تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية 16

00:00

00:00

5

الدليل الأول: قول الله تعالى: {الله خالق كل شيء} [سورة الرعد آية: 16]؛ ووجه الدلالة: أن هذا اللفظ عام لا تخصيص فيه بوجه ما، فيدخل في عمومه الروح، ولا يدخل في ذلك صفات الله؛ فإنها داخلة في مسمى اسمه، فالله تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال، بذاته وصفاته.

الدليل الثاني: قوله تعالى لزكريا: {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا} [سورة مريم آية: 9]؛ ووجه الدلالة: أن هذا الخطاب لزكريا -عليه الصلاة والسلام- لروحه وبدنه، ليس لبدنه فقط؛ فإن البدن وحده لا يفهم، ولا يخاطب، ولا يعقل، وإنما الذي يفهم ويعقل ويخاطب هو الروح.   

الدليل الثالث: قول الله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا} [سورة الإنسان آية: 1]؛ ووجه الدلالة: أن الإنسان اسم لروحه وجسده.

الدليل الرابع: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»([1])؛ ووجه الدلالة: أن الجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة. 

الخامس: الإجماع: فقد أجمعت الرسل على أن الروح محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مُدَبَّرَة، وهذا معلوم بالضرورة من دينهم، وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين قبل قول هذه الفئة النابغة، وممن نقل الإجماع على ذلك محمد بن نصر المروزي وابن قتيبة وغيرهما.  

الدليل العقلي: وهو مأخوذ من الشرع، وهو أن الروح توصف بالوفاة والقبض والإمساك والإرسال، وهذا شأن المخلوق المحدث المربوب.  

أما أهل القول الثالث: فهؤلاء لم يتبين لهم معاني النصوص، ولم يفهموها، ولو تدبروها لعرفوا معانيها، ولظهر لهم أنها مخلوقة محدثة مربوبة.

ومن مباحث الروح: 

هل الروح مخلوقة قبل الجسد، أم بعده([2])؟

وهذه مسألة للناس فيها قولان معروفان، حكاهما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره.

القول الأول: أن الأرواح متقدم خلقها على خلق البدن، وممن ذهب إلى ذلك محمد بن نصر المروزي وأبو محمد ابن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعًا.

ومن أدلة هؤلاء:

- قول الله تعالى {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} [سورة الأعراف آية: 11]؛ ووجه الدلالة: أن «ثم» للترتيب والمهلة، ودلت الآية على أن خلقنا مقدم على أمر الله للملائكة بالسجود لآدم، ومعلوم قطعًا أن أبداننا حادثة بعد ذلك؛ فعُلم أنها الأرواح.  

- قول الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى} [سورة الأعراف آية: 172]؛ ووجه الدلالة: أن هذا الاستنطاق والإشهاد، إنما كان لأرواحنا؛ إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة، كما يؤيد ذلك الأحاديث الكثيرة التي تدل على أخذ الميثاق والإشهاد عليه؛ مما يدل على أن الله جعلهم أرواحا، ثم صورهم واستنطقهم؛ فتكلموا، فأخذ عليهم العهد والميثاق.  

القول الثاني: إن الأرواح تأخر خلقها عن الأجساد، واستدل هؤلاء بما يأتي:

- قول الله تعالى: {ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} [سورة الحجرات آية: 13]؛ ووجه الدلالة: أن هذا الخطاب للإنسان الذي هو روح وبدن، فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين.    

- قول الله تعالى: {ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} [سورة النساء آية: 1]؛ وجه الدلالة: أن الآية صريحة في أن جملة النوع الإنساني -أبدانًا وأرواحًا- بعد خلق أصله، وهذا الدليل أصرح من سابقه.

وهذا القول الثاني هو الصواب، أما أدلة الأولين القائلين بأن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد؛ فالجواب عليها كما يلي:

- أما استدلالهم بقوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [سورة الأعراف آية: 11]؛ فإن الله -سبحانه وتعالى- رتب الأمر بالسجود لآدم على خلقنا وتصويرنا، والمراد خلق أبينا آدم وتصويره، ووجَّه الخطاب لنا؛ لأن آدم -عليه الصلاة والسلام- هو أصل البشر، ونظيره قول الله تعالى: {وظللنا عليكم الغمام} [سورة البقرة آية: 57]، فهو خطاب لليهود في زمن النبي ﷺ، والمظلل عليه آباؤهم؛ لأن الأبناء لهم حكم الآباء.

- وأما استدلالهم بآية الميثاق: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [سورة الأعراف آية: 172] الآية؛ فيجاب عنه: بأن الآية لا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقًا مستقرًّا، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم، ثم ردهم إلى أصلهم، والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد.

- وأما الآثار المذكورة، فلا تدل -أيضًا- على سبق الأرواح الأجساد سبقًا مستقرًّا ثابتًا، وغايتها أن تدل -بعد صحتها وثبوتها- على أن بارئها وفاطرها -سبحانه وتعالى- صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها، واستخرج تلك الصور من مادتها، ثم أعادها إليها، وقدر خروج كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد، ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قال ابن حزم: يجيء جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق إليه التقدير أولًا، فيجيء خلق الخارج مطابقًا للتقدير السابق.

 

ومن مباحث الروح:

هل تموت الروح؟ أم الموت للبدن وحده([3])؟

اختلف الناس في هذا على أقوال:

القول الأول: تموت الروح، وتذوق الموت، واستدلوا بما يأتي:

أولًا: قول الله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [سورة آل عمران آية: 185]، والروح نفس، فلا بد أن تذوق الموت.   

ثانيًا: قول الله تعالى: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [سورة الرحمن آية: 26 - 27]، وقوله سبحانه: {كل شيء هالك إلا وجهه} [سورة القصص آية: 88]؛ فقد دلت الآيتان على أنه لا يبقى إلا الله وحده، وهذا يدل على أن الروح تموت.  

ثالثًا: قالوا إذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى بالموت، وهذا الدليل عقلي.

رابعًا: استدلوا بقول الله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} [سورة البقرة آية: 28]، وقوله -تعالى- عن أهل النار أنهم قالوا: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [سورة غافر آية: 11]؛ وجه الدلالة: أن الموتة الأولى هذه المشهودة، وهي للبدن والأخرى للروح.

خامسًا: قول الله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [سورة الزمر آية: 68]، وهذا يدل على أن الأرواح تصعق عند النفخ، ويلزم من ذلك موتها.

 

القول الثاني: أن الأرواح لا تموت، وإنما تموت الأبدان، واستدلوا بما يأتي:

أولًا: أن الأرواح خُلقت للبقاء، فلا تموت.

ثانيًا: الحديث الدال على نعيم الروح وعذابها، بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح؛ لانقطع عنها النعيم والعذاب فمن هذه الأحاديث حديث: «إِنَّ مَثَلَ رُوحِ المُؤْمِنِ الطَّائِرُ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»([4])، وحديث البراء بن عازب t وفيه قصة العبد الكافر، أنها تنتزع روحه نـزعًا شديدًا، أو تخرج منها ريح خبيثة، وتطرح روحه إلى أرض الطرحات([5]).

والصواب في المسألة أن يقال: موت النفوس هو: مفارقتها لأجسادها، وخروجها منها، فإن أُريد بموتها هذا القَدْر؛ فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية، وتضمحل وتصير عدمًا محضًا؛ فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم، أو عذاب. 

ويرجح هذا ويدل له: أنه -سبحانه- أخبر أن أهل الجنة لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى، وتلك الموتة هي مفارقة الأرواح للأجسام، والنصوص الدالة على بقائها تُحمل على بقائها منفصلة عن الجسد، وبهذا تجتمع الأدلة، ولا تختلف.  

وأما استدلال الأولين على موت الروح بقوله -تعالى- حكاية عن أهل النار أنهم قالوا: {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} [سورة غافر آية: 11]، وقوله تعالى: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} [سورة البقرة آية: 28]؛ فالمراد أنهم كانوا أمواتًا، وهم نطف في أصلاب آبائهم، وفي أرحام أمهاتهم، ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات.   

وأما استدلالهم بآية الصعق، وهي قوله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض} [سورة الزمر آية: 68] الآية؛ فيجاب عن استدلالهم بأن صعق الأرواح عند النفخ في الصور، لا يلزم منه موتها، وأن الناس يصعقون يوم القيامة إذا جاء الله لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، وليس ذلك بموت، وكذلك صعق موسى -عليه الصلاة والسلام- لم يكن موتًا، والذي تدل عليه الآية أن نفخة الصعق موت، لكل مَن لم يذق الموت قبلها من الخلائق، وأما مَن ذاق الموت، أو لم يكتب عليه الموت من الحور والولدان وغيرهم، فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية.

 

ومن مباحث الروح:  

تعلقها بالبدن، فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق، تتغاير في الأحكام، أي الخواص والآثار التي للبدن بسب هذا التعلق:

أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنينًا، ويتعلق بهذا التعلق أحكام، وهو أنه ينمو الجنين، ويتحرك، ويحس، ولا يتنفس.  

الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض، ومن أحكام هذا التعلق أنه يرضع، ويسمع الصوت، ويبصر، ويتكلم.

الثالث: تعلقها به في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقه من وجه، ومن أحكام هذا التعلق، أنه يكتشف شيئًا لا يراه في وقت اليقظة.

الرابع: تعلقها به في البرزخ، وهو ما بين الحياتين، حياة الدنيا وحياة الآخرة، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه إلا أنها لم تفارقه فراقا كليًّا، بحيث لا يبقى لها أية التفات البتة، فإنه وإن ورد ردها إليه وقت سلام المسلِّم، وورد أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، إلا أن هذا الرد إعادة خاصة؛ لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة، فهي حياة خاصة، بين حياتي الدنيا والآخرة.

ومن أحكام هذا التعلق: أنه يتهيأ له سماع خاص، كسماع الملائكة، ويرى شيئًا من الحقائق كان جاهلًا به، ولا يراها الحي؛ كرؤيته لمكانه من الجنة أو النار.

الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد: وهو أكمل أنواع تعلقاتها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، بل هي ضعيفة، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتًا، ولا نومًا، ولا فسادًا، ومن أحكام هذا التعلق؛ الصلاحية للبقاء الأبدي.  

 

ومن الأحكام التي تتعلق بالروح:  

مبحث مستقر الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة([6]):

اختُلف في مستقر الأرواح ما بين الموت إلى يوم القيامة، هل هي في السماء أم في الأرض؟ وهل هي في الجنة أم لا؟ وهل توضع في أجساد غير أجسادها التي كانت فيها فتنعم، أوتعذب فيها، أم تكون مجردة؟  

- فقيل: أرواح المؤمنين في الجنة على تفاوت درجاتهم في عليين، أو أقل، وأرواح الكفار في النار على تفاوت دركاتهم في الدرك الأسفل، أو بعده.

وهذا أرجح الأقوال وأولاها وأصحها، وهو الذي دلت عليه النصوص، قوله تعالى: {فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم} [سورة الواقعة آية: 88 - 94]، فإنه قسم الأرواح إلى ثلاثة أقسام، وهذا ذكره -سبحانه- عقب ذكر خروج الروح من البدن بالموت. وقولُه تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة} [سورة الفجر آية: 27] الآيات؛ قال غير واحد من الصحابة والتابعين: هذا يقال لها عند خروجها من الدنيا؛ يبشرها مَلَكٌ بذلك، وحديث البراء بن عازب t أن الملك يقول لها: عند قبضها: «أَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ»([7])، وهذا من ريحان الجنة، أو يقول لها: «اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ»([8])، وحديث: «إِنَّ مَثَلَ رُوحِ المُؤْمِنِ الطَّائِرُ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهَا اللهُ إِلَى جَسَدِهِ، يَوْمَ يَبْعَثُهُ»([9])، هذا إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا ديْن، ويتلقاهم ربهم بالعفو عنهم والرحمة بهم. هذا أصح الأقوال في المسألة.

وهناك أقوال كثيرة أخرى:

- قيل: إن أرواحهم بفناء الجنة على بابها.

- وقيل: على أفنية قبورهم.

- وقيل: إن الأرواح مرسلة.

- وقيل: إن أرواح المؤمنين عند الله فقط، ولا مزيد.

- وقيل: أرواح المؤمنين بالجابية من دمشق، وروح الكافر ببرهوت -بئر بحضرموت-.  

- وقيل: أرواح المؤمنين في عليين في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجين في الأرض السابعة.

- وقيل: أرواح المؤمنين ببئر زمزم وأرواح الكفار ببئر برهوت.  

- وقيل: أرواح المؤمنين عن يمين آدم وأرواح الكفار عن شماله.

- وقال ابن حزم: مُسْتَقَرُّها من حيث كانت قبل خلق أجسادها.

- وقال أبو عمر بن عبد البر: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم.

وهذه الأقوال كلها تخمين بلا دليل، والصواب القول الأول، وهو أن أرواح المؤمنين في الجنة على تفاوت فيما بينهم، وأرواح الكفار في النار على تفاوت فيما بينهم، ولها صلة بالجسد.

وقالت فرقة: مستقرها العدم المحض؛ أي تفنى بفناء الأجسام، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض من أعراض البدن؛ كحياته وإدراكه، وهذا قول فاسد مخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين؛ وهو أن الأرواح تعدم بموت البدن، كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته.

 وقالت فرقة: مستقرها بعد الموت أبدانٌ أُخر تُنَاسِبُ أخلاقها وصفاتها التي اكتسبتها في حال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الروح، فتصير النفس السبعية إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنية والسُّفْلية إلى أبدان الحشرات.  

وهذا قول طائفة يسمون «التناسخية» منكري المعاد، وهذا أخبث الأقوال والآراء، وهو كفر والعياذ بالله، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم.

والصواب كما سبق أن أرواح المؤمنين في الجنة وأرواح الكفار في النار.

والذي تلخص من النصوص: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم التفاوت، فمنها: 

- أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه-، وهم متفاوتون في منازلهم.

 - ومنها أرواح بعض الشهداء لا كلهم؛ لأن من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة بِدَيْنٍ عليه، كما في «المسند» عن عبد الله بن جحش: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: الجَنَّةُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: إِلَّا الدَّيْنَ سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا»([10]).   

- ومن الأرواح من يكون محبوسًا على أبواب الجنة، كما في الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ: «رَأَيْتُ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسًا عَلَى بَابِ الجَنَّةِ»([11]).

- ومنهم من يكون محبوسًا في قبره.

- ومنهم من يكون في الأرض.

- ومنها أرواح تكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه تُلقم الحجارة، كل هذا تشهد له السنة، والله أعلم.  

ومن المباحث: هل الأمارة واللوامة والمطمئنة نفس واحدة أم هي ثلاثة أنفس([12])؟

وقع في كلام كثير من الناس أن لابن آدم ثلاثة أنفس: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة، وأن منهم من تغلب عليه هذه، ومنهم من تغلب عليه هذه، ويحتجون على ذلك بالآيات الثلاث:

قوله تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة} [سورة الفجر آية: 27].

 وقول الله: {لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة} [سورة القيامة آية: 1 - 2].  

 وقوله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء} [سورة يوسف آية: 53]. 

والتحقيق أنها نفس واحدة، ولكن لها صفات، وتُسمَّى باعتبار كل صفة باسم؛ فهي أمارة بالسوء لأنها دفعته إلى السيئة وحملته عليها، فإذا عارضها الإيمان؛ صارت لوامة؛ تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان؛ صارت مطمئنة؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ»([13])، وقال ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يِزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»([14]).  

ومن مباحث الروح: في مسمى الإنسان: هل هو الروح، أو البدن، أو مجموعهما؟

للناس في مسمى الإنسان أربعة أقوال: والذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان، هو البدن والروح معًا، وقد يطلق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة.

وكذلك اختلفوا في كلام الإنسان على أربعة أقوال: هل هو اللفظ فقط، أو المعنى فقط، أو مجموعهما، أو كل واحد منهما، والصواب أن مسمى الكلام هو: اللفظ والمعنى معًا.  

ومن مباحث الروح: هل تتلاقى أرواح الموتى وأرواح الأحياء وتتزاور وتتذاكر([15])؟  

وجواب هذه المسألة: أن الأرواح قسمان: أرواح معذبة، وأرواح منعمة، فالمعذبة في شغل بما هي فيه من العذاب عن التزاور والتلاقي، والأرواح المنعمة المرسلة غير المحبوسة تتلاقى وتتزاور، وتتذاكر ما كان منها في الدنيا، فتكون كل روح مع رفيقها الذي هو على مثل عملها، فروح نبينا محمد ﷺ في الرفيق الأعلى، والدليل على تزاورها وتلاقيها قول الله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [سورة النساء آية: 69]، وهذه المعية ثابتة في الدنيا، وفي دار البرزخ، وفي دار الجزاء، والمرء مع من أحب في هذه الدور الثلاث.    

وقد أخبر الله عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، وأنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل، وهذا يدل على تلاقيهم.

وأما تلاقي أرواح الأحياء وأرواح الأموات، فشواهد هذه المسألة وأدلتها أكثر من أن تحصر، والحس والواقع شاهد بذلك، فتلتقي أرواح الأحياء والأموات؛ كما تلتقي أرواح الأحياء، قال الله تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى} [سورة الزمر آية: 42]، فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في هذه الآية قال: بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فيتساءلون بينهم، فيمسك الله أرواح الموتى، ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها([16])، ويدل على ذلك -أيضًا- أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره، ويخبره الميت بما لا يعلم الحي، فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل، وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه، وربما أخبره بدَيْن عليه، هذا معنى ما ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتاب «الروح»([17]).

ومن مباحث الروح: تميز الأرواح عن بعضها([18]):  

بأي شيء تتميز الأرواح بعضها من بعض بعد مفارقتها الأبدان؟ ومتى تتلاقى وتتعارف؟ وهل تتشكل إذا تجردت بشكل بدنها الذي كانت فيه وتلبس صورته أم كيف حالها؟

وجواب هذه المسألة:  

لا يمكن الجواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة التي تظاهرت عليها أدلة الكتاب والسنة والآثار والاعتبار والعقل، وهو القول بأنها ذاتٌ قائمة بنفسها؛ تصعد، وتنـزل، وتتصل، وتنفصل، وتخرج، وتذهب، وتجيء، وتتحرك، وتسكن. وعلى هذا أكثر من مائة دليل كما قال تعالى: {والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم} [سورة الأنعام آية: 93]، وقال تعالى: {ياأيتها النفس المطمئنة * ارجعي} [سورة الفجر آية: 27 - 28]، وقال تعالى: {ونفس وما سواها} [سورة الشمس آية: 7]، فأخبر أنه سوَّى النفس كما أخبر أنه سوَّى البدن في قوله: {الذي خلقك فسواك} [سورة الانفطار آية: 7]، فهو سبحانه سوَّى نفس الإنسان، كما سوى بدنه، بل سوى بدنه كالقالب لنفسه، وتسوية البدن تابع لتسوية النفس، والبدنُ موضوع له كالقالب لما هو موضوع له، ومن هاهنا يُعلم أن النفس تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، فإنها تتأثر وتنتقل عن البدن كما يتأثر البدن وينتقل عنها، فيكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها.

وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه، فأشد الأشياء ارتباطًا، وتناسبًا، وتفاعلًا، وتأثرًا من أحدهما بالآخر: الروح والبدن؛ ولهذا يقال لها: اخرجي أيتها النفس الطيبة -إن كانت في الجسد الطيب-، واخرجي أيتها النفس الخبيثة -إن كانت في الجسد الخبيث- والأعراض لا تمسك، ولا تنقل من يد إلى يد، وإذا كان هذا شأن الأرواح، فتميزها بعد المفارقة، يكون أظهر من تميز الأبدان، والاشتباه بينهما أبعد من اشتباه الأبدان، فإن الأبدان تشتبه كثيرًا، وأما الأرواح فقلما تشتبه، وإذا كانت الأرواح العلوية -وهم الملائكة- يتميز بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم، وكذلك الجن، فتميز الأرواح البشرية أولى. هذا معنى ما ذكره العلامة ابن القيم -رحمه الله- في كتاب «الروح».

وتتعلق بالروح بحوث كثيرة؛ لا نتمكن من الكلام عليها، لكن تؤجَّل فيما بعد.

 

 

الإيمان بعذاب القبر وسؤال منكر ونكير

وأقوال العلماء فيما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه وسؤال الملكين([19])

(م) (وَبِعَذَابِ القَبْرِ لِمَنْ كَانَ لَهُ أَهْلًا، وَسُؤَالِ مُنْكَرٍ، وَنَكِيرٍ فِي قَبْرِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ، وَنَبِيِّهِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلَهِ وَسَلَّمَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ):

(ش) هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأن المؤمن يُوسع له في قبره مد البصر، والفاجر يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وأن كل إنسان يُسأل عن ربه، ودينه، ونبيه؛ فالمؤمن يثبته الله -نسأل الله أن يثبتنا وإياكم-، فيقول: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي.  

والفاجر لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة، فإذا سُئل: من ربك؟ يقول: ها ها لا أدري، وإذا سئل عن دينه؟ يقول: ها ها لا أدري، وإذا سئل عن نبيه؟ يقول: ها ها لا أدري؛ سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه، فيُضرب بمرزبة من حديد، فيصيح صيحة يسمعه كُلُّ مَنْ خلق اللهُ إلا الثقلين، ولو سمعها الإنسان لصعق -نسأل الله السلامة والعافية-.  

وأما المنكرون لعذاب القبر ونعيمه؛ كالمعتزلة وغيرهم، فإنهم اعتمدوا على العقل وتركوا النصوص وراءهم ظهريًّا، ومن شُبههم؛ يقولون: إن الإنسان قد خرجت روحه، فلا يتأتى أن يُنعم أو يُعذَّب، ونحن لا نرى إحساسًا عند المقبور، ولو فتحنا قبره فلا نرى شيئًا، فلا نؤمن بشيء لا نحس به. وطريقة المعتزلة في النصوص إما أن يخطئوها من ناحية السند، أويؤولوها من ناحية المتن، ويقولون: هي أخبار آحاد، ولا يُحْتَج بها في مسائل العقائد.

وهناك بحوث تتعلق بتلك الشُّبه والجواب عنها، والأسباب المنجية من عذاب القبر، وكذلك سؤال الملكيْن للمقبور؛ هل هو للروح، أو للجسد؟ والسؤال في القبر أيضًا، هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار؟ أو يختص بالمسلم والمنافق؟ وهناك -أيضًا-: بحوث تتعلق بهذا في الأطفال والمجانين؛ هل يُمتحنون، أو لا يُمتحنون؟ وكذلك خطاب الملكين جميعَ الموتى في الأماكن المتعددة في الوقت الواحد، وكذلك عذاب القبر وعذاب البرزخ، ووجه تسميته برزخًا، وفي بيان أن عذاب القبر ينال من هو مستحق له؛ قُبِر أو لم يُقبر، وكذلك في بيان الحياة التي اختص بها الشهداء، كل هذه البحوث طويلة، لا نتمكن من بسطها في هذا الموضع.

بعد هذا ننتقل إلى أقوال العلماء في عذاب القبر ونعيمه، وهل يقعُ على النفس والبدن، أو على أحدهما([20])؟     

سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن هذه المسألة فقال([21]): بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعًا، باتفاق أهل السنة والجماعة؛ تنعم النفس وتعذَّب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليها في هذه الحال مجتمعين، كما يكون على الروح منفردة عن البدن.

وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟  

الخلاصةُ: في هذه المسألة ثلاثة أقوال شاذة، وثلاثة أقوال ليست شاذة:

أولًا الأقوال الشاذة:  

القول الأول: أن النعيم والعذاب لا يكون إلا على الروح، والبدن لا يُنعّم، ولا يُعذَّب مطلقًا، وهذا قول الفلاسفة، والمنكرين لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين.

القول الثاني: قول من ينكر عذاب الروح مطلقًا؛ فالروح –عندهم- بمفردها لا تُنعم ولا تُعذَّب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، كالقاضي أبي بكر وغيره.

القول الثالث: أن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تكون الساعة الكبرى، وهذا يقوله بعض المعتزلة ونحوهم؛ بناءً على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب.  

أما مَن يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، فلهم ثلاثة أقوال:  

أحدها: أنه على الروح فقط، ويقول بهذا كثير من المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام، وهو اختيار ابن حزم وطوائف من المسلمين من أهل الحديث وأهل الكلام.

الثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها.

الثالث: أنه على البدن فقط.  

أما مذهب سلف الأمة وأئمتها:  

فإن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانًا، ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى، أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقام الناس من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان مُتَّفَقٌ عليه بين المسلمين واليهود والنصارى، فمن أنكر معاد الأبدان؛ فهو كافر بإجماع المسلمين، وبنص القرآن. 

واستدل أهل السنة وسلف الأمة على أن النعيم والعذاب، يحصل لروح الميت وبدنه، بأدلة من الكتاب والسنة:

أما الكتاب:

أولًا: قول الله تعالى: {وحاق بال فرعون سوء العذاب * النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر آية: 45 - 46]، ووجه الاستدلال: أن الله أخبر في أول الآية، أنهم يُعْرَضُون على النار غدوًّا وعشيًّا، ثم قال في الختام: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر آية: 46]، فدل على أن العرض السابق إنما هو في القبر قبل يوم القيامة، وهذا يدل على إثبات عذاب القبر.  

ثانيا: قول الله تعالى: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون * يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون * وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون} [سورة الطور آية: 45 - 47]، ووجه الدلالة: أن قوله: {عذابا دون ذلك} [سورة الطور آية: 47] يحتمل أن يراد به: عذابهم بالقتل وغيره؛ في الدنيا، وأن يراد به: عذابهم في البرزخ، وهو أظهر؛ لأن كثيرًا منهم مات، ولم يعذب في الدنيا، أو أن المراد أعم من ذلك، فيشمل مجموع الأمرين: عذابهم في الدنيا، أو في البرزخ، وعلى كل حال، ففيه إثبات عذاب القبر.  

وأما من السنة: فقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا؛ تواترت معنى لا لفظًا، بما يفيدُ القطع واليقين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا يُتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على ذلك.

 

ومن هذه الأدلة:   

أولًا: حديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- وفيه: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»([22])، وفيه في قصة العبد المؤمن، فيقول: «أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ؛ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ القَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ»([23])، وفيه: «فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ، أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا»، وفيه قصة العبد الكافر فيقول: «أَيَّتُهَا النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ، قَالَ: فَتَتَفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المَبْلُولِ»، وفيه: «فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا».  

وذهب إلى موجب هذا الحديث، جميعُ أهل السنة والحديث، وله شواهد من «الصحيح»؛ منها: ما ذكره البخاري -رحمه الله- عن سعيد عن قتادة عن أنس t أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ»، إلى قوله: «فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا».  

قال قتادة: وَذُكِرَ لنا أنه: «يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ»([24]). 

وهذا هو الحديث الثاني.  

الثالث: ما في «الصحيحين» عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ «مَرَّ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتَرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ، فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ثم أخذ جَريدةً رَطِبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرز في كل قَبر واحدةً، قَالوا: يا رسول الله لم فعلت؟ قَالَ: لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»([25]).  

رابعًا: ففي «صحيح أبي حاتم» عن أبي هريرة t قال رسول الله ﷺ: «إِذَّا قُبِرَ أَحَدُكُمْ -أَوِ الإِنْسَانُ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا المُنْكَرُ، وَالآخَرُ النَّكِيرُ...»([26]) الحديث.  

خامسًا: وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُم هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُم السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ: يقولُ: قولوا: اللَّهُمَّ إِنا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المسيح الدَّجَّال، وأعوذبك من فتنة المَحْيَا وَالمَمَاتِ»([27]).

شُبه المنكرين لعذاب القبر ونعيمه:   

المنكرون لعذاب القبر، ونعيمه، وسعته، وضيقه، وكونه حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت يجلس ويقعد فيه؛ الذين أنكروا هذا هم من الملاحدة والزنادقة، ومن تبعهم من أهل الكلام كالمعتزلة؛ وقد تعلقوا بشبه عقلية، حَكَّموها على النصوص وقاسوا فيها الغائب على الشاهد، وقاسوا أحوال الآخرة على أحوال الدنيا؛ فقالوا: إننا إذا كشفنا القبر فلا نجد فيه ملائكة عميًا صمًّا يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات، ولا ثعابين، ولا نارًا تتأجج، ولو كشفناه في حالة من الأحوال؛ لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق، وعلى صدره الخردل؛ لوجدناه على حاله، وكيف يفسح له مد بصره، أو يضيّق عليه ونحن نجده بحاله؟! ونجد مساحته على حد ما حفرنا؛ لم تزد ولم تنقص، وكيف يتسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة؟!  

وقال أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم: كل حديث يخالف مقتضى العقول والحس؛ يُقطع بتخطئة قائله، وقالوا: نحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يُسأل، ولا يجيب، ولا يتحرك، ولا يتوقد جسمه نارًا، ومن افترسته السباع، ونهشته الطيور، وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع، وحواصل الطيور، وبطون الحيتان، ومدارج الرياح، كيف تُسأل أجزاؤه مع تفرقها؟! وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه؟! وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة؟! أو حفرة من حفر النار؟! وكيف يضيق عليه حتى تلتئم أضلاعه؟!

والجواب عن هذه الشبه من وجوه:  

أولًا: أن الرسل لم يخبروا بما تُحيلُه العقول، وتقطع باستحالته، ولكن الرسل يخبرون بما تحار به العقول، فإن أخبارهم قسمان:

أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر.

والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها؛ كالغيوب التي أخبروا بها، عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر، وتفاصيل الثواب والعقاب.  

ثانيًا: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن، ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعًا لها، فإذا جاء يوم الحشر وقيام الناس من قبورهم؛ صار الحكم والنعيم والعذاب، على الأرواح والأجساد جميعًا.  

ثالثًا: أن الله -سبحانه وتعالى- جعل أمر الآخرة، وما كان متصلًا بها؛ غيبًا، وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته؛ وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، وهب أن النار التي في القبر، والخضرة، ليست من نار الدنيا، ولا من زرع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرتها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرتها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن الله -سبحانه- يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه، وتحته، حتى يكون أعظم حرًّا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يُدْفَنان أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار؛ لا يصل حرها إلى جاره، وذلك الثاني في روضة من رياض الجنة، لا يصل رَوْحُها ونعيمها إلى جاره.  

خامسًا: أن الله -سبحانه وتعالى- يحدث في هذه الدار ما هو أبلغ من ذلك، فقد أرانا الله فيها من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير، فمن ذلك:  

أولًا: جبريل -عليه الصلاة والسلام- كان ينـزل على النبي ﷺ ويتمثل له رجلًا، ويكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي ﷺ لا يراه، ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء.  

ثانيًا: أن الجن موجودون ولا نراهم، ويتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة بيننا، ونحن لا نسمعهم.

ثالثًا: أنَّ الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم، وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم، ولا يسمعونهم؛ كما حدث ذلك في غزوة بدر وغيرها.

رابعًا: النخل والحنظل كل منهما يشرب من ماء واحد؛ ويختلف الطلع، كذلك -أيضًا- مما وقع في العصر الحاضر من شأن الكهرباء التي تصعق مَن على الأرض، ولا تصعق مَن على الخشب؛ فهذه كلها أمور أرادها الله في الدنيا.  

ولمَّا كانت طريقة المعتزلة في النصوص إما أن يخطئوها من ناحية السند، أو يؤولوها من جهة المتن، فإنهم قالوا في حديث البراء بن عازب: إنه آحاد فلا يحتج به في مسألة العقائد.  

والجواب: أن هذه الشبه مبنية على القياس مع الفارق؛ وهو: قياس الغائب على الشاهد، وقياس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، وهذا قياسٌ فاسدٌ، وهو خوض في أمر الغيب؛ فأحوال الآخرة مجهولة لنا، وأحوال الدنيا معلومة لنا، فكيف يقاس مجهول على معلوم؟! وكيف يقاس الغائب على الشاهد؟! فإن الله لا يقاس بخلقه. وسر المسألة: أن هذه السعة والضيق، والإضاءة، والخُضرة، والنار التي في القبر، ليست من جنس المعهود في هذا العالم، وعَوْدُ الروح إلى الجسد، ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد الروح إليه إعادة غير المألوفة في الدنيا، والله -سبحانه وتعالى- إنما أشهد بني آدم ما كان فيها، فأما ما كان من أمر الآخرة، فقد أسبل عليه الغطاء؛ ليكون الإقرار به والإيمان سببًا لسعادتهم، فإذا كشف عنهم الغطاء، صار عيانًا مشاهدةً.  

ويجاب عن طعن المعتزلة في حديث البراء بأن يقال: إنه وإن كان آحادًا، فله شواهد يرتقي بها، ويقال: إن الأخبار تواترت معنًى لا لفظًا عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وهي تفيد اليقين، فتصلح للاحتجاج بها في العقائد، بل إنه إذا صح الخبر عن رسول الله ﷺ فإنه يحتج به في العقائد وغيرها، ولو كان خبر آحاد، وتقسيم الأخبار إلى قسمين: خبر آحاد، لا يحتج به في العقائد، وخبر متواتر يحتج به في العقائد؛ فهذا إنما ابتدعه أهل البدع من المعتزلة وغيرهم.

والحكمة في عدم اطلاع الثقلين على ما يحصل للمقبور في قبره:

قال العلماء: الحكمة في ذلك هي: أن الله - تعالى- لو أطْلع عباده على ما يحدث للمقبور في قبره؛ لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس؛ كما في صحيح مسلم، من حديث أنس -رضي الله عنه-، عنه ﷺ أنه قال: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»([28]).

ولمَّا كانت الحكمةُ منتفيةً في حق البهائم، سَمِعَتُهُ وَأَدْرَكَتْهُ؛ ولأن الناس لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يَثْبُتَ لمشاهدة عذاب القبر، وكثير ممن أشهده الله ذلك صعق وأغشي عليه، ولم ينتفع بالعيش زمنًا، وبعضهم كشف قناع قلبه فمات.  

الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور([29])   

الأسباب نوعان: نوع مجمَل، ونوع مفصَّل:

أما المجمل: فإن أهل القبور المعذبين، إنما يعذبون على جهلهم بالله -تعالى- وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه، فلا يعذب الله روحًا عرفته، وأحبته، وامتثلت أمره، واجتنبت نهيه، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة، أثر سخط الله على عبده، ومن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار، ثم لم يتب، فمات على ذلك؛ كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه، ومستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب.  

وأما السبب المفصَّل: فهو كما ورد في النصوص؛ من النميمة، وعدم الاستبراء من البول، وأكل لحوم الناس، ومن صلى صلاة بغير طهور، ومن مر على مظلوم فلم ينصره، ومن كذب الكذبة فتبلغ الآفاق، ومن يقرأ القرآن وينام عنه بالليل، ولا يعمل به بالنهار ومن تتثاقل رءوسهم عن الصلاة، ومن لا يؤدي زكاة ماله، والزاني، ومن يقوم في الفتن بالكلام والخطب، والغلول من الغنيمة، وأكل الربا، وقد أخبر النبي ﷺ عن الرجلين اللذين رآهما يعذبان في قبورهما، يمشي أحدهما بالنميمة بين الناس، ويترك الآخر الاستبراء من البول([30])، فهذا تركَ الطهارةَ الواجبة، وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه، وإن كان صادقًا، وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب والزور والبهتان: أعظم عذابًا، كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيهًا على أن من ترك الصلاة -التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها- هو أشد عذابًا، وفي حديث شعبة: «أَمَّا أَحَدُهُمَا، فَكَانَ يَأْكُلُ لُحُومُ النَّاسِ»([31])، فهذا مغتاب، وذلك نمَّام.  

 

وفي حديث ابن مسعود t الذي ضرب سوطًا امتلأ القبر عليه نارًا؛ لكونه صلى صلاة واحدة بغير طهور، ومرَّ على مظلوم فلم ينصره([32]). وفي حديث سمرة في «صحيح البخاري»([33]) في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، وتعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل ولا يعمل به بالنهار، وتعذيب الزناة والزواني، وتعذيب آكل الربا كما شاهدهم النبي ﷺ في البرزخ.    

وفي حديث أبي هريرة الذي فيه رضخ رءوس أقوام بالصخر؛ لتثاقل رءوسهم عن الصلاة، والذين يسرحون بين الضريع والزقوم؛ لتركهم زكاة أموالهم، والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم؛ والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد؛ لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب([34]).  

وقد أخبر النبي ﷺ صاحب الشملة، التي غلَّها من المغنم، أنها تشتعل عليه نارًا في قبره([35])، هذا وله فيها حق، فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه؟

وبالجملة: فعذاب القبر، عن معاصي القلب، والعين، والأذن، واللسان، والبطن، والفرج، واليد، والرجل، والبدن كله.  

الأسباب المنجية من عذاب القبر([36])  

سببان: سبب مجمل، وسبب مفصَّل:

أما المجمل: فهو تجنب الأسباب التي تقتضي عذاب القبر، ومن أنفعها: أن يجلس الرجل -عندما يريد النوم- لله ساعة يحاسب نفسه فيها على ما خسره وربحه في يومه، ثم يجدد له توبة نصوحًا بينه وبين الله فينام على تلك التوبة، ويعزم على ألا يعاود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة، فإن مات من ليلته؛ مات على توبة، وإن استيقظ؛ استيقظ مستقبلًا للعمل، مسرورًا بتأخير أجله، حتى يستقبل ربه، ويستدرك ما فاته، وليس للعبد أنفع من هذه النومة، ولا سيما إذا عقَّب ذلك بذكر الله واستعمال السنن التي وردت عن رسول الله ﷺ عند النوم، حتى يغلبه النوم، فمن أراد الله به خيرًا وفقه لذلك، ولا قوة إلا بالله.   

وأما السبب المفصل: فهو مما دلَّت عليه الأحاديث عن رسول الله ﷺ فيما ينجي من عذاب القبر، فمنها:  

أولًا: ما رواه مسلم في «صحيحه» عن سلمان t قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ، الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ»([37]).  

ثانيًا: في «جامع الترمذي» حديث فضالة بن عبيد عن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْمَى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ»([38]).

ثالثًا: ما روي عن النبي ﷺ: «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ إِلَّا الشَهِيدَ؟ قَالَ: كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأْسِهِ فِتْنَةً»([39]).

رابعًا: قوله ﷺ في سورة الملك: «هِيَ المَانِعَةُ، هِيَ المُنْجِيَةُ، تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»([40]).

خامسًا: ما في «سنن ابن ماجه» من حديث أبي هريرة t رفعه: «مَنْ مَاتَ مَريضًا، مَاتَ شَهِيدًا، وَوُقِيَ فِتْنَةَ القَبْرِ»([41]).

 

ومن مباحث عذاب القبر ونعيمه:

ما يتعلق بذلك السؤال في القبر من الملكيين: هل هو للروح أم ماذا؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-([42]): الأحاديث الصحيحة المتواترة تدل على عود الروح إلى البدن وقت السؤال، وسؤال البدن بلا روح قول قاله طائفة من الناس، وأنكره الجمهور، وقابلهم آخرون، فقالوا: السؤال للروح بلا بدن، وهذا قاله ابن (مرة ؟؟؟؟ فيها ملاحظة لعلها (مسرَّة) يراجع الشيخ؟؟؟؟؟؟؟) وابن حزم وكلاهما غلط، والأحاديث الصحيحة ترده، ولو كان ذلك على الروح فقط لم يكن للقبر بالروح اختصاص، وترجيح مذهب الجمهور أنه للروح والبدن، قالوا: قد كفانا رسول الله ﷺ أمر هذه المسألة وأغنانا عن أقوال الناس، حيث صرح بإعادة الروح إليه في أحاديث كثيرة: منها:  

أولًا: حديث البراء بن عازب وفيه: «فَتُعَادُ الرُّوحُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ فَيِقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ، فَيَقُولَانِ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللهِ، وَعَمِلْتُ بِهِ، وَصَدَّقْتُ »، وفي قصة العبد الكافر: « فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيِأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهَا لَا أَدْرِي، وَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهَا لَا أَدْرِي...»([43]) الحديث.

وذهب إلى القول بموجب هذا الحديث جميع أهل السنة، قال ابن منده -بعد سياق حديث البراء-([44]): هذا حديث ثابت مشهور مستفيض، صححه جماعة من الحفاظ، ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث طعن فيه، بل رووه في الكتب، وتلقوه بالقبول، وجعلوه أصلًا من أصول الدين في عذاب القبر، ونعيمه، ومُساءَلة منكرٍ، ونكير، وقبض الأرواح، وصعودها بين يدي الله، ثم رجوعها إلى القبر.

ثانيًا: ما ذكره البخاري عن سعيد عن قتادة عن أنس t أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ...»، إلى قوله: «فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبَدَ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا»([45]).  

ثالثًا: وفي «صحيح ابن أبي حاتم» عن أبي هريرة t قال: قال النبي ﷺ: «إِذَا قُبِرَ أَحَدُكُمْ، -أَوِ الإِنْسَانُ- أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَالآخَرُ نَكِيرٌ...»([46]) الحديث.

ومن مباحث السؤال في القبر:

هل هو عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار ؟ أم يختص بالمسلم والمنافق؟

قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد»([47]): «الآثار الثابتة في هذا الباب، إنما تدُّل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمنٍ أو منافق، ممن كان في الدنيا منسوبًا إلى أهل القبله ودين الإسلام بظاهر الشهادة، وأما الكافر الجاحد المبطل، فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام، والله أعلم. يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة». اهـ

والقرآن والسنة يدلان على خلاف هذا القول، وأن السؤال للكافر والمسلم؛ من ذلك قول الله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [سورة إبراهيم آية: 27].

وفي «الصحيحين» عن أنس بن مالك t عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهمْ»([48]) وذكر الحديث، زاد البخاري: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُه النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا تَلَيْتَ، وَيُضْرَبُ بِمطارِق مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غير الثَّقَلَيْنِ»، هكذا في البخاري([49])، «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ» –بالواو-، وفي حديث أبي سعيد الخدري: «كُنَّا فِي جَنَازِةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَإِذَا الإِنْسَانُ دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ جَاءَهُ مَلَكٌ وَفِي يَدِهِ مِطْرَقَةٌ، فَأَقْعَدَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فَي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ لَهُ: صَدَقْتَ، فَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: هَذَا مَنْـزِلُكَ لَوْ كَفَرْتَ بِرَبِّكَ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ، وَلَا اهْتَدَيْتَ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الجَنَّةِ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا مَنْـزِلُكَ لَوْ آمَنْتَ بِرَبِّكَ، فَأَمَّا إِذَا كَفَرْتَ، فَإِنَّ اللهَ أَبْدَلَكَ بِهِ هَذَا، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ»([50]) الحديث.

وفي حديث البراء بن عازب الطويل: «وَأَمَّا الكَافِرُ إِذَا كَانَ فِي قُبُلٍ مِنَ الآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا نَـزَلَ عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ مِنَ السَّمَاءِ، مَعَهُمْ مُسُوحٌ»، وذكر الحديث إلى أن قال: «ثُمَّ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فِي قَبْرِهِ»([51])، وذكر الحديث، وفي بعض روايات حديث البراء: «وَأَمَّا الفَاجِرُ»([52])، واسم الفاجر في عرف القرآن والسنة يتناول الكافر قطعًا.

وهذه الأدلة صريحة في أن السؤال للكافر والمنافق، كما رواه مسلم، وأما قول أبي عمر بن عبد البر -رحمه الله-: وأما الكافر الجاحد المنكر فليس ممن يسأل عن ربه ودينه؛ فيقال له: ليس كذلك، بل هو من جملة المسئولين، وأولى بالسؤال من غيره، وقد أخبر الله في كتابه أنه يسأل الكافر يوم القيامة؛ قال تعالى: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} [سورة القصص آية: 65]، وقال تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون} [سورة الحجر آية: 92 - 93]، فإذا سئلوا يوم القيامة، فكيف لا يسألون في قبورهم.  

ومن المباحث في عذاب القبر: وجه تسميته برزخًا:  

ينبغي أن يُعلم أن عذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون} [سورة المؤمنون آية: 100]، وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة، وسمي عذاب القبر ونعيمه وأنه روضة أو حفرة نار؛ باعتبار غالب الخلق.

وعذاب القبر يناله من هو مستحق له؛ قُبر أو لم يقبر، فمن أكلته السباع، أو احترق حتى صار رمادًا، أو نُشر في الهواء، أو صُلب، أو غرق في البحر: وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وكذلك المصلوب، ومن أكلته الطيور لهم من عذاب البرزخ ونعيمه قسطه الذي تقتضيه أعماله، حتى لو عُلِّقَ الميتُ على رءوس الأشجار؛ في مهب الرياح؛ لأصاب جسمه من عذاب البرزخ، حظه ونصيبه، ولو دفن الرجل الصالح في تابوت من النار؛ لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه، نصيبهُ وحظُّه، فيجعل الله النار على هذا بردًا وسلامًا، والهواء على ذلك نارًا وسمومًا، فعناصر العالم، ومواده منقادة لربها وفاطرها وخالقها، يصرّفها كيفما يشاء، ولا يستعصي عليه منها شيء أراده.   

وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه، ونحو ذلك، فهو حق، ويجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلوٍّ ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمل، ولا يقصر به عن مراده ما قصده من الهدى والبيان، وكم حصل بإهمال ذلك، والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب، ما لا يعلمه إلا الله. وسوءُ الفهم عن الله ورسوله، أصلُ كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد، والله المستعان.

ومن المباحث في عذاب القبر:  

هل هو دائم أو منقطع([53])؟

والجواب: أنه نوعان:

الأول: نوع دائم، وهو عذاب الكفار، ويدل عليه قولُ الله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر آية: 46].  

وحديث البراء بن عازب -رضي الله عنهما- في قصة الكافر: «ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَقْعَدِهِ فِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، رواه الإمام أحمد([54])، وفي بعض طرقه: «ثُمَّ يَخْرِقُ لَهُ خَرْقًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ عَذَابِهَا وَدُخَانِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»([55]).

النوع الثاني: عذاب إلى مدة مؤقتة، وهو عذاب بعض العصاة الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة، ثم يزول عنه العذاب، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو حج يصل إليه من أقاربه أو غيرهم، وهذا كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا، فيخلص من العذاب بشفاعته، لكن هذه شفاعة قد لا تكون بإذن المشفوع عنده، والله -سبحانه- لا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع، إذا أراد أن يرحم المشفوع له.

ومن المباحث: ضغطة القبر وضمته: وهل ينجو منها، ومن السؤال وفتنة القبر، أحد؟

جاءت النصوص بأن ضغطة القبر وضمته لكل أحد، وكذلك السؤال والفتنة في القبر، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا نَجَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ»([56]).

قال بعضهم: الفرق بين المسلم والكافر في ضمة القبر؛ دوامها للكافر، وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نـزوله قبره، ثم يعود الانفساح له فيه، والمراد بضغطة القبر ارتفاع جانبيه على جسد الميت، قال بعضهم: سبب هذه الضغطة؛ أنه ما من أحد إلا وقد ألمَّ بخطيئة ما؛ وإن كان صالحًا، فجُعلتْ هذه الضغطة جزاءً لها، ثم تدركه الرحمة؛ ولذلك ضُغط سعد بن معاذ t، وأما الأنبياء فلا نعلم أن لهم في قبورهم ضمة، ولا سؤالًا؛ لعصمتهم؛ لأن السؤال عن الأنبياء وما جاءوا به، فكيف يسألون عن أنفسهم؟!   

وأما الحياة التي اختص بها الشهداء، وامتازوا بها عن غيرهم في قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} [سورة آل عمران آية: 169]، وقوله تعالى: {ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون} [سورة البقرة آية: 154]؛ فقد جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طير خضر، كما في حديث عبد الله بن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ - يعني يوم أحد - جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَلِجُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُظَلَّلَةٍ فِي ظِلِّ العَرْشِ»([57])، الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله U حتى أتلفها أعداء الدين، عوضهم عنها في البرزخ أبدانًا خيرًا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من تنعم الأرواح المجردة عنها؛ ولهذا كان نسمة المؤمن كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمل لفظ الحديثين:  

ففي «الموطأ» أن كعب بن مالك يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»([58]) فقوله: «نَسَمَةُ المُؤْمِنِ» يعم الشهيد وغيره، ثم خص الشهيد بأن قال: « هُوَ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ»([59])، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير؛ صدق عليها أنها طير، فتدخل في عموم الحديث الآخر، وهو أنها طائر بهذا الاعتبار، فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكبر من نصيب غيرهم من الأموات على فرشهم، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم، فللشهيد نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه، وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، كما ثَبَتَ في «السنن»([60]).

وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مُدَدٍ مِنْ دفنهم، كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم حشره، ويحتمل أنه يَبْلى مع طول المدة، والله أعلم، وكأنه كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول-والله أعلم-.  

وأما الفرق بين الميت على فراشه والشهيد: فالشهيد له خصوصية، وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم؛ كمحمد ﷺ أعلى من الشهيد من ناحية النبوة، وحمزة عم النبي ﷺ شهيد، فله امتيازٌ غير ما يكون للنبي من ناحية، وإن كان أقل من نبيه؛ وإن كان أقل نبي أفضل من أي شهيد.  

 

ومن المباحث التي تتعلق بعذاب القبر:

ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن، مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به([61])؟

والجواب من وجهين: مجمل، ومفصل:  

أما المجمل: فهو أن الله -سبحانه وتعالى- أنـزل على رسوله وحيين، وأوجب على عباده الإيمان بهما والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، قال الله تعالى: {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة} [سورة النساء آية: 113]، ثم قال: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} [سورة الجمعة آية: 2].

وقال: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [سورة الأحزاب آية: 34]، والكتاب هو القرآن، والحكمة هي السنة باتفاق السَّلف، وما أخبر به النبي ﷺ فهو في وجوب تصديقه والإيمان به؛ كما أخبر الله به في كتابه، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكره إلا من ليس منهم، قال النبي ﷺ: «إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»([62]).   

وأما الجواب المفصل: فهو أن نعيم البرزخ وعذابه، مذكوران في القرآن في غير موضع؛ منها: قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} [سورة الأنعام آية: 93]، وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخّر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا؛ لمَّا صح أن يقال لهم: (اليوم تجزون). 

ومنها قوله تعالى: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا} [سورة غافر آية: 46]، إلى قوله: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [سورة غافر آية: 46]، ومنها قوله تعالى: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} [سورة الطور آية: 45]، إلى قوله: {وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك} [سورة الطور آية: 47]، وأدلة أخرى غيرها([63]).     

القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار

(م) (وَالقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ):

(ش) هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ أن القبر للمؤمن يكون روضة من رياض الجنة، وللكافر حفرة من حفر النار، نعوذ بالله، والعاصي بَيْنَ بَيْنَ؛ فهو على خطر.  

الإيمان بالبعث والعرض والحساب والثواب والعقاب والصراط والميزان

(م) (وَنُؤْمِنُ بِالبِعْثِ، وَجَزَاءِ الأَعْمَالِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَالعَرْضِ، وَالحِسَابِ، وَقِرَاءَةِ الكِتَابِ، وَالثَّوَابِ، وَالعِقَابِ، وَالصِّرَاطِ، وَالمِيزَانِ):

(ش) هذا معتقد أهل السنة والجماعة؛ الإيمان بالبعث، ومعاد الأبدان، وجزاء الأعمال، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب والثواب والعقاب، والصراط والميزان، فمن لم يؤمن بأن الله يبعث الأجساد، ويعيد الأرواح؛ فهو كافر بإجماع المسلمين. وقد أمر الله نبيه أن يقسم على البعث في ثلاثة مواضع من كتابه قال الله تعالى: 

- {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} [سورة سبأ آية: 3].

- وقال سبحانه: {ويستنبئونك أحق هو} يعني البعث {قل إي وربي إنه لحق}   [سورة يونس آية: 53].  

- وقال سبحانه: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} [سورة التغابن آية: 7].  

والفلاسفة يقولون: البعث للروح، فهم لا ينكرون ذلك، ولكن ينكرون بعث الأجساد، وهم كفار بهذا.

والبعث لغةً: هو الإرسال، وَبَعَثَهُ كَمَنَعَهُ؛ لفظًا، بمعنى: أرسله.

وشرعًا: إحياء الله الموتى وإخراجهم من قبورهم للحساب والجزاء، والمراد به: المعاد الجسماني، وهو أن يبعث الله الموتى من القبور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها([64]).  

وأما النشور: فهو مرادف البعث؛ ومعنى نشر الميت: ينشر نشورًا؛ إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله: أي أحياه.

وأما الحشر: فهو في اللغة الجمع، والمراد به جمع أجزاء الإنسان بعد التفرقة، ثم إحياء الأبدان بعد موتها.

والإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، وهو حق واقع، فيجب الإيمان به والتصديق، وقد أخبر الله عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، وردَّ على مُنكريه في غالب سور القرآن.

وجزاء الأعمال والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والعرض، كل هذا يجب الإيمان به.  

والحساب في اللغة: العدُّ.

واصطلاحًا: تعريف الله الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم، وتذكيره إياهم ما قد نسوه([65])، ومن الأدلة على ذلك:

قول الله تعالى: {يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه}  [سورة المجادلة آية: 6].

وقد أخبر الله -سبحانه وتعالى- أن المؤمن {يحاسب حسابا يسيرا} [سورة النشقاق آية: 8].

 وجاء في الحديث: « أَنَّ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ » ، فاستشكلت عائشة -رضي الله عنها- ذلك، وسألت النبي ﷺ عن ذلك فقالت: «أليس قد قال الله: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [سورة النشقاق آية: 8]؟»([66]).

ووجه التعارض: أن الآية تثبت جنس الحساب، والحديث يثبت هلاك من حوسب، وأجاب النبي ﷺ أن المراد بالحساب في الآية؛ العرض، وفي الحديث؛ المناقشة، لا مطلق الحساب، كما في «الصحيحين» من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ عُذِّبَ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ: {فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا * وينقلب إلى أهله مسرورا}  [سورة النشقاق آية: 7 - 9]؟ فَقَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ القَيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ».   

وقراءة الكتاب: أي: صحف الأعمال: جمع صحيفة، وهي الكتب التي كتبتها الملائكة، وأحسن ما فعله الإنسان من سائر أعماله القولية والفعلية وغيرها، وإنما يؤتى بالصحف إلزامًا للعباد ودفعًا للجدل والعناد، قال الله تعالى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا} [سورة الإسراء آية: 13]؛ قال العلماء: معنى: طائره؛ عمله، وفي الآية الأخرى {فأولئك يقرأون كتابهم ولا يظلمون فتيلا} [سورة الإسراء آية: 71]؛ والفتيل: هو القشر الذي يكون في شق النواة.  

بعد هذا ننتقل إلى مبحث البعث والمعاد:

الإيمان بالمعاد مما دَلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، فهو حق واقع، يجب الإيمان به والتصديق، ومن لم يؤمن بالبعث، فهو كافر بنص القرآن وبإجماع المسلمين، فقد أخبر الله -سبحانه وتعالى- عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، ورد على منكريه في غالب سور القرآن، والقرآن بيَّن معاد النفس عند الموت، ومعاد البدن عند القيامة الكبرى، في غير موضع.

قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-([67]): معاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. 

وقال الجلال الدواني: هو بإجماع أهل الملل وشهادة نصوص القرآن.

ونصوص البعث أكثر من النصوص التي في الصفات والأسماء، فالكلام في البعث في القرآن أكثر من الكلام في الرب، وسبب ذلك: كثرة الإنكار للبعث، وقلة الإنكار للرب، وذلك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم متفقون على الإيمان بالله، فإن الإقرار بالرب فطري عام في بني آدم، فكلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر، فإن منكريه كثيرون.

وزعم بعض الملاحدة أن أخبار البعث، ونصوصه من باب التخييل، ومنشأ هذا الزعم أن محمدًا ﷺ لما كان خاتم الأنبياء وكان قد بعث هو والساعة كهاتين -وكان هو الحاشر المقفي؛ أي أنه قفى النبيين، فجاء بعدهم فكان ختامهم-، بين تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، فإنها أجملت ولم تفصل، فزاد محمد ﷺ على الأنبياء في تفصيل المعاد مما يتصل بالسؤال، والشفاعة، والحساب، ودرجات أهل الجنة، ودركات أهل النار؛ فلمجيء محمد ﷺ بالتفصيل، وَمْنَ سَبَقهُ بالإجمال؛ ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم، أنه لم يفصح في معاد الأبدان إلا محمد ﷺ، وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري، أي الحجج التي ترضي الجمهور وإن كانت غير واقعية.  

وللرد عليهم نقول: إن زعمهم هذا كذب، فإن القيامة الكبرى معروفة عند الأنبياء من آدم إلى نوح إلى إبراهيم إلى موسى وعيسى وغيرهم -عليهم الصلاة والسلام- من حين أُهبِطَ آدم؛ قال تعالى: {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} [سورة الأعراف آية: 24]، والذي أخبر به محمد ﷺ ثلاثة أنواع: إقسام وإخبار وإنذار:   

فالإقسام: كما في قوله: U {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} [سورة سبأ آية: 3]، وقوله سبحانه: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن} [سورة التغابن آية: 7]، وقال سبحانه: {ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق} [سورة يونس آية: 53]، فهذه ثلاث آيات أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم فيها على البعث، وأخبر الله -سبحانه وتعالى- عن اقترابها بقوله: {اقتربت الساعة وانشق القمر} [سورة القمر آية: 1]، وبقوله: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون} [سورة الأنبياء آية: 1]، وبقوله: {سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع} [سورة المعارج آية: 1 - 2]، إلى قوله: {إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا} [سورة المعارج آية: 6 - 7].

وذم الله المكذبين بالمعاد فقال: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين} [سورة يونس آية: 45]، وقال: {ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد} [سورة الشورى آية: 18]، وقال: {بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون} [سورة النمل آية: 66]، وقال: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا} [سورة النحل آية: 38]؛ إلى أن قال: {وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين} [سورة النحل آية: 39]، وقال: {إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون} [سورة غافر آية: 59]، وقال: {ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا * ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا باياتنا وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا} [سورة الإسراء آية: 97 - 98].  

وقد أخبر الله بأنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين في آيات من القرآن، وأخبر عن أهل النار أنهم قال لهم خزنتها: {ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} [سورة الزمر آية: 71]، وهذا اعتراف من أصناف الكفرة الداخلين جهنم، أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا، فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة، فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد، يذكر ذلك فيها في الدنيا وفي الآخرة.  

ومن شُبه المنكرين للمعاد: الجهل بالله، وزعمهم عدم إعادة العظام والرفات خلقًا جديدًا، فقال تعالى: {وقالوا أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا جديدا}  [سورة الإسراء آية: 49]، والله -سبحانه وتعالى- يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته وكمال حكمته، فإن شُبه المنكرين للمعاد كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:

أحدها: اختلاط أجزاء الميّت بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز، ولا يحصل معه تميز شخص عن شخص.  

الثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك.

الثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه، أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئًا بعد شيء؛ هكذا؛ كلما مات جيل خَلَفَهُ جيلٌ آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله، ثم يحييه بعد ذلك؛ فلا حكمة في ذلك.

فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:  

أحدها: تقدير كمال علم الرب -سبحانه-، كما قال في جواب من قال: {من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}  [سورة يس آية: 78 - 79]، وقال: {وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل * إن ربك هو الخلاق العليم} [سورة الحجر آية: 85 - 86]، وقال {قد علمنا ما تنقص الأرض منهم}  [سورة ق آية: 4].  

الثاني: تقدير كمال قدرته كقوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} [سورة يس آية: 81]، وقوله: {بلى قادرين على أن نسوي بنانه}  [سورة القيامة آية: 4]، وقال: {ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير} [سورة الحج آية: 6].

ويجمع الله -سبحانه- بين الأمرين كما في قوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم} [سورة يس آية: 81].

الثالث: كمال حكمته؛ كقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين} [سورة الدخان آية: 38]، وقوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا}  [سورة ص آية: 27]، وقوله: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [سورة القيامة آية: 36]، وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق}  [سورة المؤمنون آية: 115 - 116]، وقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}  [سورة الجاثية آية: 21]. 

ولهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب -تعالى- وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه، وتوجبه، وأنه منـزه عما يقوله المنكرون، كما ينـزه كماله عن سائر العيوب والنقائص.  

والاستدلال بالقرآن من ناحيتين:  

الأولى: الخبر؛ من ناحية كونه صدر عن المعصوم.

الثانية: من ناحية الاستدلال بالآيات الكونية على قدرة الله -تعالى-.

ومن الأدلة العقلية على البعث: قول الله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [سورة يس آية: 78 - 83]، وقد افتتح -سبحانه- هذه الحجة بسؤال أورده ملحدٌ بقوله: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [سورة يس آية: 78 - 79]، فأجيب بجوابين:

الأول: قوله: {ونسي خلقه} [سورة يس آية: 78]؛ وهذا يفي بالجواب.

والثاني: قوله: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم} [سورة يس آية: 79].

ولهذا فإن الثاني تأكيد للحجة وزيادة تقريرها؛ فقد احتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، إذ كل عاقل يعلم ضروريًّا أن مَنْ قدر على هذا، قدر على هذا، وأنه لو كان عاجزًا عن الثاني؛ لكان عن الأول أعجز وأعجز.

ثم أكد هذه الحجة بالحجة الثانية والدليل الثاني، وهو ردٌّ على شبهة ثانية لملحد آخر يتضمن الدليل: وهو قوله: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} [سورة يس آية: 80]، فإن هذه الآية تتضمن شبهة أوردها ملحد يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعةً حارة رطبة، فأجاب الله -سبحانه وتعالى- بالدليل والجواب معًا فقال: {الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون} [سورة يس آية: 80]؛ فأخبر -سبحانه- بإخراج هذا العنصر، الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة -وهو النار- من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يُخرج الشيءَ من ضده، وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه؛ هو الذي يفعل ما أنكره الملحد وَدَفَعَهُ من إحياء العظام وهي رميم.   

الدليل الثالث: الاستدلال بالكبير على الصغير في قوله: {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} [سورة يس آية: 81]، فهذا فيه الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل، فهو على ما دون ذلك بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار، فهو على حمل أوقية أشد اقتدارًا.   

الدليل الرابع: أنه ليس فعله -سبحانه وتعالى- بمنـزلة غيره الذي يفعل بالآلات، بل {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [سورة يس آية: 82]، فهو -سبحانه وتعالى- يستقل بالفعل لا يحتاج إلى آلة ومُعين، بل يكفي في خلقه لما يريد؛ أن يخلقه ويكونه نَفْسُ إرادته، وقوله للمكَّون: كن، فإذا هو كائنٌ كما شاءه وأراده.

الدليل الخامس: إخباره -سبحانه- بأن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله؛ ولهذا قال -سبحانه-: {فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون} [سورة يس آية: 83]، ختم -سبحانه- هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله وقوله.

ومن الأدلة: الاستنكار على من ينكر البعث ببيان كمال الحكمة في قوله: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} [سورة القيامة آية: 36]، ومثل ذلك الاحتجاج في قوله تعالى: {ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} [سورة الحج آية: 5]، وقوله: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [سورة المؤمنون آية: 12]، إلى أن قال: {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} [سورة المؤمنون آية: 16]، ومثله: ذكر قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم ثلاثمائة سنة شمسية، وثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها: {وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا}  [سورة الكهف آية: 21].

والقائلون بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، لهم في المعاد خبط واضطراب، وهم فيه على قولين:

القول الأول: من يقول تعدم الجواهر ثم تعاد.  

والقول الثاني: من يقول تُفَرَّقُ الأجزاء ثُم تجتمع، فَأُورد عليهم: الإنسانُ الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تُعد من هذا؟ وأورد عليهم: أن الإنسان يتحلل دائمًا، فما الذي يعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك؛ لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف ما جاءت به النصوص، وإن كان غير ذلك؛ فليس بعض الأبدان بأولى من بعض.  

فأجاب بعضهم عن هذا بجوابين:

الجواب الأول: أجاب بعضهم بأن الإنسان، فيه أجزاء أصلية لا تتحلل، ولا يكون فيها شيء من ذلك الحيوان الذي أكله الثاني، وهذا القول لعامة المسلمين، ويدخل فيه المعتزلة والأشعرية، وجميع فرق الإسلام؛ والعقلاء يعلمون أن بدن الإنسان نفسه كله يتحلل، وليس فيه شيء باق، فصار ما ذكروه في المعاد مما قَوّى شبهة المتفلسفة في إنكار المعاد.  

القول الثاني: الذي عليه السلف وجمهور العقلاء؛ أن الأجسام تنقلب من حال إلى حال([68])، فتستحيل ترابًا، ثم ينشؤها الله نشأة أخرى، كما استحال في النشأة الأولى، فإنه كان نطفة، ثم صار علقة، ثم صار مضغة، ثم صار عظامًا ولحمًا، ثم أنشأه الله خلقًا سويًّا، كذلك الإعادة؛ يعيده الله بعد أن يبلى كله إلا عجب الذنب، كما ثبت في «الصحيح» عن النبي ﷺ أنه قال: «لَيسَ مِنَ الإنسان شَيءٌ إِلا يَبْلى إلاّ عظماً واحداً؛ وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الخلْقُ يَوْمَ القِيامة»([69])، وفي حديث آخر: «إِنَّ الأَرْضَ تُمْطَرُ مَطَرًا كَمَنِيِّ الرِّجَالِ، يَنْبُتُونَ فِي القُبُورِ، كَمَا يَنْبُتُ النَّبَاتُ»([70]).

فالنشأتان نوعان تحت جنس، يتفقان ويتماثلان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه، والمعاد هو الأول بعينه، وإن كان بين لوازم الإعادة، ولوازم البدء فرق فعجب الذنب هو الذي يبقى، وأما سائره فيستحيل فيعاد من المادة التي استحال إليها، ومعلوم أن من رأى شخصًا وهو صغير، ثم رآه وقد صار شيخًا، علم أن هذا هو ذاك مع أنه دائمًا في تحلل واستحالة؛ وكذلك سائر الحيوان والنبات، ومن رأى شجرة وهي صغيرة، ثم رآها كبيرة قال: هذه تلك، وليست صفة تلك النشأة الثانية مماثلة لصفة هذه النشأة، حتى يقال إن الصفات هي المغيّرة، لا سيما أهل الجنة إذا دخلوها، فإنهم يدخلونها على صورة آدم، طوله ستون ذراعًا، كما ثبت في «الصحيحين» وغيرهما([71]).

أما العرض، فإنه روي أن عرضه سبعة أذرع، لكن الحديث فيه ضعف([72]). والقائلون بأن الإنسان مركب من الجواهر -وهم أهل الكلام- يقولون: إنه مركب من أجزاء صغيرة غير قابلة للقسمة، ويسمونها بالجواهر الفردة، وهذا مذهب سائر المتكلمين، فإن الأجسام عندهم مركبة من هذه الجواهر المتماثلة، وإنما تتمايز الأجسام بما يخلقه الله فيها من الأعراض، وقد غلا المتكلمون من المعتزلة والأشاعرة في التعويل على نظرية الجواهر الفردة، وهي في الأصل نظرية يونانية قديمة، قال بها «ديموكريس» الفيلسوف الطبيعي اليوناني، وقد بنوا عليها كثيرًا من الأصول الإيمانية، فجعلوها عمدتهم في الاستدلال على حدوث العالم، ووجود المحدث له، حتى إن أحد كبار الأشاعرة وهو القاضي أبو بكر الباقلاني قد أوجب الإيمان بوجود الجوهر الفرد، بناء على أن الإيمان بوجود الله متوقف على ثبوته([73])، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما بنوا على تلك النظرية ما يترتب على حدوث العالم من أن الله، فاعل بالاختيار لا موجب بالذات، كما يقوله الفلاسفة -فإنَّ الفلاسفة يقولون: الله موجب بالذات، لا فاعل بالاختيار-، وأنه لا تأثير لشيء من الأسباب في مسبباتها، بل يخلق الله الأشياء عند وجود أسبابها؛ لا بها، وهكذا انحرف المتكلمون عن الجادة، واعتمدوا في استدلالهم على وهم كاذب؛ ربطوا به مصير العقائد الإيمانية كلها. والجوهر الفرد مَنْ العلماء من قال: لا وجود له، ومنهم من قال: إن له وجودًا، فصار الإيمانُ بالله عند أهل الكلام، والإيمانُ بالبعث والمعاد مرتبطًا بالجوهر الفرد، وهذا من بدع أهل الكلام، فإن الله -سبحانه وتعالى- يحل في الإيمان به، والإيمان بالبعث والمعاد، إلى الجوهر الفرد.  

ومما يتعلق بالإيمان بالبعث: النفخ في الصور([74]): 

والنفخ في الصور جاء في «الصحيحين» في الحديث أن النبي ﷺ قال: «لَا تُخَيِّرُوني مِنْ بِيْنَ الأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ، فَإِذَا أَنا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ؟»([75]).

وجاء في الحديث الآخر: «فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللهُ؟»([76]).  

فنشأ الإشكال في هذا الحديث، وسبب هذا الإشكال ناشئ من أنه دخل على الراوي حديثٌ في حديثٍ؛ فركَّب بين اللفظين، بيان ذلك أن قوله في الحديث: «فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ؟»([77])، جاء بعض الرواة، فروى الحديث هكذا: «فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ؟»([78])، وفي لفظ آخر: «إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلُ مَنْ يَفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ؟»([79]).

ووجه الإشكال: أنه في أول الحديث قال: «يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وهذا يدل على أن الناس قاموا من القبور، ووقفوا للحساب، وفي آخر الحديث قال: «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ» يدل على بدء الخروج من القبور، حيث تنشق عنه -عليه الصلاة والسلام- الأرض، ولم يقف الناس بَعْدُ للحساب، فيفسد المعنى بذلك؛ لأن انشقاق الأرض قبل الموقف، والصعق في الموقف، ومنشأ الإشكال: الوهم من بعض الرواة، بإدخال حديث في حديث.

وحل الإشكال رد الحديث إلى أصله، وهو أن صواب الحديث هكذا: «إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ» وليس: «فأكون أول من تنشق عنه الأرض»، وإنما وهم بعض الرواة.

وكذلك أشكل في الحديث رواية بعض الرواة، فإنه روى في آخر الحديث: «لَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ؟».  

ووجه الإشكال: أنه في آخر الحديث، استثني من صعقة يوم القيامة؛ لأن أول الحديث: «إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ»، ثم قال في آخره: «فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ؟» فاستثني من صعقة يوم القيامة.

والذين استثناهم الله إنما هم مستثنون من صعقة النفخة، لا من صعقة يوم القيامة كما قال تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [سورة الزمر آية: 68]، ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة، فالصعق الذي استثنى الله فيه في سورة «الزمر» و«النمل» هو صعق تخريب العالم، وسببه؛ النفخ في الصور والفزع، والمستثنى قيل: ملك الموت، وثلاثة ملائكة معه.

ومنشأ الإشكال الوهم من بعض الرواة، حيث اشتبه عليه أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة.

فالمعنى الصحيح: أن الصعق يوم القيامة؛ لتجلِّي الله لعباده، إذا جاء لفصل القضاء، وموسى -عليه الصلاة والسلام- إن كان لم يُصعق معهم، فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكًّا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضًا عن صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم.

وأما قوله: «فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ U»، فلا يلتئم على مساق الحديث قطعًا، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث، وكيف يقول: لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟ فتأمل.

وممن نبه على هذا الحافظ أبو الحجاج المزي، والحافظ العلامة ابن القيم، والحافظ عماد الدين ابن كثير؛ نبهوا على هذا الوهم من الرواة([80])، وأنه دخل على الرواة حديث في حديث.

والصعق نوعان:

الأول: صعق البعث: وسببه هو النفخ في الصور، ووقتُه: يومُ القيامة. 

والثاني: صعق التجلي: وسببه تجلي الله للخلائق، ووقته: في موقف يوم القيامة.

والنفخ في الصور، نفختان على الصحيح، وقال بعضهم: ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة الموت، والصواب: أن نفخة الفزع، ونفخة الصعق؛ نفخة واحدة؛ طويلة، يطولها إسرافيل ويمدّها، أولها فزع وآخرها موت، وأما الحديث الذي فيه إثبات ثلاث نفخات، فهو حديث ضعيف. 

فأولها: نفخة الفزع، ويتغير بها هذا العالم، ويفسد نظامه، ويسير الله الجبال، وترتج الأرض بأهلها رجًّا، وتكون كالسفينة الموقرة في البحر تضربها الأمواج، وتميد الأرض بالناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتثور الشياطين هاربين من الفزع، حتى تأتي الأقطار فتتلقاها الملائكة، وتضربها في وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين، فينادي بعضهم بعضًا، وذلك قول الله تعالى: {التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم} [سورة غافر آية: 32 - 33]، وتتصدع الأرض، وتكون السماء كالمهل، فيرى الناس أمرًا عظيمًا، وهي المشار إليها بقوله تعالى: {وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق}» [سورة ص آية: 15] أي: من رجوع وَمَرَدٍّ، وقوله {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [سورة النمل آية: 87] قيل: المستثنى ملكُ الموت وجبريل وميكائيل وإسرافيل، وقيل: غير ذلك، وإنما يحصل الفزع لشدة ما يقع من هول تلك النفخة، ثم يكون آخرها صعقاً وموتاً، وفيها هلاك كل شيء، كما قال الله تعالى: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله} [سورة الزمر آية: 68] وقد فُسِّر الصعقُ بالموت.  

النفخة الثانية: نفخة البعث والنشور، وقد جاء في الكتاب العزيز آيات تدل عليها؛ كقوله تعالى: {ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} [سورة يس آية: 51]، وقوله سبحانه: {ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون} [سورة الزمر آية: 68]، وقوله: {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب} [سورة ق آية: 41]؛ قال المفسرون: المنادي: إسرافيلُ -عليه الصلاة والسلام- ينفخ في الصور، وينادي: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. والمكانُ القريب: صخرةُ بيت المقدس، وبين النفختين أربعون.  

والعرض أنواع: عرضُ أعمالٍ أو صحف، وعرض الناس على جهنم، وعرض جهنم على الناس، وعرضٌ على الله، وقد يعرض العمل مع الصحيفة وقراءة الكتاب.

وأما الصراط: فهو لغةً: الطريق الواضح، ومنه قول جرير:

أمير المؤمنين على صراط
 

 

إذا اعوج الموارد مستقيما
 

وشرعًا: جسر ممدود على متن جهنم، يَرِدُهُ الأوَّلون والآخرون([81])، والأدلة على إثباته كثيرة، منها قوله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} [سورة مريم آية: 71]، وفي الحديث الذي رواه البيهقي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: «يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَة -إلى أن قال:- وَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ، فَيُقَالُ لَهمُ: امْضُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ»([82]).  

وجاء في حديث عائشة: «فِي جَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ»([83]).

وفي بعض الآثار أن طول الصراط مسيرة ثلاث آلاف سنة، قال: ألف منها صعود، وألف منها هبوط، وألف منها استواء([84])، والله أعلم بالصواب.  

وصف الصراط: قال العلماء: إنه أدق من الشعر، وَأَحَدُّ من السيف، وَأَحَرُّ من الجمر، جاء هذا في أحاديث، وقد أنكر بعضُ الطوائفِ الصراطَ -وهم المعتزلة-، وقالوا: ليس هناك صراط حسيّ، وقالوا: المراد بالصراط؛ الصراط المعنوي. فأهل الحق يثبتون الصراط على ظاهره، من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم؛ أحدّ من السيف. وأنكره بعض المعتزلة كالقاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أصحابه، ومن أتباعه؛ قالوا: ليس هناك صراط حسي، وقالوا: المراد بالصراط؛ طريق الجنة، المشار إليه بقوله تعالى: {سيهديهم ويصلح بالهم} [سورة محمد آية: 5]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: {فاهدوهم إلى صراط الجحيم} [سورة الصافات آية: 23].  

وشبهتهم: قالوا: إنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين يوم القيامة.

والرد: أن هذا تأويل باطل، ويجب حمل النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء، والطيران في الهواء، والوقوف فيه، وقد أجاب النبي ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه، بأن القدرة صالحة لذلك، والمراد بالورود في قوله: {وإن منكم إلا واردها} [سورة مريم آية: 71] في أصح قولي العلماء: المرور على الصراط، وقال بعضهم: دخول جهنم، والصواب أن المراد به: المرور على الصراط.  

 

هل هناك صراط آخر؟  

قال القرطبي -رحمه الله-([85]): اعلم -رحمك الله تعالى- أن في الآخرة صراطين:

أحدهما: مجاز لأهل الحشر كلهم ثقيلهم وخفيفهم، يجيزون عليه إلا من دخل الجنة بغير حساب، وإلا من يلتقطه عنق من النار، فإذا خلص من هذا الصراط الأكبر المذكور -ولا يخلص منه إلا المؤمنون، الذين علم الله منهم أن القصاص لا يستنفد حسناتهم- حُبسوا على صراط آخر خاص لهم، ولا يرجع إلى النار من هؤلاء أحد -إن شاء الله تعالى-؛ لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم، التي يسقط منها من أوبقته ذنوبه، وزاد على الحسنات جرمه وعيوبه.  

والصراط الثاني: يدل عليه ما أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري t عن النبي ﷺ في هذه الآية: {ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين}  [سورة الحجر آية: 47]؛ قال: «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْـزِلِهِ فِي الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْـزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا»([86]).

قال القرطبي: هذا في حق من لم يدخل النار من عصاة الموحدين، أما من دخلها، ثم أخرج، فإنهم لا يحبسون، بل إذا أخرجوا بقوا على أنهار الجنة.

المراد بالورود: في قول الله تعالى: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} [سورة مريم آية: 71].

اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في هذه الآية على قولين:

القول الأول: أن المراد به الدخول في النار، وهذا قال به ابن عباس وجماعة([87])، واستدلوا بأدلة؛ منها:

الدليل الأول: قوله تعالى: {ثم ننجي الذين اتقوا} [سورة مريم آية: 72]، بعد قوله: {وإن منكم إلا واردها} [سورة مريم آية: 71]، فالتعبير بالإنجاء بعد الورود؛ دليل على أنهم دخلوا، لكنهم نجوا.

وأجيب: بأن التعبير بالإنجاء، لا يستلزم إحاطة العذاب بالشخص، بل يكفي في ذلك انعقاد أسبابه، ولو لم يهلك، كما في قوله تعالى: {لما جاء أمرنا نجينا هودا} [سورة هود آية: 58]، وقوله: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا} [سورة هود آية: 66]، وقوله: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا} [سورة هود آية: 94]، ولم يكن العذاب قد أصابه ولكن أصاب غيره.

الدليل الثاني: قالوا: الورود في اللغة يستلزم الدخول.

والجواب: يَرُدُّ ذلك الحديثُ «الصحيح» -وهو في صحيح مسلم([88])- عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ إنْ شَاء الله، مِنْ أَصحابِ الشَجَرَةِ أَحَدٌ مِنْ الذينَ بَايَعوْا تَحتَها»، قَالَتْ حَفْصَةُ: بَلى: يَا رَسُولَ اللهِ!، فانْتَهَرَها. فَقَالتْ حَفْصَةُ: {وإن منكم إلا واردها}؟ [سورة مريم آية: 71]، فَقَالَ النبي ﷺ: «قَدْ قَالَ الله -عز وجل-: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}؟» [سورة مريم آية: 72]، أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من النار لا تستلزم حصوله، بل تستلزم العقاب الشديد.  

الدليل الثالث: استدلوا بقوله تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [سورة الأنبياء آية: 98]، وقوله تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} [سورة هود آية: 98]، وقوله: {ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا}  [سورة مريم آية: 86]؛ فسمى دخول النار ورودًا.

وأجيب بأن هذه الآيات في الكفار، ويستلزم الورود إحاطة العذاب بهم، ودخولهم مستفاد من أدلة أخرى لا من نفس الورود.

القول الثاني: أن المراد بالورود المرور على الصراط، وهذا هو الصواب([89])، ويؤيد ذلك: 

أولًا: الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم([90]) أن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ: {وإن منكم إلا واردها}؟ [سورة مريم آية: 71] فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعِيهِ قَالَ: {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا}؟» [سورة مريم آية: 72]، أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من النار لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، ولو لم يحصل الهلاك.  

ثانيًا: أن من طلبه عدوه ليهلكه ولم يُتَمَكن منه يقال: نجاه الله منه؛ ولهذا قال تعالى: {ولما جاء أمرنا نجينا هودا} [سورة هود آية: 58]، وقال: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه} [سورة هود آية: 66]، وقال: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا} [سورة هود آية: 94]؛ ولم يكن العذاب أصابهم، ولكن أصاب غيرهم، ولولا ما خصهم الله به من أسباب النجاة؛ لأصابهم ما أصاب أولئك، وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا، ويذر الظالمين فيها جثيًّا.  

ثالثًا: عن يعلى بن أمية عن رسول الله ﷺ أنه قال: «تَقُولُ النَّارُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ: جُزْ يَا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أَطْفَأَ نُورُكَ لَهَبِي»([91])؛ فقد بين النبي ﷺ في هذه الإجابة المذكورة أن الورود هو المرور على الصراط. 

وأما الميزان([92]):فإنه يجب الإيمان به، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والأدلة على إثبات الميزان كثيرة؛ منها: قول الله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} [سورة الأعراف آية: 8]، وقوله: {نضع الموازين القسط ليوم القيامة} [سورة الأنبياء آية: 47]، وقوله: {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} [سورة المؤمنون آية: 102 - 103]،  وقوله: {فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية} [سورة القارعة آية: 6 - 9].

وهل في يوم القيامة ميزان واحد، أو موازين متعددة؟  

اختلف العلماء، والأشهر أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال، كِفَّتاه كأطباق السماوات والأرض، وقيل: إنَّ لكل أمة ميزاناً، وقال الحسن البصري: لكل واحد من المكلفين ميزان، ومن قال: إنه ميزان واحد أجاب عن الآيات بأن المراد الموزونات، فجُمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة.

وأهل السنة يؤمنون بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق، قالوا: وله لسان، وكفتان، توزن بهما صحائف الأعمال، وهو ميزان حسي، وذهب بعض المبتدعة كالمعتزلة وبعض الملحدين إلى أن الميزان أمر معنوي، قالوا: والمراد به العدل.

وشبهتهم: قال المعتزلةُ: الأعمالُ أعراضٌ لا تقبل الوزن، ومثلها يوزن بميزان معنوي؛ هو العدل، وإنما يقبل الوزن الأجسام، قالوا: ولا يحتاج إلى الميزان إلاّ البقالُ والفوال، أما الله فلا يحتاج إلى الميزان، هكذا حرف المعتزلةُ النصوص بأهوائهم.

ردَّ عليهم أهل السنة: بأن الله يقلب الأعراض أجسامًا، كما في حديث البراء بن عازب([93]) أن العملُ يُمَثَّلُ في القبر لصاحبه إنسانًا حسنًا أو قبيحًا، مع أن العمل معنوي، وكما في حديث أبي هريرة: «يُؤْتَى بِالمَوْتِ كَبْشًا أَغَرَّ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ، وَيَنْظُرُونَ، وَيَرَوْنَ أَنْ قَدْ جَاءَ الفَرَجُ، فَيُذْبَحُ المَوْتُ كَالكَبْشِ»([94])، وهو معنوي، فكذلك الميزان.

كذلك فإنَّ الله تعالى يقلب الأعمال أجسامًا فتوزن، ويوزن أيضًا الشخص صاحبُ العمل، كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إنَهُ لَيأَتي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْم القِيامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ»([95])، وقال النبي ﷺ في دقتي ساقي ابن مسعود: «لَهمَا فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ»([96]).    

وقد وردت الأحاديث -أيضًا- بوزن الأعمال أنفسها، منها: 

حديث أبي مالك الأشعري في «صحيح مسلم»: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانَ»([97]). 

 ومنها في «الصحيح» -وهو خاتمة كتاب البخاري-: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ»([98]).  

فهذه الأدلة السابقة تدل على وزن الأشخاص والأعمال، وصحائف الأعمال، بميزان حسي، فثبت وزنُ الأعمال، والعامل، وصحف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات.    

ومنشأ ضلال المعتزلة وغيرهم؛ قياس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، والذي دلت عليه السنة، أن ميزان الأعمال حسي له كفتان حسيتان مشاهدتان، ومن ذلك حديث البطاقة: «أَنَّهُ يُؤْتَى بِرَجُلٍ، وَيُخْرَجُ لَهْ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدُّ البَصَرِ سَيِّئَاتٌ، ثُمَّ يُؤْخَذُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا الشَّهَادَتَانِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَتُوضَعُ البِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ مِنْ كَثْرَةِ البِطَاقَةِ، فَنُجِّيَ وَسَلِمَ، وَغَفَرَ اللهُ لَهُ([99])».

الترتيب في الميزان والحوض والصراط والحساب:  

الصواب: أن المعاد والبعث والنشور أولًا، ثم القيام لرب العالمين، ثم الحوض، ثم العرض، ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين أو الشمال، ثم الميزان، ثم الورود على الصراط، ثم الجنة -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنة-.  

الحكمة في وزن الأعمال بالميزان الحسي:  

قال الثعلبي: الحكمة في ذلك تعريف الله عباده ما لهم عنده من الجزاء؛ من خير أو شر، وقيل: بل الحكمة في وزن الأعمال، ظهور عدل الله -سبحانه- في جميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين.

ومن الحكمة -أيضًا- بيان فضل الله، وأنه يزن مثاقيل الذر من خير أو شر؛ قال تعالى: {وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما} [سورة النساء آية: 40]، وفيه إدخال البِشْر والسرور على المؤمنين، ووراء ذلك أيضًا من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه.

 

الترتيب في الحساب والميزان؛ أيهما يكون قبل الآخر مع التوجيه؟

قال العلماء: إذا انقضى الحسابن كان بعده وزنُ الأعمال؛ وذلك: لأن الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة، فإن المحاسبة لتقرير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها.  

الترتيب في الميزان والحوض والصراط:

اعلم أن مراتب المعاد والبعث والصراط والحساب والحوض والميزان ما يلي:

أولًا: للناس عمومًا: معاد وبعث، ونشور، ثم القيام لرب العالمين، ثم الحوض، ثم العرض، ثم تطاير الصحف وأخذها باليمين أو الشمال، ثم الميزان، ثم المرور على الصراط، ثم الوقوف على القنطرة بين الجنة والنار، وجعل القرطبي في «التذكرة»([100]) هذه القنطرة صراطًا.

ثانيًا: للمؤمنين خاصة: وليس يسقط فيه أحد في النار، فيكون الترتيب هكذا: بعث، فقيام، فحوض، فحساب، فصحف، فميزان، فصراط، فقنطرة، فالجنة([101]).

 

 

[1]))   الحديث علّقه البخاري في الصحيح «فتح الباري» (6/369)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-، وأشار الحافظ في «الفتح» (6/369) أن البخاري وصله في كتاب «الأدب المفرد»، وانظر: «تغليق التعليق» (4/5 -7)، والحديث رواهُ  مسلم «البر، والصلة، والآداب» (2638)، وأبو داود «الأدب» (4834)، وأحمد (2/295، 527)، وابن حبان (6168)، وغيرهم، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأخرجه الحاكم(4/466)، والطبراني في «الكبير» (6169)، وانظر: «جمع الزوائد» (2/314)، (8/88)، (10/273).

[2]))   انظر: «الروح» (ص/433).

[3]))   انظر: «الروح» (ص/195).

[4]))   أخرجه النسائي (2073)، وابن ماجه (4271) نحوه من حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه-. وتقدم تخريج هذا الحديث وهو حديث صحيح.

[5]))   أخرجه أبو داود (4753)، وأحمد في مسنده (18063) من طريق أبي معاوية قال حدثنا الأعمش عن منهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار .... فساق الحديث بطوله . والحديث رجاله ثقات. 

وأخرجه الحاكم (1/94) من طريق محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي ثنا الأعمش، ثنا المنهال بن عمرو. (ح) ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش ثنا المنهال بن عمرو عن زاذان أبي عمر قال سمعت البراء بن عازب. 

وقال: وقد رواه سفيان بن سعيد وشعبة بن الحجاج وزائدة بن قدامة وهم الأئمة الحفاظ عن الأعمش. ا هـ. ثم أسند كل حديث: ثم قال: وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله، وله شواهد على شرطهما يستدل بها على صحته. ا هـ

وأصله في البخاري (1369)، ومسلم (2871) مختصرًا من طريق آخر عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-، كما تقدم قريبًا. 

[6]))   انظر: «الروح» (ص/301).

[7]))   أخرجه ابن ماجه (4262)، وأحمد (2/364)، والنسائي في «الكبرى» (11442) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وصححه ابنُ القيم في «الروح» (ص49، 184)، ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (5/445)، تصحيحه عن أبي نعيم الأصبهاني، وصححه الألباني -رحمه الله-. ؟؟؟؟؟؟؟؟؟في الورقة أشير ولكن لم ربما نسى؟؟؟؟ ؟؟؟

[8]))   تقدم تخريجه، وبهذا اللفظ عند أحمد (4/287) من حديث البراء بن عازب، وصحح إسناده البيهقي في «شعب الإيمان» (395)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/50): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح...».

[9]))   سبق تخريجه قبل قليل.

[10]))   أخرجه أحمد في المسند (4/139، 350) من طريق قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو كثير مولى الليثيين عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ، فذكر الحديث، وأخرجه عن محمد بن عمرو به، أيضًا: ابن أبي شيبة في «المصنف» (12019)، وعن ابن أبي شيبة رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد» والمثاني» (930)، ومسلم (1885) من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-، نحوه.  

[11]))   الحديث أخرجه أحمد في «المسند» (5/11، 13)، والحاكم في «المستدرك» (2/30)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه...»، وقد أخرجاه من حديث سمرة.

[12]))   انظر: «الروح» (ص/550).

[13]))    جاء هذا الحديث عن عمر بن الخطاب، من غير وجهٍ، كما أشار إلى ذلك الترمذي؛ فقد أخرجه الترمذي (2165)، والنسائي في «الكبرى» (9219- 9226)، وأحمد (1/18، 26)، والطيالسي (31)، وعبدُ بن حميد (23)، والحاكم (1/197- 199)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/91)، والضياء في «المختارة» (96- 98)، وابن حبان في «الصحيح» (4576، 5586، 6728، 7254)، وابن ماجه (2363)، بدون موضع الشاهد، وعبدالرزاق في «المصنف» (20710)، والحميدي في «المسند» (1/19)، والطبراني في «الأوسط» (1659، 2929)، وأبو يعلى في «المسند» (141، 142، 143)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (403، 404، 451، 452، 946)، وفي بعضها مختصر؛ دون موضع الشاهد، والمحاملي في «الأمالي» (1/242).

       وموضع الشاهد من الحديث، ورد من ضمن خطبة عمر بن الخطاب المشهورة بـ«الجابية» ولها مصادر آخرى، غير ما ذكرنا، وقد نقل السخاوي في «فتح المغيث» (3/43)، عن الحاكم عَدَّهُ هذه الخطبة من المتواتر. وانظر: «نظم المتناثر» (ص19).   

[14]))   أخرجه البخاري (2475)، ومسلم (57) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[15]))   انظر : «الروح» (ص/169).

[16]))   انظر «تفسير ابن جرير» (11/9).

[17]))   انظر «الروح» (ص 21، 29).

[18]))   انظر: «الروح» (ص202).

[19]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/266-268)، و«الروح» (ص245-271)

[20]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/285-296)، (5/525).

[21]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/282).

[22]))   سبق تخريج حديث البراء بن عازب، وفي لفظ أبي داود (4753)، ولفظ أحمد (18063): «استعيذوا بالله من عذاب القبر».

[23]))   سبق تخريجه.

[24]))   أخرجه البخاري (1374)، ومسلم ( 2870) من حديث أنس، قال الحافظ في «الفتح» (3/238): «زادَ مسلمٌ من طريق شيبان، عن قتادة (سبعون ذراعًا، ويملأ خضرًا إلى يوم يبعثون) ولم أقف على هذه الزيادة موصولة من حديث قتادة». 

[25]))   أخرجه البخاري (218) واللفظ له، ومسلم (292).

[26]))   أخرجه الترمذي (1071)، وأبو حاتم ابن حبان (3117)، عن عبد الرحمان بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال أبو عِيسَى الترمذي: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ». اهـن وقال الألباني في «السلسلة الصحيحة» (3/465): إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. اهـ

[27]))   أخرجه مسلم (590).

[28]))   أخرجه مسلم (2868) وأخرجه أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- برقم (2867)، ولفظ حديث أبي سعيد: «فلو لا أن لا تدافنوا لدعوتُ الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه...».

[29]))   انظر: «الروح» (ص274).

[30]))   سبق تخريجه.

[31]))   أخرجه أبو داود الطيالسي (2646) عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعزاه الحافظ في «الفتح» (10/471) إلى الطيالسي، عن ابن عباسٍ، وجوَّد إسناده، وأصله في الصحيحيْن من حديث ابن عباسٍ. لكن بلفظ: «فكان يمشي بالنميمة». 

[32]))   رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (8/212) قال: حدثنا فهدُ بن سليمان قال ثنا عمرو بن عون الواسطي، قال حدثنا جعفر بن سليمان، عن عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ؛ فَذَكَرَهُ. وهذا إسناد رجاله ثقات، ما عدا جَعْفر بن سليمان، وهو الضُّبَعِي؛ صدوق زاهد، لكنه يتشيّع، كما في «التقريب» (942 -تحقيق: عوامة)، وعاصم بن أبي النَّجُود الكوفي، صدوقٌ له أوهام، كما في «التقريب» (3054 -تحقيق: عوامة)، والحديث عَزاهُ المنذريُّ في «الترغيب والترهيب» (3/132) إلى أبي الشيخ في كتاب «التوبيخ» وصدَّره بقوله «رُوِيَ» المُشعِر بضعفه.

       وجاء من حديث ابن عمر مرفوعًا، بنحوه، عند ا لطبراني في «الكبير» (13610)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/268): «رواه الطبراني، وفيه يحيى بن عبدالله البابلتي؛ وهو ضعيف».

       لكن في إسناده عند الطبراني أيضًا؛ أيوب بن نهيك، قال أبو حاتم -كما في «الجرح والتعديل» (930)-: «هو ضعيف الحديث»، وقال أبو زرعة -كما في المصدر السابق نفسه-: «لا أُحدّثُ عن أيوب بن نهيك... هو منكر الحديث»، ونقل الحافظ في «اللسان» (1517)، عن الأزدي أنه قال عنه: «متروك»، ونقل أيضًا عن ابن حبان أنه ذكره في «ثقاته» وقال: «يخطئ»، وقال الذهبي في «المغني» (837): «تركوهُ».   

[33])) أخرج البخاري (6096) عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال قال النبي ﷺ: «رأيتُ رجلين أتياني، قالا: الذي رأيتَهُ يُشَقُّ شدْقُه فكذابٌ يكْذِبُ بالكَذْبة تُحمْل عنه حتى تبلغَ الآفاق فيُصْنع به إلى يوم القيامة». 

وأخرجه في (1386) و (7047) مطولًا عن سمرة بن جندب.  

[34]))   عزاه الهيثمي في «المجمع» (1/236) للبزار، وقال: رواه البزار ورجاله موثقون إلا أن الربيع بن أنس قال عن أبي العالية أو غيره فتابعيه مجهول، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (5/198)، أيضًا إلى أبي يعلى، وابن جرير، ومحمد بن نصر المروزي في كتاب «الصلاة»، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، كلهم؛ عن أبي هريرة، وقال الإمام ابن كثير في «التفسير» (3/18)، عن رواية أبي هريرة هذه: «مطولة جدًا، وفيها غرابة». وقال بعد أن ساقه -كما في «التفسير» (3/22): «...وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة...»، وقال الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام» (1/277): «...تفرد به أبو جعفر الرازي، وليس هو بالقوي، والحديث منكر، يشبه كلام الفُصاص؛ إنما أوردته للمعرفة، لا للحُجة».

[35]))   انظر ما رواه البخاري (4234)، ومسلم (115) من حديث أبي هريرة.  

[36]))   انظر: «الروح» (ص278).

[37]))   أخرجه مسلم (1913). قال النووي في «شرح مسلم» (13/61): «ضبطوا (أمن الفتنان) بوجهين: أحدهما: (أمِنَ) بفتح الهمزة وكسر الميم من غير واو. والثاني: (أُومن) بضم الهمزة وبواوٍ).   

[38]))   أخرجه الترمذي (1621) واللفظ له، وأبو داود (2500)، وقال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (4438).   

[39]))   تقدم تخريجه.

[40]))   أخرجه الترمذي (2890)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (3/81)، والطبراني في الكبير (12833). جميعًا من طريق يحيى بن عمرو بن مالك النكرى عن أبيه عن أبى الجوزاء عن ابن عباس -رضي الله عنه-. 

وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه».  

وقال أبو نعيم: «غريب من حديث أبي الجوزاء لم نكتبه مرفوعا مجودا إلا من حديث يحيى بن عمرو عن أبيه». اهـ

قال المزي في ترجمة يحيى بن عمرو بن مالك النكري نقلا عن ابن عدي: «وهذه الأحاديث التى ذكرتها عن يحيى بن عمرو بن مالك عن أبيه، عن أبى الجوزاء، عن ابن عباس كلها غير محفوظة، تفرد بها يحيى بهذا الإسناد». اهـ

[41]))   أخرجه ابن ماجه (1615)، وأبو يعلى (6145)، والطبراني في الأوسط (5262 -تحقيق: طارق عوض الله)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (9895) و (9897). جميعًا من طريق: إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: «من مات مريضا مات شهيدا ووقي فتنة القبر وغدي وريح عليه برزقه من الجنة».  والحديث مداره على إبراهيم بن محمد: وهو متروك، كما في ترجمته في التهذيبين.

وفي «العلل» لابن أبي حاتم (ج 1/ ص 1076/1060): «سألت أبي عن حديث رواه ابن جريج، عن إبراهيم بن محمد بن أبي عطاء، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال من مات مريضا مات شهيدا، ووقي فتان القبر. قال أبي هذا خطأ، إنما هو من مات مرابطا، غير أن ابن جريج هكذا رواه، وإبراهيم بن محمد هو عندي ابن أبي يحيي. وسئل أبو زرعة، عن هذا الحديث. فقال الصحيح من مات مرابطا».اهـ . وذكر الحديث ابن الجوزي في الموضوعات (3/216).

[42]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (5/446).

[43]))   سبق تخريجه.

[44]))   انظر الإيمان لابن منده (2/964) بتصرف.

[45]))   أخرجه البخاري (1374) واللفظ له؛ وأخرجه أيضًا برقم (1338) مثله مع اختلاف يسيرٍ، وأخرجه مسلم (2870) من حديث شيبان، عن قتادة، به.

[46]))   سبق تخريجه.

[47]))   «التمهيد» لابن عبدالبر (22/252).

[48]))   سبق تخريجه قبل قليل.

[49]))   أخرجه البخاري هذا اللفظ في الجنائز (1374) من حديث أنس -رضي الله عنه- «بالواو».

[50]))   أخرجه أحمد (3/3)، والطبراني في «التفسير» (13/214)، وابن حبان في «الصحيح» (1000)، وابن أبي شيبة (12028) مختصرًا، وابن أبي عاصم في «السنة» (865)، وابن الإمام أحمد في «السنة» (1456)، وصححه السيوطي في «الدر المنثور» (5/30)، وابن القيم في «إعلام الموقعين» (1/177). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/48): «ورجاله رجالُ الصحيح».  من طريق داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.  

والحديث أصله في مسلم (2867) من طريق: ابن علية عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت مرفوعًا، وفيه: «إن هذه الأمة تبتلى في قبورها». فجعله من مسند زيد بن ثابت.

[51]))   سبق تخريجه قبل قليل.

[52])) أخرجه الحاكم (1/94) ولفظه: «وأما الفاجر فإذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا أتاه ملك الموت فيقعد ثم رأسه». من طريق محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبي ثنا الأعمش ثنا المنهال بن عمرو. (ح) ومن طريق أبي معاوية عن الأعمش ثنا المنهال بن عمرو عن زاذان أبي عمر قال سمعت البراء بن عازب.

وقال: وقد رواه سفيان بن سعيد وشعبة بن الحجاج وزائدة بن قدامة وهم الأئمة الحفاظ عن الأعمش. ا هـ. ثم أسند كل حديث: ثم قال: وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة، ولم يخرجاه بطوله، وله شواهد على شرطهما يستدل بها على صحته. اهـ

[53]))   انظر: «الروح» (ص/298).

[54]))   تقدم تخريج الحديث، وأما لفظ أحمد ففي المسند (4/287) من طريق أبي معاوية قال ثنا، الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب. وفيه: «فينادى مناد من السماء إن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه».   

وفي (4/295) من طريق: يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب. وفيه: «قال البراء بن عازب ثم يفتح له باب من النار ويمهد من فرش النار».

[55]))   لفظ أبي داود (4753)، وأحمد (4/287): فيه: «وافتحوا له بابا إلى النار قال   فيأتيه من  حرها وسمومها». ولم أقف على لفظ الرواية المشار إليها.

[56]))   أخرجه أحمد (6/55) و (6/98) حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا سعد بن إبراهيم، وابن جعفر، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع قال: ابن جعفر عن إنسان، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعدُ بنُ معاذٍ». أبهم الراوي عن عائشة -رضي الله عنها-.  

وسمى الراوي في رواية  ابن حبان (3112): أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا بندار، عن عبدالملك، حدثنا شعبة، عن سعد  بن إبراهيم، عن نافع، عن صفية، عن عائشة، عن النبي  ﷺ. فذكر الحديث.    

وكذا في رواية الطبري في «تهذيب الآثار» (2/381/328) حدثني محمد بن عوف، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، حدثنا نافع، عن صفية امرأة ابن عمر، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ. فذكر الحديث.   

وصفية هى: صفية بنت أبى عبيد بن مسعود الثقفية المدنية، امرأة عبد الله بن عمر بن الخطاب، أخت المختار بن أبى عبيد الكذاب. وهي ثقة. والحديث صحيح.

  فائدة: قال في «ذيل القول المسدد» (ص81) بعد أن ساق إسناد أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم، ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن عائشة، فذكر الحديث، ثم قال: «قال الحافظ العراقي: إسناد جيد. وقال الحافظ أبو الحسن الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.

ورواه أحمد أيضًا، عن محمد بن جعفر، عن شُعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع مولى ابن عمر، عن إنسانٍ نحوه. وهذه الرواية تدلُّ على أنَّ نافعًا لم يسمعه من عائشة -رضي الله عنها-، وما رواه يعقوب ويحيى هو الراجح، ويمكن أن يكون نافع سمعه عن إنسان، عن عائشة، سمعه عنها أيضًا؛ فرواه بالوجهين. وله شاهد من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- رواه النسائي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا عمرو بن محمد العنقزي، ثنا ابن إدريس، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، عن رسول الله ﷺ  قال: «هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة؛ لقد ضُمَّ ضمّة ثم فرّج عنه يعني: سعد بن معاذ -رضي الله عنه- ولو نجا رجلاً من القبر لنجا سعد بن معاذ، رجاله ثقات محتج بهم في الصحيح...»، ثم ذكر حديثاً آخر مرفوعًا عن ابن عباس، رواه الطبراني في «الكبير»، وفي سنده ابن لهيعة، ورواه في «الأوسط» من وجه آخر، وكذا رواه الحكيم الترمذي، عن ابن عباس أيضًا. 

[57]))   أخرجه أبو داود (2520)، وأحمد (1/265)، والحاكم في «المستدرك» (2/97، 325)، والطبراني في «التفسير» (4/170)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/163)، وأبو يعلى في «المسند» (2331). جميعًا من طريق: ابن إسحاق حدثني إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ. فذكر الحديث، وابن إسحاق صرح بالتحديث في رواية أحمد فقط، والحديث قال الحاكم بعد ما رواه في الموضعيْن السابقيْن: «صحيح على شرط مسلم»، وحسَّنه ابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (4/338)، و (5/743).   

[58]))   أخرجه مالك (566)، ومن طريقه النسائي (2073)، وابن ماجه (4271). جميعًا عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدث عن رسول الله ﷺ، فذكره.  

والحديث صحيح، وانظر كلام ابن عبدالبر -رحمه الله- في «التمهيد» (11/57)، وقد سبق تخريجه. 

[59]))   أخرجه مسلم ( 1887) من حديث موقوف على عبدالله بن مسعود ، وأخرجه أبو داود (2520) وغيره من حديث عبدالله بن عباس مرفوعًا، وفيه عنعنة ابن إسحاق، لكن في «مسند أحمد» (2384) صرح التحديث، والحديث صحيح، كما سبق بيانُه.

[60]))   أخرجه النسائي (1374) واللفظ له، وأبو داود (1047، 1531)، وابن ماجه (1636)، أحمد (4/8)، وابن خزيمة (1733)، والدارمي في «السنن» (1572)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (8697). جميعًا من طريق: حسين الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ، وفيه: «إن الله -عز وجل- قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام». في رواية الإمام أحمد: «أوس بن أبي أوس». وصححه الألباني عليه -رحمة الله- في «الصحيحة» (1527)، وللإمام ابن القيم في «جلاء الأفهام» (ص80-85) بحثٌ نفيس في تثبيت هذا الحديث، ودفع المطاعن الموجهة إليه؛ يحسن الوقوف عليه. 

[61]))   انظر: «الروح» (ص/271).   

[62]))   أخرجه أبو داود (4604)، وأحمد (4/130)، من حديث المقدام -رضي الله عنه-، وصححه ابن حبان (12)، والألباني في «صحيح الجامع» (2640).   

[63]))   انظر: كتاب «الروح» لابن القيم (ص132- 134 -دار الكتاب العربي). الطبعة الثانية: 1406هـ.

[64]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/260-261)، (16/35-36)، (17/249-253)، و«درء التعارض» (5/301).

[65]))   انظر: «درء التعارض» (4/129)، (5/229).

[66]))   أخرجه البخاري (103)، ومسلم (2876) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

[67]))   انظر: «الروح» (ص 52).     

[68]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (17/248).

[69]))   أخرجه البخاري (4935)، ومسلم (2955) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[70]))   أخرجه البيهقي في «البعث والنشور» (2/137)، وفي «شعب الإيمان» (1/312) من طريق إسماعيل بن رافع، عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة مرفوعًا. وفيه: «ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثم يأمر الله السماء أن تمطر أربعين يوما، حتى يكون فوقهم اثنا عشر ذراعًا، ويأمر الله الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم، فكانت كما كانت...»، وقال البيهقي في «شعب الإيمان» (1/312): «وفي إسناده مقال». بل هذا إسناد واهٍ؛ فإسماعيل بن رافع؛ قال الذهبي في «الكاشف» (372): «ضعيف؛ واهٍ». ومحمد بن يزيد بن أبي زياد، هو الفسلطيني، قال الذهبي في «الكاشف» (5221): «صاحبُ حديث الصُّورَ ... ليس بحجة...»، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (829): «محمد بن يزيد بن أبي زياد، روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصُّور مرسل، ولم يصح»، وقال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (8/126): «مجهول»، وفي الإسناد أيضًا راوٍ مُبهمٌ.

       وقد رُوِيَ بنحوِ مَوْضع الشاهد، عن عبدالله بن مسعود؛ موقوفًا عليه، وهو مرفوعٌ حُكْمًا، كما أشار إليه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص464 -ط السابعة)، وقد أخرجَهُ نُعِيم بن حَمَّاد في «الفتن» (1657)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (37637)، وابن أبي حاتم في «التفسير» (15744)، والحاكم (4/541- 542)، و (4/641)، والعقيلي في «الضعفاء» (900)، والطبراني في «الكبير» (9761)، وحنبل بن إسحاق في «الفتن» (44)، كلهم من طريق سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي  الزعراء، عن ابن مسعودٍ.

       والحديث قال عنه الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه»، وصححه البيهقي في «شعب الإيمان» (1/314)، وقال الكشميري في «التصريح بما تواتر في نزول المسيح» (ص270) -بعد أن ساقه، وذكر تصحيح الحاكم له-: «ولم يتكلم عليه الذهبي في تلخيص المستدرك بشيء، سوى أنه من رواية أبي الزعراء: عبدالله بن هانئ، ولم يُخرج عنه الشيخان. انتهى.

       ولا شك أن أبا الزعراء؛ ثقة كما صَرَّح به في «التهذيب» وغيرُه؛ فَعَدمُ تخريجهما عنه؛ لا يضرُّ بصحة الحديث»، لكن الهيثمي لمَّا ساقه في «مجمع الزوائد» (10/330) من رواية الطبراني، قال: «وهو موقوف؛ مخالف للحديث الصحيح، وقول النبي ﷺ: «أنا أول شافع»، وقد أشار إلى ذلك البخاري في «التاريخ الكبير» (5/221)، في ترجمة أبي الزعراء: عبدالله بن هانئ، فقال: «... روى عن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- في الشفاعة (ثم يقوم نبيكم رابعهم) والمعروف عن النبي ﷺ؛ أنه أول شافع. ولا يتابع في حديثه». 

       وقد وهم العلامة الألباني -رحمه الله- في «تخريج الطحاوية» (ص463) فأعلَّ الأثر بيحيى بن الوليد، وكنيتُه: أبو الزعراء أيضًا، وبأنه لم يرد عن أحدٍ من الصحابة، بل لم يرد عن بعض التابعين، وواضحٌ أنَّ أبا الزعراء الواقع في إسناد هذا الأثر، هو: عبدالله بن هانئ؛ فتعقب الألباني على الذهبي، -بأنه فاته الانقطاع الذي توهمه الألباني-: مردودٌ؛ غفر الله للجميع. 

[71]))   أخرجه البخاري (3327)، ومسلم (2834) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

 

[72]))   أخرجه أحمد (2/343، 415، 535)، والطبراني في «الأوسط» (5422)، و «الصغير» (808)، وابن عدي في «الكامل» (5/198)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (34006)، وأبو الشيخ في «العظمة» (594) من حديث ابن جدعان، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة - رضي الله عنه-، وقد استنكره العلماء على ابن جدعان، وانظر «الكامل» لابن عدي (5/198).

[73]))   انظر: «تمهيد الأوائل» للباقلاني (ص 36-42). 

[74]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/261-262).

[75]))   أخرجه البخاري (4638) بهذا اللفظ في هذا الموضع، وبألفاظٍ مقاربة في مواضع متفرقة من صحيحه الجامع؛ من حديث أبي سعيد الخدري، ورواهُ مسلمٌ مختصرًا (2374/ 162، 163) من حديث أبي سعيد أيضًا، وأخرجه البخاري (2411، 7472) بهذا اللفظ في هذيْن الموضعين، ورواه في مواضع أخرى متفرقة، من حديث أبي هريرة، وكذا أخرجه مسلم (2373) من حديث أبي هريرة أيضًا مثله إلا أنه قال في روايته «أم كان» بدل «أو كان».

[76]))   هي رواية البخاري، ومسلم (2373) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[77]))   رواية البخاري (3398) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.  

[78]))   رواية البخاري (2412) من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.

[79]))   رواية البخاري (2411) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفيه «باطش جانب العرش» بدل «آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ».

[80]))   انظر كتاب «الروح» (ص 37)، وانظر لذلك أيضا «فتح الباري» (6/444) للحافظ ابن حجر -رحمه الله-.

[81]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/179).

[82]))   أخرجه محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (278)، والحاكم في «المستدرك» (2/408)، والطبراني في «الكبير» (9763)، والدارقطني في «الرؤية» (162 - ط: المنار، الأردن)، وابن خزيمة في «التوحيد» (2/584)، ولم يسق لفظه من طريق أبي خالد الدالاني حدثنا المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله -رضي الله عنه-، وفيه: «والصراط  كحد السيف دحض مزلة فيقال انجوا على قدر نوركم».   

وأبو خالد الدالاني قال عنه الحافظ في «التقريب» (8072): «صدوق يخطىء كثيرا و كان يدلس». ا هـ. لكن صرح بالتحديث إلا أنه لم يتابع عليه، وما يخشى من خطئه، فإنه قد توبع، كما عند الطبراني (9763)، فقد تابعه زيد بن أبي أنسية، وهو ثقة. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ. اهـ 

قال ابن رجب في «التخويف من النار» (167): خرجه الحاكم وصححه هو وغيره من الحفاظ. اهـ، والحديث صححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 470 -ط السابعة). 

وبنحوه في مسلم (182) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وفيه قول أبي سعيد، وذكره الحافظ في «فتح الباري» (11/454) فقال: ووقع عند مسلم «قال أبو سعيد: بلغني أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة»، ووقع في رواية ابن منده من هذا الوجه «قال سعيد بن أبي هلال: بلغني»، ووصله البيهقي عن أنس عن النبي ﷺ مجزوماً به، وفي سنده لين. ولابن المبارك عن مرسل عبيد بن عمير «إن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب، إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر»، وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه وفيه «والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سَلّمْ سَلّمْ»، وجاء عن الفضيل بن عياض قال: «بلغنا أن الصراط مسيرة خمسة عشر ألف سنة، خمسه آلاف صعود وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوى أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله» أخرجه ابن عساكر في ترجمته، وهذا معضل لا يثبت، وعن سعيد بن أبي هلال قال: «بلغنا أن الصراط أدق من الشعر على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع» أخرجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا وهو «مرسل أو معضل». اهـ

[83]))   أخرجه أحمد (6/110) من طريق  ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة مرفوعًا، وفيه: «ولجهنم جسر أَدَقُّ من الشَّعَر وأحدُّ من السيف، عليه كلاليب وَحَسَكٌ».  

والحديث فيه ابن لهيعة: ضعفوه؛ لكن له شاهد عند مسلم في «صحيحه» (183) مطولاً من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.  

[84]))   انظر: «تنزيه الشريعة» لابن عراق (2/395).

[85]))   انظر: «التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة» للقرطبي (ص 392).  

[86])) أخرجه البخاري (6535)، بهذا اللفظ في هذا الموضع، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وأخرجه من حديثه أيضًا بنحوه، في (2440).

[87])) انظر: «تفسير الطبري» (18/230)، و«الدر المنثور» (4/472).

[88])) أخرجه مسلم (2496) من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-. «أخبرتني أُمُّ مُبَشِّرٍ، أنها سَمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة؛ فَذَكَرَهُ.

[89]))   انظر: «الجواب الصحيح» (1/228).

[90])) تقدم تخريجه في الذي قبله.

[91]))   أخرجه الطبراني في الكبير (22/258)، وتمام الرازي في «الفوائد» (690، 692)، وأبو نعيم في «الحلية» (9/329)، عن الطبراني والخطيب في «التاريخ» (5/193)، و (9/232)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (375)، وابن عدي في «الكامل» (6/394)،  وقال الهيثمي في المجمع (10/652): رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف، وقال البيهقي في «شعب الإيمان» (1/340): «تفرَّد به سليم بن منصور، وهو مُنكر»، وقال ابن رجب في «التخويف من النار» (ص 184): «غريب، وفيه نكارة»، وأعله الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 472 -ط: السابعة)؛ بالضعف والانقطاع، وأشار الخطيب في «التاريخ» (5/193)، و (9/232) إلى الاختلاف الواقع في سند الحديث؛ كأنه يُنَبّهُ بذلك على اضطرابه؛ فهذه علة أخرى، تضافُ إلى ما سبق، والله أعلم.

[92]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (4/302)، و«درء التعارض» (5/347-348).

[93])) تقدم تخريجه.  

[94]))   رواه أحمد في «المسند» (2/423)، وصححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 475)، وأخرجه البخاري (4730)، ومسلم (2849)، من حديث أبي سعيد الخدري، وَذَبْحُ الموتِ واردٌ أيضًا، منْ حديثِ ابن عمرَ، عند البخاري (6548)، ومسلم (2850).   

[95]))   أخرجه البخاري (4729)، ومسلم (2785) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[96]))   الحديث لَهُ طرقٌ، أَوَّلُها: طريق حمادُ بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حُبَيش، أن ابن مسعود، وأخرجه من هذا الوجه: أحمد (1/420)، والطيالسي (355)، وأبو يعلى (5310)، و (5365)، والطبراني في «الكبير» (8452)، والبزار (1827)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/127)، وابن حبان (7069)، والشاشي في «المسند» (661)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/317)، وابن عساكر في «التاريخ» (33/110)، وحَسَّنه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 474 -ط: السابعة).

وثاني هذه الطرق، من حديث أبي عتاب الدلال: سهل بن حماد، عن شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه قال: صعد ابن مسعود شجرة، وفيه أن رسول الله ﷺ قال عن ساقيْ ابن مسعود: «هما في الميزان أثقل من أحد»، وقد أخرجه: ابن الجعد في «المسند» (1093، 1094)، والحاكم (3/358)، والبزار في «المسند» (3305)، والخطيب في «التاريخ» (1/148)، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (2/317)، وابن عساكر في «التاريخ» (33/111- 112)، وعباس الدوري في «تاريخ ابن معين» (226)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (9/289) -بعد أن عزاه للطبراني والبزار-: «ورجالهما رجال الصحيح»، وصححه الحاكم.

وثالث هذه الطرق: من حديث مغيرة، عن أم موسى، عن عليٍّ، مرفوعاً بنحو حديث الباب، وقد أخرجه: أحمد (1/114)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (32232)، والبخاري في «الأدب المفرد» (237)، وأبو يعلى (539)، والطبراني في «تهذيب الآثار» (2/162- 163- مسند علي)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (239)، والطبراني في «الكبير» (8516)، والمحاملي في «الآمالي» (1/184)، وصححه ابن جرير في «تهذيب الآثار -مسند علي» (3/162- 163)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (9/288، 289): «رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى؛ وهي ثقة».

ورابع هذه الطرق: عن ابن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب، عن ابن أبي حرملة مولى حويطب، أن سارة بنت عبدالله بن مسعود، أن أباها؛ فذكر القصة، وفيها مرفوعاً: «والذي نفسي بيده لعبدالله في الموازين يوم القيامة أثقل من أحُد...». أخرجه الطبراني في «الكبير» (8454)، وابن عساكر في «التاريخ» (33/111)، وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعي، قال الذهبي في «الكاشف» (5744): «فيه لين»، وقال الحافظ في «التقريب» (7026): «صدوق سيء الحفظ».

وخامسها: من طريق المعلي بن عرفان، عن أبي وائل، عن ابن مسعود بلفظ: «والذي نفسي بيده لساقا ابن مسعود يوم القيامة أشد وأعظم من أحُد»، وفي سنده معلي بن عرفان الأسدي، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (1725): «... منكر الحديث»، وكذا قال غيره، والله أعلم. 

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ هل تبقى الفائدة أم تحذف؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

[فائدة]: قال ابن كثير في «التفسير» (2/203): وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا؛ فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها. والله أعلم. ا هـ

[97])) أخرجه مسلم (223) من حديث أبي مالك الأشعري.

[98])) أخرجه البخاري (6406) و (7563)، ومسلم (2694) من حديث أبي هريرة.

[99]))   أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجه (4300)، وصححه ابن حبان (225)، والحاكم (1937) من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه-.  وتقدم الكلام عليه.

[100])) قال القرطبي في «التذكرة» (1/392):  باب ذكر الصراط الثاني وهو القنطرة التي بين الجنة والنار. ا هـ

[101]))          للتوسع في مباحث أشراط الساعة راجع: «لوامع الأنوار» للسفاريني (2/70 - 151).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد