيه عنه، ومن الناس من يحكيه عن مقاتل بن سليمان والظاهر: أنه غلط عليه).

[6]))   انظر: «مقالات الإسلاميين« (1/170), و«مجموع الفتاوى» (3/297)، (7/481،483-484)، و«الاستقامة» (1/431).

[7]))  أخرجه البخاري (5827)، ومسلم (94) من حديث أبي ذر -رضي الله عنه-.

([8])   أخرجه البخاري (25)واللفظ له، ومسلم (22) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-، وفي الصحيحين أيضًا بنحو حديث ابن عمر، عن أنس، وأبي هريرة، وجابر بن عبدالله.  

([9])   أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجه (4300)، وأحمد في «المسند» (2/213)، واللالكائي في «السنة» (2204)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (4725)، وابن حبان في صحيحه (225)، والحاكم في «المستدرك» (9)، و (1937) -وصححه-: جميعًا من طريق الليث بن سعد، عن عامر بن يحيى المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مرفوعًا.

       وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وقال الحاكم: المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/46 -بتحقيق: مصطفى عبدالقادر): «هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم فقد احتج بأبي عبدالرحمن الحبلي، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، وعامر بن يحيى مصري ثقة، والليث بن سعد؛ إمامٌ، ويونس المؤدب: ثقة، متفق على إخراجه في الصحيحين».   

وقال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عامر بن يحيى».

قال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود  (13/70 -دار الكتب العلمية، ط ثانية): قال حمزة الكناني: لا أعلم روى هذا الحديث غير الليث بن سعد، وهو من أحسن الحديث.اهـ. كذا قالوا!! مع أنه رُوي نحوه مختصراً من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص، رواه عنه عبدالله بن يزيد، وهو أبو عبدالرحمن المُحبلى، وعنه عبدالرحمن بن زياد بن أنعم، وأخرجه من هذا الوجه: عبْدُ بن حُميد في «المنتخب من المسند» (339)، والخطيب في «الموضح» (2/203- 204)، والآجري في «الشريعة» (902 -بتحقيق: الدميجي)، لكن ابن أنعم ضعيف الحفظ -كما قال الحافظ في «التقريب» (3862).  

([10])   أخرجه البخاري (7440)، ومسلم (182) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- نحوه. وقد تقدم تخريجه.  

([11])   أخرجه البخاري (99).

([12])   أخرجه البخاري (3344)، ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.

[13]))   أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[14]))   أخرجه البخاري (3017) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.

[15]))   أخرجه الترمذي (2158)، والنسائي (4019) و (4057)، وأبو داود (4502) واللفظ له، وابن ماجه (2533)، وأحمد (1/61) من حديث عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وألفاظهم متقاربة. وأخرج نحوه البخاري (6878)، ومسلم (1676) من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-، وفي الباب عن غيرهما، وانظر: «نصب الراية» (3/317- 318).

[16]))   أخرجه البخاري (6780) من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولفظه: «أن رجلا على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا وكان يُضْحِكُ رسولَ الله ﷺ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يومًا فأمر به فجُلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: «لا تلعنوه! فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله».

[17]))   أبو داود (3674)، وابن ماجه (3380) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.

قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (5 /193): «رواه أبو داود ، وفيه عبدالرحمن بن عبدالله الغافقي، وصححه ابن السكن، ورواه ابن ماجه وزاد: (وآكل ثمنها). وفي الباب عن أنس بن مالك به وزاد: (وعاصرها، والمشتري لها، والمُشْترى له). رواه الترمذي وابن ماجه ورواته ثقات». اهـ. وانظر: «البدر المنير» (8/697- 701). فقد ذكر له رواة آخرين من الصحابة، بمعنى حديث السابق. والله أعلم.

[18])) سنن أبي داود (2/692).

[19]))   أخرجه أبو داود (4901) واللفظ له، وأحمد (2/323)، وابن حبان (571)، والبيهقي في «الشعب» (6689). من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وحَسَنَّهُ الألباني -رحمه الله- في «تخريج الطحاوية» ص (358 -ط السابعة).   

وأخرجه مسلم (2621) عن جندب أن رسول الله ﷺ: «حدث أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك». 

[20]))   أخرجه البخاري (3481) واللفظُ له، ومسلم (2756) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[21]))   هي رواية البخاري (7506).

[22])) أخرجه البخاري (7508) باللفظين المذكورين، وأخرجه مسلم (2757) باللفظ الثاني.

[23])) قال شيخ الإسلام: (والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أوعارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها وإن كان مخطئًا). «الفتاوى» (3/231).

وقال: (بل يضل عن الحق من قصد الحق وقد اجتهد في طلبه فعجز عنه فلا يعاقب، وقد يفعل بعض ما أمر به فيكون له أجر على اجتهاده وخطؤه الذي ضل فيه عن حقيقة الأمر مغفور له، وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لم يرد منها، وإما لرأى رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم) (19/191)، وانظر: «مجموع الفتاوى» (1/113،12)، (4/501)، (5/306)، و«جامع المسائل» (3/151)، و«الدرر السنية» (10/93-95).

[24]))   أخرجه البخاري (7505) ، ومسلم (2675) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقد تقدم تخريجه.

[25]))   أخرجه مسلم (2877).

[26]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (10/207).

[27]))   أخرجه الحميدي (275)، والترمذي (3175)، وابن ماجه (4198) واللفظ له، وأحمد (6/159، 205)، والحاكم في «المستدرك» (2/427)، وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والطبري في «التفسير» (18/33- 34)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (7/578)، وإسحاق بن راهويه في «المسند» (1643).

جميعًا من طريق مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن عائشة -رضي الله عنها به-. ورجاله ثقات، لكن قيل: لم يدرك عبدالرحمن عائشة، ونقل في «جامع التحصيل» (ص222)، عن أبي حاتم أن عبدالرحمن لَمْ يَلْقَ عائشةَ، وأخرجه ابن جرير في «التفسير» (18/34)، عن جرير، عن ليث بن أبي سليم، وهشيم، عن العوام بن حوشب جميعاً عن عائشة بنحوه، وأخرجه أيضاً ابن جرير (18/34)، وأبو يعلى (4917) من طريق ليث، عن رجل، عن عائشة، وأخرجه الطبري كذلك (18/33)، والطبراني في «الأوسط» (3965)، كلاهما من طريق الحكم بن بشير بن سليمان، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن عائشة، بنحوه.

[28])) عزاه في «الدر المنثور» (7/212) لابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة ثم تلا: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} إلى قوله: {إنهم إلى ربهم راجعون}، وقال المنافق: {إنما أوتيته على علم عندي}، وهو في تفسير الطبري (18/32).

[29]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/487-501)، و«منهاج السنة» (4/325)، (6/206-238)، و«شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (2/451-455).

[30]))    أخرجه الترمذي (1987)، والدارمي (2791)، وأحمد (5/153، 158، 177)، والحاكم في «المستدرك» (1/121 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (25324)، والبزار في «المسند» (4022)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (652)، وابن عبدالبر في «التمهيد» (24/84)، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وقال الحاكم -بعد أن أسنده-: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخيْن ولم يخرجاه»، وقال الحافظ ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص131): «هذا حديث حسن»، وحَسَّنه أيضاً الألباني في «صحيح الجامع» (96)، وكل مَنْ سبقوا أخرجوه من حديث أبي ذرٍّ، لكن أخرجه من حديث معاذ بن جبل، الترمذي (1987)، ولم يسبق لفظه، وإما ساق إسناده وأحال بلفظه على حديث أبي ذر، وأسنده أيضاً عن معاذٍ، الطبرانيُ في «الكبير» (296، 297، 298)، وفي «الصغير - الروض الداني» (530)، والشاشي في «المسند» (1367)، وابن عبدالبر في «التمهيد» (24/300- 301)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (17/18)، والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (2/47)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (8023، 8024، 8025)، وقد أشار الحافظ ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» (ص157)، إلى الانقطاع الواقع في هذا الحديث؛ بأن ميمون بن شبيب -راويهِ عن أبي ذرٍ، ومعاذ- لم يصح له سماع عن أحدٍ من الصحابة، ونَبَّه على هذا الانقطاع أيضاً الحافظُ ابن حجر في «الأمالي المطلقة» (ص131)، وساق له من حديث معاذ شواهد يتغوّى بها. انظر: «الأمالي المطلقة» (ص132- 133)، وانظر تفاصيل أوفى متعلقة بهذا الحديث في كتاب «جامع العلوم والحكم» للحافظ ابن رجب (ص157- 158)، وقد ساق له شواهد من حديث أبي ذرٍّ أيضاً. والله أعلم. 

[31])) أخرجه البخاري (5642) واللفظ له، ومسلم (2573) من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة -رضي الله عنهما-، وفيهما بنحوه من حديث عائشة، وغيرها.

[32])) أخرج البخاري (6535) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا».

[33]))   أخرجه مسلم (179) من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.

[34]))  تقدم تخريجه وكلام الحافظ ابن حجر، وكلام الطبرى وتعقيب الشيخ محمود شاكر عليه فانظره للفائدة.

[35]))   سبق تخريجه.

[36]))   سبق تخريجه.

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد