تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 14

00:00

00:00

3

الجمع بين الخوف والرجاء

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وَالأَمْنُ وَالإِيَاسُ يَنْقُلَانِ عَنِ المِلَّةِ وَسَبِيلِ الحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ القِبْلَةِ):

(ش) المراد بالأمن: الأمن من مكر الله، والمراد بالإياس: اليأس من رَوْح الله، والمراد بالملة: ملة الإسلام، والمقصود: أن الأمن من مكر الله واليأس من روح الله كل منهما كفر ينقل عن الملة، وأما سبيل الحق فبين الأمن والإياس؛ وهو: الخوفُ والرجاء.

فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ الإِشْرَاكُ بِاللهِ وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللهِ، وِاليِأْسُ مِن ُروحِ اللهِ»([1])، وقد قال تعالى في الأمن من مكر الله: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون * أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} [سورة الأعراف آية: 96 - 99]، وقال: {ولو أن أهل القرى} [سورة الأعراف آية: 97] يعني: أهل القرى الكافرة، والمرادُ بالخُسران في قوله: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} [سورة الأعراف آية: 99]. خسرانُ كفرٍ؛ لأن هذه الآيات في بيان القرى الكافرة، وقد جاء فيها التعبير بـ(الخاسرون)، و (أل) لاستغراق أنواع الخسران، فالآمن من مكر الله؛ هو الذي لا يخاف الله؛ ليس عنده شيء من الخوف، فيأمن مكر الله لذلك، ويسترسل في المعاصي ولا يبالي، وأما اليائس من رَوْح الله؛ فقد قال الله تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال لبنيه: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} [سورة يوسف آية: 87]، فبين أن اليائس من رحمة الله كافر، لأنه ليس عنده رجاء ولا عمل لرحمة الله، بل هو متشائم، قانط، مسيء الظن بالله.  

والكفر هنا جاء بـ(أل) التي تفيد الاستغراق، والمعنى: أن اليائس كافر كفرًا أكبر، فأخبر الله ذلك عن يعقوب عليه الصلاة والسلام، وجاء شرعنا بإقراره، ولم يقل النبي ﷺ أن اليائس دون ذلك، أو ليس كذلك.

وفي سورة «الحِجْر» أخبر الله تعالى عن إبراهيم فقال: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [سورة الحجر آية: 56]، والقانط هو اليائس، فهو ضال ضلالَ كُفْرٍ؛ لأن (أل) أيضًا للاستغراق، وما ذاك إلا لأن اليائس من رحمة الله متشائم قانط، ليس عنده شيء من الرجاء ولا الأمل في رحمة الله وعفوه، يرى أنه هالك، مسيء للظن بالله.

وكذلك الآمن من مكر الله، لا يفيده التصديق بالقلب وحده؛ لأنه لا بد لهذا التصديق من عمل يتحقق به، وإلا صار كإيمان إبليس وفرعون، فإبليس مصدق: كما قال تعالى عنه (قال رب أنظرني...)، وفرعون مصدق كما دلَّ عليه قولُه تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)، لكن إبليس لم يعمل بل امتنع عن السجود، وفرعون ليس عنده عمل،، فكونه يعرف ربه بقلبه ولا يعمل، فهذا لا يكون إيمانًا؛ لأن الإيمان والتصديق بالقلب، لا بد له من انقياد بالجوارح حتى يتحقق هذا الإيمان، كما أن الذي يعمل؛ كَمَنْ يصلي ويصوم ويحج، لا بد لهذا العمل من تصديق في الباطن؛ يصحح هذه الأعمال، وإلا صار كإسلام المنافقين.

ولذلك صار اليائس من روح الله لا يعمل؛ لأنه يرى أنه هالك، ولهذا أثنى الله -سبحانه وتعالى- على عباده؛ لأنهم يعبدونه بالخوف والرجاء، قال سبحانه: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} [سورة الإسراء آية: 57]، وقال سبحانه: {يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون} [سورة السجدة آية: 16]، وقال سبحانه لما ذكر الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل واليسع وهود، قال بعد ذلك: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} [سورة الأنبياء آية: 90]. الرغب هو: الرجاء، والرهب هو: الخوف، فإذا فُقد الخوف، وفُقد الرجاء؛ لم يكن هناك إيمان، ولا يكون هناك توحيد، فالتوحيدُ لا بد فيه من ثلاثة أركان:

الركن الأول: المحبة في القلب، والمحبة لا تكون إلا عن تصديق.

الركن الثاني: الخوف الذي يحجب الإنسان عن محارم الله، وعن الشرك.

الركن الثالث: الرجاء الذي يحمل الإنسان على الطمع في ثواب الله وفي رحمته.

ولهذا قال العلماء: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، -وهذه طريقة الصوفية-، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، -يعني: أنه خارجي-، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء؛ فهو مؤمن موحد.

يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله- في «الكافية الشافية»([2]):

وعبادة الرحمن غاية حبه
 

 

مع ذل عابده هما قطبان
 

وعليهما فلك العبادة دائر
 

 

ما دار حتى دارت القطبان
 

فعبادة الرحمن هي: غاية الحب، مع غاية الذل، يعني: أن يتعبد الله بغاية الذل، مع غاية الحب، فالذليل هو: الخائف، الخاضع لله، والآمن من مكر الله ليس عنده ذل، كما أن اليائس من رحمة الله أيضًا؛ ليس عنده طمع في ثواب الله، فكيف يكون مؤمنًا؟

الإيمان: ما يخرج العبد من الإيمان  

(م) (وَلَا يَخْرُجُ العَبْدُ مِنَ الإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ):

(ش) المؤلف أتى بصيغة الحصر، والمعنى: أنه لا يخرج العبد من الإيمان إلا إذا جحد الأمر الذي أدخله في الإيمان، وهو التصديق! هكذا قال المؤلف، وهذا غلط عظيم مخالف لقول أهل السنة والجماعة؛ لأن معنى ذلك: أن الإنسان لا يكفر إلا بالجحود، كما أنه لا يكون مؤمنًا إلا بالتصديق، وعلى ذلك يكون الإيمان هو التصديق في القلب، والكفر هو: الجحود في القلب، فإذا صَدَّق؛ صار مؤمنًا، وإذا جحد: صار كافرًا.  

وهذا خطأ؛ لأن الكفر يكون أيضًا بالنطق باللسان، ويكون الكفر أيضًا بالعمل؛ أي بالجوارح، ويكون الكفر أيضًا بالشك، ويكون أيضًا بالترك والإعراض، ولهذا بوب العلماء -في كل مذهب؛ من الحنابلة والمالكية والشافعية والأحناف-، بوبوا بابًا في كتب الفقه يسمونه «باب حكم المرتد»، قالوا: والمرتد هو الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو اعتقادًا أو شكًّا أو فعلًا، أو تركًا.  

إذًا فالكفر خمسة أنواع:

النوع الأول: يكون باعتقاد القلب وجحوده، كما ذكر المؤلف، كما لو اعتقد أن لله صاحبة أو ولدًا، وكما لو جحد ربوبية الله، أو جحد أسماء الله، أو صفاته، أو أولوهيته وعبادته واستحقاقه للعبادة، أو أمرًا معلومًا وجوبه من الدين بالضرورة؛ كأن جحد وجوب الصلاة، أو وجوب الزكاة، أو وجوب الصوم، أو وجوب الحج، أو جحد أمرًا معلومًا تحريمه من الدين بالضرورة؛ كأن يجحد تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم شرب الخمر، أو تحريم عقوق الوالدين، أو تحريم قطيعة الرحم، فإذا أنكر شيئا من ذلك فإنه يكون كافرًا؛ لأنه جحد بقلبه.

النوع الثاني: يكون بالقول؛ مثل: لو سب الله، أو سب الرسول ﷺ، أو سب دين الإسلام؛ فإنه يكفر بهذا النطق والقول، ولو لم يجحد بقلبه، ولو استهزأ بالله أو بكتابه أو برسوله أو بدينه: كفر بهذا الاستهزاء، والاستهزاء يكون باللسان، ولو لم يجحد بقلبه، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ بالاستهزاء، قال الله U {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [سورة التوبة آية: 65 - 66]؛ فأثبت لهم الكفر بعد الإيمان بهذا الاستهزاء الذي هو قولٌ.

النوع الثالث: يكون بالفعل؛ فلو سجد للصنم كفر بهذا السجود، أو داس مصحفًا بقدميه، أو لطخه بالنجاسة؛ فإنه يكفر بهذا العمل، ولو لم يجحد، ولو لم يعتقد بقلبه، كذلك يكون كافرًا: إذا دعا غير الله، أو ذبح لغير الله أو نذر لغير الله، أو دعا الأموات وطلب منهم المدد، أو ركع لغير الله، أو سجد لغير الله، أو طاف بغير بيت الله تقربًا للغير، فإنه يكفر بهذه الأعمال ولو لم يجحد.

النوع الرابع: يكون الكفر بالشك، كما لو شك في ربوبية الله، أو شك في اسم من أسماء الله، أو في صفة من صفاته، أو شك في الملائكة، أو في الكتب المنـزلة، أو في الرسل، أو في الجنة، أو في النار، أو شك في البعث، أو شك في الصراط، أو في الميزان، أو في الحوض؛ فإنه يكفر بهذا الشك.

النوع الخامس: يكون بالترك والإعراض؛ كما لو أعرض عن دين الله، لا يتعلمه، أو أعرض عن عبادة الله؛ فإنه يكفر بهذا الإعراض، ولو لم يجحد قال الله -تعالى: {والذين كفروا عما أنذروا معرضون} [سورة الأحقاف آية: 3].

فهذه خمسة أنواع يكفر الإنسان بأحدها، لكن بشرط أن يفعلها الإنسان؛ لا بجهلٍ يُعذر فيه؛ فلو فعل شيئًا منها وهو جاهل؛ لا يكفر حتى يُعَرَّفَ، وتقومَ عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة: كفر بعد التعريف، أما إذا كان مثله لا يجهل؛ فلا يُقبل منه الاعتذار.

وكذلك: إذا جرى على لسانه الكلامُ الكفري من غير ما قصد؛ فإنه لا يكفر، كقصة الرجل الذي فقد راحلته وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها قال من شدة الدهشة والفرحة: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ»([3])؛ يخاطب ربه؛ أخطأ من شدة الفرح، فلم يُؤاخذ بقوله هذا. ولو جاء إنسان، ووضع رأسه أمام صنم؛ ليستريح من وجعٍ برأسه، ولم يعلم أنه صنم، فلا يكفر؛ لعدم عِلْمِهِ بذلك، لكن إذا قصد السجود للصنم: كفر بهذا العمل؛ ولو لم يجحد بقلبه.

وكثيرٌ من الناس اليوم -ومنهم علماء-: يقررون مذهب المرجئة؛ يقولون: لا يكون الكفر إلا بالقلب، ولا يكون الإيمان إلا بالقلب، ويرجئون الجهل، ويرجئون النطق؛ يقولون: إذا سجد للصنم؛ لا يكون كافرًا، لكن هذا السجود يكون دليلًا على ما في القلب، فإذا كان قلبه مكذبًا؛ صار كافرًا، وإذا سب الله وسب الرسول ﷺ؛ يقولون: هذا ليس بكفر، لكنَّه دليلٌ على ما في قلبه من الكفر؛ وهذا قول المرجئة.  

فالكفر -كما سبق- يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالعمل، ويكون بالشك، ويكون بالترك والإعراض، وهذه مسألة مهمة، ينبغي لطالب العلم أن يكون على بينة منها، وهذا الذي تقرّر هو قول الصحابة والتابعين والأئمة والعلماء وجماهير أهل العلم، أما القول بأن الكفر لا يكون إلا بالجحود، والإيمان لا يكون إلا بالقلب فهذا غلطٌ، وغلطٌ عظيم([4]).  

الاختلاف فيما يقع عليه اسم الإيمان

(م) (وَالإِيمَانُ هُوَ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالتَّصْدِيقُ بِالجَنَانِ):

(ش) قول الطحاوي هذا؛ يُقَرِّرُ مذهبَ المرجئة؛ فالمرجئة يقولون: الإيمان لا يكون إلا بالتصديق بالجنان والإقرار باللسان، أما أعمال القلوب وأعمال الجوارح فلا تدخل في الإيمان، وهذا هو المشهور عن الإمام أبي حنيفة -رحمه الله-، وأول من قال بالإرجاء؛ شيخُ أبي حنيفة: حمادُ بنُ أبي سليمان([5]) من أهل الكوفة؛ ولهذا: كان هذا الاعتقاد يسمَّى بقول مرجئة الفقهاء.

والرواية الثانية عن الإمام أبي حنيفة: أن الإيمان شيء واحد وهو التصديق بالقلب، أما الإقرار باللسان؛ فركن زائد لا يستلزمه مُسَّمى الإيمان.

والناس اختلفوا في مسمى الإيمان اختلافًا كثيرًا، وخلاصة الأقوال والمذاهب في هذه المسألة كما يلي([6]):   

المذهب الأول: ذهب الأئمة الثلاثة؛ مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور أهل السنة، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وسائر أهل الحديث، وأهل المدينة، وأهل الظاهر، وجماعة من المتكلمين، وهو قول الصحابة، والتابعين، والأئمة، والعلماء: إلى أن الإيمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح؛ أربعة أشياء: ولذلك فأحيانًا ما يقولون:  

الإيمان: قولُ وعملٌ؛ فالقول قسمان: قول القلب؛ وهو التصديق، وقول اللسان؛ وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله. والعمل قسمان: عمل القلب؛ وهو النية والإخلاص، وعمل الجوارح. 

وعملُ بالجوارح؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ولهذا يقول العلماء: تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. هذا هو الحق الذي تدل عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، وهو الذي أجمع عليه الصحابة، والتابعون، والأئمة.

المذهب الثاني: مذهب الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- وكثير من أصحابه، وحماد بن أبي سليمان: شيخ أبي حنيفة؛ وقد ذهبوا إلى ما ذكره الطحاوي من أن الإيمان شيئان: الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وهذه الرواية عليها جمهور أصحاب الإمام أبي حنيفة.  

المذهب الثالث: مذهب بعض أصحاب أبي حنيفة، وهي رواية عن الإمام أبي حنيفة أيضًا، وإليها ذهب أبو منصور الماتريدي: أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، والإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، بل هو شرط إجراء أحكام الإسلام في الدنيا، ولو لم يقر بلسانه فهو مؤمن عند الله، وهذا مذهب باطل.

المذهب الرابع:  مذهب الكَّرامية -أتباع محمد بن كرام- وهو أن الإيمان هو: الإقرار باللسان فقط، قالوا: ولو لم يصدق بقلبه فهو مؤمن، لكن إذا لم يصدق بقلبه، فإنه يكون منافقًا، فالمنافقون عند الكرامية مؤمنون كاملو الإيمان، لكن يقولون بأنهم يستحقون الوعيد الذي أوعدهم الله، فعلى مذهب الكرامية؛ إذا نطق بالشهادتين وهو مكذب في الباطن؛ يكون مؤمنًا ويخلد في النار، وهذا من أبطل الباطل، وهو ظاهر الفساد؛ لأنه يلزم منه تخليد المؤمن الكامل الإيمان في النار.  

المذهب الخامس: مذهب الجهم بن صفوان وأبي الحسين الصالحي أحد رؤساء القدرية؛ ذهبوا إلى أن الإيمان هو: معرفة الرب بالقلب، والكفرُ هو: الجهل بالرب بالقلب، فإذا عرف ربه بقلبه؛ فهو مسلم، وإذا جهل ربه بقلبه؛ فهو كافر، وهذا القول أظهر فسادًا مما قبله، بل هو أظهرُ ما قيل في الفساد في مسمى الإيمان، ويلزم على مذهب الجهم هذا: أن فرعون وقومه كانوا مؤمنين، فإنهم عرفوا ربهم بقلوبهم، وعرفوا صدق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام، ولم يؤمنوا بهما، ولهذا قال موسى لفرعون: {لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر} [سورة الإسراء آية: 102]، وقال الله تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} [سورة النمل آية: 14]، فيكون إذًا فرعون على مذهب الجهم مؤمنًا؛ لأنه عرف ربه بقلبه!!   

وأهل الكتاب اليهود والنصارى مؤمنون على مذهب الجهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، قال الله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}  [سورة البقرة آية: 146].

كذلك أبو طالب عم النبي ﷺ يكون مؤمنًا عند الجهم؛ لأنه عرف ربه حيث قال في قصيدته المشهورة:  

ولقد علمتُ بأنَّ دين محمد
 

 

من خير أديان البرية دينا
 

لولا الملامة أو حذار
 

 

مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً
 

بل إن إبليس يكون عند الجهم مؤمنًا كامل الإيمان، فإنه لم يجهل ربه، بل هو عارف بربه، قال الله تعالى عن إبليس: {قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون} [سورة الحجر آية: 36]، وقال: {قال رب بما أغويتني} [سورة الحجر آية: 39]، وقال: {قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين} [سورة ص آية: 82].

والكفر عند الجهم هو الجهل بالرب بالقلب، يقول العلماء:

ولا أحد أجهل منه في الجهل بربه؛ فإنه جعل ربه الوجود المطلق، ومعنى الوجود المطلق الذي لم يُقيِّد باسم ولا صفة، فلم يُثبت الجهم وجودًا لله إلا فى الذهن؛ لأنه سلب عن الله جميع الاسماء والصفات، ولا جهل أكبر من هذا، فيكون الجهم كافرًا بشهادته على نفسه، فنحن نأخذ من تعريفه: أنه كافر؛ لأنه عرف الكفر بأنه هو الجهل بالرب، ولا أحد أجهل منه بربه.  

المذهب السادس: مذهب الخوارج يقولون: الإيمان جماع الطاعات كلها، فجميع الطاعات إيمان، لكن من قَصَّر في واحد منها كفر، فإذا عق والديه: كفر، وإذا شهد الزور: كفر، وإذا ترك طاعة من الطاعات. خرج من الإيمان، ودخل في الكفر.

المذهب السابع: مذهب المعتزلة؛ قالوا: الإيمان جماع الطاعات كلها -كما قال الخوارج-، لكن قالوا: من قَصَّر في شيء منها: فهو فاسق؛ لا مؤمن ولا كافر.

المذهب الثامن: روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان يزيد، وتوقف في نقصانه، ولكن روى عنه عبدالرازق بن نافع أنه يزيد وينقص، وعلى هذا فمذهبه يوافق مذهب الجماعة من أهل الحديث، والحمد لله. فهذه خلاصة المذاهب في مسمّى الإيمان.

وفي هذا الزمن اشتبه الحق على كثير من طلبة العلم حتى صاروا يفتون بمذهب الجهم، أو بمذهب أبي حنيفة -مذهب المرجئة- ويقول: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، والكفر لا يكون إلا في القلب.

فلا بد لطالب العلم أن يكون على إلمام وبصيرة بشُبه هؤلاء، فمن شُبه الإمام أبي حنيفة ومن وافقه التي استدلوا بها:

الدليل الأول: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ومنهم من ادعى إجماع أهل اللغة على ذلك؛ قال الله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف: {وما أنت بمؤمن لنا} [سورة يوسف آية: 17]؛ أي: بمصدق لنا. إذًا لا يكون الإيمان إلا بالقلب، أما قول اللسان وأعمال الجوارح، فلا تدخل في مسمى الإيمان.

وأجاب الجمهور عن هذا الدليل بجوابين([7]): أحدهما بالمنع، والثاني بالتسليم.

الجواب الأول: بالمنع، قالوا: نمنع الترادف بين التصديق والإيمان، ولو صح الترادف في موضع، فلا يوجب ذلك الترادف مطلقًا، إذ أن هناك فرقًا بين الإيمان والتصديق من وجوه:

أولًا: التَّعْدِية؛ فيقال للمخبر إذا صدق في خبره: صدقه، وصدق به، ولا يقال: آمنه ولا آمن به، بل يقال آمن له، كما في قوله تعالى: { * z`tB$t«sù ¼çms9 ÔÞqä9 ¢} [سورة العنكبوت آية: 26].  

ثانيًا: العموم والخصوص بين الإيمان والتصديق، فإن التصديق أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه، فالتصديق يستعمل لغة في الخبر عن الشاهد والغائب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب.

ثالثًا: أن لفظ التصديق يقابله التكذيب، وأما لفظ الإيمان فيقابله الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل هو أعم من ذلك، فيشمل الكفر عن تكذيب، وعن جهالة، وعن عناد.

الجواب الثاني: جوابٌ بالتسليم؛ قال أهل السنة: نسلّم أن التصديق والإيمان مترادفان، لكن نقول:  

أولًا: التصديق يكون بالأفعال كما يكون بالأقوال، ودليل ذلك ما ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «فالعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنانِ زِنَاهُمَا الاسْتماع، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطا، وَالقَلبُ يهوى ويتمَّنى، ويَصَدِّقُ ذَلِكَ الفرجُ وَيُكَذِّبُهُ»([8]).

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكنه ما وقر في القلب وصدقتُهُ الأعمال)([9]).  

ثانيًا: سلمنا أن الإيمان والتصديق مترادفان لكن الإيمان تصديق مخصوص، كما أن الصلاة وإن كانت دعاء، فهي دعاء مخصوص.

ثالثًا: سلمنا أن الإيمان التصديق، لكن التصديق التام بالقلب يكون مستلزما لأعمال القلب والجوارح.  

رابعًا: سلمنا أن الإيمان التصديق، لكن لفظ الإيمان باقٍ على معنى التصديق لغةً، لكن الشارع زاد في أحكامه.

خامسًا: سلمنا أن الإيمان هو التصديق، لكن الشارع استعمل لفظ الإيمان في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية في معناه الشرعي. 

سادسًا: سلمنا أن الإيمان التصديق، لكن الشارع نقل لفظ الإيمان عن معناه اللغوي إلى معناه الشرعي.

هذا كل الجواب عن الدليل الأول للأحناف.

الدليل الثاني للأحناف: على أن الإيمان هو التصديق، ولا يكون إلا بالقلب، قالوا: الإيمان ضد الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود، والتكذيب والجحود لا يكون إلا بالقلب، فكذلك التصديق لا يكون إلا بالقلب، ويؤيد ذلك قول الله تعالى: {žwÎ) ô`tB on̍ò2é& ¼çmç6ù=s%uﷺ BûÈõyJôÜãB Ç`»yJƒM}$$Î/ } [سورة النحل آية: 106]، فدلت الآية على أن القلب هو موضع الإيمان.

وأجاب الجمهور فقالوا: قولكم: إن الكفر هو التكذيب والجحود ممنوع؛ فإن الكفر لا يختص بالتكذيب والجحود، بل إن الكفر يكون تكذيبًا ويكون مخالفةً ومعاداةً بلا تكذيب؛ فعُلم أن الإيمان ليس التصديق فقط، ولا الكفر التكذيب والجحود فقط، فلو قال: أنا أعلم أن الرسول صادق ولكن لا أتبعه، بل أعاديه وأبغضه وأخالفه؛ لكان كافرًا أعظم الكفر، ولو لم يجحد.

الدليل الثالث: وهو دليل عقلي؛ قال الأحناف: لو كان الإيمان مركبًا من قول وعمل -كما تقولون يا جمهور أهل السنة- لزال كله بزوال أجزائه، إذ الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها كالعشرة، فإنه إذا زال بعضها لم تبقَ عشرة، وكذلك المركَّب؛ إذا زال أحدُ جزءيه: زال عنه التركيب، فإذا كان الإيمان مركبًا من قول وعمل وتصديق وأعمال ظاهرة وباطنة؛ لزم زواله بزوال بعضها.

وأجاب الجمهور فقالوا: إن أردتم أن الهيئة الاجتماعية لم تبق مجتمعة كما كانت: فَمُسَلَّم، ولكن لا يلزم من زوال بعضها؛ زوال سائر الأجزاء، بل يلزم زوال الكمال، كما أن بدن الإنسان إذا ذهب منه إصبع أو يد أو رِجْل؛ لم يكن ليخرج عن كونه إنسانًا بالاتفاق، وإنما يقال إنسان ناقص، فكذلك الإيمان: يبقى بعضُه، ويزول بعضُه([10]).  

الدليل الرابع للأحناف: قالوا: إن الله تعالى فرق في كتابه بين الإيمان والعمل الصالح، فعطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة، فقال تعالى في غير موضع: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} [سورة البقرة آية: 277]، فدل على أن العمل لا يكون داخلًا في مسمى الإيمان.   

وأجاب الجمهور: بأن اسم الإيمان ورد في النصوص على ثلاث حالات: تارة يُذكر مطلقًا عن العمل وعن الإسلام، وتارة يُقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام، فإذا ذُكر الإيمان مطلقًا: دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، كما في حديث شُعب الإيمان، وإذا قُرن الإيمان بالعمل الصالح، وعُطف عليه، فإن عطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، مع اشتراكهما في الحكم، والمغايرة على مراتب: أعلاها: أن يكونا متباينين، الثاني: أن يكون بينهما تلازم، الثالث: عطف بعض الشيء عليه، الرابع: عطف الشيء على الشيء باختلاف الصفتين، فهذا كله إذا قُرن الإيمان بالعمل الصالح([11]).

الدليل الخامس للأحناف: استدلوا بحديث أبي هريرة قال: «جَاءَ وَفْدُ ثَقِيفٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؟ فَقَالَ: لَا؛ الإِيمَانُ مَكَمِّلٌ فِي القَلْبِ، زِيَادَتُهُ كُفْرٌ وَنُقْصَانُهُ شِرْكٌ»([12])، ووجه الدلالة قالوا: هذا يدل على أن إيمان أهل السماوات والأرض سواء، وأن الإيمان الذي في القلوب، لا يتفاضل، وإنما التفاضل بينهم يكون بالعمل فقط.

وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث لو صح لكان فاصلًا في النـزاع، لكن هذا الحديث كما قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- من رواية أبي الليث السمرقندي، إلى أبي المطيع، إلى أبي المهزم، وقد سئل عنه الشيخ عماد الدين ابن كثير فأجاب بأن الإسناد من أبي الليث إلى أبي المطيع مجهولون لا يعرفون، وأبو المطيع هو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي([13])؛ ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو حاتم الرازي، وأبو حاتم محمد بن حبان البستي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني، وعمرو بن علي الفلاس، وأما أبو المهزم فقد ضعفه غير واحد، وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، واتهمه شعبة بالوضع، حيث قال: لو أعطي فلسين لحدثهم سبعين حديثًا([14])، فهذا الحديث باطل، بل هو موضوع.

وأهل السنة استدلوا بأدلة كثيرة تدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، منها:

* قول الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا} [سورة الأنفال آية: 2 - 4]؛ فجعلهم مؤمنين بهذه الأعمال.

* ومنها قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } [سورة الحجرات آية: 15].

* ومنها قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [سورة النساء آية: 65].

* ومنها قوله ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً؛ أو بضع وستونَ شُعبة، فأفضلها قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ»([15])، فكل هذه الشعب إيمان.

* ومنها حديث وفد عبد القيس لما جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن الإيمان قال: «أَمَرَهَمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ قَالَ: وَحْدَهُ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالوا: الله ورسوله أعلم، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ محمداً رسول الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصيامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تعطوا من المغنم الخُمُسَ»([16])، فجعل هذا كله من الإيمان.

* حديث جبريل كذلك ذُكر فيه الإيمان والإسلام.

كذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الإيمان يزيد وينقص: قوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا}  [سورة الأنفال آية: 2]، وقوله تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [سورة مريم آية: 76]، وقوله تعالى: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [سورة المدثر آية: 31]، وقوله تعالى: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [سورة الفتح آية: 4]، وقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [سورة آل عمران آية: 173].

من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: «ما رأيتُ مِنْ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ ودِينٍ»([17]). الحديث يعني: النساء؛ والدين إذا أُطلق؛ كالإيمان: يشمل الإسلامَ كلَّه -الأعمال كلها-.

وكذلك أيضًا الأحاديث الأخرى والآثار عن الصحابة؛ منها: - قول أبي الدرداء: «إنَّ من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه»([18]).

- ومنها: ومِنْ فقه العبد أن يعلم أمزداد هو أم منتقص([19]).

- ومنها: قول عمر لأصحابه: «هلموا نـزدد إيمانًا، فيذكرون الله تعالى»([20]).

- وكان ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا([21]).

- وكان معاذ بن جبل يقول لرجل: «اجلس بنا نؤمن ساعة»([22]).

- وكذلك روي مثله عن عبد الله بن رواحة([23]).  

- وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فِيهِ فَقَدِ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإنصافُ مِنْ نَفْسك، وبَذْلُ السلام للعَالِمِ وَالإِنْفَاقُ مِنْ الإِتقار». ذكره البخاري في «صحيحه» معلقًا([24])، هذه كلها تدل على أن الإيمان يزيد وينقص.

فالصواب أن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالقلب، وعمل بالجوارح، وهذا هو الذي عليه الصحابة والتابعون وأهل السنة والجماعة.

 

ما صح عن الرسول ﷺ من الشرع والبيان: كلُّه حق

(م) (وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الشَّرْعِ وَالبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ):   

(ش) جميع ما صح من الرسول ﷺ من الشرع والبيان: كُلُّه حَقٌّ، نؤمن به، ونصدق به، ونقبلُه؛ كتحريم كل ذي ناب من السباع، وتحريم كل ذي مخلب من الطير، وتحريم بيع الولاء وهبته، إلي غير ذلك مما بينه النبي ﷺ.  

والناس لهم في تلقي النصوص طريقتان :

- طريقة أهل السنة.

- وطريقة أهل البدع.

فمنهج أهل البدع: -من الجهمية والمعتزلة والرافضة- يقسمون الأخبار قسمين: متواترة، وآحاد؛ فيقولون: إن المتواتر وإن كان قطعي السند، فهو غير قطعي الدلالة؛ لأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين والعلم، ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات.

وأما الآحاد فقالوا: إنها لا تفيد العلم واليقين، فلا يحتج بها من جهة متنها، كما لا يحتج بها من جهة السند، فسّدوا على القلوب معرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم أحالوا الناس على قضايا وهمية، ومقدمات خيالية سموها «قواطع عقلية، وبراهين يقينية»([25]).  

وأما أهل السنة: فإنهم يتلقون النصوص ويقبلونها، ولا يعدلون عن النص الصحيح، ولا يعارضونه بمعقول من المعقولات ولا بقول فلان؛ عملًا بقول الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}  [سورة الأحزاب آية: 36].  

وخبر الواحد يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة إذا تلقته الأمة بالقبول؛ عملًا به وتصديقًا، وليس بين سلف الأمة في ذلك نـزاع، وهو أحد قسمي المتواتر؛ إذ المتواتر قسمان: 

- ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب إلى أن ينتهي للمخبر عنه، وأسندوه إلى شيء محسوس -كسماعٍ أو مشاهدةٍ، لا اجتهاد-.

- والثاني خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول.

والتفصيل في هذا يأتي إن شاء الله فيما بعد.

تفاوت الناس في الإيمان

(م) (وَالإِيمَانُ وَاحِدٌ، وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ): 

(ش) قوله: (وَالإِيمَانُ وَاحِدٌ): هذا باطل؛ فالإيمان ليس واحدًا، وليس الناس فيه سواء كما قال الشيخُ، يقول الأحناف فالقولُ بأنَّ الإيمان سواء، أنَّ إيمان أهل السماء وأهل الأرض سواء: هذا من أبطل الباطل؛ فمن يقول: إن إيمان جبريل مثل إيماننا؟! أو إيمان أبي بكر مثل إيمان بعض الناس؟! فقد قال النبي ﷺ في أبي بكر: «لَوْ وُزِنَ إِيمَانُ أَهْلِ الأَرْضِ بِإِيمَانِ أَبِي بَكَرٍ لَرَجَحَ»([26])، فكيف يكون إيمان أهل الأرض سواء؟! بل قال بعض الفسقة: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل، وإيماني كإيمان أبي بكر، وعمر!! وهذا من أبطل الباطل.  

والصواب أن الناس يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في الإيمان، فليس إيمان الأنبياء والمرسلين مثل إيمان سائر الناس، وليس إيمان الملائكة مثل إيمان سائر الناس، وليس إيمان الفاسق السكّير العربيد، مثل إيمان الصِّدِّيق([27]).

التفاضل بالإيمان وأعمال القلوب

(م) (وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الأَوْلَى):

(ش) يقول الطحاوي: التفاضل بين الناس ليس في الإيمان؛ لأن الإيمان هم متساوون فيه، بل التفاضل بين المؤمنين بأعمال القلوب، وأما التصديق فلا تفاوت فيه، وفي بعض النسخ: (وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالحَقَيقَةِ، وَمُخَالَفَةِ الهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الأَوْلَى)، يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق، ولكنهم في التصديق يكون بعضهم أفضل من بعض وأثبت، وهذه العبارة في النسخة الثانية.

وهنا قال: (وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالخَشْيَةِ وَالتُّقَى)، يعني: لا تفاضل بين الناس في الإيمان، وإنما التفاضل يكون بينهم بأعمال القلوب، وهذا باطلٌ؛ فليس التفاضل بأعمال القلوب فقط، بل التفاضل يكون في نفس التصديق، وفي أعمال القلوب، وفي أعمال الجوارح.

وعلى هذا؛ فهل لهذا الخلاف بين الجمهور وبين الأحناف ثمرة؟  

يقول الشارح ابن أبي العز: الخلاف لفظي؛ ليس له ثمرة، قال: لأن جمهور أهل السنة والأحناف اتفقوا على أن الأعمال واجبة، والواجبات واجبات، والمحرمات محرمات، وأن من فعل الواجبات، فقد أدى ما أوجب الله عليه، وهو مثاب ممدوح، ومن فعل المحرمات، فإنه يستحق الوعيد، ويقام عليه الحد إذا كان ارتكب حدًّا، وهو مذموم، لكن الخلاف هل هذه الواجبات من الإيمان؟  

قال الجمهور: هي من الإيمان، وقال الأحناف: ليست من الإيمان، فالخلاف لفظي؛ هكذا قال شارح الطحاوية، يعني: أنه لا يترتب علي هذا الخلاف فساد في العقيدة.

ونحن نقول: صحيح أن الخلاف لا يترتب عليه فساد في العقيدة، لكن الصواب أن له آثارًا غير لفظية تترتب عليه؛ من هذه الآثار:

أولًا: أن جمهور أهل السنة والجماعة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى، فإن نصوصًا كثيرة أَدخلت الأعمالَ في مسمى الإيمان، أما الأحناف ومرجئة الفقهاء فوافقوا الكتاب والسنة في المعنى وخالفوهما في اللفظ، وينبغي ألا يخالف الإنسان النصوص حتى في اللفظ، بل يجب على المسلم أن يتأدب مع كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فلا يخالف النصوص لا لفظاً ولا معنًى؛ فهذه ثمرة مُعْتبرة.   

ثانيًا: أن هذا يفتح الباب للمرجئة المحضة -وهم الجهمية-؛ حيث يقولون: الإيمان هو المعرفة بالقلب، والأعمال ليست واجبة، والمحرمات ليست محرمات، وهذا إذا صدَّق بقلبه؛ فلا يضره تركُ الواجبات، وفعل المحرمات، وهو مع ذلك مؤمنٌ كامل الإيمان.

الثمرة الثالثة: من آثار الخلاف بين الجمهور والأحناف أن الأحناف والمرجئة المحضة فتحوا بابًا للفسقة والعصاة، فدخلوا معهم؛ فلما قال الأحناف: الأعمال ليست من الإيمان؛ قالوا: إن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد، وإيمان الأنبياء وإيمان الفساق واحد، فيأتي السكّير العربيد، الذي يفعل الفواحش والمنكرات، ويقول: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر، فإذا قلتَ له، أبو بكر يعمل الصالحات ويجتنب المحرمات وأنت تفعل ذلك!! قال: الأعمال ليست محلًّا للخلاف، فأنا مصدق وأبو بكر مصدق، فإيماننا واحد، أما كوني أفعل المحرمات، وأترك الواجبات، هذا شيء آخر، لا ارتباط له بالإيمان أصلاً!! فالذين فتحوا هذا الباب لهؤلاء الفسقة الفجرة هم مرجئة الفقهاء.

الثمرة الرابعة: -وهي مهمة-: مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فمرجئة الفقهاء من الأحناف يقولون: لا يجوز لك أن تستثني؛ لأنَّ استثناءك يعني أنك تشك في إيمانك، وعلى هذا: فمن قال: أنا مؤمن إن شاء الله: فهو شاك في إيمانه؛ وهم من أجل ذلك يسمون أهل السنة «الشكّاكة».

أما أهل السنة والجماعة فقالوا: المسألة فيها تفصيل، فيجوز الاستثناء في الإيمان في بعض الأحوال دون بعض، فإذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصده الشك في أصل إيمانه -وهو التصديق-؛ فهذا ممنوع، أما إذا قال: إن شاء الله، وقصده أن الاستثناء راجع إلى الأعمال لا الإيمان، فهو لا يجزم بأنه أدى كل ما عليه وترك كل ما حرم الله عليه، بل هو محل للتقصير والنقص، إن قصد ذلك المعنى فلا بأس أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

كذلك إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقصده تعليق الأمر بمشيئة الله؛ للتبرك باسم الله؛ فلا حرج.

وكذلك إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، وأراد عدم علمه بالعاقبة، فلا بأس.

وبهذا يتبن أن الخلاف بين الأحناف والجمهور له ثمرة([28]).

 كذلك أيضًا مما يتعلق بالإيمان مسألة الإسلام والخلاف في مسماه، فالناس اختلفوا في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال([29]):  

القول الأول: أن الإسلام هو الكلمة، أي الشهادتان، وهذا مروي عن الزهري وبعض أهل السنة.

واحتج هؤلاء بقول الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} [سورة فاطر آية: 32]، قالوا: فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد: هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه. 

ووجهة نظر الزهري هي: أن من أتى بالشهادتين صار مسلمًا، فيتميز عن اليهود والنصارى، وتجري عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين، والزهري لم يرد أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها؛ فإنه أجلُّ من أن يخضع لذلك، ولهذا فإن أحمد -رحمه الله- في أحد أجوبته لم يجب بهذا؛ خوفًا من أن يظن أن الإسلام ليس هو إلا الكلمة.

وقد رد محمد بن نصر على من قال بهذا القول، فقال: من زعم أن الإسلام هو الإقرار، وأن العمل ليس منه، فقد خالف الكتاب والسنة، فإن النصوص كلها تدل على أن الأعمال من الإسلام كحديث: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عِلِى خَمْسٍ... »([30])، وَذَكَرَ الأعمالَ الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم والحج. وأما الاستدلال بالآية {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [سورة فاطر آية: 32]؛ فليس فيها ما يدل على أن الإسلام هو مجرد الشهادة، وإنما فيها تقسيم الناس إلى مسلم، ومؤمن، ومحسن، وهذا موافق لحديث جبريل.   

القول الثاني: أن الإسلام والإيمان مترادفان، وهذا مروي عن بعض أهل السنة، ويتزعمهم البخاري، وهو أيضًا مذهب الخوارج والمعتزلة.

احتج هؤلاء بقول الله تعالى: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين} [سورة الذاريات آية: 35 - 36]، وجه الدلالة أن الله وصفهم بالإيمان والإسلام، وهم أهل بيت واحد، فدل على أنهما مترادفان.

وأجيب بأن الآية لا حجة فيها؛ لأن البيت المخرج كانوا متصفين بالإسلام والإيمان، ولا يلزم من الاتصاف بهما ترادفهما.

وقالوا: إن حديث جبريل لما سأله النبي ﷺ عن الإسلام قال: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»([31])، قالوا: معنى: أن تشهد أن لا إله إلا الله، قالوا: تقدير الكلام: أن تشهد أن شعائر الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، لا مسمَّاه.

لكن يجاب: بأن الأصل عدم التقدير.

ومن أدلته أنهم قالوا: الإسلام والإيمان مترادفان، ثم قالوا: إن الإيمان هو التصديق بالقلب؛ فيكون الإسلام هو التصديق، وهذا لم يقله أحد من أهل اللغة.

ومن شبههم أنهم قالوا: إن الله سمى الإيمان بما سمى به الإسلام، وسمى الإسلام بما سمى به الإيمان؛ كما في حديث جبريل وحديث وفد عبد القيس، فحديث جبريل فسر الإسلام بالأعمال، وفي حديث عبد القيس فسّر الإيمان بالأعمال، فإنه سأل ما الإيمان؟ فقال: «الإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ»([32]).

وأجيب بأن الإسلام إذا أُطلق وحده؛ دخل فيه الأعمال، والإيمان إذا أطلق وحده؛ دخل فيه الأعمال، أما إذا اجتمعا فيفرق بينهما.

ومما يدل على الفرق بين الإسلام والإيمان قول الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [سورة الحجرات آية: 14] فنفى عنهم الإيمان، وأثبت لهم الإسلام، وأيضا يشهد للفرق بينهما حديث جبريل؛ فإنه فَرَّقَ بينهما.

وأما اعتراضهم على الاستدلال بآية «الحجرات» فنقول: معنى أسلمنا: أي: انقدنا ظاهرًا؛ فهم منافقون في الحقيقة؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان، هذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية، وهو جواب البخاري -رحمه الله-.

لكن أجاب الجمهور بأن القول الآخر في الآية هو أرجح من هذا القول، فهم ليسوا منافقين، بل هم ضعفاء الإيمان، وإنما نفى عنهم الإيمان، كما نفاه عن القاتل والزاني والسارق، ومن لا أمانة له.  

ويؤيد هذا القول سياق الآية من وجوه:

فإن سورة «الحجرات» من أولها إلى هنا في النهي عن المعاصي وأحكام بعض العصاة ونحو ذلك، وليس فيها ذكر المنافقين.

وكذلك أيضًا ما قبل الآية وما بعدها؛ حيث إن الله -سبحانه وتعالى- أثبت لهم الإيمان والطاعة وقال: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً} [سورة الحجرات آية: 14]؛ والمنافقون ليس لهم طاعة، وليس لهم عمل حتى ينقص ثوابهم، ثم قال في آخر الآيات: {يمنون عليك أن أسلموا} [سورة الحجرات آية: 17]؛ فأثبت لهم الإسلام، ولو كانوا منافقين لما أثبت لهم الإسلام.   

القول الثالث: أن الإسلام هو العمل، والإيمان هو التصديق والإقرار، فالإسلام هو الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة.

واستدلوا بحديث جبريل([33]) حينما أجاب النبي ﷺ حين سئل عن الإسلام والإيمان؛ حيث فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالأصول الخمسة.

وأجيب بأن هذا عند اقتران الإسلام بالإيمان.

والصواب في المسألة: أن الإيمان والإسلام تختلف دلالتهما بحسب الإفراد والاقتران، فإذا أُطلق الإسلام وحده؛ دخل فيه الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، وإذا أطلق الإيمان وحده دخل فيه الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، وإذا اجتمعا فُسِّر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفُسِّر الإيمان بالأعمال الباطنة؛ كما في حديث جبريل، فإن جبريل لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام، فسَّره بالأعمال الظاهرة، ولما سأله عن الإيمان، فَسَّره بالأعمال الباطنة ، هذا هو التحقيق والصواب، وهو الراجح، ومن فهم هذا انجلت عنه إشكالات كثيرة في كثير من المواضع التي حاد عنها كثير من الطوائف عن الحق.  

المؤمنون كلهم أولياء الرحمن

(م) (وَالمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ):

(ش) هذه المسألة هي مسألة: الولاية، وقولُ الشيخ: فالمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، هذا تقرير مذهب المرجئة؛ لأن الناس عند المرجئة قسمان: مؤمنون؛ وكلهم أولياء الرحمن، وكفار؛ وهم أعداء الله.  

وأما جمهور أهل السنة فيقسمون الناس ثلاثةَ أقسام:

عدو لله كامل العداوة؛ وهو الكافر.

ثانيًا: مؤمن ولي لله كامل الولاية؛ وهو المؤمن المطيع، الذي أدى الواجبات، وانتهى عن المحرمات.

 ثالثًا: وليُّ لله بوجهٍ، وعدو لله بوجه؛ وهو المؤمن العاصي، فهو ولي لله بحسب ما فيه من الإيمان والطاعات، وعدو لله بحسب ما فيه من المعاصي والتقصير في الواجبات.  

والذي عليه أهل السنة والجماعة هو الصواب.

(وهل تجتمع الولاية والعداوة في الشخص الواحد؟)

الجواب: نعم، وهذا أصل عظيم عند أهل السنة، وهو اجتماع الولاية والعداوة في الشخص الواحد، فيكون المؤمن وليًّا لله من وجه، وعدوًّا لله من وجه.

وهذه المسألة فيها نـزاع لفظي بين أهل السنة وبين الجمهور، وفيها نـزاع معنوي بين أهل السنة وأهل البدع.

فالنـزاع اللفظي بين الجمهور والأحناف: الجمهور يقولون: العاصي عدو لله من وجه، وولي لله من وجه.

والأحناف يقولون: هو ولي لله، لكن المعاصي يعاقب عليها ويذم عليها.

أما النـزاع المعنوي بينهم وبين أهل البدع؛ فإنه يترتب عليه فساد في الاعتقاد، فأهل السنة يقولون: العاصي وإن كان عدوًّا لله من وجه إلا أنه لا يخرج من الإيمان، أما الخوارج فإنهم يقولون: العاصي يخرج من الإيمان، ويدخل في الكفر، والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر؛ فيكون في منـزلة بين المنـزلتين، والمرجئة المحضة يقولون: العاصي كامل الإيمان والولاية، حتى لو فعل الكبائر ونواقض الإسلام، إلا إذا جهل ربه بقلبه، والتفصيل في هذا يأتي إن شاء الله.

وقول الطحاوي -رحمه الله- هنا هو مذهب مرجئة الفقهاء، ولكن خالفهم جمهور أهل السنة في هذا الأصل كما سبق.  

فالناس يتفاضلون في ولاية الله بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، والولاية لم يتساو الناس في أصلها، فهي نظير الإيمان في أصله، بل الولاية تزيد وتنقص، وتكون كاملة وناقصة، فالمطيع تزيد ولايته وتقواه، والعاصي تنقص ولايته وتقواه، كما أن الإيمان يزيد وينقص، فالمطيع يزيد إيمانه ويقوى، والعاصي ينقص إيمانه ويضعف، كما أن الناس يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق؛ لأن الإيمان على مراتب؛ إيمان دون إيمان، والكفر على مراتب؛ كفر دون كفر، وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وبحسب إيمان العبد وتقواه، تكون ولايته لله، فمن كان أكمل إيمانًا وتقوى: كان أكمل ولاية لله.

والأعمال داخلة في مسمى الإيمان، والأعمال داخلة في مسمى الكفر أيضاً، واستدل جمهور أهل السنة على هذا بأدلة كثيرة؛ منها:

قول الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [سورة يوسف آية: 106]؛ فأثبت لهم إيمانًا مع الشرك، والمراد بالشرك: الذي لا يُخرج من الملة؛ وهو الأصغر، فدل على اجتماعهما في المؤمن.

 ومنها قوله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [سورة الحجرات آية: 14]، فأثبت لهم إسلامًا وطاعة لله ورسوله مع نفي الإيمان عنهم، فدل على اجتماعهما، والمراد بالإيمان المنفي عنهم الإيمان المطلق، الذي هو الكامل الذي يستحقون به الوعد الكريم؛ من دخول الجنة، والنجاة من النار، وإن كان معهم أصل الإيمان الذي يخرجهم من الكفر.  

ومنها قوله تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [سورة التوبة آية: 124 - 125].

 وقوله تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [سورة التوبة آية: 37].

 وقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [سورة محمد آية: 17].

 وقوله تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [سورة الفتح آية: 4].

 وقوله تعالى: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا}  [سورة المدثر آية: 31].

 وقوله تعالى: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا} [سورة البقرة آية: 10].

فهذه الأدلة تدل على تفاضل الناس في الإيمان، وفي الكفر، والنفاق، الذي هو مبنيٌّ على تفاضلهم في ولاية الله، وفي تفاضلهم في عداوة الله، وأن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه، وقسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه. 

ومن الأدلة ما في «الصحيحين» عن عبد الله بن عمرو t عن النبي ﷺ أنه قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»([34])، فدل على أن من الناس من يكون معه إيمان، وفيه شعبةٌ من النفاق.

 ومنها: قولُ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ»([35])، فدلَّ على أن من كان معه من الإيمان أقل القليل لا يخلد في النار. وإن كان معه الكثير من النفاق؛ فهو يعذب في النار على قدر ما معه من النفاق، أو الشرك، أو الكفر، ثم يخرج من النار، والمراد من الكفر، والنفاق، والشرك؛ الأصغر، أما الأكبر من هذه الأنواع؛ فإنه ينافي الإيمان. 

ومنها: ما ثبت في «الصحيحين» أنه ﷺ قال لأبي ذر: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَعَلَى كِبَرِ سِنِّي؟ قَالَ: نَعَمَ»([36])، وأبو ذر من خيار المؤمنين، ومع ذلك صار فيه شيء من الجاهلية.

 ومنها: ما ثبت في «الصحيح» عنه ﷺ أنه قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ في الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وِالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ»([37])، فدل على وجود هذه الخصال في المؤمنين من هذه الأمة.

- ومنها: ما ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة أنه قال: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النبي ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ»([38]).

- ومنها ما في «الصحيحين» عن أبي هريرة t، عن النبي ﷺ أنه قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ»([39])، وفي «صحيح مسلم»: «وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ»([40])؛ فدل على أنه يكون في المؤمن نفاق، وأنهما قد يجتمعان في المؤمن؛ قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان} [سورة آل عمران آية: 166 - 167] فجعل هؤلاء إلى الكفر أقرب منهم للإيمان، وهم مخلطون، وكفرهم أقوى؛ وغيرهم يكون مخلطًا، وإيمانه أقوى.

فهذه الأدلة كلها تدل على أنه يجتمع في الشخص الواحد شيء من شُعب الإيمان، ومن شُعب الكفر، ومن شُعب النفاق، فيكون عدوًّا لله بحسب ما فيه من الشعب، ويكون وليًّا لله بحسب ما فيه من الإيمان.

أما النـزاع بين أهل السنة -جمهورهم وأحنافهم- مع أهل البدع فنـزاع معنوي، لكن أهل البدع اختلفوا:

فذهب الخوارج والمعتزلة إلى أن من ارتكب كبيرة أو قامت فيه شُعبة من شعب الكفر؛ حبط إيمانُه كله، ويخلد في النار، لكن قال الخوارج: يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر، وقالت المعتزلة يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، بل هو في منـزلة بينهما؛ يسمى فاسقًا، لا مؤمنًا ولا كافرًا.

وذهبت المرجئة الغلاة إلى أن الكبائر وشُعب الكفر لا تضر مع الإيمان ولا تؤثر فيه، بل المؤمن كامل الإيمان والتوحيد، فهو كامل الولاية، ولا يضره ارتكابه للكبائر وشعب الكفر شيئًا، بل الناس قسمان مؤمن كامل الإيمان والولاية، أو كافر وكافر كامل الكفر والعداوة. 

وأصل شبهة أهل البدع عمومًا([41]): أن الإيمان شيء واحد، فلا يزول بعضه ويبقى بعضه، ولا يزيد ولا ينقص، بل إذا زال؛ زال جميعه، وإذا ثبت؛ ثبت جميعه؛ لأنه حقيقة مركبّة المركبة، والحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها. لكن الخوارج والمعتزلة يقولون: الإيمان يتبعض ويتعدد، لكنه شيء واحد إذا زال بعضه؛ زال جميعهُ، وهو جماع الطاعات كلها.  

وقالت المرجئة المحضة الكرامية والجهمية والماتريدية: الإيمان لا يتبعض ولا يتعدد، بل هو شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يذهب بعضه ويبقى بعضه؛ لأنه في القلب فقط.

وذهب مرجئة الفقهاء إلى أن الإيمان متعدد ومتبعض، لأنه تصديق وقول، لكنه شيء واحد، لا يزيد ولا ينقص؛ إذ هو في القلب واللسان، وإذا ذهب بعضه ذهب جميعه، وذهب جمهور أهل السنة والسلف: إلى أن الإيمان متعدد، وليس شيئًا واحدًا؛ لأنه قول وتصديق وعمل بالجوارح؛ يزيد وينقص، ويزول بعضه ويبقى بعضه، ويجتمع في القلب إيمان وكفر، وطاعة ومعصية. وبهذا انفصلوا عن جميع الطوائف، وبهذا يتبين أن نـزاع أهل البدع عمومًا مع أهل السنة؛ نـزاع معنوي، يترتب عليه فساد في الاعتقاد والله أعلم.  

فالصواب أن المؤمنين قسمان: قسم ولي لله كامل الولاية، وهو المطيع، وقسم عدو لله من وجه، وولي لله من وجه، وهو المؤمن العاصي، خلافاً لما قاله الطحاوي -رحمه الله-.  

أكرم المؤمنين عند الله

(م) (وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ):

(ش) أكرم المؤمنين أطوعهم وأتبعهم للقرآن، قال الله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [سورة الحجرات آية: 13]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»([42]).  

 

وفي لفظ: «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى»([43])، أو كما جاء في الحديث، فلا شك أن أكرم الناس عند الله أتقاهم وأكثرهم إيمانًا واتِّباعًا للقرآن وللسنة.  

أركان الإيمان

(م) (وَالإِيمَانُ هُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى):

(ش) هذه أركان وأصول الإيمان، كما جاء في حديث جبرائيل لما سأل النبي ﷺ عن الإيمان، قال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللهِ» ([44])، فمن لم يؤمن بهذه الأصول، أو ترك واحدًا منها، أو من جحد واحدًا منها؛ خرج من دائرة الإيمان، ودخل في دائرة الكافرين. ويتبع هذه الأصول جميع شرائع الإسلام، فكل ما جاء به الكتاب والسنة، لا بد من العمل.

وجوب الإيمان بجميع الرسل

(م) (وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ):

(ش) هكذا شأن المؤمن؛ يؤمن بجميع ما جاء في الشرع، وبجميع الرسل، وبجميع الكتب، وبجميع الملائكة: {لا نفرق بين أحد من رسله} [سورة البقرة آية: 285].

ويؤمن أن البعث والنشور حق، والجنة والنار حق، وأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة حق، ومحمد ﷺ حق.

 

 

التصديق بكل ما جاءت به الرسل

(م) (وَنُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ):

(ش) الإيمان يدعو صاحبه إلى أن يصدق ما جاء به الرسل، فلا بد من الإيمان بذلك كله.

أهل الكبائر إذا ماتوا على التوحيد لا يخلدون في النار

(م) (وَأَهْلُ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فِي النَّارِ، لَا يُخَلَّدُونَ إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونُ):

(ش) هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ أن أهل الكبائر إذا ماتوا لا يخلدون في النار، بل هم تحت مشيئة الله كما قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء آية: 48]، فأخبر الله سبحانه وتعالى أن الشرك غير مغفور، وما دون الشرك فهو تحت المشيئة، ومحل النـزاع في هذا هو الكبيرة التي مات عليها صاحبها من غير توبة، أما الكبيرة التي تاب منها فليست محل نـزاع؛ فمن تاب: تاب الله عليه، والتوبة تَجبّ ما قبلها، فمن تاب قبل الموت توبة صدوقًا نصوحًا قَبِلَ اللهُ توبته عامة. ولا بد في التوبة من أداء حقوق الناس.

قال الله تعالى: {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} [سورة الزمر آية: 53]؛ أجمع العلماء على أن هذه الآية في التائبين، أما قول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء آية: 48]، فهذه في غير التائبين، لأن الله -سبحانه وتعالى- خص الشرك بعدم المغفرة، وعلَّق ما دونه بالمشيئة، أما الآية السابقة في سورة «الزمر»، فإن الله أطلق وعمم؛ فدل على أنها في التائبين.  

والمسلم إذا اجتنب الكبائر، وأدى الفرائض: كَفَّر اللهُ عنه الصغائر؛ فضلًا منه وإحسانًا، قال سبحانه: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [سورة النساء آية: 31] يعني: الصغائر، {وندخلكم مدخلا كريما} [سورة النساء آية: 31]، أما الكبيرة فإذا مات عليها من غير توبة، فهو تحت مشيئة الله، قد يغفر له وقد لا يغفر.

(لكن ما هي الكبيرة التي إذا مات الإنسان عليها من غير توبة صار مُتَوَعَّدًا بالنار؟)

اختلف العلماء في تحديد الكبيرة، فقال بعض العلماء: الكبائر سبع، وقال بعضهم: سبعة عشر، وقال بعضهم: الكبائر سبعون، وقيل: سبعمائة، وقيل: لا تُعلم الكبيرة أصلًا، وقيل: إنها أُخفيت كليلة القدر، وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها، وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وقيل: الكبيرة ما اتفقت الشرائع على تحريمه، وقيل: الكبيرة هي ما يسد باب المعرفة بالله، وقيل: الكبيرة ما فيه ذهاب الأموال والأبدان، وقيل-وهذا هو الصواب-: الكبيرة هي ما يترتب عليها حَدٌّ في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو اللعنة، أو الغضب، وألحق بعضُهم نَفْيَ الإيمان، أو ما قيل فيه: ليس منا([45])، أو برئ منه النبيُّ ﷺ.

وأما الصغيرة، فقيل: ما دون حدّ الدنيا وحدّ الآخرة، وقيل: الصغيرة كل ذنب لم يُختم بلعنة، أو غضب، أو نار، وقيل: الصغيرة ما ليس فيه حَدٌّ في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، وهذا أرجح الأقوال.  

 

الدليل على أنه هو الراجح:

أولًا: أن هذا التعريف هو المأثور عن السلف؛ كابن عباس([46])، وابن عيينة،    وأحمد بن حنبل، وغيرهم.

ثانيًا: أن الله تعالى قال: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} [سورة النساء آية: 31]، ولا يستحق هذا الوعد الكريم من أُوعد بغضب الله، ولعنته، وناره، وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد؛ لم تكن سيئاتُه مُكَفَّرَةً باجتناب الكبائر.

ثالثاً: أن هذا التعريف متلقًى من خطاب الشارع، فهو ضابط مرده إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب.

رابعًا: أن هذا الضابط يمكن التفريق به بين الكبائر والصغائر.

خامسا: أن هذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره، فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص([47]) أنه كبيرة؛ كالشرك، والقتل، والزنا، والسحر، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات؛ مما فيه حد في الدنيا، ونحو ذلك، كالفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشهادة الزور، وغير ذلك مما فيه وعيد في الآخرة.  

أما التعريفات السابقة، فكلها مُنْتَقَدة:  

- فمن قال: إن الكبائر سبع، أو سبعة عشر، أو سبعمائة، أو سبعون، نقول: هذا مجرد دعوى وتحكّم لا دليلَ عليه.

- ومن قال: إن الكبيرة لا تُعلم أصلًا، أو إنها مبهمة، أو إنها أُخفيت كليلة القدر، نقول: إنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها، فلا يمنع أن يكون قد علمها غيرُه.

- ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها، أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، فإنه يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر، وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر.

- ومن قال: الكبيرة هي ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت، يقتضي أن شرب الخمر، والفرار من الزحف، والتزوج ببعض المحارم، والمُحَرَّم بالرضاعة والصهرية، ونحو ذلك؛ ليس من الكبائر، مع أنها من الكبائر؛ لأن الشرائع لم تتفق على تحريمها، وأن سرقة الحبَّة من مال اليتيم، والكذبة الواحدة الخفيفة ونحو ذلك من الكبائر باتفاق الشرائع على تحريمها؛ مع أنها من الصغائر، وهذا فاسد.

- ومن قال: الكبيرة ما سد باب المعرفة بالله، أو قال: الكبيرة ذهاب الأموال والأبدان، فإنه يقتضي أن شرب الخمر، وأكل الخنـزير والميتة، والدم، وقذف المحصنات؛ ليس من الكبائر مع أنها من الكبائر.

وقد يقترن بالكبيرة من الحياء والخوف والاستعظام لها، ما يُلْحِقُها بالصغيرة، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها، ما يُلْحِقُها بالكبيرة، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه.

وقول الطحاوي: (وَأَهْلُ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ): ناقشه ابن أبي العز([48]) فقال: قوله: (مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ) يدل على أن أهل الكبائر قبل أمة محمد يعذبون في النار، وهذا ليس عليه دليل، بل النصوص دلت على أن أهل الكبائر من هذه الأمة، وغير هذه الأمة؛ لا يخلدون في النار.

الموت على التوحيد شرط لعدم خلود أهل الكبائر في النار

(م) (إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ):

(ش) هذا قيد لا بد منه؛ فلا بد أن يكون صاحب الكبيرة قد مات على التوحيد، أما من مات على الشرك، فهذا قد سُدَّ في وجهه باب الرحمة قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به} [سورة النساء آية: 48]، والجنة عليه حرام كما قال سبحانه: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} [سورة المائدة آية: 72].

لكن من مات على التوحيد؛ غير مشرك، لكن مات على كبيرة من غير توبة؛ كمن مات على الزنا ولم يتب، أو مات على السرقة ولم يتب، أو مات وهو يتعامل بالربا ولم يتب، أو مات على عقوق الوالدين، أو مات على قطيعة الرحم، أو مات على الغيبة والنميمة ولم يتب من كل ذلك؛ فهذا هو الذي تحت المشيئة، بشرط ألا يستحلّ شيئاً من تلك المحرَّمات، يعني يعلم أن الزنا حرام، لكن غلبته الشهوة، ويعلم أن الربا حرام لكنه فعل الربا حبا للمال، أما من استحل الربا، أو الزنا، أو عقوق الوالدين؛ فهذا كافر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله في تحريم هذه الأشياء.  

المعرفة الكاملة لله المستلزمة للاهتداء

(م) (وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا تَائِبِينَ بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللهَ عَارِفِينَ مُؤْمِنِينَ):

(ش) كلمة «مؤمنين» الصواب أنها ليست موجودة في قول الطحاوي، وقوله: «بَعْدَ أَنْ لَقُوا اللهَ عَارِفِينَ»، انتقد فيها ابنُ أبي العز([49]) الطحاويَّ، قال: لأن معناه المعرفة تكفي في هذا المقام، ولكن المعرفة لا تكفي وحدها، لأن من عرف الله ولم يؤمن به؛ فهو كافر. وإنما اكتفى بالمعرفة وحدها؛ الجهم. فالصواب أنه: لا بد من المعرفة مع الإيمان، ولو قال الماتن: (بعد أن لقوا الله مؤمنين) لكان أصح.  

ولكن أجاب الشارح عن هذا الاعتراض؛ قال: لعله يريد المعرفة التامة التي تستلزم الهداية.  

أهل الكبائر من أهل الإيمان والتوحيد تحت مشيئة الله

(م) (وَهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ وَحُكْمِهِ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ كَمَا ذَكَرَ U فِي كِتَابِهِ: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء آية: 48]):

(ش) لا شك أن من مات على كبيرة من غير توبة وكان من أهل الإيمان والتوحيد؛ فهو تحت مشيئة الله؛ إن شاء الله غفر له بتوحيده وإيمانه وإسلامه، وأدخله الجنة، كما قال الله تعالى: {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء آية: 48]، وإن شاء ربنا سبحانه عذَّبه في النار على قدْر جرائمه. وقد تواترت النصوص بأنه يدخل النار جملة من أهل الكبائر يعذبون فيها، وهم من أهل الصلاة، وأن النار لا تأكل موضع السجود من جباههم، ويمكثوا فيها ما شاء الله، وبعضهم يطول مكثه بسبب شدة جرائمه وكثرتها، ويخرجون منها بشفاعة الشافعين.  

وقد ثبت أن نبينا ﷺ يشفع أربع مرات، في كل مرة يحد الله له حدًّا فيخرجهم من النار، وثبت أن بقية الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والشهداء يشفعون، وسائر المؤمنين يشفعون، والأفراد يشفعون، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، فيخرجهم رب العالمين برحمته، يقول الرب تعالى: «شَفَعَتِ المَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيونَ، وشَفَعَ المُؤْمِنونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فيقبضُ قبضةً من النَّار فَيُخْرِجُ مِنْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ»([50])؛ يعني: زيادة عن التوحيد والإيمان، ولا يبقى في النار أحد من المؤمنين، لكن بعضهم قد يطول مكثه، مثل القاتل، فقد أخبر الله أنه مخلد؛ فخلود العصاة له نهاية، أما خلود الكفرة فلا نهاية له، فإذا تكامل خروجُ عصاة الموحدين من النار؛ أطبقت النارُ على الكفرة بجميع أصنافهم، فلا يُخْرَجُون منها أبد الآباد؛ بجميع أصنافهم؛ اليهود، والنصاري، والوثنيون، والملاحدة، والزنادقة، والمنافقون؛ كلهم في الدركات السلفى من النار، ولا يخرجون منها أبد الآباد، قال تعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} [سورة المائدة آية: 37]، وقال سبحانه: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [سورة البقرة آية: 167]، وقال سبحانه: {لابثين فيها أحقابا}  [سورة النبأ آية: 23]، وقال سبحانه: {كلما خبت زدناهم سعيرا}  [سورة الإسراء آية: 97].

وأما عصاة الموحدين، فإنهم إذا خرجوا يكونون فحمًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّة -يعني البذرة في حميل السيل-، فإذا هُذبوا ونُقوا أذن لهم في دخول الجنة([51])،

ويكتب في جباههم «الجهنميون عتقاء الله من النار»([52])، ثم بعد مدة تمحى هذه الكتابة.

أهل الكبائر بين فضل الله تعالى وعدله

(م) (وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ فِي النَّارِ بِعَدْلِهِ):

(ش) إن شاء الله سبحانه وتعالى غفر لهم بتوحيدهم وإيمانهم؛ فضلًا منه وإحسانًا، وإن شاء عذبهم بعدله وحكمته، ولكن إذا عذبهم وماتوا على التوحيد لا يخلدون، بل لا بد أن يخرجوا ولو طال مكثهم.  

خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وبرحمة الله

(م) (ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ):

(ش) الشَّافعون: هم الأنبياء، والملائكة، والشهداء، وسائر المؤمنين، وتبقى بقية لا تنالهم الشفاعة، يُخْرِجُهم ربُّ العالمين برحمته.

 

دخول أهل الكبائر الجنة

(م) (ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إِلَى جَنَّتِهِ):

(ش) يبعثهم الله إلى الجنة بعد أن ينبتوا، ويهذبوا، وينقّوا.

الله تولى أهل الإيمان به

(م) (وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى تَوَلَّى أَهْلَ مَعْرِفَتِهِ):

(ش) وفي نسخة: (وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى أَهْلِ مَعْرِفَتِهِ)؛ وهذا منتقَدٌ كما سبق؛ فالجهم هو الذي اكتفى بالمعرفة وَحْدَها ولو قال: (وذلك لأن الله تولى أهل الإيمان به) لكان أحسن؛ لأن إبليس عارف بربه، وفرعون عارفٌ بربه، ومع ذلك كانا كافريْن؛ فلا تكفي المعرفة. ولكن قد يجاب على ذلك بأنه لعله يريد المعرفة التامة.

الله تعالى ما جعل المؤمنين كأهل الجهل به

(م) (وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نَكِرَتِهِ):

(ش) يعني: ما جعل الله المؤمنين كأهل الجهل به، وكذلك قولُه: (كأهل) -نكرة- منتقدٌ، ولو قال: (كأهل الكفر به) أو: (كأهل الشرك به)؛ لكان أحسن؛ لأن الكفر ليس هو الجهل فقط، كما يقوله الجهم، فالكفر يكون بالجهل، وبغير الجهل، كما سبق تفصيلُه.  

أعداء الله خابوا من هدايته

(م) (وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ فِي الدَّارَيْنِ كَأَهْلِ نَكِرَتِهِ الَّذِينَ خَابُوا مِنْ هِدَايَتِهِ):

(ش) وهؤلاء لم يهدهم سبحانه وتعالى؛ لحكمة بالغة، وهو الحكيم العليم سبحانه.

 

خذلان أعداء الله بعدم نيل ولايته

(م) (وَلَمْ يَنَالُوا مِنْ وَلَايَتِهِ):

(ش) أعداء الله ليسوا أولياءه، بل هم أعداؤه، إن أولياؤه إلا المتقون، وأما أولئك فقد خابوا من هدايته، ولم ينالوا ولايته، فخذلهم -سبحانه وتعالى- لحكمة بالغة؛ لما يعلمه فيهم، من أنهم ليسوا أهلًا للاهتداء، وليسوا محلًّا لغرس الكرامة.  

الدعاء بالثبات على الإسلام

(م) (اللَّهُمَّ يَا وَلِيَّ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ ثَبِّتْنَا عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى نَلْقَاكَ بِهِ):

(ش) هذا الدعاء قال بعضهم: إنه ثابت، وقال بعضهم: إنه موضوع، ولكن الصواب أن له أصلًا([53]).  

 

 

[1]))       أخرجه ابن أبي حاتم في «التفسير» (5201)، والبزار -كما في تفسير ابن كثير (1/485)-، عن ابن عباس مرفوعاً، وحسن إسناده السيوطي في «الدر المنثور» (2/502)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/104): «ورجاله موثقون»، لكن قال الحافظ ابن كثير في «التفسير» (1/485): «وفي إسناده نظر، والأشبه أن يكونَ موقوفاً»، والموقوف هذا أخرجه الطبراني في «الكبير» (13023)، والبيهقي (1/322)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/116): «رواه الطبراني، وإسناده حسن».

            وورد بنحوه عن ابن مسعود موقوفاً عليه؛ وأخرجه: عبدالرزاق في «المصنف» (19701)، وابن جرير في «التفسير» (5/40)، و (5/41)، من طُرقٍ، والطبراني في «الكبير» (8783، 8784، 8785)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1050)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير في «التفسير» (1/485)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/104).

[2]))   انظر «الكافية الشافية» (1/29).

[3]))   أخرجه مسلم (2747) من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-، لكن هو عند البخاري أيضاً (6309) من حديث أنس، دون قوله: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك».  

[4]))   راجع: «التوسط والاقتصاد في أن الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد» للشيخ علوي السقاف. راجعه وأقرَّه الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-. وقد علق الشيخ ابن باز على عبارة الطحاوي قائلًا: (هذا الحصر فيه نظر، فإن الكافر يدخل في الإسلام بالشهادتين إذا كان لا ينطق بهما، فإن كان ينطق بهما دخل في الإسلام بالتوبة مما أوجب كفره، وقد يخرج من الإسلام بغير الجحود لأسباب كثيرة بيَّنها أهل العلم في [باب حكم المرتد]، من ذلك: طعنه في الإسلام، أو في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو استهزاؤه بالله ورسوله أو بكتابه، أو بشيء من شرعه سبحانه؛ لقوله سبحانه ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]، ومن ذلك: عبادته للأصنام أو الأوثان أو دعوته الأموات والاستغاثة بهم وطلبه منهم المدد والعون ونحو ذلك؛ لأن هذا يناقض قول: لا إله إلا الله؛ لأنها تدل على أن العبادة حق لله وحده، ومنها : الدعاء والاستغاثة والركوع والسجود والذبح والنذر ونحو ذلك، فمن صرف منها شيئا لغير الله من الأصنام والأوثان والملائكة والجن وأصحاب القبور وغيرهم والمخلوقين؛ فقد أشرك بالله ولم يحقق قول: (لا إله إلا الله)، وهذ المسائل كلها تخرجه من الإسلام بإجماع أهل العلم، وهي ليست من مسائل الجحود، وأدلتها معلومة من الكتاب والسنة، وهناك مسائل أخرى كثيرة يكفر بها المسلم، وهي لا تسمى جحودًا، وقد ذكرها العلماء في [باب حكم المرتد]، فراجعها إن شئت، وبالله التوفيق).  

[5]))    حماد بن أبي سليمان العلامة الإمام فقيه العراق، أبو إسماعيل بن مسلم الكوفي مولى الأشعريين، أصله من أصبهان. كان أحد العلماء الأذكياء، والكرام الأسخياء، له ثروة وحشمة وتجمل.

قال الذهبي في السير: قال معمر: كنا نأتي أبا إسحاق فيقول: من أين جئتم؟ فنقول: من عند حماد، فيقول: ما قال لكم أخو المرجئة؟ فكنا إذا دخلنا على حماد، قال: من أين جئتم؟ قلنا: من عند أبي إسحاق، قال: الزموا الشيخ فإنه يوشك أن يطفى. قال: فمات حماد قبله.

قال معمر: قلت لحماد: كنت رأسا، وكنت إماما في أصحابك، فخالفتهم فصرت تابعا، قال: إني أن أكون تابعا في الحق خير من أن أكون رأسا في الباطل.

قال الذهبي : يشير معمر إلى أنه تحول مرجئا إرجاء الفقهاء، وهو أنهم لا يعدون الصلاة والزكاة من الإيمان، ويقولون: الإيمان إقرار باللسان، ويقين في القلب، والنزاع على هذا لفظي إن شاء الله، وإنما غلو الإرجاء مَنْ قال: «لا يضر مع التوحيد ترك الفرائض». نسأل الله العافية. اهـ. 

انظر ترجمته: في «طبقات ابن سعد» (6/332) و«طبقات خليفة»  (162) و«التاريخ الكبير» (3/18) و«الضعفاء للعقيلي» (107 - 110) و«الجرح والتعديل» (3 /146) و«تهذيب الكمال» (331) و«تذهيب التهذيب» (1/174/2) و«تاريخ الإسلام» (5/243) و«العبر» (1/151) و«سير أعلام النبلاء» (5/231) و«تهذيب التهذيب» (3/16) و«طبقات الحفاظ» (48) و«خلاصة تذهيب الكمال» (92).

[ * ]

[6]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/195-197)، (7/504) وما بعدها.

[7]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/ 117، 290، 530).

[8]))   أخرجه البخاري (6243)، ومسلم (2657) واللفظُ له من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[9]))   أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (66)، وابن بطة في الإبانة (1093)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (30351)، و(35211)، وابن المبارك في «الزهد» (1565)، وقد رُوي مرفوعاً، لكن لا يصح. والله أعلم.  

[10]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/514-522).

[11]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/172)، (7/198-202).

[12]))   أخرجه السمرقندي في تفسيره (2/278)، و (2/99 -تحقيق: محمود مطرجي)، وذكره ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» (385)، وقال الألباني -رحمه الله- في تحقيقه: (موضوع).  

[13])) هو الحكم بن عبدالله بن مسلم أبو مطيع البلخي الخراساني الفقيه صاحب أبي حنيفة رحمه الله تعالى. انظر «لسان الميزان» (2/334).

[14]))   انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (1/385- 386).

[15]))   أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، واللفظ لمسلم.

[16]))   أخرجه البخاري (523) واللفظُ له، ومسلم (17) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.  

[17]))   أخرجه البخاري (304)، ومسلم (80) من حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-، وأخرجه مسلم (79)، من حديث ابن عمر، وَحْدَهُ.

[18]))   أخرجه اللالكائي في «السنة» (1710)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (47/129).

[19]))   انظر: «الإبانة» لابن بطة (1134)، واللالكائي في «السنة» (1710)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (47/129). 

[20]))   أخرجه الآجري في الشريعة (1/117)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (30366)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (37)، واللالكائي في «السنّة» (1700).

[21]))   أخرجه عبدالله بن الإمام أحمد في السنة (797)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (46)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (1/48).

[22]))   أخرجه البخاري في كتاب الإيمان قبل حديث (8) معلقا بصيغة الجزم، ووصلة ابن أبي شيبة في المصنف (6/164)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (45)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/235)، وابن حجر في «تغليق التعليق» (2/20- 21)، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (1/48).

[23]))   أخرجه أحمد في «المسند» (14148)، عن عبدالصمد حدثنا عمارة عن زياد النميرى عن أنس بن مالك قال كان عبد الله بن رواحة إذا لقى الرجل من أصحابه يقول: «تعال نؤمن بربنا ساعة. فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء إلى النبى ﷺ فقال يا رسول الله ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة. فقال النبى ﷺ: «يرحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التى تتباهى بها الملائكة عليهم السلام». قال الهيثمي في «المجمع» (10/17): «إسناده حسن». ا هـ. وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (28/111)، وعزاه الألوسي في تفسيره (2/431) للحكيم الترمذي، عن أبي الدرداء قال: «كان ابنُ رواحةَ يأخذ بيدي فيقول: تعال نؤمن ساعة». 

وأخرجه البيهقي في «الشعب» (50) من طريق عطاء بن يسار أن أن عبدالله بن رواحة قال لصاحب له : «تعال حتى نؤمن ساعة». قال: أولسنا بمؤمنين؟ قال: «بلى، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا»، مرسلًا، وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (30426) من طريق ابن سابط قال؛ فذكره، ورواه اللالكائي في «السنة» (1708) من طريق شريح بن عبيد، عن عبدالله بن رواحة، وقد قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (4/258)، عن أثر ابن رواحة من طريق عطاء، وشريح بن عبيد: «وهذا مرسلٌ من هذين الوجهين...». ا هـ. فالمرسل أشبه بالصواب.

[24]))   أخرجه البخاري في كتاب الإيمان قبل حديث (28) معلقا بصيغة الجزم، ووصلة ابن أبي شيبة في المصنف (6/172) ووصله غيره أيضاً. قال ابن حجر «فتح الباري» (1/46): أخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان من طريق سفيان الثوري ، ورواه يعقوب بن شيبة في مسنده من طريق شعبة وزهير بن معاوية وغيرهما كلهم عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة بن زفر عن عمار، ولفظ شعبة «ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان» وهو بالمعنى، وهكذا رويناه في جامع معمر عن أبي إسحاق. وكذا حدث به عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، وحدث به عبد الرزاق بآخرة فرفعه إلى النبي ﷺ، كذا أخرجه البزار في مسنده وابن أبي حاتم في العلل كلاهما عن الحسن بن عبدالله الكوفي، وكذا رواه البغوي في شرح السنة من طريق أحمد بن كعب الواسطي، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في معجمه عن محمد بن الصباح الصنعاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعا. واستغربه البزار، وقال أبو زرعة: هو خطأ. قلت: وهو معلول من حيث صناعة الإسناد؛ لأن عبدالرزاق تغير بآخرة، وسماع هؤلاء منه في حال تغيره، إلا أن مثله لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع، وقد رويناه مرفوعا من وجه آخر عن عمار أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في «تعليق التعليق». ا هـ. وانظر: «تغليق التعليق» (1/31)، وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (2/114): «صح عن عمار». ا هـ. وقد استغنينا بكلام الحافظ ابن حجر عن عزوه إلى المصادر التي أخرجته، والله الموفق.  

[25]))   انظر: «مختصر الصواعق المرسلة» (4/1401- 1649).

[26]))   أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (653)، وعبدالله ابن الإمام أحمد في السنة (821)، وابن راهويه في المسند (3/669)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (36) من قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وصححه العراقي في «تخريج الإحياء» (1/51 -دار القلم)، والسخاوي في «المقاصد الحسنة» (908 -دار الكتاب العربي. طبعة  أولى)، والشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص 335)، وقد رُوي عن النبي ﷺ ، ولا يصح.  

[27]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/459). وعلق الشيخ ابن باز على عبارة الطحاوي قائلًا: (هذا فيه نظر، بل هو باطل، فليس أهل الإيمان فيه سواء؛ بل هم متفاوتون تفاوتًا عظيمًا، فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم، كما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم مثل إيمان غيرهم، وهذا التفاوت بحسب ما في القلب من العلم بالله وأسمائه وصفاته وما شرعه لعباده، وهو قول أهل السنة والجماعة؛ خلافًا للمرجئة ومن قال بقولهم، والله المستعان).

[28]))   ما ذكره ابن أبي العز -رحمه الله-: من كون الخلاف بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة صوريًّا، هو ما قرره شيخ الإسلام -رحمه الله- في مواضع، واتفق كلامهما في تصوير هذا الخلاف الصوري اللفظي، وأنه مع من يقر بأن أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب، وأن انتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، لا مع كل مرجئ يخرج العمل عن الإيمان ويراه ثمرة، يبقى إيمان القلب بدونها.
وإليك طرفًا من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله-:     

1- قال -رحمه الله- ( 7/202 ):  (وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب «الموجز»؛ وهو أن القرآن نفى الإيمان عن غير هؤلاء كقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان. قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنًا؛ لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه. والجواب عن هذا من وجوه : 

أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب، فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان وهذا هو المطلوب؛ وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءًا نزاع لفظي.

الثاني: أن نصوصًا صرَّحت بأنها جزء كقوله ...إلخ).   

2- وقال شيخ الإسلام (7/577): (وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي؛ فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب، الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم؛ فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفتَ بهذا كان النزاع لفظيًّا. وإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه: أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر وترك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يناقض قولك: إن الظاهر لازم له وموجب له بل قيل: حقيقة قولك إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له ولكنه دليل إذا وجد دلَّ على وجود الباطن وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم وهذا حقيقة قولك). 

[29]))   انظر: «تعظيم قدر الصلاة» لمحمد بن نصر (2/529) وما بعدها، و«التمهيد» لابن عبد البر (9/247)، و«مجموع الفتاوى» (7/5-12)، و«فتح الباري» (1/55، 79، 114).

[30])) أخرجه البخاري (8)، ومسلم (16) من حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-.

[31]))   أخرجه مسلم (8)، والترمذي (2610)، والنسائي (4990)، وأبو داود (4695)، وابن ماجه (63) من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.  

[32]))   تقدم تخريجه.

[33]))   سبق تخريجه.

[34]))   أخرجه البخاري (34) واللفظ له، ومسلم (58) من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما-.

[35]))   أصله عند البخاري (22)، ومسلم (183) من حديث أبي سعيد الخدري. وأما هذا اللفظ فقد أخرجه الترمذي (2598) من طريق عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، وهو عند عبدالرزاق في «التفسير» (1/160)، وقد أخرجه عن عبدالرزاق به ابن الإمام أحمد في «السنة» (794).  

[36]))   أخرجه البخاري (6050)، ومسلم (1661)، عن أبي ذر -رضي الله عنه-، ولفظ البخاري: «إنك امرؤ فيك جاهلية قلت على حين ساعتي هذه، مِنْ كِبَرِ السِّن؟».

[37]))   أخرجه مسلم (934) من حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه-.

[38]))   أخرجه البخاري معلقا تحت باب: (خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر) قبل حديث (48) بصيغة الجزم، ووصله الخلال في السنة (1081)، والحافظ ابن حجر في «تغليق التعليق» (2/52- 53)، وعزاهُ أيضاً إلى ابن أبي خيثمة في تاريخه، وإلى محمد بن نصر المروزي، وكذا عزاه إليهما العيني في «عمدة القاري» (1/275).

[39]))   أخرجه البخاري (33)، ومسلم (59).

[40]))   هي رواية لمسلم (59) للحديث الذي قبله.

[41]))   قال شيخ الإسلام في «منهاج السنة» (4/543-544) : (ومن سلك طريق الاعتدال؛ عظَّم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحقَّ حقه؛ فيعظِّم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيُحمد ويُذم، ويُثاب ويُعاقب، ويُحَب من وجه، ويُبْغَضُ من وجه، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم، وقد بُسط هذا في موضعه).انتهى. وانظر: «مجموع الفتاوى» (28/209).

[42]))   أخرجه أحمد في «مسنده» (5/411)، وابن عساكر في «معجمه» (1045)، والطبراني في «الأوسط» (4749)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5137) وقال: «في إسناده بعض من يجهل»، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (3/100). من طريق إسماعيل ثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة حدثني من سمع: خطبة رسول الله ﷺ في وسط أيام التشريق فقال: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ، ثم قال أيّ يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، ثم قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال ثم قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فإن الله قد حَرَّم بينكم دماءكم وأموالكم -قال ولا أدري قال: أو أعراضكم- أم لا كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، أبلغت؟ قالوا: بلغ رسول الله ﷺ، قال: ليبلغ الشاهد الغائب». وهذا سياق أحمد.  وقد سمَّى الصحابيَّ في رواية أبي نعيم، والبيهقي: جابر -رضي الله عنه-. 

قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن الجريري، إلا أبو المنذر الوراق، لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد». ا هـ. 

وقال أبو نعيم: «غريب من حديث أبي نضرة عن جابر لم نكتبه إلا من حديث أبي قلابة عن الجريري عنه». اهـ. 

وقال الهيثمي في «المجمع» (3 /343): «رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح». اهـ.

وقال البوصيري في «اتحاف الخيرة» (2614): «رواه مسدد، ورجاله ثقات، وأحمد بن حنبل، والحارث». اهـ.

وقال الهيثمي (7/401): وعن أبي سعيد قال: «قال رسول الله ﷺ: «إن ربكم واحد وأباكم واحد، فلا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى». اهـ .

رواه الطبراني في «الأوسط»، والبزار بنحوه إلا أنه قال: «إن أباكم واحد وإن دينكم واحد، أبوكم آدم، وآدم خلق من تراب». ورجال البزار رجال الصحيح. اهـ . 

وصححه الألباني -رحمه الله-، في «السلسلة الصحيحة» (2700)، وابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/144).

[43]))   أخرجه الطبراني في الكبير (18/12)، وضعف إسناده الهيثمي في المجمع (3/595). 

[44]))   أخرجه الطبراني في «الكبير» (13581)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/41) بعد أن عزاه للطبراني في «الكبير»: «... ورجاله موثقون»، وأخرجه ابن حبان في «الصحيح» (168)، عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُريع، حدثنا كُهمس بنُ الحسن، عن عبدالله بن بريده، عن يحيى بن يَعْمَرَ، قال: خرجتُ أنا وحميد بن عبدالرحمن الحِمْيرَي، فذكر قصة لقيهما ابنَ عمر، وفيه موضع الشاهد. وهذا إسناد صحيح. وقد أخرجه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (370)، عن الحسين بن عيسى البسطاي، ومحمد بن يحيى، كلاهما عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الركين بن الربيع، عن يحيى بن يعمر، وعن عطاء بن السائب، عن ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر، فذكر القصة. ورواه بحشل في «تاريخ واسط» (ص 123- 124)، ثنا ذكريا بن يحيى قال ثنا شريكُ، عن حسين، عن حسن الكندي، عن أبي بريدة قال حججت أنا ويحيى بن يعمر، فذكرهُ.

       وأخرجه اللالكائي في «السنة» (1038)، من طريق محمد بن هارون الروياني، ثنا أبو سعيد الأشج قال ثنا محمد بن فُضيل، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة قال: «قدمنا المدينة فأتينا عبدالله بن عمر» فذكر القصة، وفيها موضع الشاهد.

       وأخرجه ابن منده في «الإيمان» (7)، عن محمد بن محمد بن يونس، ثنا أحمد بن مهدي، ثنا محمد بن المنهال الضرير، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا كهمس بن الحسن، عن عبدالله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر.

       ورواه أيضاً عن أحمد بن إسحاق بن أيوب، ثنا أبو المثنى معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن المنهال به.

       وأخرجه الآجري في «الشريعة» (208) من طريق الحسن الزعفراني، ثنا يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر.

       وأخرجه السبكي في «طبقات الشافعية» (1/103- 104)، من طريق محمد بن مسلمة الواسطي، عن يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن يحيى بن يعمر، وعن عطاء بن السائب، عن ابن بريدة قالا: «حَجَجْنَا...» فذكره، وفيه موضع الشاهد.

       والحديث أصله في «مسلم» (8)، وقد أسنده عن أبي خيثمة: زهير بن حرب، عن وكيع، عن كهمس، عن عبدالله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، وأسنده أيضاً عن عبيدالله بن معاذ العنبري، عن أبيه، عن كهمس، بالإسناد السابق، وساق الرواية من هذا الوجه، لكن قال: «وتؤمن بالقدر خيره وشره». وساقه عن يحيى بن يعمر بأسانيد أخرى، ولم يسبق ألفاظها.

[45]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (7/511).

[46])) أخرج ابن أبي حاتم (5215)، عن ابن عباس قال: «كل ما وعد الله عليه النار كبيرة».

وأخرج ابن جرير (5/41)، عن ابن عباس قال: «الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب». وذكر الحافظ في «الفتح» (12/184) أن إسماعيل القاضي روى عن أبي سعيد مرفوعاً: «الكبائر كل ذنب أدخل صاحبه النار»، لك في سنده ابن لهيعة. وأشار إلى أن إسماعيل القاضي أخرجه عن الحسن البصري بسند صحيح أنه قال: «كل ذنب نسبه الله تعالى إلى النار؛ فهو كبيرة».

[47])) من أدلة ذلك: ما رواه البخاري (2767)، ومسلم (89) عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».  

وأخرج البخاري (2653) واللفظ له، ومسلم (88) عن أنس -رضي الله عنه- قال سئل النبي ﷺ عن الكبائر قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور». 

[48]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (11/650-655)، و«فتح الباري» (10/410)، (12/182)، و«شرح الطحاوية» (2/525).

[49]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/524).

[50]))   أخرجه مسلم (183) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في حديث الشفاعة الطويل.  

[51])) هذا معني الحديث الذي أخرجه البخاري (806) ومسلم (182) عن أبي هريرة أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله. قال: فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب. قالوا: لا. قال: فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة. فيقول: من كان يعبد شيئا؛ فليتبع؛ فمنهم: من يتبع الشمس ومنهم: من يتبع القمر، ومنهم: من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها؛ فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا؛ فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم. قال: فإنها مثل شوك السعدان؛ غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم: من يوبق بعمله، ومنهم: من يخردل، ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله؛ فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود؛ فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا؛ فيصب عليهم ماء الحياة؛ فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها فيقول: هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك فيعطي الله ما يشاء من عهد وميثاق؛ فيصرف الله وجهه عن النار؛ فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة؛ فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت؟ فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أُعطيتَ ذلك أن لا تسأل غيره، فيقول: لا وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك، أليس قد أعطيتَ العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله -عز وجل- منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تمنَّ، فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته، قال الله -عز وجل- من كذا وكذا أقبل يذكّره ربُه، حتى إذا انتهت به الأماني، قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه، قال أبو سعيد الخدري لأبي هريرة -رضي الله عنهما-: إن رسول الله ﷺ قال: قال الله لك ذلك وعشرة أمثاله، قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله ﷺ إلا قوله لك ذلك ومثله معه. قال أبو سعيد: إني سمعته يقول ذلك لك وعشرة أمثاله. ا هـ.

[52]))   أصله في الصحيحين، ولفظ أحمد (3/144): «ويكتب بين أعينهم هؤلاء عتقاء الله -عز وجل- فيذهب بهم فيدخلون الجنة فيقول لهم أهل الجنة هؤلاء الجهنميون فيقول الجبار بل هؤلاء عتقاء الجبار -عز وجل-». وصحح إسناده الألباني في «ظلال الجنة» (ص 393).

[53]))   أخرجه الطبراني في «الأوسط» (661 -تحقيق طارق عوض الله»، ومن طريقه الضياء في «المختارة» (2290)، وأخرجه أيضاً أبو يعلى (2965 -المطالب العالية)، وزاد الألباني في «الصحيحة» (1823)، نِسْبَتَهُ إلى «الفوائد المنتقاة من أصول سماعات الرئيس أبي عبدالله الثقفي» (2/165/1)، والحديث من رواية أنس، وقد قال الهيثمي بعد أن عزاه إلى «الأوسط»: «ورجاله ثقات» [«مجمع الزوائد» (10/176)]، وصححه الألباني في «الصحيحة» (1823).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد