تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

العقيدة الطحاوية _19

00:00

00:00

4

الإيمان بكرامات الأولياء

(م) وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِم،وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِم.

(ش) يبين في هذا عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان بكرامات الأولياء([1]) وهي الخوارق التي يجريها الله على أيدي المؤمنين، خلافاً لأهل البدع كالمعتزلة، فإنهم أنكروا كرامات الأولياء، بل أنكروا خوارق العادات التي تجري على غير أيدي الأنبياءٍ. والكرامةُ والمعجزةُ بينهما توافقٌ واختلافٌ؛ على حسب الاصطلاحات، فالفرق بين المعجزة والكرامة: أنَّ المعجزةَ في اللغة تَعُمُّ كُلَّ خارقٍ للعادة، سواء ظهر على يد نبي أو ولي أو غيرهما فإنه يسمى معجزةً في اللغة العربية.  

والمعجزة في اللغة أيضا عام لكل ما تبلغه قوةُ غيرك وتعجز عنه أنت؛ يقال: إنه معجز نسبي، فإن كان معجزاً للبشر؛ فهو: خارقٌ؛ فكل خارقٍ معجزٌ، وليس كل معجز خارقاً. هذا من جهة اللغة، إذن في اللغة المعجزة تعم كل خارق للعادة، بصرف النظر عن كون الذي ظهرت على يديه نبي أو ولي أو غيرهما.  

والمعجزة والكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين تعم كل خارق للعادة؛ لا فرق بين المعجزة والكرامة عندهم، فالإمام أحمد -رحمه الله- وغيره يسمونها الآيات، أما المعجزة والكرامة في عُرف العلماء المتأخرين، فيفرقون في اللفظ بينهما؛ فيجعلون المعجزةَ للنبي، والكرامةَ للولي، وجماعها الأمر الخارق، فالكرامة عند المتأخرين من العلماء، هي أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة يظهر على يدي صالح ملتزم بمتابعة النبي.   

فالمعجزة: التي يظهرها الله على يدي مدعي النبوة من خوارق العادات، ومنهم ما يتحدى به أمته كالقرآن لمحمد ﷺ، ومنه ما لا يتحدى به، كنبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع إليه ولا يسمى كرامة، والكرامة ما ظهر على يد صالح من الصالحين من الخارق للعادة، ولا يسمى معجزة وعند العلماء المتقدمين: ما ظهر على يد نبي؛ يسمى معجزةً وكرامة، وما ظهر على يد صالح، يسمى كرامة ومعجزة.  

وعند العلماء المتأخرين ما ظهر على يد نبي يسمى معجزة ولا يسمى كرامة وما ظهر على يد صالح يسمى كرامة ولا يسمى معجزة، واصطلاح العلماء المتقدمين أصح؛ لأنه يوافق اللغة العربية.

أما المتأخرون من العلماء ففرقوا بينهما فقالوا: إن ظهر الخارق للعادة على يد نبي فنسميه معجزة، وإن ظهر على يد صالح من الصالحين فنسميه كرامة، ويجمعها شيء واحد وهو: الأمر الخارق للعادة. والأمور التي هي مبدأ الكرامات والتي لا تخرج عنها جميع المعجزات والكرامات، والتي هي صفات الكمال في الوجود ترجع إلى ثلاثة أشياء: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده؛ بيان ذلك: أمَّا العلم فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وأما القدرة فهو على كل شيء قدير، وأما الغنى فهو غني عن العالمين سبحانه وتعالى، ومن أجل ذلك أمر خاتم الرسل، وخاتم أولوا العزم محمد ﷺ أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله U: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [سورة الأنعام آية: 50].

وكذلك أول الرسل وأول أولي العزم: نوحٌ -عليه الصلاة والسلام- تبرأ من هذه الثلاثة في قوله: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا} [سورة هود آية: 31]، وإنما ينال الرسل من هذه الثلاثة بقدر ما يعطيهم الله، فيعلمون ما علمّهم الله، ويستغنون عما أغناهم الله عنه، ويقدرون على ما أقدرهم الله عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو عادة أغلب الناس. والخارقُ للعادة يتنوع إلى نوعين، وكذلك كلمات الله تتنوع إلى نوعين.  

فإذن فالأمر الخارق للعادة وأنواع كلمات الله، نوعان. ويتنوع الخارقُ باعتبارِ تنوع كلمات الله نوعان:

الأول: وهو ما كان من باب العلم، ويسمَّى كشفاً؛ سواء أكان عن طريق السماع؛ بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره، ويسمى: مخاطبةً، أو عن طريق الرؤية؛ بأن يرى ما لا يراه غيره، يقظةً أو مناماً؛ ويسمى: مشاهدات أو عن طريق العلم؛ بأن يعلم ما لا يعلمه غيره؛ وحياً أو إلهاما، أو فراسةً صادقة، ويسمى: مكاشفةً.  

والثاني: وهو ما كان من باب القدرة؛ إما على الفعل؛ وهو: التأثير، وإما على الترك، وهو: الغنى.  

والتأثير قد يكون همةً وصدقاً، ودعوةً مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر منه، ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه.  

وكلمات الله نوعان:  

النوع الأول: كلمات كونية، وضابطها: أنها هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ»([2])؛ لأن الكلمات الدينية يتجاوزها الفاجر، أما كلمات الله الكونية ولا يتجاوزها بر ولا فاجر، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} [سورة يس آية: 82]، ومن الكلمات الكونية «كن» وهي من كلمات الله الكونية لا تتخلف فإذا أراد شيئا قال له: كن؛ فيكون، وقال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته} [سورة الأنعام آية: 115]، وكلمات الله الكونية لا تتبدل، والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق الكشفية والتأثيرية داخلة تحتها.   

النوع الثاني: الكلمات الدينية: وهي القرآن، وشرعُ الله الذي بعث به رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها: العلمُ بها، والعملُ والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العبد عموماً من الكونيات والشرعيات -وخصوصا من الأول- العلم بالكونيات والتأثير فيها أي بموجبها، فالأُولى: قدريةٌ تدبيريةٌ كونية، والثانية: شرعية دينية.

وكلمة الله الأولى: قدرية كونية، والثانية: شرعية دينية، والخارق يتنوع إلى نوعين: الكشف والتأثير، فإذن: الكلمات نوعان: قدرية كونية، وشرعية، والخارق نوعان: كشف وتأثير. ويتنوع الخارق باعتبار تنوع كلمات الله الكونية والدينية، إلى أربعة أنواع:

الأول كشف كوني: وهو العلم بالحوادث الكونية، فقد يكشف له أو لغيره من حاله بعضَ أمورٍ، كما قال النبي ﷺ في المبشرات: «هَيَ الرُؤْيَا الصَّالحِةُ يَرَاهَا المُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَه»([3])، وكما قال النبي ﷺ: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»([4]).

الثاني كشف ديني: وهو العلم بالمأمورات الشرعية، مثل من يعلم بما جاء به الرسول ﷺ خبرا وأمرا، ويعمل به ويأمر به الناس.

الثالث تأثير كوني: وينقسم إلى تأثير في نفسه، وإلى تأثير في غيره، فالأولى: كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه على النار، وأكله السم، وهذا لا يدل على الخير بل ربما يدل على الشر، إلا إن كان صالحا نجاه الله بذلك، والثانية: التأثير في غيره بإصحاح، وإهلاك، وإغناء، وإفقار.

الرابع تأثير ديني: وهو التأثير في الشرعيات، وينقسم إلى قسمين:  

تأثيره في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا.

وتأثيره في غيره؛ بأن يأمر بطاعة الله ورسوله، فيطاع في ذلك طاعة شرعية، بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ورسوله في الكلمات الدينية، ومثال ذلك: أن يطاع في خروج الجني من المصروع، وكذلك يطيعه الإنسي. وسببُ حصول الكرامات للأولياء؛ بركة اتباع رسول الله ﷺ، فهي تدخل في معجزات الرسول ﷺ.  

 

الفرق بين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية

بينهما فروق متعددة منها:

أولًا: أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله، من الشرك، والظلم، والفواحش، والقول على الله بلا علم.  

ثانيًا: من أعظم ما يُقَوِّي الأحوال الشيطانية، سماعُ الغناء والملاهي، وهو سماع المشركين، كما قال تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [سورة الأنفال آية: 35]، والتصديةُ: التصفيقُ، والمكاءُ: التصفيُر، وبالمقابل: فإن مِن أعظم ما يسبب الكرامة، سماع القرآن وتلاوته والعمل به، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ، والباقون يستمعون، وهذا السماع هو سماعُ النبيين وأتباعهم.   

ثالثًا: إن من أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية؛ تعظيم القبور والموتى، والانقطاع في المغارات والبوادي، ومن أعظم أسباب الكرامة: لزوم المساجد التي هي بيوت الله، وقراءة القرآن. فالانقطاع إلى المغارات والبوادي والجبال والصحاري، هذا مما يقوي الأحوال الشيطانية، ولزوم المساجد والإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن، هذا من أسباب حصول الكرامة.

أقسام الخارق من ناحية حكمه وباب كل قسم:

الخارق للعادة كشفًا كان أو تأثيرًا ثلاثة أنواع:-  

الأول: محمود في الدين و ضابطه أن تحصل به الفائدة المطلوبة في الدين من إظهار حق، أو إبطال الباطل، فهذا من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، وهوإما واجب وإما مستحب.  

الثاني: المباح وضابطه ما حصل به أمر مباح، فإن كان فيه منفعة؛ كان نعمةً من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، كتظليل الغمة([5]) «لأسيد بن حضير» t، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها.  

الثالث: مذموم في الدين، وضابطه: ما كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم، أو نهي تنـزيه؛ فيكون سببا للعذاب، أو لجرم؛ كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها؛ (بلعام بن باعوراء).

والحكمة في إجراء الكرامة: أن يزداد الإنسان بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقيناً؛ فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، وإكرام الله لوليه بإغاثته، ورفع شدته وكربه، أو نصره على عدوه، أو إظهار حق، أو إبطال باطل.

أقسام الناس تجاه الكرامة: الناس تجاه الكرامة قسمان:

القسم الأول: من نفوسهم تتطلع إلى شيء من الكرامات، ويحبون أن يرزقوا شيئا منها، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهما لنفسه في صحة عمله؛ لأنه لم يحصل له خارق، وهم كثير من المجتهدين المتعبدين الذين سمعوا ما منح به سلف الأمة من الكرامات وخوارق العادات، ولو علموا بسر ذلك، و أن الميزان ليس هو الكرامة؛ لهان عليهم الأمر.

القسم الثاني: الصادقون: وسبيلهم أَنَّهُمْ يطالبون نفوسَهم بالاستقامة، فهي كل الكرامة، ولا تتطلع نفوسهم إلى شيء من الكرامات، قال أبو علي الجوزجاني: «كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة».  

مسألة: هل يضر المسلم عدم حصول الخارق على يديه؟  

الجواب: اعلم أن عدم الخوارق علما وقدرةً، كشفاً وتأثيرا؛ لا يضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكائنات، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه، فإن الخارق إذا اقترن به الدين؛ كان نافعا، وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة؛ إذ أن الخارق قد يكون مع الدين؛ كالمعجزات، وكرامات الصالحين، وقد يكون مع عدمه أو فساده أو نقصه؛ كالذي يظهر على يد المسيح الدجال، وعلى يد الفساق والفجار.  

فالخوارق النافعة والرياسات النافعة والأموال النافعة، هي ما كانت تابعة للدين، وخادمة له، دليل ذلك؛ كما كان السلطان والمال النافع في يد النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي فمن جعل هذه الأمور الخوارق والسلطان والمال هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها ووسيلة إليها لا لأجل الدين في الأصل؛ فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليس حاله كحال من تديّن خوفَ العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك مأمور به، وهو على سبيل النجاة، وشريعة صحيحة، وكثير من الصوفية ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أي يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة، يجعل همه بدينه أقل من همه بأدنى خارق من خوارق الدنيا.  

مسألة: متى يجب خرق العادة؟

الجواب: التدين يستلزم خرق العادة بأمرين: أحدهما: التدين الصحيح، والثاني: وجود شدة وضيق وضرورة، فإذا كان الإنسان مستقيما، أَلمَّتْ به شدةٌ أو كُربةٌ، فلا بُدَّ أن يفرج الله كربه، فالدين إذا صح علما وعملا، فلا بد أن يوجد خرق العادة إذا احتاج إلى ذلك صاحبه، ولو لم يَدْعُ الله، بل الحالة النفسية كافية، ولا يكله الله حينئذ إلى نفسه، دليل ذلك من الكتاب العزيز؛ قول الله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله} [سورة الطلاق آية: 2 - 3]؛ فهذا التدين الصحيح، يجعل له مخرجا؛ بِحُصُولِ هذا الخارق، وقال تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} [سورة الأنفال آية: 29] فهذه التقوى، وهذا التدين الصحيح، يجعل لكم بهما فرقانا، ويكونا سبباً لحصول الخارق إذا احتاج إليه مَنْ هذه حاله.

وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما} [سورة النساء آية: 66 - 68]، وقال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [سورة يونس آية: 62 - 64]. 

أما من السنة فحديث: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»([6]) ثم قرأ قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [سورة الحجر آية: 75] أي الذين يعرفون الشيء بسمته. رواه الترمذي بسند ضعيف. وقال تعالى: فيما يروي الرسول ﷺ عن ربه U أنه، قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بالمُحَارَبَةِ»([7])، ورواية البخاري: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» إلى قوله: «وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ»([8])، فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس.  

هل تدل الخوارق على إكرام من ظهرت على يديه؟:

ليس اليسر والكرامة والنعمة والغنى؛ دليلاً على الرضا، وليس الذل والظلم والشدة والفقر؛ دليلًا على السخط، فما يبتلي الله به عباده من اليسر بخرق العادة، أو بغيرها أو بالضر ليس ذلك من أجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوا الله، وشقي بها قوم إذا عصوا الله، دليل ذلك قول الله تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا} [سورة الفجر آية: 15 - 17]. 

ووجه الاستدلال: أن الله زجر من ظن أن الغنى دليل على الكرامة، والفقرَ دليلُ الإهانة.

أقسام الناس بعد حصول الخارق: الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله، وقسم تكون في حقهم بمنـزلة المباحات. وهذا التقسيم للناس مبني على التقسيم السابق للخارق، أي إلى: محمود في الدين، ومذموم في الدين، ومباح.  

أعظم كرامة يعطاها الولي: الكرامةُ الحقيقيةُ، وأعظم كرامة يُعطاها الوليُّ، هي: لزوم الاستقامة. وهي موافقة الله لما يحبه ويرضاه، وهي طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

 

الفرق بين حالتي طلب الاستقامة وطلب الكرامة: أن الاستقامة حظ الرب، والكرامة حظ النفس، فمن يسعى في طلب الاستقامة، فهو يسعى في طلب حظ الرب، ومن يسعى في طلب الكرامة، فهو يسعى في طلب حظ النفس كما قال أبو علي الجوزجاني كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة؛ فإن نفسك متحدثة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة.

المنكرون لكرامات الأولياء: أنكرت المعتزلة كرامات الأولياء وخوارق السحرة والكهان، وكذلك الرافضة؛ وهي ما يقع من الخوارق على يد صالح وولي.

شبهتهم: قالوا: لو وقعت الكرامة على يد ولي لأشبهت المعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي بالولي، فلا يُعْرف النبي من الولي. 

والرد عليهم: أجاب الجمهور عن هذا من وجهين:  

أولًا: أن إنكاركم للكرامات يناقض المحسوسات والمشاهدات.

ثانيًا: منع الملازمة بين اشتباه المعجزة بالكرامة إذا وقعت، والتباس النبي بالولي، فلا ملازمة بين وقوع الكرامة وصحتها، وبين الاشتباه والالتباس بالمعجزة؛ لأن النبي يدعي النبوة ويتحدى، والولي لا يدعي الرسالة ولا يتحدى، فهذه الدعوة إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق، ويدعي النبوة ويتحدى بهذا الخارق، وهذا لا يقع؛ إذ لو ادعى النبوة لم يكن وليا يكن متلفقا كذابا.  

أمثلة للكرامات متنوعة في سلف هذه الأمة وفي الأمم السابقة:

فمما وقع لصدر هذه الأمة: ما كان لأُسيد بن حضير حين كان يقرأ سورة البقرة، فنـزل من السماء مثل الظلة، فيها أمثال السرج، وهي الملائكة نـزلت لقراءته([9])، ومن ذلك: قصة الصديق في الصحيحين: لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا بأسفله أكثر منها، فشبعوا، فصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فرفعها إلى رسول الله ﷺ، وجاء إليه أقوام آخرون، فأكلوا منها وشبعوا([10])، ومن ذلك: ما حصل لخبيب بن عدي حين كان أسيراً عند المشركين بمكة، وكان يؤتى بعنب يأكله، وليس بمكة عنب([11])، ومثل عامر بن فهيرة حين قتل شهيدا فالتمسوا جسده، فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع، ورآه ابن طفيل وقد رفع([12])، وسفينة مولى رسول ﷺ أخبر الأسد بأنه رسولُ رسول الله، فمشى معه الأسد حتى أوصله إلى مقصده([13])، وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا في القسطنطينية، فقالوا لا نسلم حتى تشرب السم،  ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

فشربه فلم يضره([14])، وسعد بن أبي وقاص، إذْ كان مستجاب الدعوة، ما دعا قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق([15])، وعمر بن الخطاب t لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمى (سارية) فبينما هو في العراق وبينما عمر يخطب جعل يصيح على المنبر: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فقدم رسول الجيش، فسأل، فقال: يا أمير المؤمنين حين كنا نمر بجبل فإذا بصائحٍ: يا ساريةَ الجبل؛ فأسندنا ظهورنا بالجبل؛ فهزمهم الله([16])،       ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

 

ومن ذلك: إخبارُ عمر بمن يخرج من ولده؛ فيكون عادلا؛ فخرج عمر بن عبدالعزيز([17]) وأبو مسلم الخولاني الذي ألقاه في النار الأسودُ العنسي، الذي ادعى النبوة، فوجدوه قائما يصلي، وقد صارت عليه برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم عليه السلام([18])، وتغيبَ الحسنُ البصريُّ عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله فلم يروه([19])، وعبَّاد بن بِشْر، وأُسيد بن حُضير خرجا من عند النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فأضاء لهم السوط، فلما افترقا أضاء لكل منهما سوطه كالسراج حتى وصلا إلى بيتيهما([20]).

 

أمثلة للكرامات في الأمم السابقة:

ومن أمثلة ذلك: قصة الخضر صاحب موسى، في علمه بحال الغلام، هذا على القول بأنه ولي، والصواب هو أن الخضر نبي  ومثل قصة الذي عنده علم من الكتاب في الإتيان بعرش بلقيس، وقصة مريم في حملها بدون زوج، وقصة أهل الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولم تتغير أجسامهم.

مما ينبغي أن يعلم عن الكرامات: قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج، أتاه منها ما يقوّي إيمانَه، ويسد حاجته، ويكون من هو أكثر ولايةً لله منه، مستغنياً عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك؛ لعلو درجته، وغناه عنها، لا لنقص ولايته؛ ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة بخلاف من يجري على يديه الخوارق، لهدي الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة، ويدخل في الكشف الفراسة وهي نوع من الكشف، الفراسة تتنوع إلى ثلاثة أنواع عند العلماء([21]):

النوع الأول الفراسة الإيمانية:

وهي: خاطر يهجم على القلب، يَثِبُ عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنه اشتقاقها، فاشتقاق الفراسة من الفريسة، فتكشف أمراً بغير الطريق العادي. ومنه ما كان في عمر بن الخطاب t في قول النبي ﷺ «إِنهُ قَدْ كَانَ فِيما مَضى قَبلَكم من الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ. وإنَّهُ إِنْ كَانَ في أُمَّتِي هَذِهِ مِنهم فإنهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ»([22])، وكإخباره عمر بمن يخرج من ولده، فيكون عادلا، فكان عمر بن العزيز.

وسببها: نور يقذفه الله في قلب عبده، أي: نور الإيمان، والعمل الصالح، وهذه الفراسة تتفاوت على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً، كان أَحَدَّ فراسة. قال أبو سليمان الداراني -رحمه الله- «الفراسة مكاشفة النفس، ومعاينة الغيب»، وهي من مقامات الإيمان.

حكم هذا النوع من الفراسة: أنها من مقامات الإيمان، وهي خاصة بالمؤمن.

النوع الثاني الفراسة الرياضية: وهي كشف للأحداث؛ يكسَبُهُ المرءُ بسبب تجويعه  لنفسه وتجرده عن العوائق، وسببها: البُعْدُ عن الشهوات، والعزلة عن الناس، فهي تحصل بالجوع والسهر، والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق؛ صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها.  

حكم هذا النوع من الفراسة: هذه الفراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، لا تدل على محمدة ولا مذمة، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع ولا على طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الوُلاة، وأكثر ما تكون عند الفلاسفة والصوفية، فأحيانا ما يعمدون إلى الجوع والعطش؛ للعلاج وللتخلص من كثرة الأخلاط الموجودة في البدن كالبلغم، ونحوه، فيُنَظّم أكله؛ ليصحَّ بدنُه، مثل الذي يسمى عندنا الآن بالحمية؛ فهي داخلة في هذا النوع، وأحيانا يستعملونه للتجرد من الهوى، والعلائق، والارتقاء بالنفس. 

النوع الثالث فراسة خلقية: هي الاستدلال بالخَلْقِ الموجود على خواص هذا المخلوق وصفاته؛ فيستدلون بالخَلْقِ على الخُلُقِ؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله. ومن أمثلة ذلك: كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة، على صغر العقل، وبكبر الرأس على كبر العقل، وبسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، ويستدلون بطول الرقبة على الحماقة، وبقصرها على الغباوة، ويستدلون بجمود العينين على بلادة صاحبهما، وضعف حرارة قلبه.

سببها: سبب هذا النوع: التجارب، وقوة الملاحظة.  

حكم هذا النوع من الفراسة: دائرة بين المدح والذم، وليست خاصة بالمؤمن، بل عامة، كالنوع الثاني. 

ضابط الفرق بين الكرامة، والحالة الشيطانية: إن كان الذي جرت على يديه نبيًا؛ فتسمى معجزةً عند المتأخرين، وإن كان الذي جرت على يديه صالحاً مؤمناً تقيا تابعا للنبي؛ فتسمى كرامةً، وإن كان الذي جرى على يديه منحرفاً كافراً أو فاسقا، مثل ما يجري على أيدي السحرة والكهان، وما يجري على أيدي المسيح الدجال في آخر الزمان؛ فهذه حالة شيطانية.  

أشراط الساعة([23])

(م) وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّال، ونُزُولِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ، وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا.  

(ش) وأشراط الساعة جاءت فيها أحاديث؛ من ذلك حديث: عوف بن مالك الأشجعي t قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم (يعني: من جلد) فقال: «اُعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فيكم كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ استفاضة المالِ حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثُمَّ فِتنةٌ لا يَبقى بَيْتٌ مِنَ العَربِ إلا دُخلتهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فيغْدِرُون، فيأتونكم تحت ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَة اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا»([24]). 

وهذا ما وقع، وهدنةٌ، يعني: هي صلح بين المسلمين وبين النصارى، ثم يغدر النصارى ويأتون ثمانين راية، وتحت كل راية اثنا عشر ألفا، وهذا لعله يقع في آخر الزمان قبل الدجال، ومن ذلك -أيضا- ما ثبت في الحديث الصحيح: «عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ مَا تَذْكُرون؟ قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ»([25]).

ومن ذلك أحاديث الدجال التي جاءت كقوله ﷺ لما ذكر الدجال: «لا يخف عليكم «إن ربكم ليس بأعور»([26])، وأشار إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور، وعينه اليمنى كأن عينه عنبة طافية». استدل العلماء بهذا الحديث على إثبات العينين لله U. ومن ذلك قوله ﷺ «مَاَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ وَأَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْور الكذَّاب، ألا إنه أَعور، وإن ربكم -عز وجل- ليس بأعور، وَمَكْتُوبٌ بَينَ عَينَيْهِ ك ف ر»([27]). يعني: كافر.  

ومن ذلك: قوله ﷺ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»([28])، ثم يقول أبو هريرة t واقرءوا إن شئتم: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} [سورة النساء آية: 159]. 

ومن ذلك: قوله ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ)»([29])، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ عَلَى النَّاسِ ضُحًى وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالْأُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيبٌ»([30]).

فمن الأمارات التي ذكرت في هذه الأحاديث الذي ذكرناها: موت الرسول ﷺ، وفتح بيت المقدس، وداء بسببه يفشو الموت، واستفاضة المال، وفتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، وهدنة بين المسلمين وبين النصارى، ثم غدر النصارى، وخروج الدجال، وظهور الدخان، وخروج دابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، ونـزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج، ووقوع ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وظهور نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.  

والأحاديث التي اختلفت في تعداد الأمارات يجاب عنها: بأنَّ هذا الاختلاف، مفهومُ عددٍ، لا مفهوم حصرٍ؛ فهذه أمثلة، وأما قوله ﷺ «إِنَّ أَول الآيات خروجاً، طلوعُ الشمس من مغربها» فإن المراد أول الآيات القريبة، أي: أول الآيات القريبة الكبرى؛ التي هي قريبة من الساعة، والتي ليست مألوفة: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، فطلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة؛ أول الآيات السماوية، كما أن خروج الدابة؛ أول الآيات الأرضية، وإلاَّ فإن الدجال، وخروج المهدي، ونـزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج: هذا يكون قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل الدابة، إلاّ أن كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر؛ ومشاهدة بشرٍ مثلهم أمرٌ مألوف، بخلاف طلوع الشمس من مغربها، فإنها على خلاف عادتها المألوفة، وكذلك الدابة ومخاطبتها للناس ووصفها إياهم بالإيمان أو الكفر أمر خارج عن نطاق الإلف والعادة، كذلك رفع القرآن من الصدور ومن المصاحف.

أقسام أشراط الساعة وأماراتها:  

العلماء يقسمون أشراط الساعة وأماراتها إلى ثلاثة أقسام:

أولًا: قسم ظهر وانقضى، وهي الأمارات البعيدة، ومنها: بعثة النبي ﷺ فإنه نبي الساعة. قال ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين»([31])، وموته -عليه الصلاة والسلام- وفتح بيت المقدس، وقتل أمير المؤمنين عثمان، ومنها: واقعة الجمل وصفين، وواقعة النهروان، وتنازل الحسن عن الخلافة، ومنها: مُلْكُ بني أمية وما جرى على أهل البيت في أيامهم من أذية؛ كقتل الحسين، وواقعة الحرة، وقتل ابن الزبير، ورمي الكعبة بالمنجنيق.  

ومنها: مُلْكُ بني العباس وما جرى في أيامهم من المحن والشدائد، ومنها: نارُ الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، ومنها: ظهور الرفض واستبداد الرافضة بالملك، ومنها: خروج الكذابين الدجالين؛ كلهم يَدَّعي أنه نبي، ومنها: زوال مُلْكِ العرب، ومنها: كثرة المال، ومنها: كثرة الزلازل، والقتل وغيرها.

ثانيا: وقسم ظهر ولم ينقض، بل لا يزال في ازدياد حتى إذا بلغ الغاية ظهر؛ منها: كون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وهو (العبد الأحمق اللئيم) لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ ابْنُ لُكَعٍ»([32]) أي: حتى يكون اللئام والحمقى ونحوهم رؤساءَ الناس، ومنها: أن يُرى الهلال ساعة أن يطلع، فيقال لليلتين؛ لانتفاخ الأهلة؛ أي: عِظمها، ومنها: إماتة الصلاة، و إضاعة الأمانة، وأكل الربا، وقطع الأرحام، وكثرة الطلاق، ومنها: موت الفجأة، وكون البطل قيظا، والولد غيظا، ومنها: علو أصوات الفسقة في المساجد، واتخاذ القينات والمعازف، وشرب الخمور في الطرقات، واتخاذ القرآن مزامير، وكثرة الشرط وغيرها كثير.  

 

ثالثًا: وهي الأمارات القريبة الكبيرة التي تعقبها الساعة، فإنها تتابع كنظام خرزات انقطع سلكها:  

أولًا: أن يظهر الإمام محمد المهدي وهو رجل من سلالة فاطمة بنت النبي ﷺ، اسمه كاسم النبي ﷺ وكنيته ككنيته، محمد بن عبد الله المهدي. وقد جاءت في خروجه وأخباره أحاديث صحيحة، وأحاديث حسنة، وأحاديث ضعيفة، وأحاديث موضوعة، لكن الأحاديث فيه ثابتة، وهو أنه رجل يخرج في آخر الزمان، يبَايعُ له بين الركن والباب، في وقت ليس للناس فيه إمام، لا يقاتل الناس، ويُلْزَمُ بالإمامة وهو لا يريدها، وفي زمانه يخرج الدجال، وتحصل الحروب والفتن، ويحصر الناس في الشام.

ثانيًا: خروج المسيح الدجال وقد جاء في الحديث أن خروج الدجال يكون بعد فتح القسطنطينية، كما في الحديث الصحيح في مسلم وغيره؛ أنه يحصل مقتلة عظيمة، وتفتح القسطنطينية، ويعلق الناس سيوفهم في الزيتون، فإذا انتهت المعركة نادى الشيطان: إن الدجال قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون فيذهبون، فيجدون الدجال قد خرج، وفي مرة أخرى نادى الشيطان مرةً في غزوة من الغزوات، وكان كاذبا.

ثالثًا: نـزول المسيح عيسى بن مريم في وقت الدجال، وفي وقت المهدي.

فهي ثلاث علامات متوالية مرتبة، فإذا نـزل عيسى ابن مريم -مسيح الهُدَى- قتلَ مسيح الضلالة؛ وهو الدجال.  

رابعًا: خروج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى، ثم بعد ذلك تتوالى بقية الأشراط، من هدم الكعبة المشرفة يهدمها رجل من الحبشة كما ثبت عند البخاري من حديث ابن عباس، أنه ﷺ قال: «كأني به أسود أفْحَجَ، يقلعها حجراً حجراً»([33])، ثم أيضا آية الدجال، وهي دخان قبل قيام الساعة، يدخل في أسماع الكفار والمنافقين ويعتريهم ويصيبهم منه شدة عظيمة، ويعتري المؤمن كهيئة الزكام، قال تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} [سورة الدخان آية: 10]، في الحديث: إنها لن تقوم حتى ترى قبلها عشرة... فذكر منها الدخان، ومنها رفع القرآن العظيم من الصدور ومن السطور -وهي من أشد المعضلات في آخر الزمان- إذا ترك الناس العمل بالقرآن نـزع من صدور الرجال ومن المصاحف، فيصبح الناس ولا يجدون في صدورهم آية، ولا في مصاحفهم آية، نعوذ بالله.   

فهذه العلامات غير مرتبة، الله أعلم بترتيبها، فهدم الكعبة، والدخان، ورفع القرآن، ثم طلوع الشمس من مغربها، وهذه من العلامات الأخيرة، فإذا طلعت الشمسُ: آمنَ الناس، ولكن ليس هناك إيمان جديد، فلا ينفع الإيمانُ بعد ذلك؛ لأن باب التوبة قد أُغلق، فكلٌّ يبقى على ما كان عليه، ثم خروج دابة الأرض، تَسِمُ الناسَ في جباههم، فالمؤمن تَسِمُهُ نقطةً بيضاءَ في جبهته؛ حتى يبيض لها وجهه، والكافر تَسِمُه نقطةً سوداء؛ حتى يسود لها وجهه. والدابة وطلوع الشمس من مغربها متقاربتان، فأيهما ظهرت؛ فالأخرى على إِثْرها قريبة، ثم بعد ذلك يبقى الناس مدةً يُعْرَفُ المؤمنُ من الكافر، ويتبايع الناس في أسواقهم فيقالُ: خذ هذا يا مؤمن، بع هذا يا كافر؛ فالذي أبيض وجهه، فهو مؤمن، والذي أسود وجهه فهذا كافر.

ثم آخرها: العلامةُ العاشرةُ وهي: خروج النار؛ وهي التي تخرج من قرى عدن؛ تسوق الناسَ إلى المحشر، وتبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا؛ أي إذا جاء وقت القيلولة، وقفتْ حتى يقيل الناسُ، فإذا انتهى وقتُ القيلولة؛ تسوقهم ومن تخلَّف تأكلُه؛ فإذا جاء وقت النوم تقف حتى ينام الناس، فإذا أصبح الناس تسوقهم.

النهي عن تصديق الساحر والكاهن والعراف

(م) وَلاَ نُصَدِّقُ كَاهِناً وَلاَ عَرَّافاً، وَلاَ مَنْ يَدَّعِي شَيْئاً يُخَالِفُ الكِتَابَ والسُّنَّةَ وإجْمَاعَ الأُمَّةِ([34]).

(ش) الكاهن هو الذي يدعي علم المغيبات في المستقبل، أو يخبر عما في الضمير، ويكون له راءٍ من الجن، يأتيه ويخبره فيدّعي ما يدعي، والعراف هو الذي يدعي علم الغيب عن طريق معرفة النجوم، فيدعي معرفة ما في الضمير، أو معرفة المسروق، ومكان الضالة، أما القائف فهو الذي يعرف القيافة، أو الذي يعرف الأثر، فلا يدخل في هذا، ولا يسمَّى كاهناً، ولا عَرَّافاً. والمنجم هو الذي يدعي علم الغيب، ويستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، والساحر هو الذي يعقد عقدا، وينفخ فيها مستعيناً على ما يريد بالشياطين، وكلهم كفرة؛ إذ أنهم يَدَّعون الغيب ولو بالتخييل أو بالتخمين، لكن طرقهم متعددة.  

والسحر في اللغة عبارة عما دَقَّ وَخَفِيَ ولطف سببُهُ، ومنه سُمِّي السَّحر سَحرًا؛ لأنه يقع خَفَيًّا آخر الليل، ومنه قوله ﷺ «إِنُّ مِن البَيَان لَسِحْرًا»([35])، فيسمَّى الكلامُ الفصيح؛ سِحْراً، ومن ذلك: النَّمام الذي يُظْهِرُ النصحَ، ويبطن الشر والفساد، ويوقع بين الناس العداوة، فهذا نوع من السحر: وهي التي جاء ذكرها في الحديث، في قوله  ﷺ: (ألا أنبئكم ما العضة؟ هي النميمية؛ القالة بين الناس)، وأما السِّحْرُ شرعاً واصطلاحا؛ فهو: عزائم ورقى، وَعُقَد؛ تؤثِّر في القلوب والأبدان، فتُمرض، وتقتل، وتفرق بين المرء وزوجه.  

أنواع النجوم التي من السحر:

نوعان: أحدهما: علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث، من جنس الاستقسام بالأزلام، وهذا محرم وكبيرة، والثاني: عملي، وهو الذي يقولون فيه: إنه القوة السماوية للقوة المنفعلة الأرضية، كطلاسم ونحوها، وهذا من أرفع أنواع السحر.

حكم السحر([36]): حكم السحر بالإقدام عليه تعلماً وتعليماً، وفعلا: محرمٌ بالاتفاق، فالسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وكذا الاستقسام بالأزلام، والضرب بالحصى، والخط بالرمل. ثم اخْتُلِفَ في التحريم؛ هل يصل إلى درجة الكفر؟، ومحل الخلاف في: هل يتضمن سحره كفرا؛ فإن تضمن سحره كفرا؛ كنداء الجن أو غيره؛ فهو كفر بالاتفاق، فالجمهور: كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد يقولون: الساحر كافرٌ مطلقاً، ويستدلون بقوله تعالى: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} [سورة البقرة آية: 102]، أما الشافعي فإنه يفصّل فيقول: إنْ تضمَّن سحرُه كفراً؛ فهو كافر، وإن لم يتضمن سحره كفراً، فإن استباحه: كَفَرَ، وإن لم يستبح: يكون مرتكباً لكبيرة.

مسألة: كيف يتضمن سحره كفرا؟  

الجواب: بأن ينادي الشياطين ويخاطبهم، ويتقرب إليهم؛ فيذبح لهم، ويُهْدِي لهم ما يريدون من البخور وغيره.  

واتفق العلماء على أنه إذا تضمن السحر كفرا؛ فَيَكْفُرُ صاحبُه بالاتفاق، ثم إذا قيل بكفره؛ فإنه يُقتل، وقيل: إن السحر ليس بكفر، بل هو كبيرة، فيقتل حداً منعا لشره، لا لكفره، كما قال الإمام الشافعي. وكذا الضرب بالحصى، والخط بالرمل؛ إذا ادَّعى صاحبُه علمَ المغيبات، أو معرفةَ النجوم، أو الاستقسام بالأزلام.  

والصواب: أنه يُقْتَلُ كفراً. وقد ثبت قَتْلُ الساحرِ عن عمر بن الخطاب t، وحفصة بنت عمر، وجندب بن عبد الله، وهو مأثور عن الصحابة، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المنصوص عنه؛ لقول الله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [سورة طه آية: 69] وقوله سبحانه: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [سورة البقرة آية: 102] وقوله سبحانه: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} [سورة البقرة آية: 102] أي: بتعلم السحر، وقوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} [سورة البقرة آية: 102].

هل يستتاب الساحر أو لا؟: اختلف العلماء؛ فذهب مالك إلى أنه لا يستتاب، وهو الراجح، وذهب بعض العلماء إلى أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قُتِلَ.

ما هي الكواكب السبعة؟: هي: المشتري، والمريخ، وزحل، وعطارد، وزهرة، والشمس، والقمر.  

دعوة الكواكب السبعة وما في جنسها: اتفق العلماء على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، أو التقرب إليها بما يناسبها من اللباس، والخواتم، والبخور، ونحو ذلك، والمناجاة للكواكب. والواقع أنه ينادي الجن-: فإنه يكفر؛ وهو من أعظم أبواب الشرك، وهو من جنس فعل الصابئة: قوم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-؛ لهذا حكى الله عنه بقوله: {فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم} [سورة الصافات آية: 88 - 89] يريهم إيهاما بذلك؛ لأنه الصابئة تقول: إنها مدبرة للعالم، وإنها تأتي بالخير والشر. واتفق العلماء على أن كل رقية أو تعزيم وقسم فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه؛ لا يتكلم به؛ لإحتمال أن يكون فيه شرك لا يُعْرَف؛ ولذلك قال النبي ﷺ «لَا بَأْسَ بَالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فيه شِرْكٌ»([37])، ولا يجوز الاستعانة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [سورة الجن آية: 6]، وقد أخبر الله عن الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة، ويخاطبونهم بهذه العزائم؛ أنهم ضالون، وإنما تنـزل عليهم الشياطين، لا الملائكة، كما في قوله U {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} [سورة سبأ آية: 40 - 41]، كما أخبر أن كلا من الجن والإنس يستمتع بالآخر، كما في قوله: {ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} [سورة الأنعام آية: 128]؛ فاستمتاع الإنس بالجن يكون: في قضاء حوائجه، وامتثال أمره، وإخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع الجن بالإنس يكون: في تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته، وخضوعه له.

حكم ما تعاطاه المنجم: وما تعاطاه المنجم والضارب بالحصى، والذي يخط بالرمل، وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، ما تعاطاه هؤلاء حرام وسحت، كما في الصحيح: «عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-، أَنَّ رسول الله ﷺ نهى عن  ثَمَنُ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ»([38])، ويدخل في حلوان الكاهن ما يتعاطاه هؤلاء. وحلوان الكاهن؛ أي: أجرتُه على الكهانة؛ سمي حلوانا؛ لأنه يأخذه حلواً بدون مشقة، أما حكم فعلها فقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد، كالبغوي، والقاضي عياض، وغيرهمما.  

حكم الإتيان للسحرة؟: إن كان على وجه التصديق لهم في كل ما يخبرون به، والتعظيم للمسئول؛ فهو حرامٌ، دليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم وغيره، عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: «إني حديث عهدٍ بجاهليةٍ، وقد جاء الله بالإسلام، وإن منّا رجالاً يأتون الكهان. قال: فلا تأتهم ...»([39])، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»([40])، وفي حديث أبي هريرة t «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أنـزل على محمد»([41])، وأما إن كان يسأله؛ ليمتحن حاله، ويختبر باطن أمره، وعنده ما يميز به صدقه من كذبه؛ فهذا جائز، كما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ «سَأَلَ ابْنَ الصَّيَّادِ فَقَالَ: مَاذا ترى؟، قَالَ: ابنُ صَيَّادٍ يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ النبي ﷺ: خُلِّطَ عليك الأمر. ثم قال له النبي ﷺ إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيِئًا. فَقَالَ ابن صياد: هو الدخَّ. وَقَالَ: اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُو قَدْرَكَ»([42]).

وكذلك إذا كان يسمع ما يقولون، ويخبرون به عن الجن، كما يسمع المسلمون ما يقول الكفار و الفجار؛ ليعرفوا ما عندهم، فيعتبرون به، وكما يسمع الخبر الفاسق، ويتبين، ويتثبت، فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} [سورة الحجرات آية: 6]، وكما في الحديث: «ما حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ» ([43])؛ فقد جاز للمسلمين سماع ما يقولونه، ولا يصدقوهم، ولا يكذبوهم.  

حُكْمُ طلبِ السقيا بالنجم، ونسبة الأحداث إليها، وحكم من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا. طلب السقيا بالنجم لا يجوز، وهو من عمل أهل الجاهلية، ففي الحديث: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ وَالنِّيَاحَةُ»([44])، ونسبة الأحداث إلى النجم وطلب الاستقساء وقوله: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان يعتقد أنه عند ذلك النجم يحصل المطر، فهذا كفر أصغر، وإن كان يعتقد أن للنجم تأثيرا في إنـزال المطر، فهذا كفر أكبر يخُرج من الملة، دليل ذلك: ما في الصحيحين عن زيد بن خالد t «صلىّ لَنَا النبيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»([45]).

صناعة التنجيم([46]): صناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهي الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، كالاستدلال بها على موت عظيم، أو ولادة عظيم، أو قيام أمة، أو تولي ملك، أو عزل ملك.

وحكمها مع الدليل: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل وهي كذلك محرمة على لسان جميع المرسلين، الدليل: قولُ الله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} [سورة طه آية: 69]، والتنجيم من السحر، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا} [سورة النساء آية: 51 - 52] قال عمر: الجبت السحر، وهذا تفسير بالبعض؛ لأن الجبت: كل ما لا خير فيه، فمنه السحر، فهو جزء منه.  

 

الواجب على ولاة الأمور تجاه المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى؟:

الواجب على ولاة الأمور من الحكام والعلماء وكل قادر؛ السعي في إزالة هؤلاء، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات، والدخول على الناس في منازلهم؛ أما الحكام فبإبادتهم وإزالتهم، وأما العلماء فبمنعهم وإزالتهم إن قدروا، وإلا فببيان باطلهم وجدلهم للناس، وتحذير الناس منهم، ومن الجلوس عندهم، والاستماع لهم، وأما غيرهم: فبالنصح وتجنب فعلهم؛ لأن هذا من المنكر العظيم؛ فيجب إنكاره، وفي الحديث: «إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعقابه»([47])، وقد ذم الله أهل الكتاب على عدم الإنكار، فقال: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} [سورة المائدة آية: 79]، والسحر يدخل في المنكرات في الدرجة الأولى، وعموم العقوبة بسبب فعل المنكر والسكوت عنه؛ فهذا بفعله، وهذا بسكوته، حتى تعمَّ العقوبات والنكبات.

نـزاع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه([48]):

هل للسحر حقيقة مؤثرة أو هو ضرب من الخيال؟: الصواب الذي عليه أكثر العلماء، وعليه المحققون من أهل العلم: أن السحر له حقيقة، ومنه ما هو خيال. أما القول بأنه خيال فقط، فهذا ليس بصحيح. فالسحر قد يؤثر في موت المسحور ومرضه، من غير وصول شيء ظاهر إليه؛ بسبب لطم الجن له: بسبب الإقسامِ عليه من قِبَلِ الساحر، فالساحر يقسم على الجني، والجني يلطم المسحور؛ فيمرض، أو يُقْتل، دليل ذلك قول الله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} [سورة الفلق آية: 4]، ومنه التخييل؛ فالسحر قسم منه خيال، وقسم منه له حقيقة، دليل قوله تعالى: {ومن شر النفاثات في العقد} [سورة الفلق آية: 4]، ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة منه، ودليل الخيال قوله تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [سورة طه آية: 66]،وقوله: {سحروا أعين الناس} [سورة الأعراف آية: 116].

وذهب بعض العلماء إلى أن السحر مجرد تخييل، وأنه لا تأثير له ولا حقيقة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وإليه ذهب الجصاص في كتاب الأحكام، وهو مذهب المعتزلة والرافضة، دليلهم: قولُ الله تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [سورة طه آية: 66]، وقوله: {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [سورة الأعراف آية: 116].

والسحر له تأثير في عين الرائي والمسحور، وهو خيال بحيث إنه لم يغير الحقائق، ففيه تأثيرٌ من جانبٍ، وتخييلٌ من جانب، فله تأثير في المسحور؛ بمرضه أو موته، وله خيال في عين الرأي والمسحور.  

تعريف النشرة وحكمها([49]): وهي حَلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان:

أولا: حَلُّ السحر بسحرٍ مثله؛ فهذا لا يجوز، وهو من عمل الشيطان؛ لقوله ﷺ «ولا يحل السحر إلا ساحر»([50])، وقوله: «النشرة من عمل الشيطان»([51]).

ثانيا: حل السحر بأدوية ودعوات مباحة، فهذا جائز.

أنواع المشعوذين الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة؛ ثلاثة أنواع:  

النوع الأول: أهل تلبيس وكذب وخداع، وهم يعلمون ذلك؛ يُظْهِرُ أحدُهم طاعةَ الجن له، أو يدَّعي الحال، وهو من المشايخ النصابين، الخداعين، والفقراء الكاذبين، فهؤلاء يَدَّعُونَ السِّحْرَ، ويأكلون أموال الناس بالباطل.

حكمهم والحد الواجب عليهم: هؤلاء دجالون وملبّسون وخدَّاعون، يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك.

النوع الثاني: من يتكلم في هذه الأمور ويعمل الشعوذة، من تحضير الجن وغيرها، على سبيل الجد والحقيقة، ويعتقدون لها التأثير.

حكمهم والحد الواجب عليهم: هؤلاء سحرة، وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر.

النوع الثالث: من يتكلم بالأحوال الشيطانية، ويدعي الخشوع، ومخاطبة رجال الغيب، ويدعي مخاطبة القطب المتولي للكون -بزعمه-، وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله، ومن هؤلاء من يساعد المشركين على المسلمين في أيام حرب التتار، ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا.

حكمهم والحد الواجب عليهم: هؤلاء في الحقيقة من إخوان الشياطين، والواجب أن يعاقبوا بالعقوبة البليغة التي تردعهم عن فعلهم، وقد يجب قتلهم إذا ثبت أنهم يخاطبون الجن ويستخدمونهم ويعظمونهم بالشركيات، وحينئذ فهم كفار؛ يُقتلون كفراً.

موقف المسلم من أصحاب الأحوال: يقول بعض الناس: إن الصوفية تُسَلَّمُ لهم أحوالهم، يعني: أحوالهم النفسية، بأن يظن أنهم على الدين والاستقامة، وإن كانوا بخلافه يقول: اتركه على حاله، فهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قُبِلَ، وما خالفها رُدَّ، وَأُدِّبَ صاحبه، الدليل: ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»([52])، وفي رواية لمسلم «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»([53]).

فلا طريق إلا طريقة الرسول، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحدٌ من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه جنته وكرامته، إلا بمتابعة النبي ﷺ باطناً وظاهرا.

حكم من اعتقد في البله أنهم من الأولياء([54]): من اعتقد ذلك، فهو ضال مبتدع مخطئ في اعتقاده. والبله جمع أبله، وهو ضعيف العقل، بعضهم يقول: هذا الأبله الضعيف، ولي من أولياء الله، اتركه وسلّم له حالُه، وبعضهم يقول: إنَّ هذا الشخص الذي تجده أبله ضعيف العقل، ولا يعرف شيئاً؛ تجده مخرَّق الثياب، طويلَ الشعر والأظافر، يقتات من المزابل، ما يدريك، لعله قطب زمانه، الذي يدبر الكون؟!، ومن اعتقد في البله؛ وهم المغفلون أو المولعون من كثرة العبادة والرياضة؛ أنهم من أولياء الله، مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، أو فَضَّلَهُ على مُتَّبِعِ طريقة الرسول؛ فهو ضالٌ مُضل.  

وأولئك البُلّه؛ ضعفاء العقول، لا يخلون من حالات ثلاث: إما أن يكون شيطانا زنديقا، وإما أن يكون ملبسا متحيلا، وإما أن يكون مجنونا معذورا، فكيف يُفَضَّلُ على أولياء الله المتبعين لرسوله، أو يُسَاوَى بهم؟!، وبعضهم يسوق حديث: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْبلُهَ»([55])، فهذا الحديث باطل سنداً ومتنا، أما سندا: فإنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ولا ينبغي نسبته إليه، وأما متنا: فإن الجنة إنما خُلقت لأولي الألباب، الذين أرشدتهم عقولُهم وألبابُهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصاف في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله الذين هم ضعفاء العقول، وتصحيحُ الحديث، وصوابه: قولُ النبي ﷺ «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ»([56])، فلم يقل: البله، وهذا يرجع إلى أن المال أشد في صرف الإنسان عن الدين وطغيانه من الفقر.  

الطائفة الملامية

وهي ثلاثة أنواع:

النوع الأول: تُطلق على الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم الذين لا يبالون بلوم لائمٍ، أي: باللوم في ذات الله والقيام بأمره والدعوة إليه، وهم الذين عناهم الله بقوله: {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} [سورة المائدة آية: 54]، وهؤلاء ممدوحون، أبرار.

النوع الثاني: تُطلق على النفس التي إذا وقعت في سيئة لامت نفسها، وَأَنَّبَتْهَا، وهذه محمودة أيضا.  

النوع الثالث: تُطلق الملامية على الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويُظْهِرُونَ ما لا يمدحون عليه، وهي الطائفة التي تخفي فعل الخير والمحامد، وتُظهر فعل الشر، ويقصدون بذلك مخالفة المرائين، وهم من يظهرون الخير، ويضمرون الشر، وهذه الطائفة مذمومة، وهم جماعة من الصوفية لهم طريقة معروفة تسمى طريقة أهل الملامة، فتجد أحدهم يقول: أنا أُصلح باطني ولا عَلَيَّ إن كان ظاهرُ حالي الفساد، فتجده يذهب ويسرق ويرتكب المعاصي؛ حتى يلومه الناس، وهم أيضاً يزعمون أنهم يحتملون ملام الناس لهم على ما يُظهرونه من الأعمال السيئة؛ ليخلص لهم ما يبطنونه من الأحوال!! ([57]). 

الرد عليهم: أولًا: إن هؤلاء أذلوا أنفسهم، وفي الحديث: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه»([58]).

ثانيا: نقول لهم: أأنتم رددتم باطل المرائين بباطل آخر، والباطل لا يُرَدُّ بالباطل، والصراطُ المستقيمُ بَيْنَ ذلك، حسن في ظاهره كالمرائين، وحسن في باطنه كالملامية.  

حكم الذين يُصْعَقُون عند سماع الأنغام الحسنة([59]): وهو تَصَنُّعٌ ومظاهرة، ومخداعة للناس، فتجد أحدهم يرقص، ويدورُ في القوم، في مجلس الذكر، فيختل عقله، ثم يصعق، ويسقط، وهؤلاء مبتدعون ضالون.  

أولًا: ليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبباً في زوال عقله.

ثانيًا: لأنه لم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، وهم خير منا، فكيف نصل إلى ما لم يصلوا إليه؟ بل كان الصحابة كما وصفهم الله: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [سورة الأنفال آية: 2]، وكما قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء} [سورة الزمر آية: 23]. 

أمَّا عقلاء المجانين؛ فهؤلاء قوم كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم، فتبدوا على ألسنتهم أيام الجنون من الكلمات الخيرية ما كان في أيام صحوهم.  

والواقع أنهم مجانين، ومن علامة هؤلاء: أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو؛ تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهتدون بذلك في حال زوال عقلهم، بخلاف من كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا، لم يكن حدوث جنونه مزيلاً لما ثبت من كفره أو فسقه، وكذلك من جن من المؤمنين المتقين، يكون محشورا مع المؤمنين المتقين، وما يحصل لبعضهم -لبعض الصوفية- عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان والتكلم ببعض اللغات المخالفة للسان المعروف عنه، فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما يتكلم على لسان المصروع، أو هو دجال يكذب على الناس، وذلك كله من الأحوال الشيطانية، ولكن بعض الصوفية يظن زوال العقلِ سبباً أو شرطاً يقرب إلى ولاية الله، ومن يظن هذا الظن، فهو من أهل الضلال، حتى قال قائلهم يعني: يخاطب المجانين يعني: مُوَلَّهِي ومجانين الصوفية:

هُمْ مَعْشَرٌ حَلُّوا النِّظَامَ وَخَرَّقُوا الـ

 

 

ـِّسـيَاجَ فَلَا فَـْرضٌ لَـدِيهُمُ وَلَا نُفْـلُ
 

مجانين إلا أن سرّ جنهونهم
 

 

عزيزٌ على أبوابه يسجد العقلُ
 

يعني أولئك: المجانين، هم مَعْشَرٌ حَلُّوا النظامَ، وخرقوا السياج، فلا فرضٌ لديهم ولا نفلٌ، مجانين إلّا أن سر جنونهم عزيزٌ؛ على أبوابه يسجدُ العقلُ!! هذا كلامُ ضال، بل كافر يظن أن في الجنون سراً؛ يسجد العقلُ على أبوابه، لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون سبب ذلك؛ ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان، فيظن هذا الضال أن كل من خبل أو خَرَقَ العادةَ؛ كان ولياً لله.  

وحكم من اعتقد هذا؛ فهو كافر، فقد قال الله تعالى: {هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون} [سورة الشعراء آية: 221 - 223]؛ فكل من تنـزل عليه الشياطين، لا بد أن يكون عنده كذب وفجور. وزوالُ العقلِ بجنون أو غيره، سواء سمي صاحبه مولعاً أو متولهاً، لا يوجب مزيد حال، بل حال صاحبه من الإيمان والتقوى، يبقى على ما كان عليه من خير أو شر، لا أنه يزيده أو ينقصه، ولكن جنونه يحرمه من الزيادة من الخير، كما أنه يمنع عقوبته على الشر، ولا يمحو عنه ما كان قبله، ولكن جنونه من المصائب التي تكفر بها الخطايا.  

حكم الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات: هناك طائفة يسمون أنفسهم الخلوتية، يجلس أحدهم في خلوة صغيرة أو في غرفة صغيرة، يتعبّد فيها، وتكون على قدر ما يسع الإنسان، ويجلس فيها مدة طويلة، ثم بعد ذلك يخرج هزيلاً ضعيفا، وبعضهم يستدلون لذلك بعبادة النبي ﷺ في غار حراء، ولا يصح هذا الاستدلال؛ لأن النبي ﷺ لم يُبعث قبل ذلك،  فقد كان يتعبد بغار حراء قبل البعثة، وأصحاب هذه الخلوات والرياضات هم من الذين يتركون الجمع والجماعات، ولذلك كانوا ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد طبع الله على قلوبهم.  

والدليل: ما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»([60]).

ما حكم من يجوزون الاستغناء عن الوحي([61]): هناك طائفة من الصوفية يجوزون الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني ويستدلون بقصة الخضر مع موسى بعضهم يقول: أنا أستغني عن الوحي الذي جاء به محمد ﷺ من الكتاب والسنة؛ بالعلم اللّدني، الذي أتلقاهُ عن الله بلا واسطة؛ فلا أكون بعد ذلك محتاجاً إلى محمدٍ ولا إلى شريعته. 

العلم اللدني: هو الذي يحصل للعبد من غير واسطة، بل بإلهام من الله وتعريفٍ منه لعبده، كما حصل للخضر -عليه الصلاة والسلام- بغير واسطة.

وحكم من جوز ذلك: ملحد زنديق، مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، بل هو من أولياء الشيطان، فعليه أن يجدد إسلامه، ويتشهد شهادة الحق، وإن مات على ذلك، فهو من الملاحدة الزنادقة، الذين هم في الدرك الأسفل من النار، نعوذ بالله.  

وهؤلاء الملاحدة يدّعون الأخذ من اللوح المحفوظ، ولذلك لا يوجبون اتباع الرسول ﷺ، ويزعمون أنهم في هذا كالخضر مع موسى، وهذا يقوله رئيس طائفتهم: ابن عربي وغيره من الملاحدة الوجودية، وللردّ عليهم نقول: هناك فرق بين موسى والخضر، وبين محمد وأمته بعد البعثة:

أولًا: الخضر ليس من أمة موسى ولا هو من قومه، وموسى -عليه الصلاة والسلام- لم يكن مبعوثا إلى الخضرن ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته، ولهذا: عندما جاء يتعلم منه قال له: أنت موسى بني إسرائيل. قال: نعم، فموسى لم يُرسل إلى الثقلين، وإنما هو مرسل إلى بني إسرائيل، والخضر ليس من بني إسرائيل، ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ونحن من أمته ومأمورون باتباعه، فيجب علينا اتباعه.  

ثانيًا: موسى وعيسى لو كانا حيين لكانا من أتباعه، وإذا نـزل عيسى إلى الأرض في آخر الزمان، فإنه سيحكم بشريعة محمد ﷺ ويكون فردا من أفراد الأمة المحمدية، وهو أفضل هذه الأمة، فأفضل هذه الأمة بعد نبيها عيسى؛ لأنه نبي وفرد من أفراد الأمة، ثم يليه أبو بكر الصديق.  

فائدة: أفضل هذه الأمة بعد نبيها عيسى -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه ينـزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة محمد ويكون فردا من أفراد الأمة المحمدية، فهو نبي ومن أمة محمد ثم يليه أبو بكر الصديق فهو أفضل الناس بعد الأنبياء.

وقد أخذ الله على كل نبي العهد والميثاق؛ لئن بُعث محمدٌ وأنت حي لتتبعنه كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} [سورة آل عمران آية: 81].

ثالثًا: الخضر نبي يوحى إليه على الصحيح، كما قال الله -تعالى- عنه أنه قال: {وما فعلته عن أمري} [سورة الكهف آية: 82]؛ لَـمَّا فعل الأمورَ الثلاثة قال: {وما فعلته عن أمري} [سورة الكهف آية: 82] يعني: عن أمر الله، وعنده من العلم ما ليس عند موسى، ولهذا لما نقر عصفورٌ في البحر قال الخضر لموسى: «إني على علم من علم الله علمنيه ما تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه، وما ينقص علمي وعلمك في علم الله إلا كما ينقص ماء هذا العصفور بهذه النقرة من البحر»([62])، أما نحن فلا يوحى إلينا، وليس عندنا من العلم ما ليس عند محمد ﷺ.   

حكم من يقول: إن الكعبة تطوف برجال من أرباب الكشوف: هناك بعض الصوفية يقولون: إن الكعبة تطوف برجال من أرباب الكشوف، المستغنين بالعلم اللدني، فمن هؤلاء من لا يحتاج إلى الذهاب إلى مكة ليطوف، بل الكعبة هي التي تأتي إليه في مكانه، ويطوف بها، ومن يقل ذلك؛ فهو ملحد، زنديق، كافر، وفيه شَبَهٌ بالذين وصفهم الله -تعالى- بقوله: {بل يريد كل امريء منهم أن يؤتى صحفا منشرة} [سورة المدثر آية: 52]؛ فنبينا محمد ﷺ محمد بن عبد الله: سيد الخلق، وأفضلهم أحصر عن البيت يوم الحديبية، ولم تخرج الكعبة وتطوف به، مع فضله وشرفه وكماله، ولم ير الكعبةَ منذ ست سنين، فَهَلّا خرجت الكعبةُ إلى الحديبية، فطافت برسول الله ﷺ حين أُحْصِرَ عنها، وهو يود منها نظرة؟!، نسأل الله السلامة والعافية.

 

 

[1]))   انظر: «النبوات» (823،150،142). و«شرح الطحاوية» (2/746).

[2]))   أخرجه أحمد (3/419) من طريق جعفر بن سليمان، قال: حدثنا أبو التياح، قال: (سأل رجل عبدالرحمان بن خنبش: كيف صنع رسول الله ﷺ حين كادته الشياطين؟ قال: جاءت الشياطين إلى رسول الله ﷺ من الأودية, وتحدرت عليه من الجبال, وفيهم شيطان معه شعلة من نار, يريد أن يحرق بها رسول الله ﷺ, قال: فرعب -قال جعفر: أحسبه قال: جعل يتأخر- قال: وجاء جبريل- عليه السلام- فقال: يا محمد, قل, قال: ما أقول؟ قال: قل: (أعوذ بكلمات الله التامات, التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر, من شر ما خلق, وذرأ, وبرأ, ومن شر ما ينزل من السماء, ومن شر ما يعرج فيها, ومن شر ما ذرأ في الأرض, ومن شر ما يخرج منها, ومن شر فتن الليل والنهار, ومن شر كل طارق, إلا طارقا يطرق بخير, يا رحمن, فطفئت نار الشياطين , وهزمهم الله عز وجل).

قال الحافظ في «الإصابة» (4/300): أخرجه ابن منده من طريق أبي قدامة الرقاشي، وعلي المديني كلاهما عن جعفر وقال في روايته سأل رجل عبد الله بن خنبش، وكان رجلا من بني تميم وأخرجه أبو زرعة في مسنده، عن الوزيري، عن جعفر كذلك، وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة، والبزار، والحسن بن سفيان من طرق كلهم، عن عفان، وحكى بن أبي حاتم أن عفان رواه، عن جعفر فقال عن عبد الله بن خنبش قال وعبد الرحمن أصح، وفي رواية أبي بكر سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش فذكره قال البزار: لم يرو عبد الرحمن غيره فيما علمت، وقال ابن منده: في حديثه إرسال، وتعقبه أبو نعيم بأن أبا التياح صرح بسؤاله له يعني فلا إرسال فيه انتهى.   

ولعل ابن منده أراد أنه لم يصرح بسماعه لذلك من رسول الله ﷺ، لكن المعتمد على من جزم بأن له صحبة. 

وحكى ابن حبان في اسم والده حبشي بضم المهملة وسكون الموحدة بعدها معجمة، ثم ياء ثقيلة كذا رايته بخط الصدر البكري، وأظنه تصحيفا. نعم حكى أبو نعيم أنه قيل فيه خنيس بمعجمة، ثم نون مصغرا وآخره مهملة والأول أثبت. اهـ، وانظر «الجرح والتعديل» (5/43)، والحديث صححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 191 - ط: السابعة). 

وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/125) من حديث قيلة بنت مخرمة، ثم قال: رواه الطبراني وإسناده حسن. اهـ.

[3]))   أخرجه مسلم (479) من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-، وفي بعض ألفاظه: «يراها العبدُ الصالحُ...».

[4]))   أخرجه البخاري (1367), ومسلم (949) من حديث أنس -رضي الله عنه-.  

[5]))    أخرج مسلم (796)، عن أبي سعيد الخدري أنَّ أُسَيْد بن حُضير بينما هو، ليلةً، يقرأ في مِرْبَده إذ جالت فرسُه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضاً، قال أسيد: فخشيتُ أن تطأ يحيى، فقمت إليها، فإذا مثل الظُّلَة فوق رأسي، فيها أمثال السُّرُج عَرَجَتْ في الجوّ حتى ما أَرَاها، قال: فغدوتُ على رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي، إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ اقرأ ابنَ حضير، قال فقرأتُ، ثم جالت أيضا، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير، قال: فقرأت ثم جالت أيضا، فقال رسول الله ﷺ: اقرأ ابن حضير، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبا منها خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السُّرج، عرجتْ في الجّو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ: تلك الملائكة كانت تستمع لك، ولو قرأت لأصبحتُ يراها، الناس ما تَسْتَتَر منهم».

[6]))   أخرجه الترمذي (3127) من حديث عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، وقال: حديث غريب. اهـ، والعوفي ضعفوه كما في ترجمته في «التهذيبين والميزان». 

قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (10): «حديث: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. الترمذي في التفسير، والعسكري في الأمثال كلاهما من حديث عمرو بن قيس الملائي، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعاً ثم قرأ: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين)، وقال الترمذي: إنه غريب. وقد روى عن بعض أهل العلم في تفسير للمتوسمين قال: للمتفرسين، وكذا أخرجه الهروي، والطبراني، وأبو نعيم في «الطب النبوي» وغيرهم من حديث راشد بن سعد، عن أبي أمامة -رضي الله عنه- مرفوعاً ويروى عن ابن عمر، وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أيضاً، بل هو عند الطبراني، وأبي نعيم، والعسكري من حديث وهب بن منبه، عن طاوس، عن ثوبان -رضي الله عنه- رفعه بلفظ: احذروا دعوة المسلم وفراسته، فإنه ينظر بنور الله وينطق بتوفيق الله، ولكن قد قال الخطيب عقب حديث أبي سعيد: المحفوظ ما رواه سفيان، عن عمرو ابن قيس قال: كان يقال اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله». اهـ، والحديث ضعّفه الألباني في «الضعيفة» (1821).  

[7]))   أخرجه الطبراني في «الأوسط» (609)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1456)، من حديث أنس -رضي الله عنه- بلفظ: «من أهان لي وليًّا»، وضعفه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» في شرح الحديث الثامن والثلاثين (ص 359)، وانظر أيضاً: «العلل المتناهية» (1/44- 45).   

[8]))   أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وراجع كلام الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» في شرح الحديث الثامن والثلاثين (ص 357، وما بعدها).   

[9]))   أخرجه البخاري قبل حديث (5019) معلقاً بصيغة الجزم قال: «وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن حُضير...»، وقال البخاري أيضاً: «قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبدالله، عن خباب، عن أبي سعيد الخدري، عن أسيد بن حضير». وهذا التعليق وصَلَهُ أبو عُبيد في «فضائل القرآن»، كما في «الفتح الباري» (9/63) من طريق يحيى بن بُكير، عن الليث بن سعدٍ بالإسنادين جميعاً، ورواه عن حسن بن علي الحلواني، وحجاج بن الشاعر، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أُسيد بن خُضيرٍ.

ووقع في البخاري (5011)، ومسلم (795) من حديث البراء أن رجلاً كان يقرأ سورة الكهف، وفيه مثل القصة الأولى، لكن باختصار، ولم يقع تعيين الرجل، ولم يستبعد الحافظ في «الفتح» (9/57)، تعدد الواقعة، وأن يكون الرجل هو أُسيد نفسه. مسلم (796).

[10]))   أخرجه البخاري (602)، ومسلم (2057) من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر-رضي الله عنه-.  

[11]))   أخرجه البخاري (3045) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.  

[12]))   أخرجه البخاري (4093) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.  

[13]))   القصة أخرجها عبدالرزاق في «المصنف» (20544)، عن معمر، عن سعيد بن عبدالرحمن الجْحشي، عن محمد بن المنكدر، عن سفينة، ومن طريق عبدالرزاق به، رواها البيهقي في «دلائل النبوة» (6/45). وهذا إسناد رجاله ثقات، ما عدا سعيد بن عبدالرحمن، فهو صدوق -كما في «التقريب» (2347)- فالحديث لذلك حسن، على أنَّ له طريقاً آخر، من رواية عبدالله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان، عن ابن المنكدر، عن سفينة، ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (3/702) -وصححه- والطبراني في «الكبير» (6432)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (6/45). وتابع ابن وهب في روايته عن أسامة به، جعفرُ بنُ عونٍ، وقد أخرجه من هذا الوجه؛ البيهقيُّ في «الاعتقاد» (ص 316)، وفي «دلائل النبوة» (6/45)، والأصبهاني في «دلائل النبوة» (196).

       هكذا في رواية ابن وهبٍ -وهو ثقة حافظ- وجعفرِ بن عونٍ -وهو صدوق كما في «التقريب» (948)- فقد جَعَلا بين أسامةَ بن زيد الليثي، وابن المنكدر؛ محمدَ بنَ عبدالله بن عمرو، وخالفهما: عبيدُالله بن موسى العَبْسي -وهو ثقة كان يتشيّع- كما في «التقريب» (4345) -وعثمانُ بنُ عمر بن فارس- وهو ثقة كما في «التقريب» (4504) - فروياهُ عن أسامةَ بن زيدٍ، عن محمد بن المنكدر. وروايةُ عبيدالله بن موسى هذه، أخرجها الطبراني في «الكبير» (6433)، والروياني في «المسند» (662)، وأبو نعيم في «الحلية» (1/369)، وأما رواية عثمان بن عمر، فأخرجها البزار في «المسند» (3838)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (4/269- 270)، وأبو يعلى -كما في «المطالب العالية» (4060)- ولا منافاة؛ لأن أسامة بن زيدٍ الليثي؛ يروي عن محمد بن عبدالله بن عمرو، ويروي عن محمد بن المنكدر؛ بلا واسطة، فيكون هذا من: المزيد في متصل الأسانيد، فيُحتمل أنَّ أسامة سمعه من محمد بن عبدالله بن عمرو، عن ابن المنكدر، ثم لقيه فحمله عنه، فحدث به على الوجهين.     

       وقد روي عن ابن المنكدر، عن سفينة من وجهٍ آخر، فقد أسنده الروياني في «المسند» (663) من طريق إبراهيم بن أعيْن، عن بحر السّقاء، عن ابن المنكدر، عن سفينة، لكن ابن أعين -ضعيفٌ- كما في «التقريب» (154)، وكذلك بحرُ السّقاء ضعيف -كما في «التقريب» (637)-. 

وله طريق آخر عند ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (4/269) من طريق هارون بن عبدالله الحمَّال، ويحيى بن أبي طالب، كلاهما: عن علي بن عاصم الواسطي، عن أبي ريْحانة: عبدالله بن مطر، عن سفينة، لكن الواسطي مع كونه صدوقاً إلا أنه يخطئ ويصّر -كما في «التقريب» (4758) -وأبو ريحانة، مع كونه صدوقاً أيضاً- إلا أنه تغيّر بأخرةٍ -كما في «التقريب» (3623). وعلى كُلِّ: فالقصّةُ ثابتةٌ إن شاء الله تعالى. 

[14]))   القصة أخرجها الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (1482)، عن سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: «شهدت خالد...»، ومن هذا الوجه أخرجها أيضاً: الطبراني في «الكبير» (3809)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/252)، واللالكائي في «كرامات الأولياء» (94).

       وهذا إسناد صحيح. قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (3/332- 333): «مناقب خالد كثيرة، ساقها ابن عساكر؛ من أصحها: ما رواه ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت خالد بن الوليد أُتي بسم، فقال: ما هذا؟ قالوا: سُمّ. فقال: باسم الله؛ وشَرِبَهُ».

       وقد رُويت القصة من وُجوهٍ مرسلة، عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (33730)، وأبي يعلى في «المسند» (7186)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/251)، كلهم من طريق يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن خالد بن الوليد، لكنه مرسل كما سبق. انظر: «مجمع الزوائد» (9/350). وجاء مرسلاً أيضاً من رواية يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بُردة، عن خالد بن الوليد، كما عند الطبراني في «الكبير» (3808)، لكن أبا بُردة لم يسمع من خالد بن الوليد. انظر: «مجمع الزوائد» (9/350). 

[15]))   انظر ما أخرجه الترمذي (3811).

[16]))   أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (20/24، 25)، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (3/6)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (1110).

[17]))   أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (2844)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (45/155).

[18])) ذكرها ابن عبد البر في ترجمته في «الاستيعاب» (2/66)، وأبو نُعيم في «الحلية» (2/128- 129)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (27/199- 202)، واللالكائي في «كرامات الأولياء» (138)، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» (1/49).

[19]))   رواه أبو العرب: محمد بن أحمد بن شهيم، في كتاب «المحن» (ص 428)، عن عبدالله بن أبي زكريا الحفري، عن أبيه، عن أبي معشر، عن الحسن، وعبدُالله ابن أبي زكريا وأبوه، لم أقف لهما على ترجمة.

[20]))   أخرجه البخاري (465) من حديث أنس -رضي الله عنه- موصولاً من غير تعيين اسم الصَّحابييْن، وأخرجه معلقاً بعد حديثه (3805) بتعيين اسميهما؛ فقال: «وقال معمر، عن ثابت، عن أنس: إن أُسيد بن حضير، ورجلاً من الأنصار. وقال حملا. أخبرنا، عن أنس: كان أسيد بن حضير، وعباد بن بشر عند النبي ﷺ». وتعليق معمر بن راشد وصله عبدالرزاق في «المصنف» عنه، ومن طريقه الإسماعيلي، وأمَّا تعليقُ حَمَّاد بن سلمة، فوصلها أحمد والحاكم في «المستدر». أفادهُ الحافظُ في «الفتح» (7/125). وانظر أيضاً «تغليق التعليق» (4/78- 79).    

[21]))   انظر: «مدارج السالكين» (2/490), انظر: «شرح الطحاوية» (2/750).

[22]))   أخرجه البخاري (3469، 3689) وهذا لفظه في الموضع الأول من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، ومسلم (2398) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.  

[23]))   للتوسع في مباحث أشراط الساعة راجع: «لوامع الأنوار» للسفاريني (2/70-151).

[24]))   أخرجه البخاري (3176) من حديث عوف بن مالك الأشجعي -رضي الله عنه-.  

[25]))   أخرجه مسلم (2901) من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري -رضي الله عنه-.  

[26]))   أخرجه البخاري (4402) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.  

[27]))   أخرجه البخاري (7131), ومسلم (2933) واللفظ له من حديث أنس -رضي الله عنه-.

[28]))   أخرجه البخاري (3448) واللفظ له, ومسلم (155) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[29]))   أخرجه البخاري (4635) واللفظ له, ومسلم (157) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

[30]))   أخرجه مسلم (2941) من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه-.  

[31]))   أخرجه البخاري (6504), ومسلم (2951) من حديث أنس -رضي الله عنه-، وأخرجه البخاري أيضاً (4936) من حديث سهل بن سعد، باللفظ السابق، ومسلم (2950)، بلفظ: «بُعثت أنا والساعةُ هكذا»، وأخرجه باللفظ الأول من حديث أبي هريرة أيضاً: البخاري (6505)، وأخرجه مسلم باللفظ الأول (867) من حديث جابر بن عبدالله.  

[32]))   أخرجه أحمد (5/382)، والترمذي (2209)، ونُعيم بن حماد في «الفتن» (554)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (6/392)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (196)، والداني في «السنن الواردة في الفتن» (407)، كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن عبدالله بن عبدالرحمن الأشهلي، عن حذيفة مرفوعاً.

       قال الترمذي: «هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو»، وفي سنده: عبدالله بن عبدالرحمن الأشهلي، قال ابن معين: «لا أعرفه».

       وللحديث شواهد؛ منها: ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (37740)، وأحمد (3/466)، والطبراني في «الكبير» (512)، وابن أبي عاصم في «الزهد» (197)، كلهم من طريق الوليد بن جُميع، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن أبي بُردة مرفوعاً، بنحوه. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» بَعْدَ أن ساق رواية أحمد تامةً (7/320): «رواه كلّه أحمدُ، والطبراني باختصارٍ. ورجاله ثقات».

       ومن شواهده أيضاً: حديث أنس بنحوه، عند ابن حبان في «الصحيح» (6721)، والطبراني في «الأوسط» (628). وقال الهيثمي -بعد أن عزاه إلى الطبراني في «الأوسط»- في «مجمع الزوائد» (7/326): «ورجاله رجال الصحيح، غير الوليد بن مسرح، وهو ثقة».

       وللحديث شواهد أخرى كذلك، من حديث عمر بن الخطاب، عند ابن أبي عاصم في «الزهد»، والطبراني في «الأوسط» (4677، 7316)، لكن في سنده عمرو بن عثمان الرقي، وهو ضعيف - كما في «التقريب» (5074)، وجعفر بن بُرقَان مع كونه صدوقاً إلا أنه يهم في حديثه عن الزهري -كما في «التقريب» (932)- وهذا الحديث من روايته عن الزهري، وفيه أيضاً راوٍ مجهول، هو: أصبغ بن محمد الورَّاق، ترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (1599)، ولم يحك فيه جرحاً ولا تعديلاً، وأورده ابن حبان في «الثقات» (12595).

       وفي الباب أيضاً: عن أبي هريرة مرفوعاً، بنحوه، عند أحمد (2/326، 358)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/320): «رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير كامل بن العلاء؛ وهو ثقة». لكنَّ كاملاً، لم ينص على أنه ثقة غير ابن معين -كما في «الجرح والتعديل» (7/172)-، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس به بأس، وقال ابن عدي: رأيت في بعض رواياته أشياء أنكرتها، وأرجو أنه لا بأس به». انظر: «تهذيب الكمال» (10724) -أما ابن حبان فأضجع فيه القول، وعبارتُهُ كما في كتاب «المجروحين» (2/227): «كان ممن يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل من حديث لا يدري، فلما فحش ذلك من أفعاله؛ بطل الاحتجاج بأخباره»، قال الحافظ في «التقريب» (5604): «صدوق يخطئ».

وله شاهد أخر من حديث أم سلمة مرفوعاً بنحوه أيضاً، أخرجه الطبراني في «الكبير» (711)، وفي «الأوسط» (6403)، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (7/284): «وفيه عبدالله بن صلاح كاتب الليث؛ وهو ضعيف، وقد وُثّق».

وفي الباب عن أبي ذرٍ، عند ابن أبي عاصم في «الزهد» (192)، والطبراني في «الأوسط» (3076)، وفي سنده ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ.

وقد جاء أيضاً موقوفاً، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، والله أعلم.

[33]))   أخرجه البخاري (1595) من رواية ابن عباس -رضي الله عنه-، وأخرج البخاري (1591)، ومسلم (2909) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: «يُخرِّبُ الكعبةَ ذو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحبشة». وأخرجه أحمد (2/220) من حديث عبدالله بن عمرو مرفوعاً بلفظ: «يخرّب الكعبة ذو السويقتْين من الحبشة ويسلبها حِليتها، ويجرّدها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه؛ أُصَيْلع، أُفَيدع؛ يضربُ عليها بمسعاته ومِعْوَلِه». 

[34]))   انظر: «تيسير العزيز الحميد» (2/717).

([35])   أخرجه البخاري (5146) من حديث ابن عمر -رضي الله عنه-.  

[36]))   انظر: «مجموع الفتاوى» ( 29/384)، و«شرح مسلم» للنووي (14/176)، و«أضواء البيان» (4/456). و«موقف الإسلام من السحر» (2/489-531).

([37])   أخرجه مسلم (2200) من حديث عوف بن مالك الأشجعي -رضي الله عنه-.  

([38])   أخرجه البخاري (2282), ومسلم (1567) من حديث أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-، وأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (4649) من حديث أبي مسعود الأنصاري أيضاً، بلفظ: «ثلاث هن سُحت: ثمن الكلب، ومهر البغي، وحُلوان الكاهن».  

([39])   أخرجه مسلم (537).  

([40])   أخرجه مسلم (2230) من حديث بعض أزواج النبي ﷺ.  

([41])   أخرجه الترمذي (135), وأبو داود (3904), وابن ماجه (639)، والحاكم في «مستدركه» (15)، وابن الجارود في «المنتقى» (107) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، وفيه زيادة: (من أتي حائضا أو امرأة في دبرها).   

قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة.

وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي ﷺ قال: من أتى حائضا فليتصدق بدينار، فلو كان إتيان الحائض كفرا لم يؤمر فيه بالكفارة، وضعف محمد –يعني البخاري- هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد. ا هـ، وقال الترمذي في «العلل» (ص59): «سألت محمداً عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضعّف هذا الحديث جداً». وضعفه الحافظ في «التلخيص» (3/108).

([42])   أخرجه البخاري (1354), ومسلم (2931) من حديث من ابن عمر -رضي الله عنه-.

([43])   أخرجه عبد الرزاق (10160 و 19214 و 20059)، وأحمد (4/136)، وأبو داود (3644)، وابن حبان (6257) من طريق ابن شهاب الزهري، عن ابن أبي نملة، عن أبيه، فذكره. في رواية ابن حبان: نملة بن أبي نملة. وانظر «الإصابة» (7/416).

([44])   أخرجه مسلم (934) من حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه-.

([45])   أخرجه البخاري (846) واللفظ له, ومسلم (71) من حديث زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه-.

[46]))   انظر: «تيسير العزيز الحميد» (2/780).

([47])   أخرجه ابن ماجه (4005)، واللفظ له، وأحمد (1/2، 905)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (37583)، وأبو يعلى (128، 129، 130). ووقع عند الترمذي (2168)، وأبي داود (4338)، بلفظ «الظالم» بدل «الناس»، ووقع عند أبي يعلى (132) بالجمع بين اللفظين، وقد رووه جميعاً من طريق قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق. ورجاله ثقات، وقيس تكلم فيه يحيى القطان، لكن الذهبي قال: أجمعوا على الاحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه، والحديث صححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 569 -ط: السابعة).  

[48]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/764).

[49]))   انظر: «تيسير العزيز الحميد» (2/738).

[50]))   هذا القول هو قول الحسن البصري ، ذكره ابن القيم في «إعلام الموقعين» (4/396).

وذكره الشيخ سليمان آل الشيخ في «تيسير العزيز الحميد» (367)، ثم قال هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في «جامع المسانيد» بغير إسناد ولفظه: لا يُطلق السحرَ إلا ساحرٌ. ا هـ

وذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي في «القول السديد شرح كتاب التوحيد» (104)، ثم قال بعده: قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:

الأول: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النشرة بالرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة فهذا جائز. ا هـ

[51]))   أخرجه أبو داود (3870)، وأحمد (14499)، والبيهقي (9/351) جميعًا من طريق عبدالرزاق، حدثنا عقيل بن معقل قال: سمعت وهب بن منبه يحدث، عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله ﷺ عن النشرة فقال: «هو من عمل الشيطان».

قال العلائي في «جامع التحصيل» (296): وهب بن منبه قال بن معين لم يلق جابر بن عبد الله إنما هو كتاب، وقال في موضع آخر هو صحيفة ليست بشيء. اهـ

وقال البيهقي: وروي عن النبي ﷺ مرسلا وهو مع إرساله أصح. ا هـ

([52])   أخرجه البخاري (2697), ومسلم (1718) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.  

[53])) أخرجه مسلم (1718/18) من حديث عائشة.

[54]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/769).

[55])) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (1/191)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (1558)، وعزاه في «كنز العمال» (14/473/39313)  لابن شاهين في «الافراد»، وابن عساكر عن جابر، قال ابن عدي: هذا حديث باطل. والحديث ضعّفه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 573 - ط: السابعة).

([56])   أخرجه البخاري (3241) بهذا اللفظ من حديث عمران بن الحسين -رضي الله عنه-، وأخرجه مسلم (2737) بهذا اللفظ من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.  

[57]))   انظر: «مجموع الفتاوى» (35/264)، و«مدارج السالكين» (3/177-178).

([58])   أخرجه الترمذي (2254), وابن ماجه (4016), وأحمد (5/405) من طريق عمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيدن عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. اهـ، وفي سنده علي بن زيد، وهو ضعيف، وقال ابن عدي في «الكامل» (5/54): «هذا الحديث يعرف بعمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة سرقه منه عمر بن موسى». ا هـ

قال أبو حاتم في «العلل» (2/138): هذا حديث منكر. اهـ، وانظر« علل الإمام أحمد» (2/27). وجاء أيضاً من حديث أبي سعيد، عند أبي يعلى (1411)، لكنه من رواية الحسن، عن أبي سعيد، وفي سماعه منه نظر -كما في «الأمالي المطلقة» (ص 165)-. وروي كذلك من حديث ابن عمر، أخرجه الطبراني في «الأوسط» (5357)، والبزار -كما في «كشف الأستار» (3323)- وقال الحافظ في «الأمالي المطلقة» (ص 168): «رواته موثوقون إلا عبدالكريم، وهو أبو أمية ابن أبي المخارق، فإنه ضعيف، لكنه شاهد جيد للحديث الماضي».

تنبيهات: قول الحافظ في «الأمالي المطلقة»: «رواته موثقون إلا عبدالكريم»، متعقّبٌ؛ لأن في سنده زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير؛ فقد ذكره الخطيب في «تاريخ بغداد» (8/457) بالرواية عن جماعة، وروى عنه جماعة، ولم يتكلم فيه أحد -انظر: «مجمع الزوائد» (7/274- 275)-. وقد ترجمه الذهبي في «تاريخ الإسلام» (19/143) وقال: «محله الصدق»!!

التنبيه الثاني: وقع قَلْبٌ في اسم «زكريا بن يحيى»، فورد في المطبوع من «الأمالي المطلقة» (ص 168)، «يحيى بن زكريا الضرير»، وهو على الصواب في «الأوسط» للطبراني.

التنبيه الثالث: الحديث أسنده الطبراني في «الكبير» (13507) من طريق زكريا بن يحيى المدائني، عن شبابة بن سوار، عن ورقاء بن عمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر.

مع أن الطبراني لما أخرجه في «الأوسط» من طريق زكريا، عن شبابة، عن ورقاء، عن عبدالكريم، عن مجاهد، عن ابن عمر: قال: «لا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به زكريا».

فأخشى أن يكون تحريف أَوْ وهْم وقع في «الكبير»، ولاسيما أن أبا الشيخ رواه في كتاب «الأمثال» (152) من طريق زكريا بن يحيى الضرير، عن شبابة، عن ورقاء، عن عبدالكريم، به.

التنبيه الرابع: صحح الألباني -رحمه الله- حديث الباب في «الصحيحة» (613)، وساق له حديث ابن عمر هذا، شاهداً، من رواية الطبراني في «الكبير»، ثم قال: «وهذا إسناد صحيح، إن كان زكريا بن يحيى هو أبو يحيى اللؤلؤي، الفقيه الحافظ...».

وهذا متعقب؛ بوقوع التصريح بأنه «الضرير» كما في «الأوسط»، وكتاب «الأمثال»، كما تقدَّمَ، والله أعلم.

[59]))   انظر: «شرح الطحاوية» (2/771).

([60])   أخرجه الترمذي (500)، والنسائي (1369)، وأبو داود (1052)، وابن ماجه (1125) جميعا من طريق محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد يعني الضمري، وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ، فذكر الحديث. قال وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس، وسمرة ، قال أبو عيسى: حديث أبي الجعد حديث حسن. قال وسألت محمدا عن اسم أبي الجعد الضمري؛ فلم يعرف اسمه، وقال: لا أعرف له، عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث قال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو. اهـ، والحديث صححه الألباني في «تخريج الطحاوية» (ص 576 - ط: السابعة).

[61])) انظر: «مجموع الفتاوى» (2/234)، (4/318)، (3/422)، (10/334-344)، (11/402-426)، (13/266).

[62])) قصة موسى مع الخضر في البخاري (122) ، ومسلم (2380) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد