تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 15

00:00

00:00

3

الصلاة خلف البر والفاجر

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وَنَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ):

(ش) قبل بيان حكم الصلاة خلف البر والفاجر، ننبِّهُ على مسألة مرت من قبل، وهي تتعلق بمن أتى ناقضًا من نواقض الإسلام؛ وذلك أننا قلنا: إن المرجئة يقولون: لا يكفر إلا الجاحد بالقلب، وقلنا: إن هذا خطأ، وإن الكفر يتنوع، فيكون بالقلب والاعتقاد، ويكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون بالشك، ويكون بالترك، ولكن لا بد من توفر شروط، وانتفاء موانع، لمن يفعل الكفر، حتى يحكم عليه بالكفر وهي كما يلي: 

الشرط الأول: العلم أن يكون عالمًا بما يقول، فإن كان جاهلًا أو مثله يجهل، فلا يكفر حتى تقوم عليه الحجة، ولا بد أيضًا أن يكون مختارًا وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن كان مكرهًا فلا يكفر، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [سورة النحل آية: 106].

الشرط الثاني: القصد؛ فإن لم يقصد الفعل، فإنه لا يكون كافرًا، فإذا قصد السجود لصنم -مثلاً-، أو قَصَدَ التكلم بكلمة الكفر فإنه يكفر، ولا يُشترط أن يعتقد ذلك بقلبه، لكن لا بد من اعتبار القصد، فإن فعل، أو قال من غير قصد؛ فلا يكفر.  

فالمجنون ليس عنده قصد؛ فلو تكلم بكلمة الكفر: لا يكفر، وكذلك السكران، والصغير، فاقد العقل، والذي سبق لسانُه، وهو لم يقصد الكلمة، كالشخص الذي قال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ»([1]).

فلا بد من توفر هذه الشروط وانتفاء الموانع حتى يحكم على الإنسان بالكفر.

والمرجئة عمدتُهم في هذا الباب على الآية: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}  [سورة النحل آية: 106]، فجعلوا الجاهل، والمتكلم بكلمة الكفر من غير إكراهٍ؛ في هذا الباب؛ كالمُكْره، فاشترطوا اطمئنان وانشراح الصدر والقلب؛ للحكم بكفرها، وهذا خطأ؛ على التفصيل السابق الذي شرحناه.

أما مسألة الصلاة خلف الفاسق، فهذه المسألة - الصلاة خلف كل بر وفاجر- من أصول أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع؛ فإن أهل البدع لا يَرَوْنَ الصلاة خلف أئمة الجور، ولا خلف الفساق؛ لأن الفاسق كافر عند الخوارج، وعند المعتزلة: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، والرافضةُ لا يرون إلا الصلاة خلف المعصوم.  

أما أهل السنة: فيرون الصلاة خلف الولاة، وإن كانوا فساقًا أو جائرين، فَتُصَلَّى خلفهم الجمعة والجماعة والعيد، خصوصًا إذا لم يكن هناك إمام غيرهم، فإمامة الجمعة في البلد الذي ليس فيه إلا جمعة واحدة، وإمامة العيد، وإمامة الحج بعرفة؛ إذا لم يكن هناك إلا فاسق: صَحَّتْ الصلاة خلفه، بل تجب الصلاة خلفه، ومن صلى وحده وترك الصلاة خلف الفاسق في هذه الحال؛ فهو مبتدع عند أهل السنة والجماعة.

وهذا من أصول أهل السنة والجماعة، التي خالفوا بها أهل البدع، ولذلك أدخلها العلماء في كتب العقائد -وإن كانت هذه مسألة في الأصل فرعية- وذلك للرد على أهل البدع.  

أما إذا لم يكن الإمامُ إمامَ الجمعة، أوإمامَ العيد، بل كان إمامًا مُرَتَّبَاً من الدولة، أم لم يكن؛ وهو فاسق، فهل تصلى خلفه الصلواتُ؟  

الجواب: يصلى خلف الفاسق في حالين:

الحال الأولى: إذا كان إمام المسلمين وليس للناس إمام، ومن صلى وحده وترك الصلاة خلفه؛ فهو مبتدع عند أهل السنة.

الحال الثاني: إذا لم يترتب على ترك الصلاة خلفه مفسدة، كأن يحصل انشقاق بين المسلمين وتَحْصل فتن وإحن.

أما إذا كان هناك إمام غيره، ولم تَحصل مفسدة، وصليتَ خلفه، وتركتَ الصلاةَ خلف العدل؛ فاختلف العلماء في صحة الصلاة وعدمها؛ فالحنابلة والمالكية، يرون أن الصلاة غير صحية، وتجب الإعادة.  

وذهب الشافعية والأحناف إلى أن الصلاة صحيحة مع الكراهة، وهذا هو الصواب، والدليل على هذا ما ثبت في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة t أن النبي ﷺ قال: «يُصَلُّونَ لَكُمْ -يعني أئمة لكم- فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخَطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»([2])، فهذا الحديث نص صحيح صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه على نفسه، وأما المأموم فليس عليه شيء من ذلك.  

وكذلك أيضا: ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يصلون خلف الحجاج بن يوسف، وكان فاسقًا ظالمًا([3])، وصلى الصحابة خلف الوليد عقبة بن أبي معيط وكان أميرًا للكوفة من قِبَلِ عثمان t، وكان فاسقًا يشرب الخمر، حتى إنه صلى بهم مرة الفجر وهو سكران، فصلى بهم الصلاة أربعًا، ثم التفت إليهم، فقال: هل تريدون أن أزيدكم؟ فقال عبدالله بن مسعود ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة، ثم أعاد الصلاة، ورفع أمره إلى الخليفة، فجلده وعزله([4]).   

وكذلك أيضًا ثبت في «صحيح البخاري»: «أن عثمان بن عفان t كان محصورًا، وقد أحاط الثوار ببيته لقتله -وهم فساق-، ثم حضرت الصلاة فتقدم رجل من الثوار يريد أن يصلي بالناس، فجاء شخص وسأل أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له: يا خليفة رسول الله؛ إن الصلاة تقام الآن وسيصلي بنا رجل من الثوار، وهو فاسق فهل نصلي خلفه؟ فقال يابن أخي: إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم»([5]).

هذه النصوص تدل على أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة ولا تعاد، ولكن لا شك أن الصلاة خلف العدل أولى.

وأما الذين قالوا: لا تصح؛ فحجتهم في هذا أنهم قالوا: إن من صلى خلف الفاسق فقد أقره على المنكر الذي هو متلبس به، فتكون صلاته منهيًّا عنها؛ فلا تصح.

ولكن هذه المسألة -وهي كونه متلبسًا بمنكر- مسألة مهمة تحتاج إلى تقعيد، وهي قاعدة إذا عرفها طالب العلم استفاد بمعرفتها فائدة عظيمة، وهي: هل النهي متعلق بذات المنهي، أو بشيء خارج عنه؟ فإذا كان النهي متعلقًا بذات المنهي، دل على فساد هذا المنهي عنه، وأما إذا كان النهي متعلقًا بشيء خارج عن المنهي عنه فلا يدلُّ على فساده، وعلى هذا: فإن الصلاة صحيحة؛ هذا هو الحق الذي عليه الجمهور.  

ومثالٌ آخر: لو فُرض أن شخصًا دخل في دار مغصوبة، وصلى فيها، فهل تصح الصلاة؟

الجواب: نعم تصح؟

مثال آخر أيضًا: شخصُ غصب ثوبًا ولبسه وصلى فيه، أو شخص لبس ثَوْبَ حريرٍ وصلى فيه، أو شخص حمل صورةً وصلى فيها، هل تصح أو لا تصح؟

المسألة فيها خلاف بين أهل العلم:

القول الأول: مذهبُ الحنابلة والمالكية يرون بطلان الصلاة؛ لأن الإنسان إذا صلى في ثوب مغصوب، أو في دار مغصوبة، أو في ثوب عليه صورة بطلت صلاته؛ لأنه متلبس بشيء منهي عنه.

يقول صاحب «الروض المربع»([6]): لا تصح الصلاة خلف الفاسق مطلقًا، سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو من جهة الاعتقاد إلا في جمعة وعيد تعذّرا خلف غيره؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا، وَلَا يَؤَمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ»([7])، كما لا تصح خلف كافر، سواء علم بكفره في الصلاة أو بعد الفراغ منها، وتصح خلف المخالف في الفروع.

قال صاحب الحاشية - العنقري رحمه الله-: ولا تصح الصلاة خلف فاسق -أي مطلقًا-، واختار الموفقُ، والمجدُ، اختصاصَ البطلان بظاهر الفسق([8]).

وقال في «الفروع»([9]): لا تصح إمامة فاسق مطلقًا وفاقًا لمالك، وعنه: تُكْرَهُ، وتصح وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، كما تصح مع فسق المأموم. ومنه تعلم اتفاق العلماء على الكراهة، وإنما الخلاف في الصحة.  

والقول الثاني: أن الصلاة صحيحة مع الإثم؛ فعليه إثم الغصب؛ فإذا صلى في دار مغصوبة نقول: لك ثواب الصلاة، وعليك إثم الغصب، وإذا صلى في ثوب حرير، فله ثواب الصلاة، وعليه إثم الحرير، وإذا صلى في ثوب فيه صورة فله ثواب الصلاة، وعليه إثم الصورة.

لكن لو كان النهي متعلقًا بذات المنهي عنه، كما لو صلى في ثوب نجس؛ فلا تصح الصلاة؛ لأن الصلاة في الثوب النجس منهي عنها؛ ولأنه يشترط لصحة الصلاة أن يكون الثوب طاهرًا، والبقعة طاهرة، والجسم طاهرًا.  

أما في مسألتنا هذه وهي: الصلاة خلف الفاسق؛ فالذين قالوا: لا تصح، قالوا؛ لأنه لم ينكر المنكر عليه، وأصحاب القول الثاني: يقولون: صحيح أنه أقره على المنكر لكن إنكار المنكر لا يتعلق بالصلاة، وعلى ذلك: فله ثواب الصلاة، وعليه إثم ترك إنكار المنكر. 

وبهذا يتبين أن الصواب في هذه المسألة: صحة الصلاة خلف الفاسق، مع الإثم في ترك إنكار المنكر؛ إذا كنت تستطيع ذلك، أما إذا لم يوجد إلا هذا الإمام؛ فإنك تصلي خلفه، ولا كراهة باتفاق أهل السنة، ومن صلى وحده وترك الصلاة خلف الفاسق في هذه الحالة، فهو مبتدع مخالف لأهل السنة والجماعة، أما إذا وجد جماعة أخرى وأمكنه فعل الصلاة خلف البرّ، ولم يترتب على ترك الصلاة خلف الفاسق مَفْسَدة؛ فصلى خلفه من غير عذر، فهذا هو محل الخلاف بين العلماء، منهم من قال: يُعيد، ومنهم مَنْ قال: لا يُعيد.

والأئمة أقسام:

فمنهم: الإمام مستور الحال:

وهو الذي لا يعلم منه بدعة وفجور، فالصلاة خلفه جائزة باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول: ماذا تعتقد؟

ومنهم: المبتدع الداعي إلى بدعته، والفاسق ظاهر الفسق:

فمن العلماء من فصّل: فقال: إذا كان يدعو إلى بدعته، فلا يُصلى خلفه، وإذا كان لا يدعو صُلِّيَ خلفه، وكذلك الفاسق، إذا كان ظاهر الفسق، فلا يُصلى خلفه، وإذا لم يكن ظاهر الفسق، يُصلَّى خلفه، والصواب: أن الصلاة خلفه صحيحة، بشرط أن تكون البدعة لا توصله إلى الكفر، وبشرط أن يكون الفسق لا يوصله إلى الكفر أيضًا.  

ومنهم: الإمام الكافر:

فلا تصح الصلاة خلفه بالاتفاق؛ كالقبوري الذي يدعو غير الله، ويذبح للأولياء، أو يطوف بالقبور، أو ينذر للموتى، فإذا صلى خلفه؛ فإنه يُعيد الصلاة، سواء علمت كفره في حال الصلاة، أو قبلها، أو بعدها، ولو بعد حينٍ، حتى لو طالت المدّة([10]). 

أما إذا كانت بدعته وفسقه لا يوصلانه إلى الكفر، فهذا محل الخلاف؛ والصواب أن الصلاة خلفه صحيحة لحديث البخاري: «يُصَلُّونَ لَكُمْ؛ فَإِنْ أَصَابُوا، فَلَكُمْ وَلَهُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا، فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ»([11])، وهناك أحاديث ضعيفة -أيضًا- في هذا الباب؛ كحديث: «صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ»([12])، وحديث: «الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ مُسلمٍ، برًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وإنْ عَمِلَ بالكَبائر، والجَهاد واجبٌ عليكم مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ بِالكَبَائِرِ...»([13])، وحديث: «الجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا، وَإِنْ عَمِلَ بِالكَبَائِرِ»([14])، وحديث: «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وحديث: «صَلُّوا عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أهل لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»([15])، هذه أحاديث ضعيفة، لكن العمدة على ما «صحيح البخاري».

ومن الآثار عن الصحابة في هذا، ما في «صحيح البخاري» أن عبد الله بن عمر كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف([16])، وكذلك أنس بن مالك، والحجاجُ كان فاسقًا ظالمًا، وكذلك عبد الله بن مسعود وغيره كانوا يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأيضًا: فمن المعلوم أن الفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، ومن صحت صلاته؛ صحتْ الصلاةُ خلفه؛ ولأن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها؛ بحسب الإمكان، فإذا لم يمكن صرف الإمام الفاسق، أو المبتدع عن الإمامة إلا بشر أعظم من ضرر ما أظهر من منكر، فلا يجوز شرعًا دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمها.

وأما الصلاة على من مات من الفسقة والفجار:

فالصواب أنه يصلى خلفهم، وما جاء من النصوص في ترك الصلاة على بعض الفساق كقاتل نفسه، وقاطع الطريق، والغالِّ، ومن عليه دَينْ؛ فهذا إنما يترك الصلاة خلفه الأعيان والوجهاء والعلماء، ردعًا للأحياء حتى لا يفعلوا مثل ذلك، وأما عامة الناس؛ فإنهم يصلون عليه([17]).

وكذلك الشهيد الصواب أنه لا يصلى على الشهيد؛ لما ثبت عن النبي ﷺ أنه دفن شهداء أحد بدمائهم وثيابهم ولم يصل عليهم([18])؛ لأن الشهيد له أجر عظيم، ولأنه يأمن الفتنة، كما جاء في الحديث: «كَفَى بِبَارِقَةِ السَّيْوفِ عَلَى رَأسِه فِتْنَةً»([19])، ويأمن من الفتان([20])، ويأمن من فتنة القبر، ولا يصلى عليه.

لكن ما عدا ذلك؛ فإنه يصلى على كل مسلم، إلا إذا علم أنه كافر، أو علم أنه منافق نفاقًا أكبر.  

الصلاة خلف البر والفاجر

(م) (وَنَرَى الصَّلَاةَ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ، وَعَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ):

(ش) هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافًا لأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والرافضة.

الشهادة للإنسان بالجنة أو بالنار

(م) (وَلَا نُنَـزِّلُ أَحَدًا مِنْهُمْ جَنَّةً، وَلَا نَارًا):

(ش) هذا معتقد أهل السنة والجماعة: أنه لا يُحكم على الشخص المعين بجنة ولا نار إلا من شهدت له النصوص، مثل الأنبياء، ومثل العشرة المبشرين بالجنة، ومثل الحسن والحسين سيِّدَيْ شباب أهل الجنة، ومثل بلال، ومثل عكاشة بن محصن، وغيرهم ممن ثبت له بالنصوص الشهادة بالجنة؛ فهؤلاء هم الذين نشهد لهم بالجنة.

وكذلك: مَنْ شُهِدَ لهم بالنار؛ كأبي جهل، وأبي لهب، أما ما عداهم؛ فإننا نشهد للمؤمنين بالجنة على العموم، فنقول: كل مؤمن في الجنة، ونشهد للكفار بالنار على العموم، فنقول: كل كافر في النار، وكل يهودي في النار، وكل نصراني، وكل منافق في النار، وكل وثني في النار، وكذلك الشخص المعيَّنُ الكافر، لا نشهد له بالنار إلا إذا علمنا أنه مات على الكفر وقامت عليه الحجة، وليس له شبهة كمن مات وهو يعبد الأصنام، وقد علم أن هذا وثن فأصر على عبادته؛ فهذا كافر، هذا معتقد أهل السنة في هذه المسألة.  

وأهل السنة بهذا يخالفون أهل البدع؛ فإن الخوارج؛ يشهدون بالنار لكل فاسق، وكذلك أيضًا المعتزلة؛ يشهدون لمن مات على الكبيرة أنه في النار؛ لأنه خرج من الإيمان ودخل في الكفر([21])، ولذلك فهذا هو الغرض من إدخال هذه المسألة في كتب العقائد.

فالخلاصة: أنَّ منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب: أنهم يقفون في الشخص المعين، فلا يشهدون له بجنة أونار إلا عن علم -وهم الذين شهدت لهم النصوص-؛ لأن الحقيقة باطنة، وما مات عليه لا نحيط به، لكن نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.

والقاعدة في هذا: أن كل من رأيناه يعمل الصالحات، ورأيناه مستقيمًا على طاعة الله؛ نرجو له الخير من غير شهادة له بالجنة، ومن رأيناه يعمل السيئات والكبائر نخاف عليه من النار، ولا نشهد له بها، هذا معتقد أهل السنة والجماعة.

وأقوال السلف في الشهادة بالجنة -كما سبق- ثلاثة أقوال([22]):

القول الأول: أنه لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء، وهذا مروي عن الأوزاعي، ومحمد بن الحنفية، ودليل هذا القول أن الأنبياء معصومون، وأما المؤمن المشهود له بالجنة من غيرهم، فهو غير معصوم؛ لأنه يمكن ارتداده وكفره، فالشهادة له بالجنة معلقة بعدم ارتداده وكفره.  

القول الثاني: أنه يُشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قول كثير من العلماء وأهل الحديث، وهذا هو الصحيح؛ لأنه ورد عن المعصوم، وأما ما لم يرد، فلا يجوز له الشهادة؛ لأنه غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.

الثالث: أنه يُشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، ولمن شهد له المؤمنون.

واستدل هؤلاء بما في «الصحيحين»: عن أنس بن مالك t قال: «ثم مُرَّ بِجَنَازَةٌ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَجَبَتْ، ثُم مَرُّوا بِأُخْرَى فَأثَنوا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ فَقَالَ عُمَرُ بن الخطاب t: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ»([23])، وقال ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالُوا: بِمَ ذاك، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: بِالثَّنَاءِ الحَسَنِ، وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ...»([24]).  

فأخبر النبي ﷺ أن الثناء الحسن والسيئ مما يُعْلَمُ به أهلُ الجنة من أهل النار، وأصحابُ هذا القول قالوا: من شهد له عدلان بالخير، وأنه من أهل الجنة فهذا دليلُ كونه من أهلها، وجواز الشهادة له بها؛ لأن الله ما أنطق أهل الخير والصلاح بالشهادة له بكونه من أهل الجنة إلا؛ لأنه من أهلها، لكن الصواب أنه لا يُشهد إلا لمن شهدت له النصوص، وأن هذا خاص بالصحابة الذين زكاهم النبي ﷺ.

 

الحكم بالظاهر وترك السرائر إلى الله تعالى

(م) (وَلَا نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرٍ، وَلَا بِشِرْكٍ، وَلَا بِنِفَاقٍ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَنَذَرُ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى):

(ش) كذلك -أيضًا- المعين من أهل القبلة لا نشهد عليه بالكفر، ونقول: إنه كافر، ولا نشهد عليه بشرك ونقول: إنه مشرك، ولا نشهد عليه بنفاق، أو بفسق، إلا إذا ظهر منه كفر، أو شرك، أو نفاق، أو فسق؛ فنشد له بذلك؛ لأنَّا قد أُمرنا بالحكم الظاهر، ونُهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم، وهذا من قواعد الشريعة العامة؛ ولذلك نهى الله عن الظن.

ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم} [سورة الحجرات آية: 11]، ووجه الدلالة: أنَّ من رمى أحدًا بكفر، أو فسق، أو شرك، أو نفاق بغير دليل، فهو محقر له؛ ساخر منه، ومن الأدلة كذلك: قولُ الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [سورة الحجرات آية: 12]، ووجه الدلالة: أنَّ من رمى إنسانًا بكفر، أو فسق بدون شيء ظاهر منه؛ فهو ظن؛ والظن منهي عنه، ومن الأدلة أيضاً: قول الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [سورة الإسراء آية: 36]، فَمَنْ رمى أحدًا بكفر، أو فسق، أو نفاق، أو شرك، بغير دليل؛ فقد قفا ما ليس له به علم.

ما يحل به دم المسلم

(م) (وَلَا نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ):

(ش) لا نرى السيف على أحد من أمة محمد ﷺ إلا من وجب عليه السيف، يعني: لا نشهد على أحد بأن دمه هدر، وأن دمه حلال، وأنه مستحق للقتل إلا إذا فعل واحدة من ثلاث:  

الأول: إذا زنى، وكان محصنًا، وثبت عليه؛ فإنه يقام عليه الحد من قبل ولاة الأمور، فيُرجم بالحجارة حتى يموت.  

والثاني: إذا قتل نفسًا معصومة بغير حق، وثبت عليه الحكم الشرعي؛ فإنه يُقتل من قبل ولاة الأمور، ويقام عليه الحد قصاصًا.

والثالث: إذا ارتد عن دينه، وثبتت عليه الردة؛ فإنه يقتل لقول النبي ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»([25]).

ودليل ما سبق ما في «الصحيح» عنه ﷺ في حديث ابن مسعود t أنه قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٌ يَشْهَدُ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إَلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ»([26]).  

فإذا فعل المسلم واحدة من هذه الثلاث، وثبتت عليه؛ فدمه هدر، لكن أمرْ قتْله موكولٌ إلى ولاة الأمور وليس إلى آحاد الرعيّة، وإلا عَمَّتْ الفوضى، وانتشر بسبب ذلك من الفتن، ما الله به عليم.

طاعة ولاة الأمر وعدم الخروج عليهم  

(م) (وَلَا نَرَى الخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلَاةِ أَمْرِنَا، وَإِنْ جَارُوا، وَلَا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلَا نَنْـزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ U فَرِيضَةً مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالمُعَافَاةِ): 

(ش) هذا معتقد أهل السنة والجماعة؛ أنهم لا يرون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي ولو جاروا أو ظلموا؛ ولا ينـزعون يدًا من طاعتهم، ولا يؤلبون الناس على الخروج عليهم، بل يدعون لهم بالصلاح والمعافاة، ولا يدعون عليهم. هذا معتقد أهل السنة والجماعة خلافًا لأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والرافضة؛ ولهذا أدخله المؤلف -رحمه الله- وغيره في كتب العقائد([27]).  

فالخوارج يرون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي؛ فإذا عصى وليُّ الأمر: كَفَّروه، واستحلوا قتله، وأخرجوه من الإمامة، وهذا مذهب بدعيٌّ باطل. 

وكذلك المعتزلة: يرون أن ولي الأمر إذا فسق، أو شرب الخمر يجب الخروج عليه؛ لأنه خرج من الإيمان ودخل في الكفر، ويخلدونه في النار.

وكذلك الرافضة: يرون الخروج على ولاة الأمور للمعاصي؛ لأنهم يرون أن الإمامة بذلك، بل هم لا يرون الإمامة إلا للإمام المعصوم، وما عداه فإمامتهُ باطلة، والإمام المعصوم عند الرافضة -كما يزعمون-: اثنا عشر إمامًا، نصَّ عليهم الرسول -عليه الصلاة والسلام- وقد رتّبوهم كالتالي:

الأول: الذي نص عليه النبي ﷺ هو علي بن أبي طالب.

 ثم نص على أن الخليفة بعده الحسن بن علي.

 ثم الحسين بن علي.

 ثم الأئمة التسعة كلهم من سلالة الحسين بن علي وهم:

بن الحسين زين العابدين.

 محمد بن علي الباقر.

 جعفر بن محمد الصادق.

 موسى بن جعفر الكاظم.

 علي بن موسى الرضا.

 محمد بن علي الجواد.

 علي بن محمد الهادي.

 الحسن بن علي العسكري.

 ثم الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن الخلف الحجة المهدي المنتظر الذي دخل سرداب سامراء بالعراق سنة ستين ومائتين ولم يخرج إلى الآن([28]).

هؤلاء الأئمة منصوص عليهم معصومون، وما عداهم؛ فإمامته باطلة يجب خلعه وإزالته عن الإمامة مع القدرة.

فهم يرون أن إمامة أبي بكر وعمر وعثمان باطلة؛ لأنهم ارتدوا وكفروا وفسقوا بعد وفاة الرسول ﷺ؛ لإخفائهم النصوص التي فيها النص على أن الخليفة بعده علي واغتصبوا الخلافة منه، وهو أحق بها منهم، فتكون إمامة أبي بكر، وعمر، وعثمان باطلة؛ لأنهم بفعلهم ذلك، قد جاروا وظلموا.

إذن: فأهل السنة والجماعة لا يرون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، خلافًا لأهل البدع من الخوارج، والمعتزلة، والرافضة، والأدلة على هذا كثيرة؛ منها:  

قول الله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [سورة النساء آية: 59]؛ فأمر الله بطاعة ولي الأمر، والخروج عليه ينافي طاعته.

 وفي «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَطَاعَنِي، فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ، فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ، فَقَدْ عَصَانِي»([29])، وهذا فيه النهي عن عصيان ولي الأمر والأمر بطاعته، ولكن هذا عند العلماء مقيد بما إذا لم يأمر بمعصية.

 ومن الأدلة حديث أبي ذر أنه قال: «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ»([30])، وفي لفظ: «وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةً»([31]).

 ومن الأدلة: ما في «الصحيحين» عن النبي ﷺ أنه قال: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ، وَلَا طَاعَةَ»([32]).  

وهذا قيد لكل دليل عام يأمر بطاعة ولي الأمر، فإذا أمر وليُّ الأمر بمعصية؛ كأنْ تُشْرَب الخمرُ، فلا يُطاع، لكن لا يكون هذا مسوِّغاً للخروج عليه، أو تأليب الناس عليه، ولا تُنـزع يَدٌ من طاعته لكنه لا يطاع في معصية الله، كما تقدَّم، وهذا: كما لو أمرك والدك بمعصية؛ فلا تطعه، وكذلك الزوجةُ إذا أمرها زوجها بمعصية؛ فلا تطعه، والعبد إذا أمره سيده بالمعصية؛ لا يطعه، لقول النبي ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ»([33]).

وعدم إطاعة وليِّ الأمر في معصية الله، ليس معناه جواز التمرَّد والخروج عليه، كما هو الحالُ، بالنسبة للولد مع أبيه، والمرأة مع زوجها، والعبد مع سيده؛ لا يجوز لهم التمرَّد عليهم، بل يطيعونهم فيما عدا المعصية لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفَ»([34]).

وثبت في «صحيح البخاري»: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً، وَأَمَّرَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَغْضَبُوهُ، فَقَالَ لُهمُ: اجْمَعُوا حَطَبًا، فَجَمَعُوا حَطَبًا، ثُمَّ قَالَ: أَجِّجُوهَا نَارًا، فَأَجَّجُوهَا نَارًا، ثُمَّ قَالَ ادْخُلُوا فِيهَا، فَنَظَر بَعْضُهُم إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: أَسْلَمْنَا، وَجِئْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ خَوْفًا مِنَ النَّارِ، فَكَيْفَ نَدْخُلُ فِي النَّارِ؟ فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي النَّارِ، وَتَرَكُوهُ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرُوهُ، قَالَ: لَوْ دَخَلُوا فِيهَا، مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»([35]).

والسبب في ذلك أن هذا أمرٌ بمعصيةٍ، ولا يجوز لإنسانٍ أن يحرق نفسه.

- ومن الأدلة حديثُ: حذيفةَ الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال: «َتْلَزَمَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لُهم جَمَاعَةٌ، وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ»([36]).  

- ومن الأدلة: حديثُ ابن عباس -رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَمَاتَ فَمِيتَتهٌ جَاهِلِيَّةٌ»([37])، وفي رواية: «فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ»([38])، وهذا الحديث دليل على أن الخروج على ولاة الأمور، من كبائر الذنوب.

- ومنها: حديث أبي سعيد الخدري t أن النبي ﷺ قال: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا»([39]).   

ومن أقوى الأدلة على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور، ولو فَسقُوا وجاروا حديثُ عوف بن مالك الأشجعي في «صحيح مسلم»([40])؛ يقول فيه النبي ﷺ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ»، يعني: تدعون لهم، ويدعون لكم، «وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ فَقَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ»، ثم قال النبي ﷺ: «أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْـزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ»، وهذا الحديث دليل صريح على أن ترك الصلاة كفر؛ لأنه قال: «لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ » فمفهومه أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار يجوز الخروج عليهم، ثم قال: «أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْـزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ» وهو صريح بأنك إذا رأيت من ولاة الأمور شيئًا تكرهه فإنك تكره المعصية التي أَتَوْها، ولكن لا تخرج عليهم.  

وقد ذكر العلماء الحكمة في المنع من الخروج على ولاة الأمور، وهذه الحكمة استنبطوها من النصوص، وهي داخلة تحت قاعدة اجتماع المفاسد والمصالح وتَزاحُمِهِمَا، وهي: أنه إذا وجد مفسدتان لا يمكن تركهما؛ فإننا نرتكب المفسدة الصغرى لدفع الكبرى، وإذا وجد مصلحتان لا يمكن فعلهما معًا، فنفعل المصلحة الكبرى، وإن فاتت المصلحة الصغرى.

فمثلًا: من الأمور والمفاسد المترتبة على الخروج على ولاة الأمور حصولُ الفوضى، والفرقة، والاختلاف، والتناحر والتطاعن والتطاحن، وإراقة الدماء، وانقسام الناس واختلاف قلوبهم، وفشل المسلمين وذهاب ريح الدولة، ومن ثُمّ يتربص بهم الأعداء الدوائر، ويتدخل الأعداء، وتحصل الفوضى ويختل الأمن، بل وتختل الحياة جميعًا، فتختل الحياة السياسية، والاقتصادية، والتجارية، والتعليمية، وتكون فتن تأتي على الأخضر واليابس، وهذه مفسدة عظيمة جدًا، فإذا كان ولي الأمر قد فعل مفسدة؛ من ظلم بعض الناس، أو سجنهم، أو شَرِبَ الخمرَ، أو استأثر ببعض المال، أو حصل منه فسق ما؛ فهذه مفسدة صغيرة، فينبغي للمسلم أن يتحملها في أي مكان وقعتْ، وفي أي زمان حَصَلت.  

فقواعد الشريعة أتت بدرء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكميلها، فالواجب أنَّ مَنْ وَقَعَ منه جَورٌ من الأئمة، فلنصبر عليهم، لأن الصبر عليهم فيه حقن  لدماء المسلمين ثم -أيضًا- فيه تكفير للسيئات؛ لأن تسليط ولاة الأمور على الناس؛ هو بسبب ظلم الناس بعضهم لبعض، أو لأنفسهم، وبسبب فساد أعمالهم «وَكَمَا تَكُونُوا يُقلَّ عَلَيْكُمْ»([41])، فإذا أراد الناس أن يُدفع عنهم فساد ولاة أمورهم، وأن يصلحهم الله لهم، فليصلحوا أحوالهم، قال الله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} [سورة الشورى آية: 30]، وقد قال الله U لخيار الخلق-وهم الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء- قال الله لهم في غزوة أحد: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} [سورة آل عمران آية: 165]، فإذا كان خيار الناس بعد الأنبياء يقال لهم: {هو من عند أنفسكم} [سورة آل عمران آية: 165] فكيف بنا نحنُ الآن؟‍   

 

وعن مالك بن دينار أنه جاء في بعض كتب الله: (أنا الله مالك الملك قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، لكن توبوا أعطفهم عليكم)([42]).    

فهذا المعنى صحيح، وإن كان إسرائيليًّا فبعض الأئمة يقولون: له أصل.

فالخلاصة: أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور، مهما فعلوا من المعاصي والمنكرات، لكن النصيحة مبذولة من قِبَلِ أهل الحل والعقد وهم العلماء، فهؤلاء يجب أن ينصحوا ولاة الأمور؛ كما قال النبي ﷺ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَلِعَامَّتِهِمْ»([43]) لكن هذه المعصية، وهذا الجور لا يوجب الخروج بحال على الأئمة؛ لأن الخروج عليهم من فعل أهل البدع؛ من الروافض والخوارج والمعتزلة، فلا يجوز للمسلم أن يوافق الخوارج أو غيرهم في معتقدهم، ولا أن يشابههم في أفعالهم.    

 

قال العلماء: لا يجوز الخروج على ولي الأمر إلا بشرطين:

الشرط الأول: أن يقع منه كفر بواح، ومعنى (كفر بواح) يعني: كفرًا واضحًا، لا لبس فيه؛ كما قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»([44])، فهذا الكفر موصوف بثلاثة أوصاف: أولًا: كفر، ثانيًا: بواح، ثالثًا: عندكم من الله فيه برهان. فإذا كانت المسألة التي يُرادُ من أجْلها الخروج فيها لبس أو شك أو اختلاف، فلا يجوز الخروج والحالةُ هذه، بل لا بد أن يكون كفرًا؛ واضحًا؛ صريحًا، لا لبس فيه؛ عندكم من الله فيه برهان.

الشرط الثاني: أن يوجد البديل؛ بأن يستطيع المسلمون أن يزيلوا ولي الأمر الكافر، ويولوا بدلًا منه مسلمًا صالحًا، أما إذا أُزيل الكافر، وأُتِيَ بدله بكافر؛ فلم يحصل المقصود.

وكذلك -أيضًا- تُشترط القدرةُ على الخروج، أما إذا لم تَكن قدرةٌ، فلا يُشرع الخروجُ.

ولما تكلم الثوار الذين انتقدوا أمير المؤمنين عثمان، فقالوا: إنه قَرَّب أولياءه، وأتم الصلاة في السفر، وخفض صوته في التكبير، وصاروا ينشرون المعايب أمام الناس؛ تجمَّعَ السفهاء في الكوفة وفي البصرة وفي مصر، وجاءوا وأحاطوا ببيته وتألَّبُوا عيه، وقتلوه بسبب الكلام الذي أشاعه أولئك، فالحاصلُ: أنَّه لا يجوز الخروج على الأئمة وإن فسقوا، لا بالقول، ولا بالفعل؛ لا بقتالهم بالسيف، ولا بالكلام، بل ندعو لهم بالصلاح والمعافاة، وبصلاح البطانة. والنصيحةُ مبذولة من قِبَلِ أهل الحل والعقد، ويجب أن يخاطب ولاة الأمور بما يليق بهم من الخطاب؛ هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.  

الدعاء لولي الأمر بالصلاح والمعافاة

(م) (وَنَدْعُوا لَهُمْ بِالصَّلَاحِ وَالمُعَافَاةِ):

(ش) رُوي عن الإمام أحمد أنه قال: لو علمت دعوة صالحة لصرفتها للسلطان؛ لأن بصلاحه تصلح الرعية([45]) وهذا فيه الرد على من قال: إنه لا يُدعى لولاة الأمور، وهذا غلط، بل قد ذكر العلماء -كالطحاوي وغيره- أنَّ من صحيح عقائد أهل السنة والجماعة؛ الدعاءُ لولاة الأمور بالصلاح والمعافاة.  

ومن الأدلة على ذلك: الحديث الذي في «صحيح مسلم»: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ: أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فَيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيِكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْـزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةِ»([46]).  

اتباع السنة والجماعة واجتناب الخلاف والفرقة

(م) (وَنَتَّبِعُ السُّنَّةَ وَالجَمَاعَةَ، وَنَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ وَالخِلَافَ وَالفُرْقَةَ):

(ش) هذا من جُملة معتقد أهل السنة والجماعة؛ أن نتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة، والمراد بالسنة: طريقة الرسول ﷺ التي يسير عليها؛ من قول، أو فعل، أو تقرير. والجماعةُ: هم المسلمون، وهم: الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، فاتباعُهم: هدى، وخلافُهم: ضلال. والشذوذ: الخروج عن الجماعة، والخلاف: ضد الوفاق، وهو عدم الاتفاق في الرأي والفعل، والفرقة: ضد الوحدة، والوحدة ضد التفرق.

ومن مميزات الجماعة: السير على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والتحاكم إليهما، ورد المتشابه إلى المحكم عند العلم به، وإلا وُكِل إلى عالمه، هذه هي بعض مميزات الفرقة الناجية، وأما غيرها، فمن مميزاتها: اتباعُ المتشابه، وتأويله بما يناسب أهواءها. والأدلةُ على اتباع السنة والجماعة كثيرة؛ منها:

 من القرآن:

قول الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [سورة آل عمران آية: 31]؛ دلت الآية على أن اتباع الرسول ﷺ فيما جاء به؛ سبب لمحبة الله.

وقال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} [سورة النساء آية: 115]؛ دلت الآية على ثبوت الوعيد لمن خرج عن الجماعة، وفيها كذلك تحذيرٌ من الشذوذ.

وقال تعالى: {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [سورة النور آية: 54]؛ ودليل اتّباع السنة؛ في قوله: {أطيعوا} [سورة النور آية: 54]، ودليل التحذير من الشذوذ في قوله: {فإن تولوا}  [سورة النور آية: 54].

وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [سورة الأنعام آية: 153]؛ فدليلُ اتباع السنة؛ في قوله: {فاتبعوه} [سورة الأنعام آية: 153]، ودليل التحذير من الشذوذ؛ في قوله: {ولا تتبعوا السبل} [سورة الأنعام آية: 153].

 وقال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [سورة آل عمران آية: 103]؛ وهذا أَمْرٌ بالجماعة واتباع للسنة، ونهيٌ عن الشذوذ والتفرق. 

 وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} [سورة آل عمران آية: 105]؛ فهذه الآية دَلت على ذم التفرق والاختلاف والشذوذ.

 وقال تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [سورة الأنعام آية: 159]؛ وهذا ذم للتفرق والشذوذ.

 وقال تعالى: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك} [سورة هود آية:  118 - 119] الآية؛ وهذا مدح للجماعة في المستثنى، وذم للاختلاف في المستثنى منه، حيث جعل أهل الرحمة مستثنين من الخلاف.

 وقال تعالى: {ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [سورة البقرة آية: 176]؛ وهذا ذم للاختلاف والشذوذ.

 

ومن السنة:  

حديث ابن عباس: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ، فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ»([47])، وفي رواية: «فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ»([48]).

 وقال ﷺ: «إِنَّ أَهْلَ الكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً -يعني: الأهواء- كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الجَمَاعَةُ»([49]) وفي رواية: «قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»([50]).

ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ بين أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع لا محالة.

- ومن الأدلة حديث معاذ بن جبل: «إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئْبِ الغَنَمِْ، يَأْخُذُ الشَّاةَ القَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ بِالشِّعَابِ، وَعَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَالعَامَّةِ وَالمَسْجِدِ» ([51])؛ فقد نهى عن التفرق، وأمر بلزوم الجماعة والسواد الأعظم، ونهى عن الشعاب، وتسمى «بُنَيَّاتِ الطريق»؛ لأنها مولدة من انفصال الولد عن أمه.

فالواجب على المسلم عند اختلاف الأمة لزوم جماعة المسلمين، والدليل على هذا: حديثُ حذيفة الطويل، وفيه: «تَلْزَمَ جمَاَعَةَ المُسْلِمِينِ وَإِمَامَهُمْ»، وحديث العرباض بن سارية؛ فإن الرسول ﷺ نصحه عند اختلاف الأمة، بالتزام سنته وسنة الخلفاء الراشدين، حيث قال العرباض بن سارية t: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يومًا بعد صَلاةِ الغداةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرِفَتْ مِنْهَا العُيُونَ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، فَقَالَ رجلٌ: إنَّ هذه مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ -لأَنَّهَا حَارَّةٌ خَالِصَةٌ، وَلَهَا أَثَرٌ فِي النَّفْسِ- فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: أُوصِيكُمْ بتقوى الله، والسَمعِ وَالطَّاعَةِ؛ وإنَّ عَبْدٌ حَبَشيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وإياكم ومُحْدثات الأمور؛ فإنها ضلالة، فمن أردكَ ذلكَ منكم فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»([52]).  

فالحديث دليل على وجوب اتباع السنة في قوله: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي»، ودليل على وجوب لزوم الجماعة في قوله: «أُوصِيكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ»، وتحذير من الشذوذ في قوله: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ».  

محبة أهل العدل والأمانة وبغض أهل الجور والخيانة

(م) (وَنُحِبُّ أَهْلَ العَدْلِ وَالأَمَانَةِ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الجَوْرِ وَالخِيَانَةِ):

(ش) محبة أهل العدل والأمانة، وبغض أهل الجور والخيانة، هذا من أصول أهل السنة. ومن أصولهم: اجتماع الحب والبغض للشخص الواحد، خلافًا لأهل البدع ولمرجئة الفقهاء. فمن كمال الإيمان، وتمام العبودية: محبة أهل العدل، وبغض أهل الجور؛ إذ أن أوثق عُرى الإيمان: الحبّ في الله، والبغض في الله، والعبادة لها ركنان: كمال المحبة ونهايتها، وكمال البغض ونهايته.   

والمحبة الخاصة بالله تتضمن ركني العبادة: كمال الحب وكمال الذل، ومعنى الحب والبغض في الله هو: أن يحب العبد، أو الفعل، أو الحكم؛ لا يحبُّه إلا لأجل الله؛ كَحُبِّه للشريعة، وللشخص المستقيم، فيحب الحكمَ؛ وهو: وجوب الصلاة، ويجب الفعل، وهو: أفعال الصلاة، والبغض في الله: بغضُ ما يبغضه الله؛ فلا يبغضه إلا لأجل الله؛ كبغضه للشخص الفاسق المنحرف، وكبغضه حلّ الخمر، ويبغض الفعل؛ وهو: شُرْبُ الخمر.

والفرق بين محبة الله، والمحبة مع الله، أن المحبة في الله هي: محبة غير الله لأجل الله، مثال ذلك محبة الشخص المستقيم لحكم الشرع في وجوب الصلاة، وفعل الصلاة، وأما المحبة مع الله أن يحب غير الله كحبه لله، مثل محبة المشْركين لأصنامهم، وهي شرك، والدليل قول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [سورة النساء آية: 48].

موقف المسلم من النصوص المتشابهة والمحكمة

(م) (وَنَقُولُ: «اللهُ أَعْلَمُ» فِيمَا اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ):

(ش) هذا مِنْ معتقد أهل السنة والجماعة؛ وموقفهم من النصوص المتشابهة والمحكمة؛ فالمتشابه يفوضون أمره إلى الله، ومثاله: المغيبات: مثل كُنّه ذات الرب، وكُنه الصفات، وكنه نعيم الآخرة، وأما المُحكم؛ فإنه يُفَسَّر، ويُعلم، ويُبلَّغ، ويعمل به؛ أي: يعمل بما يعرف منه، مثل: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، والصوم، وأشباه ذلك.  

الأدلة من الكتاب على ذم القول في الدين بغير علم:

أولًا: من القرآن:

- قال الله تعالى: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [سورة القصص آية: 50]؛ وجه الدلالة: أن الله ذم من اتبع هواه، ومن تكلم بغير علم؛ فإنما يتبع هواه.  

- وقال تعالى: {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} [سورة الحج آية: 3 - 4]؛ وجه الدلالة: أن الله ذم المجادل بغير علم؛ لأنه قال: في الدين بغير علم.   

- وقال تعالى: {الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا} [سورة غافر آية: 35]؛ وجه الدلالة: أن الله ذم المجادلين في آيات الله بغير علم.

- وقال تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن} [سورة الأعراف آية: 33] إلى قوله: {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} [سورة الأعراف آية: 33]؛ وجه الدلالة: أن الآية دلت على تحريم القول على الله بغير علم.    

- وكذلك قول الله تعالى: {قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض} [سورة الكهف آية: 26]، وقال: {قل ربي أعلم بعدتهم} [سورة الكهف آية: 22].  

ثانيًا: من السنة:

من ذلك قول النبي ﷺ لما سئل عن أطفال المشركين قال: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»([53]).

 وقال عمر t: «اتَّهِمُوا الرَّأْيَ على الدِّينِ، فَلَقد رأيتني يوم أبي جَنْدَلٍ أردُّ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِرَأْيِي وما ألوت عن الحق أن رسول الله ﷺ كان يكتب بينه وبين أهل مكة، فَقَال اكْتُب: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ فقالوا: لو نرى ذلك صدّقناك بما تقول ولكن اكتب كما نكتب: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، قال: فَرَضِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبَيْتُ، حتى قال لي: يَا عُمَرُ؛ تَرَانِي قَدْ رَضِيتُ وَتَأْبَى أنت؟ قال: فرضيتُ»([54]).

 وقال أيضًا: السنة ما سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأُمُّةِ([55]).

وقال أبو بكر t: أيُّ أرض تُقِلُّنِي وأيُّ سماء تُظِلُّنِي إن قلتُ في آية من كتاب الله برأيي، أو بما لا أعلم([56]). قال ذلك t حينما نـزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله فيها أصلًا، ولا في السنة أثرًا، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي؛ فإن يكن صوابًا؛ يكن من الله، وإن يكن خطًأ؛ فمني، وأستغفر الله([57]).

كل هذه الأدلة تَدُلُّ على أنه ينبغي للمسلم أن يردّ عِلْمَ ما أشْتَبه عليه من النصوص إلى الله وأمَّا المُحكم منها، فإنه يُفَسَّر، ويُعلَم، ويُعمل به؛ على حسب ما جاء في النصوص([58]).  

 

المسح على الخفين في السفر والحضر

(م) (وَنَرَى المَسْحَ عَلَى الخُفَّيْنِ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ كَمَا جَاءَ فِي الأَثَرِ):

(ش) المسح على الخفين من معتقد أهل السنة والجماعة.

والمسح على الخفين مسألة فرعية بسطها العلماءُ في كتب الفقه، ولكن العلماء أدخلوها -من حيث الجملة- في كتب العقائد؛ للرد على بعض أهل البدع، الذين لا يرون المسح على الخفين، فصارت عقيدة من عقائد أهل السنة التي يخالفون فيها أهل البدع؛ ولذلك قال: ونرى؛ أي: ونعتقد.

وأراد المصنف بهذا: الرد على بعض المبتدعة، وهم الرافضة الذين لا يرون المسح على الخفين لا في السفر، ولا في الحضر، وهذه المسألة الخلاف فيها قوي بين أهل السنة والرافضة؛ فأهل السنة يرون وجوب غسل الرجلين في الوضوء إذا كانتا مكشوفتين، ويرون المسح على الخفين إذا كانتا مستورتين بالخف، أو بالجورب بشرط أن يلبسهما على طهارة.

والرافضة لا يرون غسل الرجلين المكشوفتين، ولا يرون المسح على الخفين المستورتين بالخف، بل يوجبون مسح ظهور القدمين، إذا كانت الرجلان مكشوفتين، قالوا: يمسحان كما تمسح الرأس، وإذا كان فيهما خف، وجب نـزع الخف وخلعه وخلع الجورب، ومسح ظهور القدمين.  

فلهذا جعل أهل السنة من عقيدتهم: المسحَ على الخفين. واستدل أهل السنة على هذا بالقرآن وبالسنة:

أما القرآن:  

فاستدلوا بآية «المائدة»، وهي قول الله: U {ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [سورة المائدة آية: 6]؛ استدلوا بقراءة النصب في {أرجلكم}، قالوا: والأرجل معطوفة على الأيدي والوجوه؛ والأيدي، والوجوهُ: مغسولة، والعطف على المغسول: مغسول والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم، وامسحوا برءوسكم، لكن الله أدخل الممسوح بين المغسولات؛ للدلالة على الترتيب، وهذا من أدلة العلماء على وجوب الترتيب في الوضوء، ولولا أن الترتيب واجب، لما أدخل الله الممسوح بين المغسولات، ولو كان الترتيب غير واجب لقال الله: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وأرجلكم وامسحوا برءوسكم، لكن وجه إدخال الممسوح بين المغسولات؛ للدلالة على الترتيب، كما تقدَّم.  

وأما السنة:

فالذين نقلوا كيفية الوضوء غسلًا ومسحًا، قولًا وفعلًا، أكثر عددًا من الذين نقلوا لفظ آية «المائدة».  

بيان ذلك: أن الذين يتوضئون، والذين نقلوا كيفية الوضوء عن النبي ﷺ غسلًا للرجلين المكشوفتين، ومسحًا على الخفين؛ حضرًا وسفرًا، أكثر من الذين نقلوا لفظ الآية، وذلك أن كل مسلم يتوضأ، والذي يتوضأ فقد نقل الوضوء؛ فإما أنه رأى النبي ﷺ عيانًا، وإما أنه نقله عنه، ولكن ليس كل واحد يحفظ الآية، فتبين أن الذين نقلوا كيفية الوضوء غسلًا، ومسحًا، قولًا وفعلًا، أكثر عددًا من الذين نقلوا لفظ الآية، فلو جاز الطعن فيهم، لجاز الطعن فيمن نقل لفظ الآية، لكن لا يجوز الطعن في نقل لفظ الآية؛ لأن القرآن متواتر، فلا يجوز الطعن في نقل كيفية الوضوء من باب أولى.

هذه أدلة أهل السنة من القرآن والسنة المتواترة.

أما الرافضة فاستدلوا بآية الوضوء وقراءة الجر، قالوا: فإن الآية قرئت: (وأرجلِكم) -مكسورة-، وهي قراءة صحيحة، فهي معطوفة على الرءوس، والرءوس ممسوحة، فتكون الرِّجْلان ممسوحتين، وعلى هذا قال الرافضة: إن أعضاء الوضوء أربعة: الوجه واليدان، والرأس والرجلان؛ عضوان مغسولان: وهما الوجه واليدان، وعضوان ممسوحان: وهما الرأس والرجلان، فيمسحون الرءوس باليدين مبلولتين بالماء، ويمسحون ظهور القدمين كذلك.

وأجاب أهل السنة عن استدلالهم بجوابين:

الجواب الأول: قالوا: نحمل قراءة الجر على المسح على الخفين، ونحمل قراءة النصب على غسل الرجلين مكشوفتين؛ لأن القراءة مع القراءة، كالآية مع الآية.  

الجواب الثاني: التوسع في لفظ «امسحوا»؛ فإن لفظ «امسحوا» في اللغة العربية يشمل المسح والغْسَل، فيطلق على الغسل -الذي هو: الإسالة والإفاضة وصب الماء-، ويطلق على المسح؛ كما تقول العرب: تمسحت للصلاة؛ أي: توضأت بالماء، فكلمة «امسحوا» في اللغة العربية تشمل الأمرين، فالمعنى: امسحوا برءوسكم إصابةً؛ بإمرار اليدين على العضو مبلولة بالماء، وامسحوا برءوسكم؛ إسالةً وصبًّا للماء.

والرافضة أجابوا على قراءة النصب، فقالوا: «أرجلكم» معطوفة على محل «برءوسكم»؛ لأن رءوسكم محلها النصب، إذا نـزعتَ الخافضَ، فالأصل: «وامسحوا رءوسَكم».  

فأجاب أهل السنة: بأن العطف على المحل لا يجوز، إلا إذا لم يتغير المعنى، وهنا يتغير المعنى؛ لأن الباء تفيد معنًى زائدًا على المسح، وهو إمرار اليد على العضو مبلولة بالماء؛ لأن الباء للإلصاق، والمعنى: ألصق بيدك شيئًا من الماء ثم امسح به الرأس، فإذا حذفت الباء وقلت: «امسحوا رءوسكم» دلت على أنك تمسح الرأس بدون ماء، وهذا يغير المعنى، ومثال ذلك قول الشاعر:  

فــــلـــســـنا بالــجــبــال
 

 

ولا الـــحـــديـــدا
 

فالباء هنا زائدة؛ يجوز أن تعطف على المحل، والمعنى: فلسنا الجبال ولا الحديد، لكن الباء في الآية الكريمة ليست زائدة؛ بل هي تفيد معنى زائدا، وهو الإلصاق، وهو أن تُلصق شيئًا من الماء بيدك، فتمرها على الرأس، فإذا حذفت الباء تغير المعنى، وصار المعنى: إمرار يدك على الرأس بدون ماء، وبهذا يبطل دعوى الرافضة.

والرافضة يستدلون بقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}  [سورة المائدة آية: 6]، على أنه في كل رجْل كعب واحد، وهو العظم الذي هو مجتمع الساق والقدم في ظاهر القدم، عند مقعد الشِّرَاك.

أما أهل السنة فيقولون: في كل رجْل كعبان، وهما العظمان الناتئان من جانب القدم؛ من اليمين ومن الشمال، بدليل القاعدة اللغوية المعروفة: مقابلة الجمع بالجمع؛ تقتضي القسمة آحادًا.

معنى هذه القاعدة: قال الله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [سورة المائدة آية: 6] فقابل الجمع «أيدي» بالجمع «المرافق»، فالقسمة تقتضي أن لكل يد مرفقًا.

فلو كان في كل رجل كعب، كما تقول الرافضة؛ لقال الله: وأرجلكم إلى الكعاب؛ لأن مقابلة القسمة بالقسمة تقتضي آحادًا، فلما قابل الله الجمع بالتثنية، دل على أنه في كل رجل كعبان، وفي كل يد مرفق.

وبهذا يبطل مذهب الرافضة في القول بوجوب مسح ظهور القدمين، وعدم وجوب المسح على الخفين، والصواب ما عليه أهل الحق؛ من أن الرجْلين تغسلان إذا كانتا مكشوفتين؛ فإن كانتا مستورتين بجورب أو بخف؛ فإنه يمسح عليهما إذا وُجدتْ الشروط.

 

الحج والجهاد ماضيان مع ولي الأمر إلى قيام الساعة

(م) (وَالحَجُّ وَالجِهَادُ مَاضِيَانِ مَعَ أُولِي الأَمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، لَا يُبْطِلُهُمَا شَيْءٌ، وَلَا يَنْقُضُهُمَا):

(ش) وهذا من أصول أهل السنة أيضًا ومعتقدهم، وهو مضي الحج والجهاد مع أولي الأمر من المسلمين؛ برًّا كان أو فاجرًا، وهذا خلافًا لأهل البدع من الروافض والخوارج والمعتزلة؛ فإنهم لا يرون الحج ولا الجهاد مع ولي الأمر البر أو الفاجر؛ لأن الخوارج يرون أن الإمام إذا كان فاجرًا؛ وجب قتله وخلعه، وإخراجه من الإمامة؛ لأنه كافر، والمعتزلة كذلك يرون أنه خرج من الإيمان ودخل في الكفر، والرافضة لا يرون الإمامة إلا إمامة المعصوم، وأهل السنة يخالفونهم، ويرون الحج والجهاد مع ولي الأمر برًّا كان أو فاجرًا.

والأدلة في هذا كثيرة، وهي الأدلة التي سبقت، ومن الأدلة أيضًا: حديث أبي هريرة: «الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ مَعَ كُلِّ أَمِير؛ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ بِالكَبَائِرِ، وَالجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ؛ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ بِالكَبَائِرِ»([59])، فهذا الدليل مع الأدلة التي سبقت تُبيِّنُ أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي.  

والحكمة في هذا: أن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر، فلا بد من سائس يسوس فيهما، ويقيم فيهما العدل، وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البر؛ يحصل بالإمام الفاجر، أما الرافضة فمذهبهم أنه لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضي من آل محمد وهو من نسل الحسين؛ وهو محمد بن الحسن العسكري؛ وهو المهدي المنتظر الثاني عشر الذي دخل سرداب سامراء سنة ستين ومائتين في العراق، وحتى ينادي مناد من السماء: اتبعوه، وذلك أنهم يقولون: إن الله أردف الرسالة بعد موت الرسول ﷺ بالإمامة، فنصب أولياء معصومين منصوصين؛ ليأمن الناس من سهوهم وخطئهم؛ فينقادون إلى أوامرهم؛ لأن لا يُخلي اللهُ العالَمَ من لطفه ورحمته.  

وقالوا: إن الله لما بعث محمدًا ﷺ قام بثقل الرسالة وأعبائها، ونص على أن الخليفة بعده علي بن أبي طالب، ثم من بعده الحسن بن علي، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن محمد، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم الخلف الحجة المهدي المنتظر محمد بن الحسن الذي دخل سرداب سامراء سنة ستين ومائتين ولم يخرج منه إلى الآن.  

وشيخ الإسلام يقول: مضى عليه أربعمائة سنة في عهده، ونحن نقول: مضى عليه الآن ألف ومائتان سنة ولم يخرج، فهو شخص موهوم لا حقيقة له؛ لأن أباه الحسن مات عقيمًا ولم يولد له، فاختلقوا له ولدًا وأدخلوه السرداب، وهم في كل سنة -كما يقول العلماء-: من القديم إلى الآن يأتون عند باب السرداب بدابةٍ؛ بغلة أو غيرها، وينادون بأصوات مرتفعة: اخرج يا مولانا، اخرج يا مولانا، اخرج يا مولانا، ويجعلون أناسًا يقفون طرفي النهار في أمكنة بعيدة من المشهد، وإذا جاءت الصلاة لا يصلون، فإذا قيل لهم: لماذا لا تصلون؟ قالوا: نخشى أن يخرج المهدي، فننشغل بالصلاة عن خدمته.  

فشرط الرافضة في الإمام أن يكون معصومًا، ونحن نقول: إن هذا الشرّط لا دليل عليه، فأين الدليل على العصمة، بل إن في حديث عوف بن مالك الأشجعي ما يدل على أن الإمام لا يكون معصومًا وفيه يقول النبي ﷺ: «خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ: أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ بِالسَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، مَا أَقَامُوا فَيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيِكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْـزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةِ»([60])، فأين الإمام المعصوم من هذا؟  

ثم أيضًا: إذا كان يشترط في الإمام أن يكون معصومًا، فأخسر الناس صفقة في الإمام المعصوم هم الرافضة؛ لأنهم جعلوا الإمام المعصوم، هو الإمام المعدوم، الذي لم ينفعهم لا في دين ولا في دنيا؛ فإنهم يدعون أن الإمام المنتظر الذي دخل السرداب هناك، ومن المعلوم أنه لو كان موجودًا في السرداب، وقد أمره الله بالخروج فإنه يخرج، سواء نادوه أو لم ينادوه، وإذا خرج فإن الله يؤيده ويأتيه بمن يعينه وينصره، وهم على هذا: من الذين قد ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا([61]).  

ثم إن الله تعالى قد عاب في كتابه من يدعو، ولا يستجاب له دعاؤه، فقال: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} [سورة فاطر آية: 13 - 14]، ومن خاطب معدومًا كانت حالته أسوأ من حال من خاطب موجودًا؛ وإن كان جمادًا، فمن دعا المنتظر الذي لم يخلقه الله، كان ضلاله أعظم من ضلال هولاء الذين يعبدون الأصنام؛ لأن الذين يعبدون الأصنام يشاهدونها أمامهم، كما أن الشياطين تخاطبهم وتجيب بعض مطالبهم فهم منتفعون، لكن الذي يخاطب معدومًا لا ينتفع لا دنيا، ولا دين.

ثم أيضًا هذا المهدي المنتظر الذي يدعون إليه، لا سبيل إلى معرفته، ولا معرفة ما يأمر به، وما ينهى عنه، فإن كان أحدهم لا يصير سعيدًا إلا بطاعة هذا الذي لا يعرف أمره ولا نهيه، لزم ألَّا يتمكن أحد من طريق النجاة والسعادة وطاعة الله، وهذا من تكليف ما لا يطاق، وهم من أعظم الناس إحالة له، وإن قيل: إذا خرج فإنه يأمر بما عليه الإمامية، إذ لا حاجة إلى وجوده ولا شهوده؛ فإن هذا معروف سواء كان حيًّا، أو ميتًا، وسواء كان شاهدًا، أو غائبًا.

وإذا كان معرفة ما أمر الله به الخلق ممكنًا بدون هذا الإمام المنتظر؛ علم أنه لا حاجة إليه، ولا يتوقف عليه طاعة الله، ولا نجاة أحد، ولا سعادته، وحينئذ يمتنع القول بجواز إمامة مثل هذا، فضلًا عن القول بوجوبه، وهذا أمر بين لمن تدبره، ولكن الرافضة من أجهل الناس.  

الإيمان بالكرام الكاتبين  

(م) (وَنُؤْمِنُ بِالكِرَامِ الكَاتِبِينَ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَهُمْ عَلَيْنَا حَافِظِينَ):

(ش) الإيمان بالكرام الكاتبين من عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فإن الله جعلهم علينا حافظين، والمراد بالكرام الكاتبين: الملائكة الذين كلفهم الله بكتابة أفعال العباد وأقوالهم من خير وشر، وعددهم أربعة: اثنان بالنهار، واثنان بالليل؛ واحد عن اليمين يكتب الحسنات، والآخر عن الشمال يكتب السيئات، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل الشخص حسنة كتبها، وإن عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه لعله يستغفر ربه، أو يتوب. 

وهناك أربعة حفظة يحفظانه ويحرسانه: اثنان بالنهار، واثنان بالليل؛ واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالليل، وأربعة آخرين بالنهار، حافظان وكاتبان.

وأمَّا ما تكتبه الملائكةُ: فالقول، والفعل، والنية، فالملكان يكتبان أفعال العباد من خير أو شر، وغيرهما؛ قولًا كان، أو فعلًا، أو عملًا، أو اعتقادًا؛ هَمًّا كان، أو عزمًا، أو تقريرًا؛ فلا يهملان من أفعال العباد شيئًا في كل حال.

والدليل على هذا:

- قول الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد} [سورة ق آية: 18]، بعد قوله: {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} [سورة ق آية: 17]، والرقيب والعتيد: ملكان موكلان بالعبد.   

- وقال تعالى: {أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون} [سورة الزخرف آية: 80].

- ودليل كتابة الفعل والقول والنية، قول الله تعالى: {وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون} [سورة الانفطار آية: 10 - 12]، وتدخل النية في عُموم الفعل؛ لأنها فعل القلب.

- ودليل كتابة النية والعمل: قول الله تعالى في الحديث القدسي: «قَالَ اللهُ U إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ؛ فَإِنْ عَمِلَهَا، فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً؛ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْراً»([62])، وهو في «الصحيحين»، واللفظ لمسلم.

- ودليل كتابة النية وحدها قوله ﷺ: «قَالَتِ المَلَائِكَةُ: ربَّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً -وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ-، فَقَالَ: ارْقُبُوهُ؛ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائي»([63])، وهو في «الصحيحين».  

ووجه الدلالة: أن تَرْكَها من أجل الله؛ هو سبب كتابة الحسنة، أما إذا لم يتركها من أجل الله، بل تركها عجزًا، فتُكتب عليه سيئة؛ لحديث: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»([64])، فلم يترك المقتول القتل من أجل الله؛ بل لعجزه، فكتب عليه سيئة.

ودليل كتابة نوع من السيئات: قوله تعالى: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} [سورة يونس آية: 21]، وهو يشمل: القول والفعل والنية.

 ودليل كتابة الفعل وحده: قول الله تعالى: {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [سورة الجاثية آية: 29].

 ومن السنة ما في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلائكةٌ بالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفجرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الذين باتوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ -وَهو أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرْكانهُمْ وَهُمْ يَصَلُّونَ وَأتيناهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ»([65]).

 وفي الحديث الآخر: «فإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الغَائطِ، وحِينَ يفضي الرجلُ إلى أهله فَاسْتَحْيُوهم، وَأَكْرِمُوهُمْ»([66])، جاء في التفسير: اثنان عن اليمين، وعن الشمال، يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه، ويحرسانه، واحد من ورائه، وواحد أمامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلًا، حافظان وكاتبان.

الإيمان بملك الموت

معتقد أهل السنة في الإيمان بملك الموت  

(م) (وَنُؤْمِنُ بِمَلَكِ المَوْتِ المُوَكَّلِ بِقَبْضِ أَرْوَاحِ العَالَمِينَ):

(ش) الإيمان بملك الموت من معتقد أهل السنة؛ فنؤمن بأنَّ الله وكله بقبض أرواح العالمين؛ قال الله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [سورة السجدة آية: 11]، وجاء في القرآن إضافة التوفي إلى ملك الموت؛ كما في قول الله تعالى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} [سورة السجدة آية: 11]، وجاءتْ إضافته إلى الملائكة رسل الله، -أيضًا- كما في قول الله تعالى: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [سورة الأنعام آية: 61]، وجاء إضافة التوفي إلى الله كقوله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [سورة الزمر آية: 42]، ولا تعارض بين هذه الإضافات؛ لأن الإضافة إلى كلٍّ بحسبه، فأضيف التوفي إلى ملك الموت؛ لأنه تولى قبضها واستخراجها من البدن، وأضيف إلى الرسل؛ لأن ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب تأخذها من ملك الموت، ويتولونها بعده، وأضيف إلى الله؛ لأن كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره وحكمه، وأمره، فصحتْ الإضافة إلى كل بحسبه.

واختلف الناس في الروح ما هي؟ وهل الروح هي الحياة أو غيرها([67])؟

- فقيل: هي جسم.

- وقيل: عرَض.

- وقيل: لا ندري ما الروح أجوهر أم عرض؟ واستدلوا بقول الله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} [سورة الإسراء آية: 85]؛ ولم يخبر عنها ما هي؛ أجوهر أم عرض؟.  

- وذهب الجبائي من المعتزلة إلى أن الروح جسم، وأنها غير الحياة، والحياة عرض، واستدل بقول أهل اللغة: خرجت روح الإنسان، وزعم أن الروح لا تجوز عليها الأعراض.

- وقيل: ليست الروح شيئًا أكثر من اعتدال الطبائع الأربع التي هي: الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ولم يثبتوا في الدنيا شيئًا إلا الطبائع الأربع.

- وقال قائلون: الروح معنى خامس غير الطبائع الأربع، وليس في الدنيا إلا الطبائع الأربع والروح.

- وقيل: الروح الدم الصافي الخالص من الكدرة.

- وقيل: الروح هي الحرارة الغريزية، وهي الحياة.

- وقيل: الروح جوهر بسيط مُنْبَعَثٌّ في العالم كله من الحيوان، على جهة الإعمال له والتدبر، وهي على ما وصفت من الانبساط في العالم، غير مُنقسمة الذات والبِنية، وأنها في كل حيوان العالم بمعنى واحد لا غير.  

والقول المختار: أن الروح جسم مخالف لماهية هذا الجسم المحسوس، وهي جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، وسريان النار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها، من هذا الجسم اللطيف؛ بقي ذلك الجسم ساريًا في هذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار؛ من: الحس، والحركة الإرادية، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار؛ فارقت الروحُ البدن، وانفصلت إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة، وعليه دل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وعليه أدلة العقل والفطرة، وكل الأقوال سواه باطلة.

واستدل العلامة ابن القيم -رحمه الله- له بمائة دليل وخمسة عشر دليلًا، وزيف كلام ابن سينا، وابن حزم وأمثالهما([68])، ومن أدلة هذا القول:

أولًا: من الكتاب:

قول الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [سورة الزمر آية: 42]، ففي الآية ثلاثة أدلة: الإخبار بتوفيها، وإمساكها، وإرسالها، وهذا شأن الجسم.  

- قول الله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون} [سورة الأنعام آية: 93]، إلى قوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} [سورة الأنعام آية: 94]، وفي الآية أربعة أدلة:

أحدها: بسط الملائكة أيديهم لتناولها.

الثاني: وصفها بالخروج والإخراج.

الثالث: الإخبار عن عذابها في ذلك اليوم.

الرابع: الإخبار عن مجيئها إلى ربها، وهذا شأن الجسم.

- قول الله تعالى: {وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار} [سورة الأنعام آية: 60] إلى قوله تعالى: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [سورة الأنعام آية: 61]، وفيها ثلاثة أدلة:  

الأول: الإخبار بتوفي النفس بالليل.

الثاني: بعثها إلى أجسادها بالنهار.

الثالث: توفي الملائكة له عند الموت، فهذه عشرة أدلة.

- ومن الأدلة -أيضا- قول الله تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي} [سورة الفجر آية: 27 - 30]، وفيه ثلاثة أدلة:  

أحدها: وصفها بالرجوع.  

الثاني: وصفها بالدخول.

الثالث: وصفها بالرضا.

فهذه ثلاثة عشر دليلًا.

ومن السنة:

- قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ البَصَرُ»([69])، وففيه دليلان:  

أحدهما: وصفه بأنه يقبض.

الثاني: أن البصر يراه، وهذا شأن الجسم.  

- قوله ﷺ: «نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ»([70])، وفيه دليلان:

أحدهما: كونه طائرًا.

الثاني: تعلقها بشجر الجنة وأكلها.

- قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث بلال: «قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ، حِينَ شَاءَ  وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ»([71])، وفيه دليلان: وصفها بالقبض والرد.

- ومن الأدلة: ما ثبت([72]) في عذاب القبر من خطاب ملك الموت لها، وأنها تسيل كما تسيل القطرة من فِيِّ السقاء، وأنها تصعد ويوجد منها من المؤمن كأطيب ريح، ومن الكافر كأنتن ريح.

 

وأما الإجماع:

فقد عُلم بالضرورة ما جاء به رسول الله ﷺ وأخبر به الأمة، من أنه تنبت أجسادهم في القبور، فإذا نفخ في الصور، رجعت كُلُّ روح إلى جسدها فدخلت فيه، فانشقت الأرض عنه، فخرج من قبره.

ومن أدلة هذا الإجماع: الأحاديثُ والآثارُ الدالة على عذاب القبر، ونعيمه إلى يوم البعث، فمعلوم أن الجسد يتلاشى، ويضمحل، وأن العذاب والنعيم مستمران إلى يوم القيامة، وإنما هو على الروح.

ومن أدلة العقل:

أن هذا البدن المشاهد محل لجميع صفات النفس، وإدراكاتها الكلية والجزئية، ومحل للقدرة على الحركات الإرادية، فوجب أن يكون الحامل لتلك الإدراكات والصفات هو البدن، وما سكن فيه.

أما دليل الفطرة:

فإن كل عاقل إذا قيل له ما الإنسان؟ فإنه يشير إلى هذه البنية وما قام بها، لا يخطر بباله أمر مغاير لها، مجرد ليس في العالم، ولا خارجه، والعلم بذلك ضروري لا يكون شكًّا.

ومن مباحث الروح:  

هل النفس أو الروح شيء واحد أو شيئان متغايران([73])؟

اختلف الناس في ذلك؛ فمنهم من قال: إنهما اثنان لمسمى واحد، وهذا قول الجمهور. ومن الناس من قال: إنهما متغايران، والتحقيق أن كلًّا من النفس والروح تطلق على أمور، فيتحد مدلولهما تارةً، ويختلف تارةً، فالنفس تُطلق على الروح، ولكن غالبًا ما تسمى نفسًا إذا كانت متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة، فتسمية الروح أغلب عليها، وأما الروح فلا تطلق على البدن لا بانفراده، ولا مع النفس.

 

والنفس تطلق على أمور:

أولًا: تطلق على الدم، فيقال: سالت نفسه أي دمه وفي الحديث: «مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَا يَنْجَسُ بِالمَوْتِ إِذَا مَاتَ فِيهِ»([74]).  

ثانيًا: تطلق على الروح يقال: خرجت نفسه، أي روحه.

ثالثًا: تطلق على الجسد.

قال الشاعر:

نُـبِّئْــتُ أن بنـي سُحَيم
 

 

أدخلوا أبياتهم تامُور نفس المنذر
 

والتامور: الدمُ.

رابعًا: تطلق النفس على العين؛ يقال: أصابت فلانًا نفس؛ أي عين.

خامسًا: تطلق النفس على الذات بجملتها؛ كقوله تعالى: {فسلموا على أنفسكم}  [سورة النور آية: 61]، وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [سورة النساء آية: 29]، وقوله: {تجادل عن نفسها} [سورة النحل آية: 111]، وقوله: {كل نفس بما كسبت رهينة} [سورة المدثر آية: 38].  

والروح تطلق على أمور:

أولًا: تطلق الروح على القرآن؛ كقوله تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [سورة الشورى آية: 52].

ثانيًا: وتطلق الروح على جبريل؛ كقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين} [سورة الشعراء آية: 193].

ثالثًا: وتطلق الروح على الوحي، الذي يوحيه الله إلى أنبيائه ورسله؛ كقوله تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [سورة غافر آية: 15].

رابعًا: وتطلق الروح على الهواء المتردد في بدن الإنسان.

خامسًا: وتطلق الروح على أخص من هذا كله، وهو داعي الطاعة وواعظ القلب، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته، ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن، فالعلم روح، والإحسان روح، والمحبة روح، والتوكل روح، والصدق روح.

والناس متفاوتون في هذه الروح، فمن الناس من تغلب عليه هذه الأرواح، فيصير روحيًّا، ومنهم من يفقدها، أو أكثرها، فيصير أرضيًّا بهيميًّا، وأما ما يؤيد الله به من القوة والثبات والنصر، فهي روح أخرى كما قال تعالى: {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} [سورة المجادلة آية: 22]، فهذا معنى سادس.

السابع: تطلق الروح على عيسى -عليه الصلاة والسلام-؛ كقوله تعالى: {إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} [سورة النساء آية: 171].

الثامن: وكذلك القوى التي في البدن؛ فإنها -أيضًا- تسمى أرواحًا، فيقال: الروح الباسط، والروح السامع، والروح الشام.

والفرق بين النفس والروح؛ فرق بالصفات لا فرق بالذات، وإنما سمي الدم نفسًا؛ لأن خروجه الذي يكون معه الموت يلازم خروج النفس، ولأن الحياة لا تتم إلا به كما لا تتم إلا بالنفس، ويقال: فاضت نفسه، وخرجت نفسه، وفارقت نفسه كما يقال: خرجت روحه وفارقت روحه.

 

ومن مباحث الروح:  

هل الروح قديمة، أو محدثة مخلوقة([75])؟

في المسألة ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها قديمة غير مخلوقة.

الثاني: أنها محدثة مخلوقة.

الثالث: التوقف؛ فلا يقال إنها مخلوقة، ولا غير مخلوقة.

واستدل أهل القول الأول بما يلي:

أولًا: أن الله تعالى أخبر أن الروح من أمر الله؛ كما في قوله: {قل الروح من أمر ربي}  [سورة الإسراء آية: 85]، وأمره غير مخلوق.

وأجيب بأنه ليس المراد هنا بالأمر الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام، فيكون المراد أن الروح كلامه الذي يأمر به، وإنما المراد بالأمر هنا المأمور، والمصدر يذكر ويراد به اسم المفعول، وهذا معلوم مشهور، وهو عرف مستعمل في لغة العرب، وفي القرآن منه كثير؛ كقوله تعالى: {أتى أمر الله} [سورة النحل آية: 1]؛ أي: مأموره الذي قدره وقضاه، وقال له: كن فيكون.  

الدليل الثاني: أن الله أضاف الروح إليه؛ كقوله: {ونفخت فيه من روحي} [سورة الحجر آية: 29]، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده، فكما أن هذه الصفات ليست مخلوقة، فكذلك الروح.  

 

وأجيب بأن المضاف إلى الله -سبحانه- نوعان:

الأول: صفات لا تقوم بأنفسها: كالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، فهذه إضافة الصفة إلى الموصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وإرادته وحياته، صفاتٌ له غير مخلوقة. 

والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح، فهذه إضافة المخلوق إلى خالقه، والمصنوع إلى صانعه، لكنها إضافة تقتضي تخصيصًا وتشريفًا، يتميز به المضاف عن غيره.

أما أهل القول الثاني:

القائلون بأن الروح مخلوقة مُحْدَثَة، فهذا هو الصواب، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة والأثر، وهو الذي ذهب إليه الصحابة والتابعون.

ومن أدلة هذا القول:

 

 

[1]))   أخرجه مسلم (2747) من حديث أنس -رضي الله عنه-.

[2]))   أخرجه البخاري (694).

[3]))   انظر المصنف لابن أبي شيبة (7565، 7573، 13983).

[4]))   انظر ما أخرجه مسلم (1707)، لكن قول ابن مسعود له: «ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة» أخرجه عُمَرُ بنُ شبة، عن هارون بن معروف، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب -كما نقله ابن عبدالبر في «الاستيعاب» (4/1554)، عن عمر بن شبة-، لكنه منقطع بين ابن شَوْذب: عبدالله بن شوذب الخراساني، وابن مسعود -رضي الله عنه-؛ لأن ابن شوذب مولده سنة: 86هـ -كما في «تهذيب الكمال» (15/96)- وابن مسعود وفاته سنة: 32هـ أو 33هـ -كما في «التقريب» (3613).  

[5]))   أخرجه البخاري (695) من حديث عبيدالله بن عدي بن الخيار، عن عثمان -رضي الله عنه-.

[6]))   ( 3/185) ط. دار الوطن.

[7]))   أخرجه ابن ماجه (1081) من حديث جابر -رضي الله عنه-، وقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (2/32- 33): «... وفيه عبدالله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد بن جُدْعان، والعدويُّ اتهمه وكيع بوضع الحديث، وشيخه ضعيف. ورواه عبدالملك بن حبيب في «الواضحة» من وجه آخر، قال: ثنا أسد بن موسى، وعلي بن معبد قالا: ثنا فضيل بن عياض، عن عليّ بن زيد. وعبدالملك متهم بسرقة الأحاديث، وتخليط الأسانيد. قاله ابنُ الفْرصتي. قال عبدالحق في «الأحكام»: رأيته في كتاب عبدالملك. وقال ابن عبدالبر: أفسد عبدالملك بن حبيب إسناده؛ وإنما رواه أسدُ بن موسى، عن الفُضْيل بن مرزوق، عن الوليد بن بُكير، عن عبدالله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد؛ فجعل عبدالملك فضيلَ بنَ عياضٍ بدل فُضيلِ بنِ مرزوق، وأسقط من الإسناد رجلينْ». 

[8]))   انظر: «المحرر في الفقه» (1/104)، و«المغني» (3/22- 23).

[9]))   (3/20) ط. مؤسسة الرسالة.

[10]))   انظر: «المغني» (3/20) وما بعدها.    

[11]))   أخرجه البخاري (694)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ  قال: «يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم». وقد تقدَّم.

[12]))   أخرجه الدارقطني (2/57)، والبيهقي (4/19) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وقال الدارقطني: وليس فيها شيء يثبت.   

وقال الحافظ في «التلخيص» (578): «رواه أبو داود، والدارقطني واللفظ له، والبيهقي من حديث مكحول، عن أبي هريرة، وزاد : (وجاهدوا مع كل بر وفاجر).

وهو منقطع، وله طريق أخرى عند ابن حبان في الضعفاء، من حديث عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام، عن أبي صالح عنه، وعبد الله متروك، ورواه الدارقطني من حديث الحارث، عن علي، ومن حديث علقمة والأسود، عن عبد الله، ومن حديث مكحول أيضا، عن واثلة، ومن حديث أبي الدرداء من طرق كلها واهية جدا، قال العقيلي: ليس في هذا المتن إسناد يثبت.

ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه سئل عنه فقال: ما سمعنا بهذا.

وقال الدارقطني: ليس فيها شيء يثبت.

وللبيهقي في هذا الباب أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف، وأصح ما فيه حديث مكحول، عن أبي هريرة على إرساله، وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر». ا هـ، كلام الحافظ في «التلخيص».

[13]))   أخرجه الدارقطني في «السنن» (2/56) بهذا السياق، وأخرجه أبو داود (594) بلفظ: «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر»، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفيه انقطاع. وقال أبو أحمد الحاكم: هذا حديث منكر، وتقدم كلام الحافظ في «التلخيص» والإشارة إلى انقطاعه. وراية أبي داود هنا، من طريق العلاء بن الحارث، عن محكول، عن أبي هريرة، وقد رواه بالسند نفسه، بأتمَّ من الأول، بنحو رواية الدارقطني. وأما رواية الدارقطني فمن طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن محكول، عن أبي هريرة.  

[14]))   أخرجه أبو داود (2533) من حديث أبي هريرة t ، وهو منقطع الإسناد بين مكحول وأبي هريرة، وانظر كلام الزيلعي في «نصب الراية» (2/26).

[15])) قال الحافظ في «التلخيص» (579):«صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وصلوا على من قال: لا إله إلا الله».

الدارقطني من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عمر، وعثمان كذبه يحيى بن معين، ومن حديث نافع عنه، وفيه خالد بن إسماعيل، عن العمري به، وخالد متروك، ووقع في الطريق عن أبي الوليد المخزومي، فخفي حاله على الضياء المقدسي، وتابعه أبو البختري وهب وهو كذاب، ومن طريق مجاهد؛ عن ابن عمر، وفيه محمد بن الفضل، وهو متروك، وهو في الطبراني أيضا، وله طريق أخرى من رواية عثمان بن عبد الله العثماني، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وعثمان رماه ابن عدي بالوضع». ا هـ، وانظر: «تنقيح تحقيق أحاديث التعليق» (2/20- 21)، و«البدر المنير» (4/463- 465).

[16])) أخرج البخاري (1660) عن سالم قال: «كتب عبد الملك إلى الحَجَّاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر t  وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحَجَّاج فخرج وعليه ملحفة معصفرة، فقال: ما لَكَ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنتَ تريد السُّنة، قال: هذه الساعة؟! قال: نعم، قال: فأنظرني حتى أفيض على رأسي ثم أخرج. فنزل حتى خرج الحجاج فسار بيني وبين أبي فقلت: إن كنتَ تريد السُّنة فاقصر الخطبة، وعجل الوقوف. فجعل ينظر إلى عبد الله فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق».

[17]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (28/217-218)، و« موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع» (1/419-436).

[18]))   انظر ما أخرجه البخاري (1343) من حديث جابر بن عبدالله t .  

([19])   أخرجه النسائي (2053) من طريق ليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن صفوان بن عمرو حدثه عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، فذكره. وأخرجه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (230)، عن ابن مصطفى، حدثنا بقية، عن صفوان بن عمرو به، وصححه الألباني -رحمه الله- في «صحيح الجامع» (4359)، وحسَّنه ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (5/743).

[20]))   انظر ما أخرجه مسلم (1913) من حديث سلمان الفارسي t .  

[21]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (10/372)، (28/500-501)، و«فتاوى اللجنة الدائمة» (2/139،44)، (3/496).

[22]))   انظر: «منهاج السنة» (5/295) وما بعدها.

[23]))   أخرجه البخاري (1367) واللفظ له، ومسلم (949) من حديث أنس بن مالك t ، وفي رواية مسلم أنه كرَّر قوله: (وجبت) ثلاث مَرَّارٍ.   

([24])   أخرجه ابن ماجه (4221) واللفظ له، وأخرجه الحاكم (1/207 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وصححه، وابن حبان (7384)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (36960)، والطبراني في «الكبير» (3882)، وأحمد في «المسند» (3/416)، و (6/466)، وعبد بن حميد في «المنتخت من المسند» (442)، وغيرهم، من حديث أبي زهير الثقفي t  وفي «الزوائد» (4/241): «إسناده صحيح رجاله ثقات». وحسَّنهُ الألباني -رحمه الله-، وأورده ابن حجر في «الإصابة» (7/155) في ترجمة أبي زهير الثقفي، وعزاه لأحمد، وابن ماجة، والدارقطني في «الأفراد»، ثم قال: «بسندٍ حسن غريب»، والحديث الذي قبله يشهد لصحة معناه.

[25]))   أخرجه البخاري (3017) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.

[26]))   أخرجه البخاري (6878)، ومسلم (1676) واللفظ له من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.

([27])   انظر: «مجموع الفتاوى» (35/6-16).

[28]))   انظر: «الملل والنحل» (1/169).

[29]))   أخرجه البخاري (2957) واللفظ له، ومسلم (1835) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[30]))   أخرجه مسلم (1837)، و (648).

[31]))   أخرجه البخاري (696) من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-.  

[32]))   أخرجه البخاري (7144) واللفظ له، ومسلم (1839) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.  

[33]))   أخرجه  بهذا السياق ابن أبي شيبة في «المصنف» (33717)، عن الحسن البصري، قال: قال رسول الله ﷺ؛ فَذَكَرَهُ. وهو مُرْسلٌ، لكنه وقع بهذا السياق أيضًا من حديث الحسن البصري، عن عمر ابن حصين مرفوعًا، عند الطبراني في «الكبير» (381)، لكن روايهِ عن الحسن، هشام بن حَسَّان، قال الحافظ في «التقريب» (ص572 -تحقيق: عوامة): «... وفي روايته عن الحسن وعطاء؛ مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما». ثم إن الحسنَ مُدلس وقد عنعن، وقد نفى بعض الحفّاظ سماعه من عمران بن حُصْين، على أنه قد رواه هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين مرفوعًا بلفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الله» كما عن الطبراني في «الكبير» (381، 385، 437)، والحاكم (3/501)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (1017)، والبزار في «المسند» (3511)، والأوسط (4322)، و (3581)، وقد رواه عن عمران أبو مِراية، كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (33715)، وأحمد (4/426)، والطبراني في «الكبير» (570، 571)، والبزار في «المسند» (3599)، و (4/427- 436)، والطيالسي في «المسند» (850)، والحديث عزاه الحافظ في «الفتح» (13/123) إلى البزار من حديث عمران بن حصيّن، والحكم بن عمرو الغفاري، وقال: «وسنده قوي». وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/225- 226)، من رواية أحمد، والطبراني، والبزار، وقال (5/226): «ورجال أحمد رجال الصحيح»، وقال عن رواية البزار (5/226): «ورجال البزار رجال الصحيح». وفي الباب عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وغيرهما. والله أعلم.

[34]))   هو جزء من الحديث التالي.

[35]))   انظر: صحيح البخاري (7145)، ومسلم (1840)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

[36]))   أخرجه البخاري (3606) واللفظ له، ومسلم (1847).

[37]))   أخرجه البخاري (7054)، ومسلم (1849) واللفظ له.  

[38]))   أخرجه الترمذي (2863)، وأحمد (4/130، 202)، والطيالسي (1161)، والحاكم في «المستدرك» (1/204، 582 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، والطبراني في «الكبير» (3427- 3431)، واللالكائي في «السنة» (157)، وابن منده في «الإيمان» (1/375- 376)، وابن أبي عاصم في «السنة» (1036)، من حديث الحارث الأشعري، وقال الترمذي: «حسن صحيح غريب»، وصححه الحاكم، والألباني في «ظلال الجنة».

       وورد هذا اللفظ أيضًا في حديث أبي ذر. عند أبي داود (4758)، وأحمد (5/165، 180)، والحاكم (1/203 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، وابن أبي عاصم في «السنة» (892- 1053)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (448)، وصححه ابن الملقن في «البدر المنير» (8/527)، والألباني في «ظلال الجنة» (ص 420، 488)، وورد هذا اللفظ في كذلك في حديث أبي عمر عند الحاكم في «المستدرك» (1/150، 203)، والطبراني في «الكبير» (13604)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

       وورد أيضًا من حديث ابن عباس عند الطبراني في «الكبير» (10687)، وفي «الأوسط» (3405  -تحقيق: طارق عوض الله)، وابن حبان في «المجروحين» (1/286)، وابن قانع في «معجم الصحابة» (2/66)، وعزاه الحافظ أيضًا في «الفتح» (13/7)، إلى البزار، ثم قال: «وفي سنده خليد بن دعلج؛ وفيه مقال». لكن ورد عن ابن عباس بنحوه من وجه آخر أيضًا عند الطبراني في «الكبير» (10925)، وابن عدي في «الكامل» (7/2219)، والسِّلفي في «معجم السفر» (1/270)، والخطابي في «غريب الحديث» (1/146)؛ وكلهم رَوَوْهُ من طريق يحيى بن سليم الطائفي، عن إبراهيم بن ميمون، عن ابن طاووس، عن  أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا، وجوَّد إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (1/539).

       وجاء أيضًا عن أبي الدرداء، ومعاذ بن جبل، وعامر بن ربيعة، مرفوعًا، وعن علي بن أبي طالب، وحذيفة، موقوفًا. والله أعلم.  

[39]))   أخرجه مسلم (1853).

[40]))   أخرجه مسلم (1855) وهو حديث طويل، جزَّأَهُ المصنِّفُ.

[41]))   «كما تكونوا يولى عليكم» (الحاكم فى تاريخه عن أبى بكرة). وأخرجه أيضًا: الصيداوى فى «معجم الشيوخ» (1/149). انظر: «جامع الأحاديث» (15/402).

ورواه البيهقي في شعب الإيمان (7391)، عن الحاكم من كتاب «التاريخ» بلفظ: «كما تكونوا كذلك يؤمر عليكم»، وقال: «هذا منقطع، وراويه يحيى بن هاشم؛ وهو ضعيف»، وقال الشوكاني: «في إسناده وضاع، وفيه انقطاع». 

وهو رواه الطبراني عن الحسن البصري أنه سمع رجلا يدعو على الحجاج فقال له لا تفعل أنكم من أنفسكم أوتيتم إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن يتولى عليكم القردة والخنازير فقد روى أن أعمالكم عمالكم وكما تكونوا يولى عليكم، والصحيح أنه من قول الحسن البصري، وقال في «التذكرة في الأحاديث المشتهرة» (ص 216): «وأخرج الطبراني معناه بطرقٍ، عن عمر بن الخطاب، وكعب الأحبار، والحسن». 

انظر: «الفوائد المجموعة» (23)، وانظر: «أحاديث لا تصح» (5)، وانظر: «كشف الخفاء» (1/147)، والألباني في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1/ 490). 

[42]))   عَزَاهُ السيوطي في «الدر المنثور» (4/618)، إلى أبي الشيخ، عن مالك بن دينارٍ، قَوْلَهُ، وأسنده عن مالك بن دينارٍ به، أو نعيم في «الحلية» (6/172)، فالأشبه بالصوابِ، وَقفه على مالك بن دينار، كما أشار إلى ذلك الإمام الدارقطني في «العلل» (6/205)، على أنه قد روي مرفوعًا؛ رواهُ وَهْبُ بن راشدٍ، عن مالك بن دينار، عن خلاس بن عمرو، عن أبي الدراداء، مرفوعًا، كما عند أبي نعيم في «الحلية» (2/388)، وابن حبان في «المجروحين» (3/75- 76)، والطبراني في الأوسط (8962). وقال الدارقطني في «العلل» (6/205): «ووهبُ بنُ راشد هذا؛ ضعيف جدًا؛ متروك. ولا يصح هذا الحديث مرفوعًا». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/249) -بعد أن عزاه إلى الطبراني في «الأوسط»-: «وفيه إبراهيم بن راشد؛ وهو متروك». كذا وردت شيمته في المطبوع، وهو في «الأوسط» على الصواب؛ فلعله وهم من الهيثمي -رحمه الله- أو خطأ من الناسخ أو الطابع!!

[43]))   أخرجه مسلم (55) من حديث تميم الداري -رضي الله عنه-.

[44]))   أخرجه البخاري (7056)، ومسلم (1709) من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-.  

[45]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (28/391).

[46]))   أخرجه مسلم (1855 ) وسبق تخريجه قبل قليل.

[47]))   سبق تخريجه قبل قليل.

[48]))   سبق تخريجه قبل قليل.

[49]))   أخرجه أبو داود (4597) من حديث معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-. انظر: تخريج الألباني -رحمه الله- لـ«كتاب السنة» لابن أبي عاصم (ص 3، 33، 36). فإنه أكثر في ذكر طرق هذا الحديث، وحديث معاوية هذا صححه الشيخ الألباني -رحمه الله- في «ظلال الجنة» (1، 2، 65)، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (87): «حديث: (تفرّق الأمة) أبو داود، والترمذي، وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى كذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في النار إلا واحدة، قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي).  

وهو عند ابن حبان، والحاكم، في صحيحيهما بنحوه، وقال الحاكم إنه حديث كبير في الأصول، وقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعوف بن مالك.    

قلت: وعن أنس وجابر وأبي أمامة وابن عمرو ابن مسعود، وعلي وعمرو بن عوف وعويمر أبي الدرداء ومعاوية وواثلة، كما بينتها في كتابي في الفِرَق، وأودع الزيلعي في سورة الأنعام من تخريجه من ذلك جملة». ا هـ

[50]))   هذا لفظ الترمذي (2641) من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه-، وقال: «هذا حديثٌ حسن غريب، مُفَسِّر لا نعرفه مثل هذا، إلا من هذا الوجه». اهـ، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي؛ وهو ضعيف. وقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» (1/218 -تحقيق: مصطفى عبدالقادر) من طريق عبدالرحمن بن زياد، وأشار إلى أنَّ إسناد عبدالرحمن بن زيادٍ هذا؛ لا تقوم به الحجة.

[51]))   أخرجه أحمد (5/232) من طريق العلاء بن زياد عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، ورجاله ثقات إلا أن العلاء لم يسمع من معاذ بن جبل، قاله المزي في ترجمته في التهذيب. والطبراني في «الكبير» (344، 345)، ومما يتبين هذا رواية وقعتْ في «المسند» لأحمد (5/243)، عن العلاء بن زياد، عن رجل حَدَّثَهُ يَثِقُ به، عن معاذ بن جبل. على أن عبد بن بن حميد، أخرجه في «المنتخب من المسند» (114)، من طريق أبان أبي عياش، عن شهر بن حَوْشب، عن معاذ، مرفوعًا، لكن أبان بن أبي عياش؛ متروك الحديث، وشهر بن حوشب، مع كونه صدوقًا لكنه كثير الأوها والإرسال، كما في «التقريب» (830 -تحقيق: عوامة)، وهو أيضًا منقطعٌ، لأن شهرًا لم يسمع من معاذٍ -رضي الله عنه-، كما في «تحفة التحصيل» (ص 1490).

لكن أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (1997)، عن معمر، عن أبان، عن شهر، عن عطاء الخراساني، من قوله، وعطاء الخراساني روايته عن معاذ مُرسلة، كما في «جامع التحصيل» (ص 238)، على فرض أن يكون هو الواسطة في الرواية السابقة، لكن هنا لم يصرح بروايته عن معاذ، فلعل الأشبه وفقه على عطاء أو يكون هذا الخلط في الإسناد من أوهامٍ شهرٍ، والله أعلم.  والحديث ضعفه الألباني -رحمه الله- في «ضعيف الترغيب والترهيب» (206).

[52]))   أخرجه الترمذي (2676)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».

قال الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (256): قال الحافظ أبو نعيم: «هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين». ا هـ. وأطال في الكلام على الحديث، وصححه أيضًا في «البدر المنير» (9/582)، وقال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (4/140): «وهذا حديث حسن إسناده لا بأس به».

[53]))   أخرجه البخاري (1384)، ومسلم (2658) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ومن حديث ابن عباس -رضي الله عنه-، أخرجه البخاري (1383) و(6597)، ومسلم (2660).

[54]))   أخرجه البزار (148) واللفظ له، و «الضياء» في المختارة» (1/325)، والطبراني في «الكبير» (82)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (13/37)، والبيهقي في «المدخل إلى السنن الكبرى» (1/192)، واللالكائي في «السنة» (208)، والهروي في «ذم الكلام» (265): كلهم من طريق المبارك بن فضالة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، والمبارك بن فضالة يدلس ويسوّي، لكنه صرَّح بالتحديث عند «الضياء» في «المختارة». وقال الهيثمي في «المجمع»: «رجاله رجال الصحيح». والحديث أصله في البخاري (4189)، ومسلم (1785) من حديث سهل بن حنيف -رضي الله عنه-.  

[55]))   أخرجه ابن عبدالبر في «جامع بيان العلم» (2/136).

[56]))   أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (30103، 30107).

[57]))   أخرجه الدارمي (2972).  

[58]) ) انظر: لتقرير هذه القاعدة عند أهل السنة: «الكفاية» للخطيب البغدادي (ص433)، و«درء التعارض» (8/404)، و«إعلام الموقعين» (2/294)، و«الموافقات» (1/245-246).

[59]))   سبق تخريجه.  

[60]))  سبق تخريجه.

[61]))   انظر: «عصمة الإمام في الفقه السياسي الشيعي» لحافظ موسى عامر (1/88) وما بعدها.

[62]))   أخرجه البخاري (7501)، ومسلم (128) واللفظ له من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[63]))   أخرجه مسلم (129) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[64]))   أخرجه البخاري (31) واللفظ له، ومسلم (2888) من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.

[65]))   أخرجه البخاري (555)، ومسلم (632) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. وزاد مسلم في روايته بعد «فيسألهم» لفظَ «رَبُّهُمْ».  

[66]))   أخرجه الترمذي (2800) من طريق ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ . فذكر الحديث، قال أبو عيسى: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو مُحَيَّاةَ اسمُه: يحيى بن يعلى». ا هـ. وفي إسناده: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. انظر: ترجمته في «التهذيبين». وأخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (7739)، من طريق ليث بن أبي سليم، عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن زيد بن ثابت بلفظٍ مقارب، وضعَّفه البيهقي. 

[67]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (9/271).

[68]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (9/302)، و«الروح» (ص469) ط. دار المنار.

[69]))   أخرجه مسلم (920) من حديث أم سلمة -رضي الله عنه-.

[70]))   أخرجه النسائي (2073)، وابن ماجه (4271)، وأحمد (3/455) كلاهما من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث عن رسول الله ﷺ قال فذكره. والحديث صحيح؛ صححه الحافظ ابن كثير في «التفسير» (1/428).

[71]))   أخرجه البخاري (595).

[72])) ثبت هذا المعنى في حديث طويل أخرجه أبو داود (4753)، والحاكم (1/93- 94)، والطيالسي (753)، وغيرهم، وأحمد في «مسنده» (4/287- 288) من طريق أبي معاوية قال حدثنا الأعمش عن منهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار .... فساق الحديث بطوله، وهو في بعض المصادر مختصر، وكون الأعمش في الإسناد لا يَضُّر، لتصريحه بالتحديث عند أحمد، والحاكم وغيرهما، وقد ورد عن غير الأعمش، عن المنهال، فقد أخرجه الحاكم (1/97) من طريق يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان به. بل ذكر الحاكم في «المستدرك» (1/97) أن أبا خالد الدالاني، وعمرو بن قيس الملائي، والحسن بن عبدالله النخعي، رووه ثلاثتُهم عن، عن المنهال بن عمرو أيضًا، ثم ساق الأسانيد عنهم بذلك.

والحديث قال عنه الإمام ابن القيم في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص58): «وهو صحيح صححه جماعة من الحفاظ»، والحديث في البخاري (1369)، ومسلم (2871) مختصر، عن البراء بن عازب، من طريق آخر.

[73]))   انظر: «الروح» (ص544).

[74])) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولعله إشارة إلى حديث الصحيحين عن أبي هريرة: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه فإن في إحدى جناحيه داء، وفي الآخر شفاء». قال الإمام ابن القيم في «زاد المعاد» (4/112): «وأول من حُفظ عنه في الإسلام أنه تكلم بهذه اللفظة فقال: (ما لا نفس له سائلة) إبراهيم النخعي، وعنه تلقاه الفقهاء».

[75]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/416)، و«الروح» (ص/410).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد