تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية_17

00:00

00:00

5

أقوال العلماء في خلق الجنة والنار

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ):

(ش) فالجنة والنار هما داران للجزاء على الأعمال، والإيمان بالجنة والنار لا بد منه لكل مسلم.

والإيمان بأن الجنة والنار موجودتان دائمتان، فيه مذهبان للناس([1]):

المذهب الأول: الإيمان بأن الجنة والنار مخلوقتان الآن، دائمتان، لا تفنيان أبدًا، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ مذهب الصحابة والتابعين.  

المذهب الثاني([2]): أنهما معدومتان الآن، وإنما تخلقان يوم القيامة، وهذا مذهب أهل البدع من المعتزلة والقدرية وغيرهم.

والصواب ما عليه أهل السنة والجماعة؛ وهو الذي عليه الصحابة والتابعون؛ أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، خلافًا لأهل البدع القائلين بأنهما معدومتان، ولم يزل أصحاب رسول الله ﷺ رضي الله عنهم، والتابعون، وتابعوهم، وأهل السنة والحديث قاطبة، وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد؛ على اعتقاد ذلك وإثباته.

واستدل أهل الحق على ذلك بأنواع من الأدلة، وإذا قلنا: بأنواع من الأدلة، فالمعنى: أن كل نوع تحته أفراد من الأدلة، وليس المراد حصر الأفراد، وإنما المراد حصر النوع.

فقد استندوا إلى نصوص الكتاب والسنة، وما عُلم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها.

النوع الأول: التعبير بصيغة الماضي في الجنة والنار، والتعبير بالماضي يدل على حصول الشيء ووجوده، ومن أمثلة ذلك قوله -تعالى- عن الجنة: {أعدت للمتقين}  [سورة آل عمران آية: 133]، وقوله عن النار: {أعدت للكافرين} [سورة البقرة آية: 24]، وقوله عن النار: {إن جهنم كانت مرصادا} [سورة النبأ آية: 21]، وقوله -تعالى- عن الجنة {أعدت للذين آمنوا بالله ورسله} [سورة الحديد آية: 21]؛ فقوله: «أعدت» بصيغة الماضي، تدل على أنها موجودة ومخلوقة الآن.

النوع الثاني من الأدلة: رؤية النبي ﷺ للجنة والنار في السماء يوم المعراج، والرؤية لا تكون إلا لشيء موجود؛ قال تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى} [سورة النجم آية: 13 - 15]، وفي «الصحيحين» من حديث أنس t في قصة الإسراء، وفي آخره: «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى نَأتيَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى، فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ- قَالَ: ثُمَّ أُدخِلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فيها جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ»([3])، والجنابذ يعني: قباب اللؤلؤ، جمع قُبّة، فقوله: «ثُمَّ دَخَلْتُ الجَنَّةَ» دليلٌ على أن الجنة مخلوقة الآن، خلافًا لأهل البدع القائلين بأنها لا تُخلق إلا يوم القيامة.  

النوع الثالث من الأدلة: أدلة عذاب القبر ونعيمه، وأن الروح تدخل الجنة قبل يوم القيامة، وكذلك روح الكافر تدخل النار قبل يوم القيامة، ومن أمثلة ذلك: ما في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إِلى يَوْمَ القِيَامَةِ»([4]).

ومن أمثلة ذلك -أيضًا- حديث البراء بن عازب t الطويل المشهور، وفيه: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رُوحِهَا وَطِيبِهَا»([5]).  

ومن أمثلة ذلك -أيضًا- حديث أنس وفيه: «فَيَقُولُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، قَالَ النبي ﷺ: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا»([6]).

ومن أمثلة ذلك: الحديث الصحيح المشهور: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»([7])، وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة.  

النوع الرابع من الأدلة: رؤية النبي ﷺ للجنة والنار يوم الكسوف وهو على المنبر، كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فذكرتْ الحديثَ، وفيه: «وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُريدُ أنْ آخُذُ قِطْفًا مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقدَّمُ»([8]).  

النوع الخامس من الأدلة: إرسال جبريل -عليه الصلاة والسلام- بعد خلق الجنة والنار للنظر إليهما، فشاهدهما، وما حف بكل منهما، كما في حديث أبي هريرة t أن رسول الله ﷺ قال: «لمَّا خَلَقَ اللهُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ، أَرْسَلَ جِبْرَائِيلَ إِلَى الجَنَّةِ، فَقَالَ: اذْهَبْ، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا»([9])، وقال في النار مثل ذلك... الحديث.

فهذه خمسة أنواع من الأدلة، كلها تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، وتحت كل نوع أفراد من الأدلة، أما المنكرون لخلقهما الآن -وهم المعتزلة والقدرية- فإنهم يقولون: إن الله ينشؤهما، ويخلقهما يوم القيامة، وأنكروا وجودهما الآن.

حجتهم في ذلك:  

هذا المذهب مبني على أصلهم الفاسد الذي حملهم على الإنكار، وأصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعةً للرب فيما يفعله، وأنه ينبغي أن يفعل كذا، ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وهذا الأصل هو: الحُسْنُ والقُبْحُ العقليان، وقياسُ الله على خلقه في أفعاله، فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم، فصاروا مع ذلك معطلةً في الصفات، فردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة، التي وضعوها لله، وهي مسألة الحسن والقبح العقليين، وصرفوا النصوص عن مواضعها وضلّلوا، وَبَدَّعُوا من خالف شريعتهم، فقالوا: -وهذه هي شبهتهم العقلية- قالوا: خلْق الجنة قبل الجزاء عَبَثٌ؛ لأنها تصير مُعَطَّلَةً مُدَدًا متطاولة؛ والعبثُ محال على الله.  

وبتعبير آخر؛ قالوا: وجودهما اليوم ولا جزاء؛ نوعٌ من العبث، والعبث محال على الله.  

والرد عليهم:

أولًا: بإبطال أصلهم الفاسد: الذي وضعوا به شريعة للرب، وهو تحكيم عقولهم قُبْحًا وحُسْنًا، وقياس الله على خَلْقِهِ.  

وثانيًا: أنهما ليستا معطلتين، بل هما مشغولتان، فإن الروح تنعم في الجنة أو تعذب في النار قبل يوم القيامة، كحديث: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»([10])، فهذا صريح في دخول الروح الجنة، قبل يوم القيامة، وحديث البراء بن عازب في قصة العبد المؤمن: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَافْرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رُوحِهَا وَطِيبِهَا»([11]) وقال نظير ذلك في الكافر.

ثالثًا: ويقال في الرد عليهم: أيضًا: إنَّ الاتعاظ والتذكر فيهما إذا كانتا موجودتين؛ الآن أشد وأبلغ منه فيما إذا قيل: إن الله ينشؤهما يوم القيامة، فإن الإنسان إذا علم بوجود الجنة؛ اجتهد في تحصيلها، وإذا علم بوجود النار؛ اجتهد في الهرب والبعد منها، أكثر مما لو كانت غير موجودة.  

ومن شبههم الشرعية:  

استدلوا بقول الله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [سورة آل عمران آية: 185]، وقوله سبحانه: {كل شيء هالك إلا وجهه} [سورة القصص آية: 88]؛ وَوَجْهُ الاستلال من الآيتين: أن كلًّا من هاتين الآيتين، تدلان على أن المخلوقات صائرة إلى الفناء، ولو كانت الجنة والنار مخلوقتين الآن، لوجب اضطرارًا أن تفنيا يوم القيامة، وأن يهلك كل من فيهما ويموت، فيموت الحورُ العين التي في الجنة، والوِلْدَانُ، وقد أخبر الله -سبحانه- أن الدار دار خلود، ومن فيها مخلدون لا يموتون فيها، وخبر اللهِ -سبحانه- لا يجوز عليه خلف، فدل على أنهما تُخلقان يوم القيامة. فهذا دليلهم.

وأجيب عن الآيتين بأجوبة: منها:

أن المراد بقوله تعالى: {كل شيء هالك} [سورة القصص آية: 88]؛ أي: كل شيءمما كتب الله عليه الفناء والهلاك؛ هالكٌ، وأما الجنة والنار فَخُلقتا للبقاء لا للفناء، فلا يلزم من وجودهما الآن الفناء يوم القيامة، وكذلك العرش لا يفنى، فإنه سقف الجنة.

 وقيل: المراد كل شيء هالك إلا ملكه.

 وقيل: المراد إلا ما أريد به وجهه.  

وقيل: إن الآية وردت للرد على الملائكة، وذلك أن الله تعالى أنـزل {كل من عليها} [سورة الرحمن آية: 26]، فقالت الملائكة: هلك أهل الأرض وطمعوا في البقاء، فأخبر الله تعالى عن أهل السماء والأرض، أنهم يموتون فقال: {كل شيء هالك إلا وجهه} [سورة القصص آية: 88]؛ لأنه حي لا يموت، فأيقنت الملائكة عند ذلك بالموت.

والذي حمل أهل السنة على تأويل هاتين الآيتين، إنما فعلوا ذلك توفيقًا بينهما وبين النصوص المحكمة، الدالة على بقاء الجنة، وعلى بقاء النار أيضًا.  

الدليل الثاني للمعتزلة: في أن الجنة والنار ليستا موجودتين الآن، استدلوا بحديث ابن مسعود t قال: قال رسول الله ﷺ: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانُ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ»([12])، ومثله حديث جابر t عنه مرفوعًا: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ»([13]).  

ووجه الاستدلال: أن القيعان تكون لشيء غير موجود، ولو كانت مخلوقة مفروغًا منها، لم تكن قيعاناً، ولم يكن لهذا الغراس معنى، ولقال: طيبة الثمرة، ولم يقل: طيبة التربة؛ هذا دليلهم.  

وأجيب بأن قوله: «طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ وَعَذْبَةُ المَاءِ وَقِيعَانٌ» دليل على وجودها، فتربتها موجودة، والحادث إنما هو غرسها فقط، فالحديث صريحٌ صريحٌ في أن أرض الجنة مخلوقة، وأنه سبب ذلك الذّكْر ينشئ الله -سبحانه- لقائله منه غراسًا في تلك الأرض.  

ومن أدلتهم: قول الله تعالى عن امرأة فرعون أنها قالت: {رب ابن لي عندك بيتا في الجنة} [سورة التحريم آية: 11]، ووجه الدلالة: أنها قالت: {ابن لي عندك بيتا} ولم تقل: بيتًا مبنيًّا، فدل على أنها لم تُخلق، إذ من المحال أن يقول قائل لمن نسج له ثوبًا: انسج لي ثوبًا.

وأجيب: بأن غاية ما تدل عليه الآية، أنه لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنه لا يزال الله يُحْدِثُ فيها شيئًا بعد شيء، ولا تدل على أنها الآن معدومة، بل إن أرضها مخلوقة وبناء الغروس فيها بالأعمال المذكورة، والعبد كلما وسَّع في أعمال البر، وسَّع الله له في الجنة، وكلما عمل خيرًا غرس له به هناك غراسًا، وبُني له بناء، وأًنشئ له من عمله أنواعٌ مما يتمتع به.

ويجاب عن شبهتهم بجواب مجمل: وهو أن يقال: إن أردتم بقولكم: إنها الآن معدومة، بمنـزلة النفخ في الصور، وقيام الناس من القبور، فهذا باطل، يرده المعلوم بالضرورة من الأحاديث الصحيحة الصريحة، وإن أردتم أنها لم يكمل خلق جميع ما أعد الله فيها لأهلها، وأنها لا يَزال اللهُ يحدث فيها شيئًا بعد شيء، وإذا دخلها المؤمنون أحدث الله فيها عند دخولهم أمورًا أُخر، فهذا حق لا يمكن ردّه، وهو ما تشهد له الأدلة، وأدلتكم هذه إنما تدل على هذا القدر.

مكان الجنة:  

المعروف أن مكان الجنة في السماء، وأنها فوق السماء السابعة، وأن سَقْفَها عرشُ الرحمن، والنار في الأرض في أسفل سافلين، وتبرز يوم القيامة.  

أما أبدية الجنة والنار:

هل الجنة والنار تبقيان مستمرتين أو لا ؟

للناس في هذه المسألة أقوال:

القول الأول: أن الجنة والنار لا تفنيان أبدًا، ولا تبيدان مدى الدهور، فهما باقيتان بإبقاء الله لهما، وهذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف.

الثاني: أن الجنة باقية لا تفنى، أما النار فتفنى ولو بعد حين، وهذا قول جماعة من السلف.

والقولان مذكوران في كثير من كتب التفسير وغيرهما.

القول الثالث: أن الجنة والنار تفنيان جميعًا، وهذا قول الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة، وكفّروه به، وصاحوا به وبأتباعه من أقطار الأرض([14]).  

شبهة الجهم:

وهي شبهة عقلية وهي كالآتي: الجنةُ والنار حادثتان، وما ثبت حدوثه؛ ثبت فناؤه؛ واستحال بقاؤه، قال: ولو قلنا: إنهما مستمرتان باقيتان؛ لشاركتا الله في بقائه، والذي يبقى هو الله وحده.

وَيُرَدُّ عليه: بأن بقاء الجنة والنار ليس لذاتهما، بل لإبقاء الله لهما، وأما بقاء الله -سبحانه- فهو واجب لذاته.

وشبهة الجهم مبنية على أصله الفاسد، الذي اعتقده، وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث، وهذا الأصل هو عمدة أهل الكلام المذموم، الذي استدلوا به على حدوث الأجسام، وحدوث ما لم يخل من الحوادث، وجعلوا ذلك عمدتهم في حدوث العالم.  

 

مبحثٌ في أبدية النار ودوامها: وهي ترجع إلى القوليْن السابقيْن:  

القول الأول: أن النار دائمة مؤبدة، لا تفنى، ولا تبيد، وأن الله يُخرج منها من يشاء، وهم عصاة الموحدين، ويبقي فيها الكفار بقاء سرمديًّا لا انقضاء له، وهذا قول جمهور السلف والخلف.  

القول الثاني: أن الله يُخرج من النار من يشاء، كما ورد في الحديث، ثم يبقيها شيئًا، ثم يفنيها، فإنه جعل لها أمدًا تنتهي إليه.

واستدل أصحاب القول الثاني بالاستثناء في قوله تعالى: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} [سورة هود آية: 107]، وقالوا -أيضًا-: وكل نص يقتضي الخلود في النار، فهو قابل لأن يُسلَّط عليه الاستثناء.  

ومن أدلتهم: قالوا: التعذيب والخلود مرادٌ به طول المكث.

ومن أدلتهم: قالوا: غلة رحمة الله على غضبه؛ كما ورد في الحديث.

ومن أدلتهم: التعبير عن مدة العذاب بما يفيد التحديد.

ومن أدلتهم: دوام الجنة، قالوا: دوام الجنة مقتضى الحكمة، بخلاف النار.

ومن أدلتهم: أن الإحسان مقصود لذاته، والعذاب مقصود لغيره، وما كان مقصودًا لغيره، فإنه ينتهي. 

وهناك أقوال أخرى في النار:

فمن الناس من قال: إنها يدخلها قوم ثم يخرجون منها، ويخلفهم آخرون، وهذا قول اليهود.

 ومنهم من قال: إنها تفنى، وهذا قول الجهم.

 ومنهم من قال: تفنى الحركات، وهذا قول أبي الهذيل العلاف.

وهذه كلها أقوال باطلة، والصواب القول الأول، وهو أن النار مؤبدة، باقية، لا تفنى أبد الآباد؛ لأن الله أخبر بذلك؛ قال سبحانه وتعالى: {يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم} [سورة المائدة آية: 37]، وقال سبحانه: {كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} [سورة البقرة آية: 167]، وقال سبحانه: {كلما خبت زدناهم سعيرا} [سورة الإسراء آية: 97]، وقال سبحانه: {لابثين فيها أحقابا} [سورة النبأ آية: 23]؛ والأحقاب: المُدد الطويلة التي لا تنتهي؛ كلما انتهى حقب، يعقبه حقبٌ، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا هو الصواب الذي عليه المحققون من السلف من أهل السنة، وهو الذي عليه الصحابة والتابعون.

معتقد أهل السنة والجماعة في خلق الجنة والنار([15])

(م) (وَالجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبِدًا، وَلَا تَبِيدَانِ، وَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى- خَلَقَ الجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الخَلْقِ وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلًا):

(ش) هذا معتقد أهل السنة والجماعة؛ أن الله خلق الجنة والنار وأبقاهما، وخلق لهما أهلًا، وهذا القدَر السابق، فالله تعالى قدر أهل السعادة وأهل الشقاوة، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ»([16]).  

فأهل السعادة مقدرة سعادتهم، وأهل الشقاوة مقدرة شقاوتهم، ولكن الله يسر كلًّا لما خلق له، فأهل السعادة يسّر اللهُ لهم عمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة يسّر لهم عمل أهل الشقاوة، كما قال سبحانه: {فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى}  [سورة الليل آية: 5 - 10].

دخول المومنين الجنة بفضل الله

(م) (فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ):

(ش) فمن شاء إلى الجنة، صار إلى الجنة، فضلًا من الله وإحسانًا عليهم بالنعمة، ووفقهم وخصهم بنعمة دينية، لم يعطها الكافر؛ لأنه -سبحانه- عليم بالمحال التي تصلح لغرس الكرامة، كما قال سبحانه: {إن ربك عليم حكيم} [سورة يوسف آية: 6]، وقال سبحانه: {فضلا من الله ونعمة} [سورة الحجرات آية: 8]، وقال سبحانه: {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة} [سورة الحجرات آية: 7 - 8]، فالمؤمن:   مَنْ خصه الله بنعمة دينية ليست في الكافر، وأما الكافر، فإن الله خذله عدلًا منه وحكمة، ولم يظلمه -سبحانه- لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه -كما سيأتي تفصيلُه-.

كل يصير إلى ما قدر له  

(م) (وَكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ):

(ش) هذا قَدَرٌ مكتوبٌ مفروغ منه، وكلٌّ يصير إلى ما قدر له، والله -تعالى- ييسر كلًّا لما خُلق له.

الخير والشر مقدران على العباد

(م) (وَالخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى العِبَادِ):

(ش) يعني: أنَّ الخير والشر، والحسنات والسيئات؛ مقدَّران على العباد.  

الاستطاعة تكون مع الفعل وقبله([17])

(م) (وَالاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الفِعْلُ مِنْ نَحْوِ التَّوْفِيقِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ المَخْلُوقُ بِهِ، فَهِيَ مَعَ الفِعْلِ، وَأَمَّا الاسْتِطَاعَةُ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ وَالوُسْعِ وَالتَّمَكُّنِ، وَسَلَامَةِ الآلَاتِ، فَهِيَ قَبْلَ الفِعْلِ، وَبِهَا يَتَعَلَّقُ الخِطَابُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [سورة البقرة آية: 286] ):

(ش) هذا المبحث يسمى مبحث الاستطاعة، والاستطاعةُ، والطاقةُ، والقدرةُ، والوسعُ؛ بمعنى واحد.

الاستطاعة: هي كون الإنسان يستطيع أن يفعل الشيء.  

وهل الاستطاعة والقدرة نوع واحد، أو نوعان؟ 

الناس لهم في ذلك ثلاثة مذاهب:

الأول: أن الاستطاعة والطاقة والقدرة؛ نوع واحد فقط، وهي التي تكون مقارنة للفعل، بمعنى: التوفيق للفعل، وهذا مذهب الجبريةُ الجهميةُ، والأشاعرةُ فإنهم يقولون: الاستطاعة، والطاقة، والقدرة نوعٌ واحد تكون مع الفعل، أما قبل الفعل فلا([18]).  

المذهب الثاني: أنها نوع واحد، ولكنها تكون قبل الفعل، ومعناها: توفر الأسباب، والآلات، وهذا مذهب القدرية والمعتزلة([19]).  

المذهب الثالث: أن الاستطاعة نوعان: نوع يكون مع الفعل، بمعنى: التوفيق والقدرة، ونوع يكون قبل الفعل بمعنى: توفر الأسباب والآلات، فكأنَّ أهل السنة أثبتوا النوعين.

المقارنة بين النوعين:

الفَرْقُ الأول: أنَّ الأولى ليست مناط التكليف، فلا يتعلق بها خطاب الشارع؛ فليست مناطَ التكليف، فالله -تعالى- لا يكلف العبد إلا إذا كانت معه الثانية.

 والثانية: هي مناط التكليف، وبها يتعلق الخطاب، فإذا فقدت الثانية؛ لا يكلف العبد.

الفرق الثاني: أنَّ الأولى -وهي الاستطاعة التي بمعنى التوفيق- تكون مع الفعل، فلا تتقدمه، والثانية قد تتقدم الفعل، وقد تصحبه.

الفرق الثالث: أنَّ الأولى خاصة بالمؤمن، والثانية عامة للمؤمن والكافر.  

الفرق الرابع: أنَّ الأولى ليست صفة للمخلوق، بل هي صفة لله؛ فإن الله -تعالى- هو الموفق للفعل، والثانية صفة للمخلوق، وهي: توفر الأسباب والآلات.

الفرق الخامس: أنَّ الأولى لا يتخلف عنها الفعل، فإذا وُجدت فلا بد للفعل أن يحصل، والثانية قد يتخلف عنها الفعل، فيحصل، أو لا يحصل.  

الفرق السادس: أنَّ الأولى ضدها الخذلان، والثانية ضدها العجز.

فهذه ستة فروق، إذا عرفتها وضبطتها؛ تبين لك الحق، وعرفت الفرق بينهما، وزال عنك اللبس.  

ومن أدلة الجبرية: التي استدلوا بها على أن الاستطاعة والطاقة والقدرة، نوع واحد فقط: قولُ الله تعالى: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون} [سورة هود آية: 20]، فقالوا: وقوله سبحانه: {ما كانوا يستطيعون السمع} [سورة هود آية: 20]؛ يعني: لم يوفق لهذه الاستطاعة التي هي القدرة الموافقة للفعل؛ لأن الله خذلهم، فلم يوفقهم لسماع القبول والتنفيذ.  

والرد عليهم نقول: هذا صحيح، نثبت النوع الأول للقدرة، لكن هناك نوع آخر أثبتته الأدلة الأخرى، ومنه قول الخضر لموسى {إنك لن تستطيع معي صبرا} [سورة الكهف آية: 67]، فالمعنى: إنك لن تقدر أن تسكت؛ لأن ما تراه مخالفًا لظاهر الشرع؛ لأن موسى كان عنده أسباب وآلات يستطيع بها الصبر، فالمرادُ: حقيقة قدرة الصبر، لا أسباب الصبر وآلاته، بدليل أنه عاتبه على ذلك، ولا يُلام مَن عَدِم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل، وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع قدرة الفعل، لاشتغاله بغير ما أُمِر به أو لعدم شغله إياها بفعل ما أُمِر به.

وأما المعتزلة: فاستدلوا بقول الله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [سورة آل عمران آية: 97]؛ قالوا: فهذه الاستطاعة بمعنى: توفر الأسباب والآلات. 

ولو كان المراد بها الاستطاعة التي مع الفعل كما تقول الجبرية، لم يكن الله قد أوجب الحج إلا على من حج، وأما من لم يحج، فلا يطالب بالحج، وهذا باطل، فدل على أن المراد بالاستطاعة توفر الأسباب والآلات.

ومثله -أيضًا- قول الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [سورة التغابن آية: 16]، أوجب الله التقوى على المستطيع، والمراد بالمستطيع الذي معه القدرة على التقوى، وليس المراد المستطيع الذي فعل التقوى في الحال، وإلا لم تكن الاستطاعة واجبة إلا على من اتقى بالفعل، فدل على أن المراد بالاستطاعة، الاستطاعة بمعنى توفر الأسباب والآلات.

ومن أمثلة ذلك: قول الله تعالى عن المنافقين: {لو استطعنا لخرجنا معكم}  [سورة التوبة آية: 42]، فالمنافقون في غزوة تبوك تأخروا، فلما أنكر عليهم المسلمون قالوا: لا نستطيع {لو استطعنا لخرجنا معكم} [سورة التوبة آية: 42]، وهم عندهم أسباب وآلات، يستطيعون الخروج بها، فلو كان المراد بالاستطاعة نفس الفعل، لما كذبهم الله في قوله: {يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون} [سورة التوبة آية: 42] فدل على أن المراد بالاستطاعة: الأسباب والآلات.

والجواب: أجاب أهل السنة بأن الأدلة التي استدل بها الجبرية تُثبت النوع الأول من القدرة، والأدلة التي استدل بها القدرية والمعتزلة تُثبت النوع الثاني، وكل من الاستطاعتين حق، وقالوا لهم: أنتم أيها الجبرية أثبتم نوعًا من الاستطاعة، واستدللتم له بالأدلة، وهذا حق، لكن الباطل: كونكم أنكرتم النوع الثاني من الاستطاعة، وقالوا للقدرية والمعتزلة: وأنتم أثبتم نوعًا من القدرة والاستطاعة، وهي: الاستطاعة بمعنى: توفر الأسباب، وهذا حق، والنوع الأول لم تثبتوه، وهذا باطل، وأما نحن فنثبت نوعي الاستطاعة، ونستدل بأدلتكم -أيها الجبرية - على النوع الأول، ونستدل بأدلتكم -أيها المعتزلة والقدرية - على النوع الثاني، وبذلك تتفق الأدلة ولا تختلف.

والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به؛ فهي مع الفعل.

 

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا

(م) (وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [سورة البقرة آية: 286]):  

(ش) قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [سورة البقرة آية: 286]، معناه: أن الذي عنده وسع وقدرة وطاقة وأسباب وآلات، فإنه يكلَّف، وإذا فُقدت الأسبابُ والآلات، فلا يكلف؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لا يكلف إلا المستطيع.

أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد([20])

(م) (وَأَفْعَالُ العِبَادِ خَلْقُ اللهِ وَكَسْبٌ مِنَ العِبَادِ):

(ش) هذا معتقد أهل السنة والجماعة؛ أن الله -تعالى- خلق أفعال العباد، والعباد باشروها مختارين، فصاروا بها عصاة ومطيعين، فأفعال العباد من الله؛ خلقًا وتقديرًا، ومن العبد؛ فعلًا، وتسببًا، وكسبًا، ومباشرةً.

وهناك مذهبان آخران:

المذهب الأول: مذهب الجبرية؛ قالوا: إن الأفعال هي أفعال الله، والعباد مجبورون على أفعالهم، فالله هو المصلي وهو الصائم، ولكن العباد وعاء للأفعال، فهم كالكوز الذي يصب فيه الماء؛ فالعباد كُوب، والله كصباب الماء فيه؛ لأن الله أجبرهم على ذلك، وتجري الأفعال على أيديهم اضطرارًا، لا اختيار لهم في ذلك([21]).

المذهب الثاني: مذهب المعتزلة والقدرية، ومذهبهم عكس مذهب الجهمية؛ قالوا: أفعال العباد اختيارية، بل زادوا على ذلك، وقالوا: هم الذين خلقوا أفعالهم؛ والله لا يقدر على خلق أفعال العباد، فالعباد هم الذين خلقوا الطاعات والمعاصي، وخلقوا الخير والشر، وباشروها، وخلقوها، وأوجدوا أفعالهم؛ ولذلك يجب على الله أن يثيب المطيع؛ لأنه هو الذي خلق فعله، والمطيعُ حينما يفعل الحسنات فهو كالأجير، والأجير يجب إعطاؤه أجره؛ ولذا: فيجب على الله أن يثيب المؤمنين، وأمّا العاصي فهو الذي خلق الشر والمعصية بنفسه، وتوعده الله بالنار، فيجب على الله أن ينفذ وعيده، وأن يخلده في النار([22]).

وهدى اللهُ أهلَ السنة والجماعة للحق في هذا الباب فقالوا: إن الأفعال التي تصدر من العباد، تنقسم إلى قسمين:

• أفعال اضطرارية: وهذه تكون صفة للعباد، وليست أفعالًا لهم؛ كحركات المرتعش، والنائم، ونبض العروق وحركات الأشجار.

• أفعال اختيارية: وهي التي يفعلها الإنسان باختياره، كالقيام، والقعود، والسفر، والمجيء، وغير ذلك.

فأما الأفعال الاضطرارية فهذه ليست محلًّا للنـزاع، فكل الطوائف الثلاث اتفقوا على أنها غير مقدورة للعبد، وأنها واقعة بغير اختياره. 

أما الأفعال الاختيارية: فهذه محل الخلاف:

فالجبرية قالوا: حتى الأفعال الاختيارية اضطرارية؛ ليس للعبد فيها أيّ اختيار، وأمَّا المعتزلة والقدرية فقالوا: إنَّ العباد هم الذين خلقوها وأوجدوها مختارين، والله لم يقّدرها، ولا يستطيع خلقها.

وأهل السنة توسطوا، فقالوا: الأفعال الاختيارية هي خلْق الله، وهي فعل العباد، فهي تضاف إلى الله من جهة الخلق، وتضاف إلى العباد من جهة الكسب والتسبب والمباشرة، فهي من الله خلقًا وإيجادًا وتقديرًا، ومن العبد فعلًا وتسببًا وكسبًا ومباشرةً.

واستدلَّ الجبرية: بقول الله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [سورة الأنفال آية: 17]، وهذا في غزوة بدر لما أخذ النبي([23]) ﷺ قبضة من تراب، ثم رمى بها نحو الكفار، فلم يبق كافر إلَّا وقد أصابه من هذه القبضة شيء، ودخل في عينيه وفمه ومنخره، فأنـزل الله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} [سورة الأنفال آية: 17]؛ قالوا: إن الله نفى عن نبيه الرمي، فدل على أن العبد لا اختيار له.

وأجاب أهل السنة والجماعة أهل الحق فقالوا:

أنتم -أيها الجبرية - أغمضتم أعينكم عن الحق، وفتحتم أعينكم لما يناسبكم من الآية، فالآية فيها إثبات الرمي للرسول، ونفي الرمي عنه؛ فالرمي نوعان: نوعٌ أثبته الله لنبيه هو: الحذف، والنوع الذي نفاه عن نبيه هو: الإصابة، فابتداء الرمي؛ حذفٌ، وانتهاؤه؛ الإصابة، والمعنى حينئذٍ: وما أصبتَ إذْ حذفتَ، ولكنَّ الله أصاب.   

قال الجبرية -أيضًا-: ومما يدل على أن أفعال العباد لا اعتبار لها، وأن الله تعالى لا يعتد بأفعال العباد، قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لَنْ يُدْخُلَ أَحَداً عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ لَا: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بفَضلٍ وَرَحمَةٍ»([24])، ووجه الدلالة؛ قالوا: الباءُ في قوله: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» باء السبب، والتقدير: لن يدخل أحدكم الجنة بسبب عمله، فالله تعالى لم اعتبر العمل شيئًا، ولم يعتبره سببًا، وإنما دخول الجنة بمحضِ فَضْلِ الله؛ فدلَّ على أن العباد ليس لهم أفعال.

أما القدرية والمعتزلة: الذين يقولون: العباد خالقون لأفعالهم، والله تعالى لا يقدر عليها، فقد استدلوا بقول الله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [سورة المؤمنون آية: 14]؛ قالوا: الآية دليل على أن هناك خالقين مع الله، إلا أن الله أحسنهم وأجودهم خلقًا، فدل على أن العباد خالقون مع الله، إلا أن الله أحسن خلقًا وأجود.

وقالوا: مما يدل على أن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم؛ قول الله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [سورة النحل آية: 32]؛ قالوا: الباء باء العِوَض، والمعنى: ادخلوا الجنة عوضًا عن عملكم، فدل على أن الأعمال عوض؛ لأن العباد خلقوها وأوجدوها باختيارهم، فوجب على الله أن يعوضهم عنها الثواب، كما يعوض الأجير أجرته.  

فأجاب أهل السنة: قالوا: أنتم -أيها المعتزلة والقدرية - ضللتم في تفسير هاتين الآيتين، كما أن إخوانكم من الجبرية ضلوا أيضًا، أما قول الله تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [سورة المؤمنون آية: 14]:

فالخلق نوعان:  

النوع الأول: الإنشاء والاختراع، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، قال الله تعالى: {الله خالق كل شيء} [سورة الرعد آية: 16].

النوع الثاني: الخلق بمعنى التصوير والتقدير، وهذا هو الذي يثبت للمخلوق، ومعنى الآية: {فتبارك الله أحسن الخالقين} [سورة المؤمنون آية: 14] يعني أحسن المقدرين المصورين، لا المنشئين المخترعين.

فالإنشاء والاختراع لا يكون إلا لله، لكن التقدير والتصوير، فإنه يقدر عليه المخلوق؛ كما قال الله -تعالى- عن عيسى: {وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير} [سورة المائدة آية: 110] فتخلقُ: يعني: تقدر وتصور، فعيسى -عليه السلام- يصور ويقدر الطين كهيئة الطير، وينفخ فيه، والله - تعالى- يخلق فيه الروح؛ ولهذا قال الشاعر:   

ولأنت تفري ما خلقت
 

 

وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
 

فالشاعر هنا يمدح، ويقول: (ولأنت تفري)؛ يعني: تنفذ ما خلقتَ؛ يعني: ما قدرتَ وصورتَ، وبعض القوم يخلق، ثم لا يفري.

وأما الباء -فأنتم أيها المعتزلة - ضللتم كما ضل إخوانكم الجبرية؛ فإن الباء التي تأتي في الإثبات، غير الباء التي تأتي في النفي، فالباء التي تكون في الإثبات، هي باء السببية، والباء التي تكون في الجملة المنفية، هي باء العوض، فباء العوض في الجملة المنفية، كما في الحديث: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»؛ فهذه باء العوض؛ لأنها في جملة منفية، والمعنى: لن يدخل أحدكم الجنة عوضًا عن عمله، فيستحق الجنة، كما يستحق الأجير أجره، بل الدخول برحمة الله، وأما الباء التي تكون في الجملة المثبتة، فهي باء السبب، كما في قوله سبحانه: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [سورة النحل آية: 32]، يعني: بسبب ما كنتم تعملون، فيكون دخول الجنة برحمة الله، ولكن له سبب وهو العمل، فمن جاء بالسبب؛ نال الرحمة، ومن لم يأت بالسبب؛ لم ينل الرحمة.  

فالنصوص يُضَمُّ بعضُها إلى بعض، وبذلك تتفق وتتآلف ولا تختلف.

التكليف بحسب الطاقة  

(م) (وَلَمْ يُكَلِّفْهُمُ اللهُ -تَعَالَى- إِلَّا مَا يَطِيقُونَ):

(ش) هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة؛ وهو أن الله - تعالى- لا يكلف العبد إلا ما يستطيع؛ قال سبحانه: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} [سورة الطلاق آية: 7]، وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [سورة البقرة آية: 286].

وهل يكلف الله العبد بشيء لا يطيقه([25])؟

اختلف الناس في هذا على مذاهب:

المذهب الأول([26]): مذهب الأشعرية وبعض المعتزلة ببغداد والبكرية أتباع بكر ابن أخت عبدالواحد بن زيد؛ قالوا: إن تكليف ما لا يطاق جائز عقلًا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس؛ كجعل الشجر فرسًا، أو الفرس إنسانًا، أو الحيوان نباتًا، وإيجاد القديم وإعدامه، قالوا: لكن هل ورد به الشرع؟ تردد أصحاب أبي الحسن الأشعري هل ورد به الشرع فوقع أم لا؟ على قولين:

استدل من قال: إنه وقع بقصة أبي لهب قالوا: فإن الله أمر أبا لهب بالإيمان مع أن الله أخبر بأنه لا يؤمن، وأنه سيصلى نارًا ذات لهب، فأبو لهب مكلف بأن يؤمن بالقرآن، وفى ضمن القرآن أن يؤمن بأنه لا يؤمن، فكان أبو لهب مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين الضدين، وهو محال لا يطاق.    

والجواب: لا نسلم بأن أبا لهب مأمور بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، بل هو مأمور بالإيمان، والاستطاعةُ التي بها يقدر على الإيمان؛ التي هي بمعنى توفر الأسباب، والآلات: كانت حاصلةً له؛ فهو غير عاجز على تحصيل الإيمان، فما كلف إلا ما يطيقه.

واستدلوا بقول الله تعالى للملائكة: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} [سورة البقرة آية: 31]، وبقول الله تعالى للمصورين في الحديث القدسي: «أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»([27])؛ قالوا: هذا تكليف ما لا يطاق.

أُجيب: بأن الأمر في الآية والحديث، ليس بطلب فعل يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، فليس بتكليف، بل هو خطاب تعجيز.

واستدلوا بدعاء المؤمنين في قوله تعالى: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [سورة البقرة آية: 286].

وأُجيب: بأنه لا يلزم من ذلك أن يُكلَّف الإنسانُ ما لا يستطيعه، والمعنى: لا تصبنا بشيء يهلكنا، أي: لا تصبنا بما نعجز عن طاقته فنهلك.  

المذهب الثاني:  قالوا: يجوز التكليف بالمستحيل العادي دون المستحيل العقلي؛ أي يجوز تكليف الممتنع عادة بما يتصور العقل وجوده من خارق للعادة على يد نبي أو ولي، دون الممتنع لذاته أي عقلًا؛ وهو ما لا يتصور العقل وجوده أصلًا كالجمع بين الضدين.  

المذهب الثالث: قالوا ما لا يطاق للعجز عنه -وهو المستحيل العادي والعقلي- لا يجوز التكليف به، وما لا يطاق للاشتغال بضده؛ كاشتغاله بلعب القمار أو الكرة عن الصلاة؛ فإنه يجوز التكليف به.

وهؤلاء موافقون للسلف والأئمة في المعنى، لكن تسميتهم ما يتركه العبد بـ«ما لا يطاق؛ لكونه مشتغلًا بضده»؛ بدعة في الشرع واللغة([28])، فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه، وهم قد التزموا هذا لقولهم: إن الطاقة والاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فقالوا: كل من لم يفعل فعلًا فإنه لا يطيقه.

وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، وخلاف ما عليه عامة العقلاء؛ لأن ما يقدر الإنسان على فعله وتركه، هو مناط التكليف، بخلاف ما لا يكون إلا مقارنًا للفعل؛ فذلك ليس شرطًا في التكليف، والتعبير السليم أن يقال: ما لا يطاق للعجز عنه، لا يجوز التكليف به، وما عداه فيجوز التكليف به.

ومن أدلة هذا القول قول الله -تعالى-: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [سورة البقرة آية: 286]، وقوله: {لا نكلف نفسا إلا وسعها} [سورة الأنعام آية: 152]، وقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [سورة الحج آية: 78]، وقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [سورة البقرة آية: 185]، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: «بُعِثْتُ بِالحَنَفِيَّةِ السَّمْحَةِ»([29])، وقوله ﷺ: «إِنَّ الدِّيَن يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ»([30]).   

 

استطاعة الإنسان أكثر مما كلف به

(م) (وَلَا يَطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ):

(ش) قوله: (وَلَا يَطِيقُونَ إِلَّا مَا كَلَّفَهُمْ): معنى هذا الكلام أن الإنسان لا يستطيع أكثر مما كُلِّفَ به، وهذا باطل؛ لأنه يعني: أن الإنسان لا يستطيع الزيادة على الصلوات الخمس، وكذا باقي العبادات؛ فلا يستطيعون أن يصوموا أكثر من شهر، ولا يستطيعون أن يحجوا إلا مرة واحدة في العمر، وهذا ليس بصحيح.

فلو كلفنا الله بست صلوات، أو سبع عشرة صلاة؛ لاستطعنا، ولو كلفنا الله بأكثر من صيام ثلاثين يومًا؛ لاستطعنا، ولو كلفنا الله بالحج أكثر من مرة؛ لاستطعنا، لكن الله لطف بنا، ويسّر، وسهّل، قال سبحانه: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [سورة البقرة آية: 185]، وقال سبحانه: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}  [سورة الحج آية: 78]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ».  

فقول الطحاوي هذا غلط يتمشى مع مذهب الجبرية، الذين يقولون: إن الطاقة والوسع لا تكون إلا مع الفعل، فهذا من أخطائه عفى الله عنا وعنه.  

تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله

(م) (وَهُوَ تَفْسِيرُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ):

(ش) لا حول ولا قوة إلا بالله؛ يعني: لا تَحَوُّلَ من حالٍ إلى حالٍ، ولا قوة للإنسان على فعل ذلك؛ إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنـز من كنوز الجنة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لأبي موسى: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْـزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَةِّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»([31]).  

فهذه الكلمة كنـز من كنوز الجنة، ولها تأثير عظيم في تخفيف الحزن والألم والمصائب عن العبد، فلا يستطيع الإنسان أن يتحول من حال إلى حال، أو من الشر إلى الخير، أو من المعصية إلى الطاعة، أو من الذنب إلى التوبة -ولا قوة لك على ذلك- إلا بالله U.

فإذا وفقك الله وأعانك؛ تحولتَ من المعصية إلى الطاعة، وتحولتَ من الذنب إلى التوبة، وقوَّاك اللهُ على ذلك؛ بأن وفقك وهداك وقذف في قلبك النور والهداية، وجعلك تقبل الحق وترضاه وتختاره وتريده، وقذف في قلبك الإرادة والقوة على ذلك، وأعانك: فإنك تستطيع ذلك بإذن الله، وتوفيقه. هذا معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله.

لا تحول من المعصية إلى الطاعة إلا بمعونة الله  

(م) (نَقُولُ: لَا حِيلَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا حَرَكَةَ لِأَحَدٍ، وَلَا تَحَوُّلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللهِ):   

(ش) كما سبق من أنه لا تحول من المعصية إلى الطاعة إلا بمعونة الله وتوفيقه.

إقامة طاعة الله والثبات عليها بتوفيق الله  

(م) (وَلَا قُوَّةَ لِأَحَدٍ عَلَى إِقَامَةِ طَاعَةِ اللهِ وَالثَّبَاتِ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللهِ):

(ش) لا قدرة للإنسان على إقامة الطاعة والثبات عليها والاستقامة عليها، إلا بالله، فالله تعالى هو الموفق للخير والطاعة، وهو المُثَبِّتُ لعبده المؤمن، نسأل الله تعالى أن يثبتنا على دينه حتى الممات.  

 

كل شيء يجري بعلم الله وقضائه وقدره  

(م) (وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى وَعِلْمِهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ):

(ش) سبق الكلام على هذا وأن كل شيء يجري بعلم الله وقضائه وقدره، وأن الله تعالى سبق علمُه بالأشياء قبل كونها، وكتبها في اللوح المحفوظ.

مشيئة الله تعالى  

(م) (غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ المَشِيئَاتِ كُلِّهَا):

(ش) هذا كما قال الله تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} [سورة التكوير آية: 29]، ولهذا يقول المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، قال تعالى: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما} [سورة الإنسان آية: 30]، غلبت مشيئة الله وإرادته الإرادات كلها؛ فمشيئة الله لا تُغَالَبُ، وإرادة الله لا يغلبها شيء، بل ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}  [سورة يس آية: 82] أما العبد فإن مشيئته وإرادته تابعة لمشيئة الله وليست مستقلة.  

غلب قضاء الله الحيل كلها  

(م) (غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ المَشِيئَاتِ كُلِّهَا وَغَلَبَ قَضَاؤُهُ الحِيَلَ كُلَّهَا):

(ش) لا شك أن قضاء الله غلب الحيل، ولو احتال العباد ودبروا الحيل وأعملوا المكائد في أن يغيروا شيئًا أراد الله أن يكون، فلن يستطيعوا، كما قال سبحانه: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} [سورة فاطر آية: 2].

وقال النبي ﷺ في حديث ابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»([32]).  

تنـزيه الله عن الظلم([33])  

(م) (يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أَبَدًا):

(ش) يفعل الله ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، وفعله مبني على الحكمة، ليس فعله بالإرادة فقط، كما يقوله المعتدون الجبريةُ، بل فعله مبني على الحكمة؛ فهو يفعل ما يشاء؛ لأنه حكيم: {إن ربك عليم حكيم} [سورة الأنعام آية: 83] وهو لا يوصف بالظلم أبدًا.

معنى الظلم:  

والظلم عند أهل الحق وهم أهل السنة والجماعة قالوا: حقيقة الظلم الذي نَزَّه الله نفسه عنه، هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يمنع أحدًا من ثوابه، أو أن توضع عليه سيئات غيره، أو كأن ينقص من حسنات الإنسان.

وقد نـزه الله نفسه عن الظلم، ونفاه عن نفسه فقال: {لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} [سورة غافر آية: 17]، وقال: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [سورة طه آية: 112]، وكما جاء في الحديث القدسي، من حديث أبي ذر أن ربك -سبحانه وتعالى- قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَّالمَوا»([34]).  

فهذه حقيقة الظلم الذي نـزه الله نفسه عنه، عند أهل الحق: أهل السنة والجماعة.

وفي المسألة مذهبان آخران:  

المذهب الأول: مذهبُ الجبرية وهم الأشاعرة والجهمية، قالوا في تعريف الظلم الذي نـزه الله نفسه عنه: الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، ويمتنع أن يكون في الممكن المقدورِ ظُلْمٌ، بل كل ما كان ممكنًا فهو منه -لو فعله- عدلٌ، ولا يكون ظلمًا.

إذن: فالظلم عند الجبرية، ممتنع ومستحيل على الله، كامتناع العجز والموت عنه سبحانه، والظلم عندهم هو المحال الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين، وكون الشيء موجودًا معدومًا.  

وكل ممكن عندهم فليس بظلم، ولله أن يفعله، وهو غير ظالم؛ ولذا قالت الجبرية: لو قلب الرب التشريعَ والجزاءات، فجعل الزنا واجبًا، والعفة حرامًا؛ لما كان ظالمًا، ولو عذب رسله وأنبياءه وأولياءه أبد الآبدين، وأبطل جميع حسناتهم، وحملّهم أوزار غيرهم وعاقبهم عليها، وأثاب المجرمين والعصاة والكفرة طاعاتِ الأنبياء والأبرار، وحرم ثوابها فاعِلَها؛ لكان ذلك عدلًا محضًا، فإن الظلم من الأمور الممتنعة لذاتها في حق الرب، وهو غير مقبول له، بل هو كقلب المحدث قديمًا والقديم محدثًا، وهذا قول جهم ومن اتبعه من المتكلمين.

وشبهتهم: قالوا: الظلم لا يكون إلا من مأمور من غيره منهي، والله ليس كذلك، والظلم إما التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإما مخالفة الآمر، وكلاهما في حق الله تعالى محال؛ فإن الله مالك كل شيء، فهو مالك العباد؛ يتصرف في ملكه كيف يشاء، والذي يتصرف في ملكه ليس بظالم، والظلم إنما يكون من مخالفة الآمر، والله ليس فوقه آمر تجب طاعته.

والجواب على هذا أن نقول: هذا التعريف مخالف للغة العربية، بل لا وجود له، ولو كان الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، لما نفاه عن نفسه وقال: {لا ظلم اليوم} [سورة غافر آية: 17]، فهل يُنفى شيءٌ لا وجود له؟! وقال تعالى: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [سورة طه آية: 112]؛ فهل يخاف الإنسانُ الممتنعَ المستحيلَ؟! بل كيف يحرم على نفسه شيئًا ممتنعًا فيقول: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي...»([35])؟! 

وقولكم: إن الظلم لا يكون إلا من آمرٍ؛ ناهٍ. نقول: نعم؛ الله -تعالى- مأمور منهي، لكن من قِبَل نفسه؛ فهو يأمر نفسه وينهاها سبحانه وتعالى.

ومن أدلة الجبرية: استدلوا بقول الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}  [سورة الأنبياء آية: 23].

قالوا: فهذا فيه أنه لا يُسأل عما يفعل؛ فهو يفعل بقدرته ومشيئته؛ أي: بقهره وسلطانه.

والجواب أن نقول: معنى الآية: لا يسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته، وأما العباد فهم يسألون؛ لأنهم مأمورون مكلَّفون.

واستدلوا بحديث ابن مسعود: «مَا أَصَابَ العَبْدَ قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكُ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكُ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ - إلى قوله- إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَغَمَّهُ، وَأَبْدَلَ مَكَانَهُ فَرَحًا»([36]).

وجه الاستدلال قالوا: إن قول النبي ﷺ: « عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ » يشمل كل قضاء يقضيه الله لعبده، وهذا يعم قضاء المصائب، وقضاء المعائب، وقضاء العقوبات على الجرائم.

وكذلك استدلوا بحديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والحاكم في «مستدركه»، وفيه: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهمْ،وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ»([37]).  

والجواب أن نقول: معنى قوله: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهمْ»: أي: أنَّ الله لو وضع عدله على أهل سماواته فحاسبهم بنعمه عليهم وأعمالهم؛ لصاروا مدينين له، وحينئذٍ: لو عذبهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لكنه لا يفعل هذا سبحانه، إنما يبتدرهم بِنِعَم جديدة.

وأما قوله: «عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» لا شك أن ما يقضيه الله للعبد كله خير ورحمة؛ مبني على الحكمة.  

مذهب الثالث: مذهب القدرية: قالوا: في تعريف الظلم: كل ما كان من بني آدم ظلمًا وقبيحًا؛ يكون من الله ظلمًا وقبيحًا لو فعله، فعندهم الظلم الذي يصدر من العباد هو الظلم الذي يصدر من الرب لو فعله، فكل ما يسمى ظلماً من العبد، يسمَّى ظلماً من الرب، فهم مثلوا الله بخلقه، فقالوا: الظلمُ إضرارُ غيرِ مستحقٍ، أو عقوبةُ العبدِ على ما ليس منه، أو عقوبته على ما هو مفعول معه.

قالوا: فلو كان الرب خالقًا لأفعال العباد، مريدًا لها، قد شاءها وقدرها عليهم، ثم عاقبهم عليها؛ لكان ظالمًا، ولا يمكن إثبات كونه سبحانه عدلًا لا يظلم، إلا بالقول بأنه لم يُرِدْ وجودَ الكفر والفسوق والعصيان، ولا شاءها، بل العباد فعلوا ذلك بغير مشيئة الله وإرادته، كما فعلوه بغير إذنه وأمره.

وعندهم أن الله لو وفَّق شخصًا وخذل آخر؛ لكان ظالمًا، ولو نسخ الله حكمًا بحكم؛ لكان جاهلًا ظالمًا، ويجب على الله عقلًا أن يثيب المحسن، وأن يعذب المسيء.

وهذا من أبطل الباطل؛ لأن هذا مبني على التحسين والتقبيح العقليين، والصواب: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهذا هو الموافق للّغة العربية كما سبق.

ولذلك نفى الله -سبحانه وتعالى- الظلم عن نفسه في قوله: {وما أنا بظلام للعبيد} [سورة ق آية: 29]، وقوله: {وما ظلمناهم} [سورة هود آية: 101]، وقوله: {ولا يظلم ربك أحدا} [سورة الكهف آية: 49]، وقوله: {لا ظلم اليوم} [سورة غافر آية: 17]، ونفى خوف الظلم في قوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} [سورة طه آية: 112] إذن: فالله -تعالى- حرم الظلم على نفسه.

وهذا يدل على أنه ممكن الوقوع، ولو كان لا يمكن، لما حرَّمه على نفسه.

وقد أنكر الله -بهمزة الاستفهام- على من حسب خلق الخلق عبثًا فقال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} [سورة المؤمنون آية: 115] فتنـزه سبحانه عن خلق الخلق عبثًا.

وكذلك قَوْلُهُ: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين} [سورة القلم آية: 35]، وقوله: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [سورة ص آية: 28] إنكارٌ منه على من جوَّز أن يسوّي الله بين هذا وهذا، وقوله: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} [سورة الجاثية آية: 21].

وإنكارٌ على من حسب أنه يفعل هذا، وإخبار أن هذا حكم سيئ قبيح، وهو ممَّا ينـزه الرب عنه، وبهذا يبطل مذهب الطائفتين الضالتين: الجبرية والقدرية.

تنـزيه الله عن كل سوء وقبيح

(م) (تَقَدَّسَ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَحَيْنٍ):

(ش) تقدس: يعني: تنـزَّه سبحانه وتعالى، اسمه عن كل سوء وقبيح، والحينُ: الهلاكُ؛ فهو سبحانه وتعالى حي لا يموت، وهو منـزه عن الموت، ومنـزه عن الهلاك، ومنـزه عن كل سوء سبحانه وتعالى، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، له كل وصف جميل سبحانه وتعالى، وله الأسماء الحسنى التي سمى نفسه بها ووصف بها نفسه في الكتاب والسنة.  

تنـزيه الله عن كل عيب وشين

(م) وتَنَـزَّهَ عَن كلِّ عَيْب وشَي {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.

(ش) تقدس وعلا عن كل عيب وشين ونقيصةٍ، سبحانه وتعالى: {لا يسأل عما يفعل} لكمال حكمته -سبحانه وتعالى- {وهم يسألون} أما العباد فإنهم يسألون؛ لأنهم مكلفون.  

انتفاع الأموات بسعي الأحياء

(م) (وَفِي دُعَاءِ الْأَحْيَاءِ وَصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعَةٌ لِلْأَمْوَاتِ)

(ش) أي أن الأموات ينتفعون من دعاء الحي إذا دعا لهم وينتفعون من الصدقات، وهذه المسألة تسمى: إهداء الثواب للميت، وهل ينتفع بها أو لا ينتفع؟

المسألة فيها مذاهب([38]):

المذهب الأول: لأهل البدع وبعضهم ينسبه إلى المعتزلة قالوا: لا ينتفع الميت من سعي الحي إلا بما تسبب به في حياته؛ لأنه تابع لما عمله في حياته، وما لم يكن تسبب فيه في الحياة؛ فهو منقطع عنه، وذلك مثل وقف صدقة، ومثل علم؛ كمؤلفات ألفها، أو تلاميذ دَرَّسَ لهم وانتفعوا به، أومصاحف، أو كتب علمية طبعها، أو أولاد صالحين رباهم فدعوا له، كما جاء في الحديث: «إِذَا مَاتَ الإنسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثة: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»([39]).

المذهب الثاني: وهو منسوبٌ إلى المالكية والشافعية؛ قالوا: ينتفع الميت بما تسبب به في الحياة، وبالدعاء، والصدقة، والحج، وهي التي تسمى بالأعمال المالية التي تدخلها النيابة، أي يقولون: ينتفع الميت بشيئين:

الشيء الأول: ما تسبب به في الحياة -كما قال المعتزلة- والنوع الثاني: الأعمال المالية التي تدخلها النيابة مثل أن يدعو له إنسان، ومثل أن يتصدق عنه إنسان، ومثل الحج والعمرة، ومثل الأضحية، أما الأعمال البدنية فلا يستفيد منها مثل: الصلاة، ومثل: الطواف، ومثل: الذكر، ومثل: قراءة القرآن.  

المذهب الثالث: أن الميت ينتفع بكل قربة يهديها إليه الحي، فينتفع بما تسبب به في الحياة، وينتفع بالأعمال المالية التي تدخلها النيابة، وهي: الدعاء، والصدقة، والحج، وينتفع أيضا بما يُهدى إليه من ثواب الأعمال الصالحة البدنية: كالصلاة، والصوم، وقراءة القرآن، والذكر، وهذا مذهب الحنابلة والأحناف، ولهذا يقول الحنابلة في هذا: «وكل قربة فعلها وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت؛ نَفَعَهُ» وكلمةُ (كل) من صيغ العموم؛ أي: سواء أكانت القربةُ بدنيةً أوعملية؛ فعلى هذا: إذا تصدق الإنسان بصدقة، ونوى ثوابها لقريبه الميت، أو غير قريبه، فإنه ينتفع بها عند المالكية والشافعية، وينتفع بها عند الأحناف والحنابلة، ولا ينتفع بها عند المعتزلة؛ لأنها ليست ممن تسبب فيها.  

أما الأعمال البدنية: كمن صلى ركعتين، أو صام يوما، أو قرأ القرآن؛ وقال: اللهم اجعل ثوابها للميت، فعند الشافعية والمالكية لا ينتفع بها، وعند الحنابلة والأحناف ينتفع بها.  

وعلى هذا تكون لدينا مذاهب ثلاثة:

المذهب الأول: مذهب أهل البدع: لا ينتفع إلا بما تسبب به في الحياة.

المذهب الثاني: ينتفع بما تسبب به في الحياة، وبثواب الأعمال المالية، وهي ثلاثة أنواع: الدعاء، والصدقة، والحج فقط، أما ثواب الصلاة، وثواب قراءة القرآن، وثواب الذكر، وثواب الطواف بالبيت بدون حج أو عمرة فلا ينتفع بها.  

المذهب الثالث: ينتفع بكل شيء يهدى إليه.  

والصواب من هذه الأقوال هو مذهب المالكية والشافعية؛ ووجه الترجيح: أن هناك أدلة تدل على أن الميت ينتفع بالصدقة، وهناك أدلة تدل على أن الميت ينتفع بالحج والعمرة، وهناك أدلة تدل على أن الميت ينتفع بالدعاء، لكن ليس هناك دليل يدل على أن الميت ينتفع بصلاة ركعتين إذا صُليتا، أو طواف بالبيت مجردٍ ليست بحج ولا عمرة، أو تقرأ قرآنا وتهدي ثوابه، أو تصوم يوماً وتهدي ثوابه، إذ ليس على هذا دليل.  

لكن الحنابلة والأحناف قالوا: بقياس ثواب الأعمال البدنية على ثواب الأعمال المالية، والشافعية والمالكية منعوا القياس فيها؛ وحُجَّتُهم أنَّ العبادات ليس فيها قياس؛ لأن مبناها على التوقيف، والأصل في العبادات: الحظر والمنع، فقالوا: نحن نقف حيث وقفت النصوص، إلا أن الصوم الواجب يُقضى عنه، كالذي مات وعليه أيام من رمضان، أو مات وعليه صومُ نذرٍ أو كفارة؛ لقول النبي ﷺ في حديث عائشة الصحيح الذي رواه الشيخان: «مَنْ مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»([40]) أما أن تصوم تطوعًا وتنوي ثوابه للميت؛ فليس عليه دليل واضح.  

ومن أدلة أهل البدع والمعتزلة على أن الميت لا ينتفع إلا بما تسبب به في الحياة؛ قول الله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم آية: 39] قالوا: وجه الدلالة: أن الله حصر ملكية الإنسان لسعيه؛ فدلَّ على أنه لا ينتفع بسعي غيره.  

وأجيب عنه بجوابين: الأول: من وجهين:

أحدهما: أن الإنسان بسعيه وملاطفته وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى الناس، فترحموا عليه، ودعوْا له، وأهدوا له ثواب الطاعة؛ فكان ذلك أثرَ سعيه.

الثاني: أن دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام، من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة المسلمين تَعُمُّه.

الجواب الثاني: وهو أقوى من الأول: أن المنفي عن الإنسان هو الملك لا الانتفاع، فالقرآن في قول الله: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [سورة النجم آية: 39]، لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فاللام في قوله: {للإنسان} [سورة النجم آية: 39] للملك.

الدليل الثاني: استدلوا بقول الله تعالى {ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون} [سورة يس آية: 54].    

ووجه الدلالة: أن الله حصر الجزاء في العمل للشخص نفسه؛ فدلَّ على عدم انتفاعه بعمل غيره.  

وأجيب هنا: بأنَّ سياق هذه الآية، يدل على أن المنفيَّ عقوبةُ العبد بعمل غيره؛ بدليل صدر الآية {فاليوم لا تظلم نفس شيئا} [سورة يس آية: 54] ولم تنف الآية انتفاعَ الإنسان بعمل غيره.  

الدليل الثالث: استدلوا بقول الله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}  [سورة البقرة آية: 286].

وجه الدلالة: أن الله حصر كسب الإنسان واكتسابه عليه فدل على عدم انتفاعه بكسب غيره.

وأجيب هنا: بأنَّ الآية أثبتت ملك الإنسان لكسبه، ولم تنف انتفاعه بكسب غيره، بل إن كسب غيره ملك لكاسبه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء يبقيه لنفسه.

الدليل الرابع: استدلوا بما ثبت عن النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»([41]).  

وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أخبر أنه إنما ينتفع الميت بما كان تسبب به في الحياة، وما لم يكن تسبب به في الحياة، فهو منقطع عنه.

وأجيب هنا: بأنَّ النبي ﷺ أخبر بانقطاع عمله ولم يخبر بانقطاع انتفاعه بعمل غيره، بل إن عمل غيره لعامله، فإن وهبه له؛ وصلَ إليه ثواب عمله، فالمنقطع شيء، والواصل إليه ثوابه شيء آخر.  

واستدل المالكية والشافعية على أن الميت ينتفع بالدعاء والصدقة والحج فقط؛ بالكتاب والسنة والإجماع.  

 

أما الدعاء فاستدلوا عليه بأربعة أنواع:

النوع الأول: نصوص أدعية الناس بعضهم لبعض الواردة في القرآن؛ كقوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [سورة الحشر آية: 10].  

وجه الاستدلال: أن الله أثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم؛ فدلَّ على انتفاعهم باستغفار الأحياء، ولو كان غير نافع ما استحقوا الثناء.  

النوع الثاني: إجماع الأمة على الدعاء في صلاة الجنازة.

النوع الثالث: نصوص الدعاء للميت بعد الدفن، كما في حديث عثمان بن عفان t قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»([42]).  

النوع الرابع: نصوص الدعاء للأموات عند زيارة قبورهم كما في حديث بريدة ابن الحصيب t قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ -في رواية أبي بكر: السلام على أهل الديار، وفي وراية زهير- السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ للَاحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ»([43]).

واستدلوا على وصول ثواب الصدقة، بما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا وَأُرَاهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ: نعم، تصدق عنها»([44]).  

وفي «صحيح البخاري» عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- «إنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا فَهَلْ يَنْفَعُهَا شيءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ به عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِي المِخْرَاف صَدَقَةٌ عَنْهَا»([45]).   

واستدلوا على عدم وصول العبادات البدنية للميت بما روى النسائي بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٌ، وَلكَنْ يُطْعِمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ مَدًّا مِنْ حِنْطَةٍ»([46]) فكما أن هذه العبادات لا تدخلها النيابة في الحياة، فلا يفعلها أحد عن أحد، ولا ينوب فيها عن فاعلها غيرها؛ فكذلك في الممات لا يفعلها أحد عن أحد، ولا ينوب فيها عن فاعلها غيرها، بل يختص ثوابها بفاعله لا يتعداه إلى غيره.  

وأما الحنابلة والأحناف فردوا وقالوا: كيف تفرقون بين العبادات المالية والبدنية؟! هذا تفريق بغير دليل، فالنبي ﷺ لم يفرق بينهما، بل شرع الصوم عن الميت، كما في حديث عائشة «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»([47]) مع أن الصوم عبادة بدنية لا تجزئ فيها النيابة في الحياة، فأجاب المالكية والشافعية بأنَّ هذا صوم واجب، وما عداه فلم يأت فيه دليل، قالوا: 

أولًا: حديث ابن عباس «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» موقوف على ابن عباس فلا يقاوم حديث عائشة لا سيما وقد ثبت الخلاف عن ابن عباس.

وثانيا: أن الحديث مطعون في سنده، وحديث عائشة صحيح الإسناد، وأما استدلالكم بالقياس على الحياة، فيجاب عنه بأنه لا قياس مع النص، فإن النبي ﷺ شرع الصوم عن الميت، مع أن الصوم لا تدخله النيابة، وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فروض الكفايات، وشرع لقِّيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام، وأفعال المناسك، وحكم له بالأجر مع كونه نائباً عنه، وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنـزِِِِِِِلة إسلام أطفالهما.  

وقالوا: من الأدلة على وصول ثواب الصوم؛ حديث عائشة كما سبق، ومن الأدلة على وصول ثواب الحج؛ أدلة كثيرة، منها: «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ»([48]).

لكن أجاب الجمهور بأن هذا نذر واجب، والحج أيضا وردت فيه النيابة، قال الحنابلة والأحناف: فجازت النيابة في الحج، والحج عبادة مركبة من المال والبدن فدل على جواز وصول ثواب الأعمال البدنية.  

وقالوا: من أدلتنا: أن المسلمين أجمعوا على أن قضاء الدين يسقطُه من ذمة الميت، ولو كان من أجنبي، ومن غير تركته، كما في حديث أبي قتادة حينما ضمن الدينارين عن الميت، فلمَّا قضاهما قال النبي ﷺ: «الآنَ بَرَّدتَ عَلَيه جلدته»([49]). 

وقالوا: وكل ذلك جارٍ على قواعد الشرع، وهو محض القياس؛ فنقيس هبة ثواب العمل للميت، على هبة المال للحي؛ فكما أن الإنسان إذا وهب ماله للحي فلا بأس، فكذلك نقيس عليه ثواب عمله للميت، والثواب حق للعامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم، لا يُمنع من ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه له منه بعد مماته.  

وقالوا: من أدلتنا: القياس على الأجير الخاص، وهو الذي يشترط أن يباشر الفعل بنفسه، فنقيس هبة ثواب العمل للميت مع أنه لا يستنيب أحدا عنه في عمله على أجرة الأجير الخاص، فله أن يعطيها من يشاء، مع أنه ليس له أن يستنيب في الفعل الذي استأجر عنه أحد.  

أما المالكية والشافعية فقالوا: إنا نقف عند النصوص، فقد جاءت بوصول ثواب الدعاء والحج وكذلك الصدقة والصوم الواجب أو النذر، وما عدا ذلك فلا.

هناك مسائل تابعة لهذا البحث:

المسألة الأولى: استئجار قوم يقرءون القرآن ويهدونه للميت، وأخذ الأجرة عن التلاوة([50]). 

نقول والله أعلى وأعلم: إن هذا لا يجوز بلا خلاف، بل هو عمل بدعي؛ لأنه لم يرشد إليه النبي ﷺ، ولم يفعله أحد من السلف، ولا أمر به أحد من أئمة الدين. وَأَخْذُ الأجرة عن نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف؛ لأن تلاوة القرآن عبادة، والعبادات لا تؤخذ الأجرة عليها، كالحج والصلاة والأذان، وهذا الذي أخذ أجرته لم يقع عبادة خالصة فلا يكون له من ثوابه ما يهديه إلى الموتى، ولهذا لم يقل أحد: إنه يكتري من يصوم ويصلي ويهدي ثوابه للميت، إذن فلا يجوز له بعد أخذ الأجرة أن يهديه للميت؛ لأن التالي أخذ أجرته فلا ثواب له، فكيف يهب شيئا لا ثواب له.    

المسألة الثانية: تعليم القرآن وأخذ الأجرة عليه.

نقول والله أعلى وأعلم: اختلف العلماء فيه على قولين:

القول الأول: لا يصح أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأنه عبادة، ولحديث عبادة بن الصامت t قَالَ: «عَلَّمَتُ نَاساً مِنَ أَهْلِ الصفة القرآن، فأهدى إليَّ رجلٌ منهم قوسًا فَقُلتُ: ليستْ بمالٍ وأرسي عليها في سبيل الله، لآتيَّن رسولَ الله ﷺ فلأسألنَّه، فأتيته فقلتُ: يا رسول الله! رجلٌ أهدى إليَّ قوساً مثمن كنتُ أعلِّمُه الكتاب والقرآن وليست بحالٍ، وأرمي عنها في سبيل الله تعالى؟ قال: إن كنتَ تُحِبُّ أن تطوق طوقاً من نارٍ فاقبلها»([51]). 

القول الثاني: أنه يجوز الاستئجار على تعليم القرآن، ويصح أخذ الأجرة عليه؛ لما ورد أن النبي ﷺ زَوَّج رجلاً من الصحابة امرأةً على أن يعلمها آيات من القرآن، وقال: «زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»([52]) رواه البخاري، ولحديث البخاري الآخر: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» ([53]) وهذا هو الصواب، وأما ما استدل به المانعون، من حديث عبادة؛ فهو حديث ضعيف لا يقاوم حديث البخاري، ولو صح فيُحمل المنع فيه على أحد أمرين: أولا: أن النبي منعه لفقر أهل الصفة، أو لكونه متبرعا بذلك، فنهاه لئلا يفسد أجره.

المسألة الثالثة: إعطاء قارئ القرآن ومعلمه ومتعلمه معونةً بدون شرط، أو رصدًا من بيت المال([54]).

نقول والله أعلى وأعلم: ذلك جائز؛ لا بأس به؛ لأن هذا من جنس الصدقة عنهم، إنما الممنوع أن يستأجر شخصا يؤذن أو يستأجر شخصا يصلي بالناس وما أشبه ذلك، فهذا هو الممنوع. وقال بعض العلماء: إنه إذا اضطر إلى الاستئجار فلا حرج إن تعطل المسجد، ولم يوجد إلا بأجرة فلا بأس؛ للضرورة.

المسألة الرابعة: الوصية بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره؟

نقول والله أعلى وأعلم: من أوصى بأن يُعطى شيءٌ من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره؛ فالوصية باطلة؛ لأنه غير مشروع مثل هذا الفعل؛ أي: استئجار من يقرأ القرآن على قبره؛ لأنه فيه معنى الأجرة. وكذلك لو وقف على من يقرأ عند قبره فالتعيين باطل؛ لأنه غير مشروع؛ والوقف ماض، فيُصرف في غير المصرف الذي عينه، من جهات البر الأخرى.

المسألة الخامسة: قراءة القرآن وإهداؤه للميت تطوعاً بغير أجرة([55]).

نقول والله أعلى وأعلم: التطوع بقراءة القرآن وهبة الثواب للميت كأنْ يقرأ القرآن ويختمه ويهدي ثوابه للميت، أو يقرأ سورة ويهدي ثوابها للميت، ومثله لو سبح وهلل وأهدى ثوابها للميت، فهذه المسألة مختلف فيها:  

فقيل: يصل إليه ثواب القراءة كما يصل إليه ثواب الصوم والحج، وهذا مذهب الحنابلة، والأحناف، وكثير من المتأخرين، واستدلوا بالقياس على الدَّيْن، وعلى الأجير الخاص، وعلى الأضحية، وعلى الصوم والحج والصدقة.  

وقيل: لا يصل إليه ثواب قراءة القرآن، وهذا مذهب طائفة من أهل السنة؛ من المالكية، والشافعية، واستدلوا بأن قراءة القرآن وإهداء ثوابها للميت، لم يكن معروفاً عند السلف، ولا يمكن نقله عن واحد منهم، مع شدة حرصهم على الخير، ولا أرشدهم النبي ﷺ إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام، فلو كان ثواب القراءة يصل؛ لأرشدهم إليه، ولكانوا يفعلونه.

وبين أهل القولين دار كلام: فقال: المجيزون: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول، ومن أين لنا هذا النفي العام؟، وإن لم يكن مُعْتَرِفاً بوصول ذلك إلى الميت، فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع.  

أجاب المانعون: بأن رسول الله ﷺ أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة، ولم يرشدهم إلى القراءة.  

فقال المجيزون: إنَّ النبي ﷺ لم يبتدئهم بذلك، بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم، فهذا سأله عن الحج عن ميِّتِهِ فأذن له، وهذا سأله عن الصوم عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة عنه فأذن له فيه، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.  

فَرَدَّ المانعون: بأن النبي ﷺ أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج، ولم يشرع لهم ما سوى ذلك، والأصل في العبادات الحظر والمنع، ولأنه لا قياس في العبادات، وإنما القياس في المعاملات، وبهذا يتبين أن الصواب المنع، وأنه يقتصر في إهداء الثواب للميت على الدعاء والصدقة والحج والعمرة، وكذلك الصوم الواجب، لقول النبي r في حديث الصحيحين الذي روته عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلِيهِ صِيَّامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»([56]) سواء أكان صوم نذر، أو كفارة، أو صوماً من رمضان، وليس ذلك بواجب على الولي، لكن إن أحب أن يصوم؛ صَامَ وإن لم يرغب في الصيام، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً.

المسألة السادسة([57]): الإهداء إلى رسول الله ﷺ.  

نقول والله أعلى وأعلم: وأمَّا مسألةُ إهداءِ ثواب القراءة، أو العمل إلى رسول الله ﷺ، ففيها خلاف، فمن الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة، وهذا هو الصواب؛ لأمرين:

الأمر الأول: أن الصحابة لم يكونوا يفعلونه.  

الأمر الثاني: أن النبي ﷺ له أجر كل مَنْ عَمِلَ خيراً من أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيئا؛ لأنه ﷺ هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعى إلى الهدى فله من الأجر مثل أجر من تبعه، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده ﷺ، فله مثل أجر من اتبعه؛ أهداه إليه أم لم يهده، وهذا هو الصواب أنه لا يُهدَى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن النبي ﷺ له مثل أجر الأمة، فلا حاجة للهبة.

المسألة السابعة: قراءة القرآن عند القبور([58]).

نقول والله أعلى وأعلم: إن قراءة القرآن عند القبور؛ اختلف قول العلماء فيها على ثلاثة أقوال: وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد: الأول: الكراهة مطلقا؛ أي التحريم، فلا تجوز قراءة القرآن عند القبور، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة، ومالك واستدلوا بما يأتي:

أولاً: أن قراءة القرآن عند القبور مُحْدَث لم ترد به السنة، فلم يرد أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قرأ عند القبور، ولم يأمر به.

ثانياً: أن القراءة كالصلاة، فالقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها.

ثالثاً: أن الأصل في العبادات المنع والحظر حتى يَرِدَ الدليلُ على الجواز.  

رابعاً: أن القراءة وسيلة للعكوف عند القبر وتعظيمه؛ فتمنع سداً لذريعة الشرك.

القول الثاني: الجواز مطلقا، والمراد بالإطلاق يعني وقت الدفن أو بعد الدفن، وهذه رواية عن الإمام أحمد، وهو قول محمد بن الحسن الصاحب الثاني لأبي حنيفة واستدلوا بما نقل عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتيمها([59]).  

ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة، وقال: إنها قربة وفيها أدعية، ومع أن الدليل خاص بوقت الدفن، إلا أن هؤلاء توسعوا فأجازوا القراءة مطلقا وقت الدفن وبعده.

القول الثالث: الجواز وقت الدفن والكراهة بعده، وهذه رواية عن الإمام أحمد، ودليل أصحابها هو دليل أهل القول السابق، وهو ما نُقل عن ابن عمر وبعض المهاجرين، وهو الذي يرجحه ابن أبي العز شارح الطحاوية وقال: إن فيه جمعاً بين القولين، والصواب عندي هو القول الأول، ويجاب عن دليل المذهبين الثاني والثالث:

أولاً: يحتاج النقل عن ابن عمر إلى الثبوت، وكذلك ما روي عن بعض المهاجرين.  

ثانياً: إذا صح ما نقل عن ابن عمر، فيقال بأن هذا اجتهاد منه، خالف فيه ابنُ عمر غيره من الصحابة، فلا حجة في قوله، فقد خالفه فيه كبار الصحابة، كأبي بكر، وأبيه عمر، وغيرهم، هذا إذا صح النقل عن ابن عمر، والله أعلم.

 

 

[1]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/620).

[2]))   انظر: «الفصل» لابن حزم (4/83).

[3]))   أخرجه البخاري (349) و (3342)، ومسلم (163)، واللفظ له.

[4]))   أخرجه البخاري (1379) واللفظ له، ومسلم (2866).

[5]))   سبق تخريجه وتقدم مرارًا .

[6]))   أخرجه البخاري (1338) واللفظ له، ومسلم (2870).

[7]))   سبق في الباب قبله.  

[8]))   أخرجه البخاري (1212)، واللفظ له، ومسلم (901)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

[9]))   أخرجه الترمذي (2560)، والنسائي (3763)، وأبو يعلى (5940)، وأحمد (2/332)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (384) كلهم من طريق: محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ، فذكره. قلت: رواية محمد بن عمرو الوقاصي، عن أبي سلمة متكلم فيها فهو يخطيء فيها. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. ا هـ، وصححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 478 - ط: السابعة). 

[10]))   أخرجه النسائي (2073)، وابن ماجه (4271) نحوه من حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه-، وصححه الألباني -رحمه الله- في «تخريج الطحاوية» (ص 478 - ط: السابعة). وتقدم هذا الحديث مرارًا.

[11])) تقدم تخريجه.

[12]))   أخرجه الترمذي (3462)، والطبراني في «الكبير» (10363)، وفي «الأوسط» (4170)، و «الصغير» (539)، والبزار في «مسنده» (1992)، وابن عساكر في «التاريخ» (6/250) و (6/251): من طريق سيار بن حاتم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ. فذكره. 

وقال الترمذيُّ: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود». اهـ

قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/91): «وفيه عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الكوفي، وهو ضعيف». 

قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (2/276): «أبو القاسم، هو عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود، وعبد الرحمن هذا لم يسمع من أبيه، وعبد الرحمن بن إسحاق هو أبو شيبة الكوفي واهٍ، ورواه الطبراني أيضا بإسناد واهٍ من حديث سلمان الفارسي ولفظه: قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن في الجنة قيعانا فأكثروا من غرسها». قالوا يا رسول الله وما غرسها؟ قال: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». انتهى كلام المنذري. اهـ، لكنَّ الحديث قوَّاه الألباني في «الصحيحة» (105)، لشواهده.

[13]))   أخرجه الترمذي (3464) و (3465)، والحاكم (1/680، 693)، والطبراني في «الصغير» (287)، وأبو يعلى (2233)، وتمام في «الفوائد» (1/19 - 20)، والبيهقي في «الدعوات الكبير» (127)، كلهم من حديث أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ. فذكره. 

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير عن جابر. اهـ   

قلت: رواية أبي الزبير، عن جابر متكلم فيها، وهى في صحيح مسلم. وصححه ابن حبان (826)، والحاكم (1847)، والحديث صححه أيضًا الألباني لشواهده، كما في «الصحيحة» (64).

[14]))   انظر: «الرد على من قال بفناء الجنة والنار» لابن تيمية ط: بلنسية، و «شرح الطحاوية» (2/624)، و «رفع الأستار» للصنعاني.

[15]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/620).

[16]))   أخرجه مسلم (2653).

[17]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (8/129- 130)، (8/290- 292)، «منهاج السنة» (1/369-373)، و«درء التعارض» (9/241).

[18]))   انظر: «الملل والنحل» (1/85)، و«الإرشاد» للجويني (ص219-220).

[19]))   انظر: «مقالات الإسلاميين» (1/300).

[20]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (2/119-129)، و«منهاج السنة» (1/322-326).

[21]))   انظر: «مقالات الإسلاميين» (1/238).

[22]))   انظر: «رسائل العدل والتوحيد» (1/118).

[23])) انظر: «تفسير الطبري» (13/444)، و «الدر المنثور» (4/40 - 41) تفسير آية الأنفال، و «تفسير ابن أبي حاتم» (5/1672- 1674)، و «تفسير الطبري» (9/203- 205)، و «لباب النقول» (ص 108، 112)، و «مجمع الزوائد» (6/73- 74) و (6/78، 84، 182، 185)، و «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف» للزيلعي (2/18- 20).

[24]))   أخرجه البخاري (5673) واللفظ له، ومسلم (2816) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وله عند مسلم، عن أبي هريرة طرقٌ، وقد أخرجاه بنحوه من حديث عائشة أيضًا، وأخرجه مسلم وحده بنحوه، من حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-.

[25]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (8/300-302)، و«درء التعارض» (1/63-64).

[26]))   انظر: «الإرشاد» (ص226).

[27]))   أخرجه البخاري (2105)، ومسلم (2107) من حديث عائشة -رضي الله عنها-، وأخرجه البخاري (5951)، ومسلم (2108) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.  

([28])   انظر: «درء التعارض» (1/65).

[29]))   أخرجه أحمد (5/266)، والطبرانى (7868) من حديث أبي أمامة، ولفظه: «إنى لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بعثت بالحنيفية السمحة، والذى نفسى بيده لغدوة أو روحة فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، ولمقام أحدكم فى الصف خير من صلاته ستين سنة». 

قال الهيثمى (5/279): «فيه على بن يزيد الألهانى وهوضعيف». كذا اقتصر على إعلاله بالألهاني، مع أن في إسناده عندهما مُعاذ بن رفاعة، قال الحافظ في «التقريب» (6747): «لين الحديث، كثير الإرسال». والحديث ضعّفه أيضًا العراقي في «تخريج الإحياء» (2/106)، والعيني في «عمدة القاري» (14/92).

وبوب الإمام البخاري في صحيحه (باب: الدين يسر وقول النبي ﷺ: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» ). 

قال الحافظ في «فتح الباري» (1/94): «وصله في كتاب الأدب المفرد وكذا وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن بن عباس وإسناده حسن». اهـ. وقوَّاه الألبانيُّ في «الصححية» (881)، لشواهده، وانظر أيضًا «المقاصد الحسنة» (214).

[30]))   أخرجه البخاري (39) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[31]))   أخرجه البخاري (2992) وفي مواضع أخرى من الصحيح، ومسلم (2704) واللفظ لَهُ. وفي الباب أيضًا عن أبي ذر، وأبي أيوب الأنصاري، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة. انظر: «الدر المنثور» (5/392)، وانظر: أيضًا «مجمع الزوائد» (10/98- 99).  

[32]))   أخرجه الترمذي (2516) من طريق: حنش الصنعاني، عن ابن عباس، قال: «كنت خلف رسول الله ﷺ يوما فقال: يا غلام»، وذكر الحديث. قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح. اهـ .   

وتكلم الحافظ ابن رجب في «شرح الأربعين النووية» في الحديث (19) على الحديث ، وقال: «أصحُّ الطرق كلها طريقُ حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي». اهـ، وصححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 297- ط السابعة).  

[33]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (17/175) وما بعدها.

[34]))   أخرجه مسلم (2577).

[35]))   سبق قبله.

[36]))   أخرجه أحمد (1/391)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (7، 8 -تحقيق الحاشدي)، وصححه ابن حبان (972)، والحاكم (1877)، والبزار في مسنده (1994)، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (29318)، والطبراني في «الكبير» (10352)، وأبو يعلى (5297). 

وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبدالله، عن أبيه فإنه مختلف في سماعه عن أبيه»، وقد تعقبه الذهبي فقال: «وأبو سلمة لا يُدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة». ا هـ، وقال المنذري في «الترغيب» (2/383): رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في صحيحه، والحاكم كلهم عن أبي سلمة الجهني، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن، عن أبيه. قال الحافظ لم يسلم، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (199)، وأجابَ عن قضتيْ: الانقطاع، والجهالة، وأطال في ذلك. ا هـ.

[37]))   لم أجده عند الحاكم، ولكن أخرجه أبو داود (4699)، وابن ماجه (77)، وأحمد (5/182)، وصححه ابن حبان (727)، وابن أبي عاصم في «السنة» ( 245 )، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (844). جميعًا من طريق أبي سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الديلمي قال: «أتيت أبي بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي قال لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم، وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحدٍ ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك؛ حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي ﷺ مثل ذلك».   

قال ابن رجب في «جامع العلوم» (ص 223) في شرح الحديث (الرابع والعشرون) من الأربعين النووية: «في هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالدٍ ليس بذلك المشهور بالعلم. وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذٍ». ا هـ، لكن وهب بن خالد الحمصي، ثقة؛ وثّقَهُ أبو داود، والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، كما في «تهذيب التهذيب» (275). والحديث صححه الألباني في «ظلال الجنة» (245).

[38]))   انظر: «مجموع الفتاوى» ( 24/316) وما بعدها، و «الفتاوى الكبرى» (3/27) وما بعدها، و «الروح» (ص353)، و «شرح العقيدة الطحاوية» (2/664).

[39]))   أخرجه مسلم (1631) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[40]))   أخرجه البخاري (1952), ومسلم (1147) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

[41]))   سبق تخريجه قبل قليل.

[42]))   أخرجه أبو داود (3221)، والحاكم (1372)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6856) من طريق هانىء أبي سعيد البربري مولى عثمان بن عفان، عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. وعزاه الحافظ في «التلخيص» (797) للبزار وقال البزار: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه. اهـ، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (4636)، وحسن النووي في «خلاصة الأحكام» (2/1028)، وصححه الحاكم أيضًا. 

[43]))   أخرجه مسلم (975) من حديث بريدة بن الحصيب.

[44]))   أخرجه البخاري (1388) واللفظ له, ومسلم (1004) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

[45]))   أخرجه البخاري (2762) من حديث ابن عباس. 

قال الحافظ في الفتح (5/386): «قوله: (المخراف): بكسر أوله وسكون المعجمة، وآخره فاء، أي المكان المثمر، سمي بذلك: لما يخرف منه أي يجني من الثمرة، تقول: شجرة مخراف، ومثمار قاله الخطابي، ووقع في رواية عبد الرزاق «المخرف» بغير ألف وهو اسم الحائط المذكور، والحائط البستان». ا هـ

[46]))   أخرجه النسائي في «الكبرى» (ح 2918)، ومن طريقه ابن عبد البر في «التمهيد» (9/27)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (ح 1986) جميعًا من طريق ابن عباس -رضي الله عنهما-، موقوفُا، ولم أقف عليه مرفوعًا، وقد صحح إسناده الحافظ في «التلخيص الحبير» (2/209)، والألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 512 -ط: السابعة)، وقال الحافظ في «الفتح» (11/584): «أخرج النسائي من طريق أيوب بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد أورده ابن عبدالبر من طريقه موقوفا ثم قال: والنقل في هذا عن ابن عباس مضطرب. قلت: ويمكن الجمع بحمل الإثبات في حق من مات والنفي في حق الحي». ا هـ، وجاء بنحو قول ابن عباس، عن عبدالله ابن عمر، أخرجه عبدالرزاق في «المصنف» (16346)، لكن في سنده عبدالله بن عمر العمري، وهو ضعيف كما في «التقريب» (3489)، وقد أورده الزيلعي في «نصب الراية» (2/463)، عن عبدالرزاق، وذكر نقلاً عن كتاب «الإمام» أن أبا بكر بن الجهم، رواه في كتابه، قال: أخبرنا أحمد بن الهيثم، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أنه قال: (لا يصومن أحد عن أحد، ولا يحجن أحد عن أحدٍ، ولو كنتُ أنا، لتصدقتُ وأعتقتُ وأهديتُ). 

       وهذا سند رجاله كلهم أئمةٌ حُفّاظ، ما عدا: أحمد بن الهيثم، فقد ترجمه الحافظ في «التقريب» (123)، بقوله: «صدوق» وما عدا أبا بكر بن الجهم، فقد ترجمه الخطيب في «التاريخ» (1/287) وذكر أنه كان فقيهاً مالكياً، له مصنفاتٌ حِسانٌ محشوةٌ بالآثار؛ يحتج فيها لمالك، وينصر مذهبه، وتَرجَمَهُ ابن فرحون في «الديباج» (1/243- 244) وذكر أنه صحب أبا بكر إسماعيل القاضي، وسمع منه، وتفقَّه معه ومع كبار أصحاب ابن بكير وغيره. وأرّخ وفاته سنة 329هـ، وقيل سنة 333هـ. فالحاصل أن الأثر مْن المجموع يرتقيان إلى درجة القبول. والله أعلم.

[47]))   سبق تخريجه.

[48]))   أخرجه البخاري (1852) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.

[49]))   أخرجه أحمد (3/330)، والحاكم (2/66 - تحقيق: مصطفى عبدالقادر)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/74- 75)، والطيالسي (1673)، وحسّنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/39)، والألباني في «أحكام الجنائز» (ص 27 - طبعة المعارف 1412هـ).

[50]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (23/364)، و«الفتاوى الكبرى» (3/28).

[51]))   أخرجه أبو داود (3416) وهذا لفظُه, وابن ماجه (2157)، والحاكم (2277) قال الحافظ في «التلخيص» (4/7): «رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث مغيرة بن زياد، عن عبادة  بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة عنه، فذكر الحديث. ومغيرة مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه، وناقض الحاكم فصحح حديثه في «المستدرك» واتهمه به في موضع آخر فقال: يقال إنه حدث عن عبادة  بن نسي بحديث موضوع. والأسود بن ثعلبة قال ابن المديني في كلامه على هذا الحديث إسناده معروف إلا الأسود فإنه لا يحفظ عنه إلا هذا الحديث؛ كذا قال مع أن له حديث آخر من روايته عن عبادة» ا هـ.   

وقال الصنعاني في «سبل السلام» (جـ 4 ص 323): ذهب الجمهور ومالك والشافعي إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ سواء كان المتعلم صغيراً أو كبيراً، ولو تعين تعليمه على المعلم عملا بحديث ابن عباس ويؤيده ما يأتي في النكاح من جعله ﷺ تعليم الرجل لامرأته القرآن مهراً لها قالوا وحديث عبادة لا يعارض حديث ابن عباس إذ حديث ابن عباس صحيح وحديث عبادة في رواية مغيرة بن زياد مختلف فيه واستنكر أحمد حديثه، وفيه الأسود بن ثعلبة فيه مقال فلا يعارض الحديث الثابت. 

قالوا ولو صح فإنه محمول على أن عبادة كان متبرعا بالإحسان وبالتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة فحذره ﷺ من إبطال أجره وتوعده ، وفي أخذ الأجرة من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ المال منهم مكروه، وذهب الهادوية والحنفية وغيرهما إلى تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن مستدلين بحديث عبادة، وفيه ما عرفت فيه قريبا نعم استطرد البخاري ذكر أخذ الأجرة على الرقية في هذا الباب فأخرج من: (حديث أبي سعيد في رقية بعض الصحابة لبعض العرب وأنه لم يرقه حتى شرط عليه قطيعا من غنم فتفل عليه وقرأ عليه:  (الحمد لله رب العالمين)؛ فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة أي علة ، فأوفاه ما شرط ولما ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ قال قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهما). 

وذكر البخاري لهذه القصة في هذا الباب، وإن لم تكن من الأجرة على التعليم، وإنما فيها دلالة على جواز أخذ العوض في مقابلة قراءة القرآن لتأييد جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن تعليما أو غيره إذ لا فرق بين قراءته للتعليم وقراءته للطب. ا هـ، وقد أطال البحث في هذا؛ مستوفياً أدلة الفريقين، صاحب «أضواء البيان» (2/179- 182)، ثم قال (2/182): «الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن الإنسان إن لم تدعه الحاجة الضرورية؛ فالأولى له ألا يأخذ عوضاً على تعليم القرآن، والعقائد والحلال والحرام؛ للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة؛ أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال، من قبيل الإعانة على القيام بالتعليم، لا من قبيل الأُجرة. والأولى لمن أغناه الله، أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم، والعقائد، والحلال، والحرام، والعلم عند الله تعالى».

وفي الباب عن أُبي بن كعب، وأبي الدرداء، وغيرهما، انظر: «نصب الراية» (4/137- 138)، و «البدر المنير» (8/294- 302)، وقد صحح الألباني في «الصحيحة» (256) حديث أبي الدرداء، وصحح حديث أبي بن كعب في «الإرواء» (1493).  

[52]))   أخرجه البخاري (2310) واللفظ له، ومسلم (1425) من حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-.   

[53]))   أخرجه البخاري (5737) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.  

[54]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (24/300، 315).

[55]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (23/364).

[56]))   متفق عليه, وقد سبق تخريجه قريبًا.  

[57]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (24/309)، (27/31، 41، 51، 148، 449)، و «رسالة في إهداء الثواب للنبي ﷺ» طبعة: أضواء السلف.

[58]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (24/317،301)، و «اقتضاء الصراط المستقيم» (2/343).

[59])) أخرج أبو بكر الخلال في «القراءة عند القبور» (جـ 1/ ص 4/ح3): أخبرني الحسن بن أحمد الوراق، قال: حدثني علي بن موسى الحداد، وكان صدوقا، وكان ابن حماد المقرئ يرشد إليه، فأخبرني قال: «كنت مع أحمد بن حنبل، ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا» إن القراءة عند القبر بدعة؛ فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئا؟ قال: نعم، قال: فأخبرني مبشر، عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه، أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع، فقل للرجل يقرأ». 

وأخرج البيهقي في «الكبرى» (جـ 4 /ص 56): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد قال: «سألت يحيى بن معين عن القراءة عند القبر فقال حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج، عن أبيه أنه قال لبنيه: إذا أدخلتموني قبري فضعوني في اللحد وقولوا: باسم الله وعلى سنة رسول الله ﷺ، وسنوا علي التراب سنا، واقرؤوا عند رأسي أول البقرة وخاتمتها فإني رأيت ابن عمر يستحب ذلك».

وقال النووي في «الأذكار»: «وروينا في سنن البيهقي بإسناد حسن أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها». انظر: «الفتوحات الربانية» ( 4 /194).

وروي عن ابن عمر -مرفوعًا- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مات أحدكم فلا تحبسوه واسرعوا به إلى قبره وليقرأ ثم رأسه بفاتحة الكتاب وعند رجليه بخاتمة سورة البقرة في قبره».    

قال الهيثمي في «المجمع» (3/44): رواه الطبراني في «الكبير» وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف. ا هـ  

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد