تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

أصول السنة لابن أبي زمنين (1) من بداية الكتاب - إلى قوله: "فعارضوا السنن برأيهم"

00:00

00:00

10

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى آله وعلى أصحابه وعلى أتباعه بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد.

فإنا نحمد الله سبحانه وتعالى، ونشكره، ونثني عليه الخير كله، ونسأله المزيد من فضله إذ وفقنا إلى العودة إلى الدروس العلمية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعًا الإخلاص في العمل والصدق في القول، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يُصلح قلوبنا، وأعمالنا، ونياتنا، وذرياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أيها الإخوان؛ لا يخفى عليكم فضل العلم، وأهمية طلب العلم، وأن العلم الشرعي منزلته عند الله عظيمة، وأن طلب العلم الشرعي، وتعلم العلم الشرعي من أفضل القربات، وأجل الطاعات، والله سبحانه وتعالى قرن شهادة العلماء بشهادته، وشهادة ملائكته على أعظم مشهود به، وهو الشهادة له سبحانه وتعالى بالوحدانية، كما قال الله سبحانه وتعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [آل عمران/18].

والله تعالى رفع شأن العلم والعلماء، وأعلى مكانتهم، والمراد بالعلماء العاملون، العلماء بالله وشرعه ودينه، الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [المجادلة/11].

وقال سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر/9].

وقال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  [فاطر/28].

 أي إنما يخشاه الخشية التامة، لأن العلماء هم أعلم الناس بالله U, ومن كان بالله أعلم كان به أخوف, وفي مقدمة العلماء الرسل، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هم أعلم الناس بالله، وهم أعظم الناس خشية، وأعظم الرسل خشية أولو العزم الخمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ.

وأعظمهم خشية الخليلان: إبراهيم ومحمد، عليهما الصلاة والسلام. وأعظم الخليلين خشية نبينا وإمامنا محمد ﷺ فهو أتقى الناس، وأعبد الناس، وأشجع الناس، وأخشى الناس، وأتقاهم لله، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: إن أخشاكم لله وأتقاكم لأنا أو كما قال ﷺ.

وقال: إني أعلمكم بالله، وأخشاكم، وأتقاكم له كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، وفي الصحيحين، فأخشى الناس، وأتقى الناس: هو نبينا محمد ﷺ لأنه أعلم الناس بالله، ثم يليه في الخشية والتقى والعلم جده إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ثم يليه موسى الكليم، ثم بقية أولو العزم، ثم بقية الرسل.

ثم يليهم خشية أعظم الناس خشية بعد الأنبياء الصديقون: جمع صديق، صيغة مبالغة، وهو الذي قوي تصديقه، وإيمانه بالله U حتى أحرق تصديقه وإيمانه بالله الشبهات، والشهوات، فلا يبقى مع التصديق والإيمان الخالص شهوة أو شبهة، وفي مقدمتهم الصديق الأكبر: أبو بكر، t وأرضاه ثم يليهم الشهداء شهداء المعركة الذين قتلوا في سبيل الله، وباعوا أنفسهم لله، فالشهيد يبذل أغلى ما يملك، وهي نفسه التي بين جنبيه، ثم يليهم الصالحون من المؤمنين على اختلاف طبقاتهم، وثبت في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة .

فالعلم الشرعي طريق إلى الجنة، لكن مع الإيمان بالله ورسوله، ومع الإخلاص والصدق، فإذا كان الإنسان مؤمنًا بالله ورسوله، وأخلص في طلبه للعلم، فإنه على خير عظيم، وفضل عظيم، «وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم، رضًا بما يصنع» كما ثبت في الحديث: «إن لله ملائكة سياحين، يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوها، قالوا: هذه طلبتكم، فيحفونهم بأجنحتهم».

وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، t أن رسول الله ﷺ قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده وهذا فضل عظيم، ولهذا قال العلماء: "إن طلب العلم أفضل من نوافل العبادة".

يعني: إذا تعارض طلب العلم مع قيام الليل، أو مع صلاة الضحى، أو مع صيام الاثنين والخميس، أو ثلاثة أيام من كل شهر، أو مع نوافل الحج بعد الفريضة، فإن طلب العلم مقدم عليها.

والمراد بالعلم، العلم الشرعي، العلم بالله وأسماءه، وصفاته، وأفعاله، ودينه، وشرعه، علم الحلال والحرام، هذا هو العلم، فإذا أطلق العلم ينصرف إلى هذا، والعلماء إذا أطلق ينصرف إلى علماء الشريعة، لكن انعكست المقاييس والموازيين عند كثير من الناس في هذا الزمن، فصاروا يطلقون على عالم الفضاء العالم، كذلك العالم في الزراعة والطب يسمى عالم، وهذا خطأ فينبغي أن يقيد فإذا وُجد عالم فضاء يُقال عالم فضاء, عالم زراعة, وعالم تجارة, وعالم صيدلة, وعالم طب.

كذلك علم الطب وعلم الصيدلة، وعلم الفيزياء, وعلم الكيمياء,  أما إذا أطلق العلم ينصرف إلى العلم الشرعي، وإذا أطلق العالم فإن مرده العالم الشرعي، وهذا هو الأصل، وهذا هو التي تدل عليه النصوص، لكن انعكست الموازين عند كثير من الناس فصاروا يسمون علماء الطب، وعلماء الهندسة، وعلماء الفلك، وعلماء الرياضة, وعلماء الطبيعة, وعلماء الفضاء, يُقال: هذا عالم بإطلاق.

وكذلك هذه العلوم يسمونها علم بإطلاق، وهذا خطأ، فإن العلم بالإطلاق هو العلم الشرعي، والعالم بإطلاق هو العالم بالشريعة، فالواجب على كل منا أن يخلص نيته لله، وعمله لله، وأن يجاهد نفسه بإصلاح النية وإخلاصها، وإذا كان طلب العلم من أفضل القربات وأجل الطاعات، فيجب أن يتوفر فيه الركنان أو الشرطان التي لا يصح العمل إلا بهما وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ, ما يصلح أي عمل، وأي عبادة تتقرب بها إلى الله إلا بهذين الشرطين:

الشرط الأول: أن يكون خالصا لله، مرادًا به وجه الله والآخرة، ما تريد به الدنيا، ولا الرياء، ولا السمعة، ولا الشهادة، ولا المال، ولا الجاه، إنما تريد وجه الله، والدار الآخرة.

والشرط الثاني: أن يكون طلبك للعلم موافقًا للشريعة، وليس مخالفًا، ليس فيه بدعة، ولا على طريقة أهل البدع، ولا على فهم أهل البدع، ولا على منهج أهل البدع، وإذا تخلف الإخلاص، حل محله الشرك، وإذا تخلف المتابعة، حل محلها البدع، قال الله تعالى: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف/110].

وقال: بلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  [البقرة/112].

 وقال تعالى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [لقمان/22].

وإسلام الوجه هو إخلاص العمل لله، والإحسان هو أن يكون العمل موافقًا للشرع، وثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب t أن النبي ﷺ قال: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وبهذا الحديث افتتح البخاري، رحمه الله كتابه الصحيح, وافتتح به النووي كتابه رياض الصالحين.

وافتتح كثير من المؤلفين وأهل العلم كتبهم بهذا الحديث تنبيه على الإخلاص، وأن الإخلاص لا بد أن يكون هو الأساس، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد.

وفي لفظ لمسلم: من عمل عملًا، ليس عليه أمرنا، فهو رد.

فينبغي لكل واحد منا أن يجاهد نفسه، حتى تصلح نيته، والنية من أصعب الأمور إصلاحها، كما قال بعض السلف لكن على الإنسان أن يجاهد, يجاهد ويدافع الوساوس يجاهد ويدافع الرديئة، والأفكار التي ترد عليه من الشيطان، فإذا جاهد نفسه، وصدق مع الله، فهو موعود بمعية الله قال تعالى: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت/6].

 وموعود بالهداية، وموعود بمعية الله له: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت/69].

فلا يستسلم الإنسان للخواطر الرديئة، التي ترد عليه في طلبه للعلم، فهو يبدأ من العبادة، ويريد كذا وكذا للدنيا أو الجاه، أو الرياء, أو السمعة، بل يطارد ويغالب ويدافع هذه الوساوس؛ حتى تخلص نيته وتصلح سريرته، أسأل الله سبحانه وتعالى، أن يرزقنا الإخلاص، وأن يعيذنا من الشيطان ومن وساوسه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ونحن إن شاء الله في هذه الدورة نقرأ هذا الكتاب الذي هو أصول السنة، ونتكلم على ما يفتح الله به.

هذا الكتاب هو أصول السنة، مؤلفه كما هو معلوم لديكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي، فهو محمد بن عبد الله بن عيسى بن محمد المري الألبيري الأندلسي، وكنيته أبو عبد الله، ولقبه الذي اشتهر بابن أبي زمنين بفتح الزاي والميم وكسر النون, والمؤلف: محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، من أهل العلم، ومن أهل السنة والجماعة، وهو من علماء المالكية، أثنى عليه العلماء، فهو من الأئمة العلماء، ومن أهل الرواية، فهو يروي بالأسانيد كما ترون.

وأثنى العلماء على المؤلف، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإمام المشهور، الذي أظهر مذهب أهل السنة، ودافع عنه رحمة الله عليه، نقل عنه في كتابه الحموية، وقال عنه: الإمام، المشهور، من أئمة المالكية، وأثنى عليه الإمام الذهبي رحمه الله، وقال عنه: الإمام القدوة الزاهد شيخ قرطبة، وأثنى عليه ابن عفيف وقال: إنه من كبار المحدثين والفقهاء والراسخين في العلم.

وأثنى عنه ابن مفرج وقال: كان من أجل أهل وقته حفظًا للرأي ومعرفة بالحديث واختلاف العلماء، وأثنى عليه ابن فرحون، وقال: كان من كبار المحدثين، والعلماء الراسخين، وأجل أهل وقته قدرًا في العلم، والرواية، والحفظ للرأي، والتمييز للحديث، والمعرفة، واختلاف العلماء.

والمؤلف له مؤلفات ذكرها المحقق وفقه الله وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم الحسين البخاري، ذكر شيوخه وتلاميذه ومؤلفاته، وهذا الكتاب نسبته إلى المؤلف: محمد بن عبد الله بن زمنين، ثابتة، فالمؤلف نفسه ذكر في آخر الكتاب أشار إلى هذا قال: وقد أعلمتك بقول أئمة الهدي، وأرباب العلم فيما سألت عنه، وفي غير ذلك مما لم تسأل عنه من أصول السنة.

وشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، قال في الحموية، وفي كتابه الذي صنف فيه أصول السنة، وغيره من أهل العلم, فالحديث ثابت للمؤلف، والمؤلف من أهل السنة والجماعة، ومن أهل الحديث.

وقد نقل في هذا الكتاب أحاديث، وروى أحاديث بالسند، والأحاديث التي رواها منها الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها الحسن كغيره من أهل العلم، الذين يروون الحديث بالسند، وإذا روى المؤلف الحديث بالسند، فقد خرج من العهدة, وكان العلماء والمؤلفون يذكرون الأحاديث التي توجد في الباب، يبوبون ثم يذكرون ما وجدوه من أحاديث الباب، منها: الصحيح، ومنها الضعيف، ومنها الحسن.

فهو يذكر الأحاديث ولو كانت ضعيفة ليطلعك على ما ورد في الباب، فأنت تطلع على ما في الباب، وكونه يذكر السند براءً من العهدة؛ لأن العلماء كانوا يعرفون الأسانيد، لكن جاء المتأخرون وانتشر الجهل، وصاروا لا يميزون صحيح الأسانيد من سقيمها، لكن كان في زمن المؤلف كانوا يؤلفون ويذكرون بالأسانيد، حتى يبرءوا من العهدة فهو يقول: هذا السند، فابحث أنت عنه، أنا أعطيتك سند الحديث، وأنت المسئول عنه بعد ذلك, انظر إلى الأسانيد والإسناد، هل هذا الحديث ثابت، أو غير ثابت؟.

ولأنه قد يكون الحديث ضعيف وقد يكون له متابع, قد يكون له شواهد، فقد يكون ضعيف ولم يصح عنده، ويأتي من بعده ليجد لهذا الحديث شواهد ومتابعات، وعلى كل حال فهو يقول لك: أنا أذكر لك ما هو موجود في هذا الباب من الأحاديث، وقد يذكر الحديث وهو ضعيف، وقد يكون موضوع, وقد يتكلم على سنده حتى لا يأتي بعد ذلك من يذكر هذا الحديث ويصححه، أو يركّب له إسنادًا صحيحًا، فهو الآن يطلعك ويقول لك هذا الحديث ضعيف، ورويت لك بهذا السند.

فالمقصود أن المؤلف رحمه الله يروي بالأسانيد، وبوب رحمه الله ويجعله أبواب، وذكر المؤلف رحمه الله أن موضوع هذا الكتاب الأحاديث، والآثار، وأقوال أهل العلم نصوص من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ, وأقوال أهل العلم في باب الإيمان بالقدر، وفي باب عذاب القبر، باب الحوض، باب الميزان، الصراط، الجنة والنار, الطاعة والشفاعة، ورؤية الله U هذا موضوع هذا الكتاب، جعله أبواب ثم يذكر الأدلة من الكتاب، ومن السنة والأحاديث والآثار.

وسبب تأليف هذا الكتاب، أن بعض الناس، وبعض الطلبة طلبوا من المؤلف أن يذكر لهم معتقد أهل السنة والجماعة في هذه الأبواب، وما استدلوا به من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال أهل العلم.

 

(المتن)

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على آله وصحبه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قال أبو عبد الله الفقيه: محمد بن عبد الله بن أبي زمنين t: الحمد لله الذي يشكر على ما به أنعم, وعاقب على من لو شاء منه عصم، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آل محمد أجمعين، وأعوذ بالله من هوىً مضل، وعملٍ غير متقبل، وأسأله الزيادة في اليقين، والعون على إتباع سبيل المؤمنين، وبعد:

 

(الشرح)

ابتدأ المؤلف، رحمه الله، كتابه بالبسملة تأسيًا بالكتاب العزيز، فإن الله، سبحانه وتعالى، افتتح كتابه ب (بسم الله الرحمن الرحيم)، ثم قال بعد ذلك: (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم), وهذه كلمة عظيمة: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من كنوز الجنة، كما ثبت في الحديث الصحيح في الصحيحين، أن رسول الله ﷺ قال: أتى إليه أبو موسى الأشعري، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال ﷺ ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله, قال: لا حول ولا قوة إلا بالله .

ومعنى (لا حول): أي لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة لأحدٍ على شيء لأحد إلا بالله، فلا يستطيع الإنسان أن يتحول من المرض إلى الصحة، أو من البدعة إلى السنة، أو من الانحراف إلى الاستقامة، أو من الضلال إلى الهدى، إلا بالله، ولا قوة له على ذلك إلا بالله، لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة إلا بالله، فالله سبحانه وتعالى هو القائم على كل نفس بما كسبت، كما قال سبحانه: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد/33].

ولا قيام لأي نفس إلا بالله U ولا يمكن أن تتحول أي نفس من حال إلى حال إلا بالله، ولا قوة لأحدٍ على شيء إلا بالله، إلا بإعانة الله وتوفيقه، فإذا أراد الله أن تتحول من حال إلى حال فإنك تتحول، تتحول من المرض إلى الصحة، تتحول من البدعة إلى السنة، تتحول من الضلال إلى الهدى، تتحول من الفقر إلى الغنى بالله، ولا قوة لك على ذلك إلا بالله، ولهذا شُرع للمسلم إذا سمع المؤذن، أن يقول مثل ما يقول، كما قال النبي ﷺ: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول.

إلا في الحيعلتين، فإذا قال المؤذن: حي على الصلاة، يشرع لك أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأن المؤذن ينادي ويقول: حي على الصلاة، أقبل أيها الإنسان، أقبل أيها المكلف على الله، وأنت تقول: يا الله، لا حول لي، ولا قوة، ولا استطاعة أن أجيب المؤذن وآتي إلى الصلاة إلا بإعانتك وتوفيقك, فأنا لا استطيع أن أتحول من حالي إلا بك، التجاء إلى الله، واعتصام بالله وبراءة من الحول والقوة إلا بالله، فيقول مجيبًا المؤذن إذا قال: حي على الصلاة, فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

وكذلك إذا قال: حي على الفلاح، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، لذلك أرشدنا نبينا، ﷺ نجيب المؤذن، ونقول مثل ما يقول، إلا في الحيعلتين، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(العلي العظيم) اسمان من أسماء الله، وأسماء الله ليست جامدة بل هي مشتقة، كل اسم مشتمل على صفة، فالعلي مشتمل على صفة العلو، والعظيم مشتمل على صفة العظمة، فالعلي العظيم مشتملان على صفة العلو والعظمة.

يقول المؤلف: (قال أبو عبد الله الفقير محمد بن عبد الله بن أبي زمنين رضي الله عنه) هذا ليس من كلام المؤلف، بل هو من كلام بعض تلاميذه، الذي نقله هو الذي قال: قال أبو عبد الله الفقيه كذا وكذا، وقد يكون من كلام المؤلف، لكن المؤلف ما يقول عن نفسه الفقيه، فهذا يدل على أن هذا الكلام ليس من كلام المؤلف، وإنما هو من كلام أحد أتباعه، أو من أحد تلامذته، فالمؤلف لا يصف نفسه بالفقيه لا يزكي نفسه، فلو كان من كلام المؤلف لقال: قال أبو عبد الله محمد بن كذا الحمد لله، فلما قال الفقيه دل على أنه ليس من كلام المؤلف؛ لأن المؤلف لا يزكي نفسه ولا يثني على نفسه, والله سبحانه وتعالى يقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ  [النجم/32]

ثم قال: (الحمد لله) ثنى بالتحميد بعد البسملة اقتداء بالكتاب العزيز، فكتاب الله بدأ ب "بسم الله الرحمن الرحيم"، ثم الحمد لله رب العالمين، والحمد معناه: الثناء على المحمود بالفعل الجميل الاختياري، يُقال له: ثناء، وهو أبلغ من المدح، الحمد أبلغ من المدح؛ لأن المدح يكون على صفات الإنسان، أو على صفات الشيء الاختيارية والجبلية، فأنت تمدح من اتصف بالصفات الجبلية، ولو لم يكن هناك اختيار، فأنت تمدح الأسد بأنه قوي، وبأنه مفتول الساعدين, والأسد ليس له اختيار في قوته، فهذا يسمى مدح ولا يسمى حمد، بخلاف الحمد؛ فإنه يكون على فعل الإنسان الاختياري الجميل.

فأنت تثني وتمدح الإنسان بأنه طويل وأنه وسيم، هذا مدح ليس له فيه أصله اختيار، لكن الحمد يكون على الصفات الاختيارية مثل: الكرم، والشجاعة، والحلم، والإيثار، والإحسان، فهذه صفات اختيارية، وهذا يسمى حمد، فالحمد هو: الثناء على المحمود بصفاته الجميلة الاختيارية، مع حبه وإجلاله وتعظيمه ثناء مع حب، وأما المدح فلا يكون معه حب، فقد يمدح شخصًا بصفاته ولو كان عدوًا ولا يحبه، لكن الحمد فيه ثناء مع محبة.

فالثناء على المحمود بفعله الجميل الاختياري مع حبه وإجلاله وتعظيمه، فالحمد لله: أن أثني على الله مع إجلاله وتعظيمه، والألف واللام في الحمد: للاستغراق، يعني: أحمده بجميع أنواع المحامد, جميع أنواع المحامد كلها مملوكة لله، ومستحقة له، فالمحامد كلها لله مُلكًا واستحقاقًا، الحمد لله، واللام: للتمليك، فالحمد لله، فهو مالك المحامد بأنواعها، والله لفظ الجلالة أعرف المعارف: علم على الرب، سبحانه وتعالى، لا يطلق على غيره، وهو مشتمل على صفة الألوهية، والله: أصله الإله، أصل الله: الإله، والإله هو المألوه، الذي تألهه القلوب محبةً, وإجلالًا، وتعظيمًا، وخوفًا، ورجاءً.

أصلها الإله، ثم فصلت الهمزة، فالتقى لامان: اللام الأولى: اللام الزائدة، واللام الثانية: عين الكلمة، أصلها إله على وزن فعال، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام الأولى، التي قبل الهمزة الزائدة مع اللام الثانية، التي هي عين الكلمة، وفخمتا فصار الله، الله: هو ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، فالله: هو المألوه الذي تألهه القلوب محبةً، وإجلالًا، وتعظيمًا، ولا يسمى به غيره، وهو أعرف المعارف، وبقية أسماء الرب تأتي وصفًا له، يأتي أولًا لفظ الجلالة: الله، ثم تأتي بقية الأسماء، كما قال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ۝ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ [الحشر/22-24], فلفظ الجلالة يأتي أولًا، ثم تأتي بعده الأسماء.

(الحمد لله الذي يشكر على ما به أنعم) ما مصدرية تسبك مع الفعل بعدها المصدر، أي يشكر على نعمه، أو ما موصولة بمعنى الذي، ويكون المعنى: يشكر على الذي به أنعم، فالله تعالى يشكر على نعمه، والفرق بين الشكر و الحمد بينهما عموم، وخصوص وجهي، فالحمد: يكون بالقلب وباللسان، الحمد: تعظيم بالقلب، وثناء باللسان، ويكون على النعمة، وعلى غير النعمة.

وأما الشكر: فيكون على النعمة، ويكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، فالحمد: أخص من جهة أنه بالقلب واللسان، ولكنه أعم من جهة أنه يكون على النعمة وعلى غير النعمة، وأما الشكر: فإنه أخص سببًا، ولكنه أعم فعلًا، الشكر: أخص سببًا، ولكنه أعم فعلًا، حيث إنه يكون بالقلب واللسان والجوارح، أما الحمد هو أخص فعلًا؛ لأنه يكون بالقلب واللسان، وأعم من جهة السبب على النعمة وعلى غير النعمة.

يقول المؤلف رحمه الله: (الحمد لله الذي يشكر على ما به أنعم) يعني: يشكر على نعمه، ونعم الله كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما قال الله: ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/53].

كل نعمة لأي مخلوق فهي من الله، فنعم الله لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن أن يحصي الإنسان على الله، قال تعالى: وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم/34].

فالله تعالى هو الذي خلقنا، وأوجدنا من العدم، وخلقنا، ورزقنا، وآوانا، وأطعمنا، وأسقانا، وكسانا، وأمننا، وأعظم نعمة أنعم الله بها علينا هي نعمة الإيمان والإسلام، حيث أن الله من علينا بالإيمان والإسلام, وهدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، فالحمد لله على هذه النعمة، ونسأله سبحانه وتعالى أن يتمها علينا، ويثبتنا على دين الإسلام حتى الممات.

فأعظم نعمة أنعمها الله على الإنسان الإيمان والإسلام، أنعم الله عليك أيها المسلم، فاشكر الله على هذه النعمة، حيث لم يجعلك من اليهود، ولا النصارى، ولا الوثنيين، ولا من الشيوعيين، ولا من الملاحدة، فهو سبحانه وتعالى يهدي من يشاء برحمته وفضله وإحسانه، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.

وكل النعم التي بالمخلوقات والعباد كلها من الله، نعمة الهواء، نعمة النفس الذي يتردد بين جنبيك، إذا فقد الإنسان النفس مات، نعمة الأمن والطمأنينة، نعمة الرزق، نعمة الولد، نعمة المال، نعمة الخلق والإيجاد، نعمة الإيمان والإسلام هذه أعظم النعم.

ثم قال: (وعاقب على من لو شاء منه عصم) يعني: الله تعالى يعاقب، يعاقب بعض العصاة، ويعفو عن بعضهم، إلا إذا كانت المعصية كفر، فإذا كانت كفر ومات على هذه المعصية فلا بد من عقوبة، فلا يعفى عنه، فالكافر الذي يموت على الكفر الأكبر، والشرك الأكبر، والنفاق الأكبر، لا يعفى عنه، هذا لا بد أن يعاقب في الآخرة بالنار والعياذ بالله خالد فيها نعوذ بالله, كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ [النساء/48].

أما ما دون الشرك، فهو في مشيئة الله قد يعاقب وقد لا يعاقب، قد يعفو الله عنه، ويدخله الجنة بإيمانه وتوحيده وإسلامه إذا مات على التوحيد مصر على الكبائر، وقد يعاقب، وقد يشفع فيه فلا يعاقب، وقد يدخله النار ويعاقب، وقد تصيبه أهوال وشدائد يوم القيامة، فهو سبحانه وتعالى يعاقب على من لو شاء منه عصم، فلو شاء لعصمك من أسباب العقوبة وهي المعاصي، ولكنه قدرها عليك لما له من الحكمة.

فله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى خلق إبليس، وخلق الشياطين لحكم وأسرار تترتب على ذلك، ولذلك ظهور قدرة الله على وجود المتقابلات، فذات إبليس في مقابل ذات الملائكة وذات الأنبياء، كما قابل بين الليل والنهار، وبين الإيمان والكفر، وبين السر والإعلان.

ومن حكمة الله في خلق إبليس والشياطين حصول العبوديات المتنوعة، التي هي محبوبة لله ومرضية له؛ كعبودية الولاء والبراء، وعبودية الجهاد في سبيل الله، وعبودية الحب في الله، والبغض في الله، وعبودية الدعوة إلى الله، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك من العبوديات، عبودية الصبر على منع النفس من الهوى والنهي عن الهوى، فهو سبحانه له الحكمة البالغة في تقدير المعاصي، والكفر، والذنوب على بعض الناس.

ومن الحكم أنه سبحانه يحب أن يعفو ويغفر، وظهور آثار أسماء الله، وظهور آثار أسماء العفو والغفور والرحيم، وظهور آثار أسماء الجبار والكبير، فهذه كلها من الحكم والأسرار في تقدير الله المعاصي والذنوب، فهو يعاقب عليها سبحانه وتعالى الذنوب والمعاصي، وقد يعفو عنها إذا كانت دون الشرك، ولو شاء لعصم منها، ولكنه له الحكمة البالغة في تقديرها, ولهذا قال: (وعاقب على من لو شاء منه عصم).

ثم قال المؤلف: (وصلى الله على محمد) وصلاة الله على العبد أصح ما قيل فيها ما رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي العالية، أنه قال: «صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى».

وصلى الله: هذا دعاء منك، فأنت تسأل الله وتدعو الله أن يصلي على نبيه محمد, يعني تدعو الله أن يثني عليه في الملأ الأعلى، اللهم أثني عليه في الملأ الأعلى، وقيل: الصلاة تدخل في الثناء والرحمة، إذا أطلق الصلاة دخل فيها الثناء والرحمة، وإذا قرن بينهما، صارت لكل واحد منهما معنى، كقوله سبحانه: أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة/157].

هنا قرن بين الصلاة والرحمة، فصارت الصلاة هي الثناء، وإذا أفردت الصلاة دخل فيها الرحمة، فكأنك تقول: "صلى الله" يعني: أثني عليه في الملأ الأعلى وارحمه، وصلى الله على محمد، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي، القرشي العربي المكي ثم المدني، وهو رسول الله وخاتم النبيين والمرسلين، ليس بعده نبي وهو إمام المرسلين وأفضلهم عليه الصلاة والسلام، وأفضل أولي العزم، وسيد ولد آدم، كما قال ﷺ أنا سيد ولد آدم ولا فخر.

ولابد من الإيمان برسالته عليه الصلاة والسلام، والشهادة لله بالوحدانية، والشهادة للنبي محمد ﷺ  بالرسالة، من لم يشهد لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، فليس بمؤمن، فهذا أصل الدين وأصل الملة، أن تشهد لله تعالى بالوحدانية، وتشهد لنبيه محمد ﷺ بالرسالة، ولا بد أن تشهد أن محمد رسول الله، أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي العربي المكي ثم المدني؛ أنه رسول الله خاتم النبيين، وأنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، فلابد أن تصدقه في أخباره عليه الصلاة والسلام وتنفذ أحكامه.

فالأوامر تمتثلها, والنواهي تجتنبها، والأخبار تصدقها، وتتعبد لله بما شرعه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ هذا من مقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله.

(وصلى الله على محمد خاتم النبيين) أنه خاتم النبيين والمرسلين ليس بعده نبي ﷺ كما قال الله تعالى في كتابه العظيم: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب/40].

وقال ﷺ في الحديث الصحيح: أعطيت خمسًا وفي لفظ ستًا لم يعطهن أحد من قبلي» وذكر منها: وختم بي النبيون وفيها: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت الشفاعة، وكان الرجل يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس كافة، وخُتم بي النبيون، وأعطيت جوامع الكلم.

وقال ﷺ لعلي بن أبي طالب: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي.

(وعلى آل محمد) واختلف العلماء في  المراد من آل محمد، فقيل المراد بهم: قرابته المؤمنون من أبنائه، وبناته، وزوجاته، وأعمامه المؤمنين، كعمه حمزة، وعمه العباس، هؤلاء هم آله، وقيل المراد بهم: أزواجه، وقيل المراد بهم: أتباعه على دينه، وهذا هو الصواب، ويدخل فيهم دخولًا أوليا أبناؤه، أقاربه المؤمنون، زوجاته، وبناته، وعمه العباس، وعمه حمزة، وعلي بن أبي طالب، كلهم يدخلون دخولًا أوليًا، ولم يقل المؤلف: وعلى أصحابه، هو يدخل الصحابة بالطبع في آله، فهم أتباعه على دينه فئة أولية.

وقال المؤلف: (وعلى آل محمد أجمعين) فلو قال: على أصحابه لو عطف الأصحاب على الآل لعطف الخاص على العام؛ لأن الصحابة يدخلون في الآل، وقد يعطف أيضًا أزواجه، فيقول: "وعلى آله وأزواجه وأصحابه وأتباعه"، فيكون هذا من باب عطف العام على الخاص، فآله يشمل الجميع، يشمل الأهل، والأزواج، والأتباع على دينه إلى يوم القيامة.

فإذا عطف الأزواج، وعطف الأصحاب أو الأتباع يكون من عطف الخاص على العام، وإذا قدم الأزواج والأتباع والأصحاب، وأخر الآل يكون الآل من باب عطف العام على الخاص.

ثم قال المؤلف: (وأعوذ بالله من هوى مضل) وأعوذ: أي ألوذ وألتجئ وأستجير بك يا الله من هوى مضل، والهوى الذي يضل الإنسان وهي الشبه التي تضل الإنسان، قال تعالى عن نبيه داود: يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب [ص/26].

  • والإنسان ينحرف بأحد أمرين:

الأمر الأول: بأسباب الشبهات، وهذا هو الهوى المضل، الهوى المضل بسبب الشبهات، وبذلك ضلت الفرق الذين خالفوا معتقد أهل السنة والجماعة، مثل الجهمية، والقدرية، والمعتزلة، والأشاعرة، والمرجئة، وغير هؤلاء ضلوا بسبب الهوى والشبهات، ولهذا استعاذ المؤلف  استعاذ من هوى مضل؛ لأن الكتاب ألفه في الرد على هؤلاء الفرق الجبرية، والمعتزلة، والقدرية، وغيرهم, ذكر النصوص في وجوب الإيمان بالله، والإيمان بالجنة والنار، والقدر وعذاب القبر، والحوض والشفاعة، ولذا قال: أعوذ بالله من هوى مضل.

والأمر الثاني: الشهوات التي يميل بها الإنسان إلى ما حرم الله, إذا مال إلى الشهوات، فإنه ينحرف فالشهوات مثل شهوة الزنا، وشهوة المال، فالسرقة من المعاصي التي تقوم بسبب شهوة المال، ومثلًا يتعامل بالربا، أو يأكل بالرشوة، أو يفعل الفواحش كالزنا، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، كل هذه المعاصي سببها الشهوات.

أما الفتن التي يُفتن بها الإنسان في دينه هذه سببها الشبهات والعياذ بالله، والشبهات أشد من الشهوات؛ لأن صاحب الشهوات يعلم أنه عاصي، فالزاني، والسارق، وشارب الخمر، والعاق لوالديه، وآكل الرشوة يعلم أنه عاصي، فقد يوفق للتوبة بخلاف صاحب الشبهة فإنه يظن أنه على حق، فالقدري يقول: أنا على حق، الذي يُنكر قضاء الله وقدره، وينكر صفات الله، ويقول: الله ليس له صفات،  وينكر علو الله على عرشه, يقول: لو كان فوق العرش لكان جسمًا محدودًا, ويتأول فيقول: الرحمن على العرش استوى، فيقول: معناها استولى، وهو يظن أنه على الحق بسبب الهوى، ولهذا يسمى أهل البدع أهل الأهواء.

قال ﷺ: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة، قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي هذه الفرق ما سبب افتراقها؟ الهوى والشبهات، ويسمون أهل الأهواء.

ولذا قال المؤلف: (وأعوذ بالله من هوى مضل) أي أعوذ، وألوذ، وألتجئ، وأعتصم بك يا الله من الهوى والشبهات التي تضلني عن الحق، نسأل الله السلامة والعافية.

وقد يقال: الهوى ينقسم إلى شبهات وشهوات، وإنه استعاذ من الهوى الناشئ عن الشبهات، والهوى الناشئ عن الشهوات، ويشمل الأمرين: والهوى قد ينشأ من الشبهات، وقد ينشأ من الشهوات، وكل منهما يسمى مرضٌ في القلب، مرض الشبهات، كما قال الله تعالى عن المنافقين: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة/10].

يعني شك وريب وشبهات، هذا مرض الشبهة، أما مرض الشهوة مثل قول الله تعالى في نساء نبيه: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا [الأحزاب/32].

أي شهوة، شهوة الزنا، أي إذا رخوة المرأة صوتها ولينت المرأة صوتها، فهذا يطمع الفاجر فيها، أو الفاسق، لذلك يجب على المرأة إذا كلمت مع الرجل تتكلم بصوت عادي لا ترخيم فيه ولا خضوع؛ لأنها إن فعلت ذلك طمع الفاسق والفاجر فيها، فلتتكلم بصوت عادي بقدر الحاجة: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب/32].

فالهوى يشمل الأمرين: هوى ناشئا عن الشبهات, وهوى عن الشهوات.

ولهذا قال المؤلف: (أعوذ بالله من هوى مضل، وعمل غير متقبل) استعاذ بالله من عمل غير متقبل، أخذًا من الحديث: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع " كررها الشيخ ثلاثا" لكونه غير متقبل، والعمل من أجل القربات وأفضل الطاعات، فهو استعاذ بالله من عمل غير متقبل، والعمل يكون غير متقبل إما لكونه فقد ركنه، أو شرطيه أو فقد أحدهما، والعمل غير المقبول إما لأن صاحبه لم يخلص العمل لله أي أريدَ بالعمل غير الله، أو لأنه غير موافق للشرع، أو للسنة، أو للأمرين جميعًا وهذا غير مقبول.

متى يكون العمل مقبول؟ إذا توفر فيه الشرطان: إذا كان العمل خالصًا لله، وموافقًا لشرع الله، وكأن المؤلف يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عمل ليس فيه إخلاص ولا متابعة للرسول", وكأنه يسأل الله أن يكون عمله متقبلًا، والعمل المتقبل هو الخالص لله الموافق لشرع الله، والموافق لسنة رسول الله, والمؤلف استعاذ من الهوى المضل، واستعاذ من العمل غير المقبول، الذي لم يتوفر فيه الإخلاص والمتابعة للنبي ﷺ.

ثم قال: (وأسأله الزيادة في اليقين) اليقين في القلب، اليقين: تصديق القلب، واليقين يحصل للإنسان بالأخبار المتواترة.

  • واليقين له ثلاث مراتب:
  1. علم اليقين.
  2. وعين اليقين.
  3. وحق اليقين.

علم اليقين: يحصل بالأخبار المتواترة.

عين اليقين: يحصل بالمشاهدة والمعاينة.

حق اليقين: فيحصل بالمباشرة.

ويمثل العلماء لهذا بأنه لو أخبرك ثقات عدول بأن الوادي يجري، فأنت يكون عندك يقين بصحة ذلك و أن الوادي يجري هذا اسمه علم اليقين، حصل عندك علم اليقين، ثم إذا ذهبت إلى الوادي ورأيته بعينك يجري، زاد اليقين وصار عندك عين اليقين؛ لأنك شاهدت بنفسك، ثم إذا نزلت إلى الوادي، وباشرت وشربت منه، زاد اليقين وصار حق اليقين.

فما أخبر الله به في الدار الآخرة من حقائق، من الجنة والنار، وما يكون من حساب، هذا كله عند المؤمن علم اليقين، يصدق الله في أخباره، ما عنده إشكال في ذلك، ولا يتطرق إليه الشك، لكن في يوم القيامة إذا شاهد الجنة ورآها صار عنده عين اليقين، فإذا دخل الجنة وباشر نعيمها صار عنده حق اليقين.

فالمؤلف يقول: أسأله الزيادة في اليقين، واليقين يحصل بالأخبار المتواترة، وكل مسلم مؤمن عنده اليقين بأخبار الله، وأخبار رسوله ﷺ فكأن المؤلف يسأل الله الثبات على اليقين وعدم الشك، وإلا فإن علم اليقين موجود عند المؤمن، وأما الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين، هذا يكون في يوم القيامة إذا شاهد ما أخبر الله به، زاد يقينه وصار عنده عين اليقين، فإذا باشر صار عنده حق اليقين.

ومن أمثلة ذلك أيضًا: قول الله تعالى عن إبراهيم: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة/260].

وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح في الصحيحين: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة/260]».

المراد بالشك هنا؟ الترقي من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، ليس المراد به الشك على ظاهره، يقول النبي ﷺ: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ [البقرة/260]».

المراد بالشك الترقي من مرتبة إلى مرتبة، فإن إبراهيم عليه السلام ليس عنده شك في إحياء الله للموتى، ولا يتطرق إلى إبراهيم الخليل, ولكنه أراد أن يترقى من مرتبة علم اليقين إلى عين اليقين: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا  [البقرة/260].

أتى بأربعة طيور، ومزقها وقطع رءوسها فماتت، فوضعها على الجبال، فأراد الله أن يحييها ليشاهد إبراهيم إحياءها، فكان يمسك الرؤوس بيده، وكانت تأتي جثة الطير، فيركب الرأس على الجثة، فإذا كان الرأس للجثة ركب، وإذا كان لغيرها امتنع، حتى تأتي الجثة وتركب على رأسها وهو يشاهد, فأحيى الله الطيور بعد أن مزهقها وإبراهيم ينظر بعينيه, فترقى إبراهيم عليه السلام من علم اليقين إلى عين اليقين، فزاد يقينه: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة/260].

ثم قال المؤلف: (والعون على إتباع سبيل المؤمنين) يعني: وأسأل الله العون على إتباع سبيل المؤمنين، يعني: أسأل الله أن يعينني ويوفقني إلى إتباع سبيل المؤمنين، والمؤمنون هم أهل السنة والجماعة، هم الذين آمنوا بالله وبرسوله، وصدقوا الله ورسوله في أخباره، وعملوا بالكتاب والسنة وجاهدوا أنفسهم، واستقاموا على طاعة الله على حسب وسعهم وطاقتهم، هم أهل السنة والجماعة، والمؤلف يسأل الله العون أن يعينني على إتباعهم.

وهذه مثل قوله: (لا حول ولا قوة إلا بالله) الله تعالى هو الذي يعينني ويوفقني، لولا توفيق الله وعونه لما استطعت أن أكون من أهل السنة والجماعة، فأنا أسألك يا  الله أن تعينني أن أكون منهم، وأن أسلك سبيلهم، فإن من شاق الله ورسوله والمؤمنين، تولاه الله ما تولى وأصلاه نار جهنم كما قال تعالى: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء/115].

فالمؤلف يقول: أسأل الله أن يجعلني من أهل السنة والجماعة، وأن يعينني على إتباعهم، وسلوك سبيلهم، وانتهاج منهجهم.

(المتن)

فإن بعض أهل الرغبة بإتباع أهل السنة والجماعة، سألني أن أكتب له أحاديث، يشرف على مذاهب الأئمة في إتباع السنة والجماعة، الذي يُقتدى بهم، ويُنتهى إلى رأيهم، وما كانوا يعتقدون ويقولون به في الإيمان بالقدر، وعذاب القبر، والحوض، والميزان، والصراط، وخلق الجنة والنار، والطاعة، والشفاعة، والنظر إلى الله U يوم القيامة، بما سأل عن تأليف هذا الكتاب، وزادني رغبة فيه، ما رأيته من حرصه على تعلم ما يلزم تعلمه، ولا عذر لجاهل في ترك السؤال والبحث عن أصول الإيمان، والدين، وشرائع المسلمين، وقد ألزمه الله U بقوله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

وكذلك لا عذر لعالم في كتمان ما يسأل عنه، مما فيه كتاب ناطق، أو سنة قائمة، عمن يجهله، والميثاق الذي أخذه الله تبارك وتعالى على العلماء في قوله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187].

 ولا توفيق إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

 

(الشرح)

قال المؤلف: (وبعد) هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من شيء إلى شيء، فبعد أن ذكر المؤلف رحمه الله خطبة الكتاب، انتقل إلى الدخول في موضوع الكتاب وبعد، والأحسن أن يقول: (أما بعد) فإن النبي ﷺ كان يقول: أما بعد في خطبه, فإن أحسن الهدي كتاب الله, وخير الهدي هدي محمد ﷺ, وكذلك العلماء وغيرهم يقولون: أما بعد، واختلف في أول من قال: أما بعد، قيل: إن أول من قالها داود عليه السلام، وقيل: إن أول من قالها قس بن ساعده الإيادي، والله أعلم.

ولكن المهم أن النبي ﷺ كان يقولها في خطبه وفي مراسلاته، كان «إذا خطب يوم الجمعة يقول: أما بعد، فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وفي كتبه لما كتب إلى هرقل ملك الروم قال: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى؛ أما بعد: أسلم تسلم فأما بعد أولى.

ثم قال المؤلف: (فإن بعض أهل الرغبة في إتباع أهل السنة والجماعة، سألني أن أكتب له أحاديث، يشرف على مذاهب الأئمة في إتباع أهل السنة والجماعة، الذي يُقتدى بهم، ويُنتهى إلى رأيهم) .

فهذا بيان سبب تأليف الكتاب: أن بعض أهل السنة والجماعة، أو الذين يرغبون في إتباع الكتاب والسنة، سألوه أن يكتب لهم أحاديث يبين فيها مذهب أهل السنة والجماعة، يشرف بواسطتها على مذاهب الأئمة في إتباع السنة والجماعة، الذي يُقتدى بهم، ويُنتهى إلى رأيهم، فهذا سبب تأليف الكتاب.

فبعض طلبة العلم والراغبين في إتباع أهل السنة والجماعة، سألوه أن يكتب لهم أحاديث، يشرفون بواسطتها على مذاهب الأئمة في إتباع السنة والجماعة، الذين يُقتدى بهم، ويُنتهى إلى رأيهم فيما كانوا يعتقدونه، (وما كانوا يقولونه في أي شيء في الإيمان بالقدر، وفي عذاب القبر، وفي الحوض وفي الميزان، وفي الصراط، وخلق الجنة والنار، وفي الطاعة، والشفاعة، والنظر إلى الله تعالى يوم القيامة).

ثم قال: (وزادني رغبة فيه، ما رأيته من حرصه على تعلم ما يلزم تعلمه) يعني: هذا البعض من أهل العلم وأهل الرغبة, يقول:لما رأيت عندهم حرص زادني رغبة في إجابة سؤاله والكتابة عن هذه الموضوعات، ولهذا أجابه وكتب هذه الأحاديث بما فيه من نصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال أهل العلم.

ثم قال المؤلف: (ولا عذر لجاهل في ترك السؤال، والبحث عن أصول الإيمان، والدين، وشرائع المسلمين) وقد ألزمه الله ذلك بقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل/43].

 (وكذلك لا عذر للعالم في كتمان) يقول المؤلف: لا عذر لجاهل في ترك السؤال، وكذلك لا عذر لعالم في كتمان العلم، فالجاهل عليه أن يسأل، وليس له عذر في ترك السؤال، والعالم عليه أن يبين، ولا يجوز له الكتمان، ولا يكون الكتمان عذرًا له، فإذا كان السائل يجب عليه أن يسأل، والعالم يجب عليه أن يبذل علمه، فمن أجل ذلك بين العلماء، وبلغوا العلم، ونشروا دين الله، والله تعالى توعد من كتم العلم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة/159].

ثم استثنى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [البقرة/160].

فمن شرط التوبة التبيين، وقال سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران/187].

 وقال سبحانه في بني إسرائيل: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة/63].

ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: من كتم علمًا ألجمه الله بلجام من نار والحديث فيه ضعف، فلا عذر للعالم في الكتمان، ولا يجوز له أن يكتم، خصوصًا إذا كان الناس في حاجة إلى هذا العلم أو عند السؤال، عند السؤال يجب إجابة السائل، إذا كان الإنسان عنده علم، أما إذا كان عنده شك، أو تردد فيتوقف يقول: لا أدري، أو اسأل غيري، أو أمهلني حتى أراجع، لا يتكلم بالجهل، فلا أدري نصف العلم، وقال العلماء في ذلك: "إذا أخطأ العالم لا أدري، أصيبت مقاتله".

ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن مسعود أنه قال: من العلم أن يقول الإنسان لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)  [ص/86], لا يتكلف الإنسان, إذا كان لا يعرف يقول: لا أعلم, -الحمد لله- فلا أدري نصف العلم.

  • لأن الأمور نصفان:

نصف تعلمه فهذا تجيبه.

ونصف تجهله تقول: لا أدري.

فصارت لا أدري نصف العلم، وكما أن الجاهل ليس له عذر في عدم السؤال، يجب عليه أن يسأل عما أشكل عليه، يجب عليه أن يسأل عن دينه، لكن يسأل من؟ يسأل من يثق في دينه وعلمه وورعه، فإذا (ارتاح (1:4:5) أخذ بقوله قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل/43].

ولهذا قال المؤلف: (ولا عذر لجاهل في ترك السؤال، والبحث عن أصول الإيمان، والدين، وشرائع المسلمين) وقد ألزمه الله ذلك بقوله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل/43].

فألزم الله الجاهل بالسؤال، وكذلك لا عذر لعالم فيما يُسأل عنه، مما فيه كتاب ناطق، أو سنة قائمة عمن يجهله، يعني لابد من هذا، العالم يفتي بما دل عليه كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ, والميثاق الذي أخذه الله تبارك وتعالى على العلماء في قوله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران/187].

ثم قال المؤلف: (ولا توفيق إلا بالله) فالله U هو الموفق، والموفق للسائل يسأل عما أشكل عليه، وهو الموفق للعالم أن يبذل علمه، فالموفق هو الله، والتوفيق بيد الله فقط، فمن وفقه الله فهو الموفق، ومن وفقه من العلماء فبذل علمه فهذا توفيق من الله، وكذلك من وفقه الله أن يسأل عن دينه، فهذا أيضًا توفيق من الله، حتى يسأل ويتبصر: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [هود/88] عليه اعتمدت، وفوضت أمري إليه.

  • والتوكل لا بد فيه من أمرين:

الأمر الأول: فعل الأسباب المشروعة.

الأمر الثاني: الاعتماد على الله.

فالمتوكل لابد أن يبذل الأسباب، إذا توكلت على الله في طلب العلم, ابذل جهدك اسعي إلى العلم، واحضر مجالس العلم، وزاحم بركبك العلماء أهل العلم، فلابد من بذل الجهد، وكذلك من يطلب الرزق يبذل جهده، ويفعل الأسباب، ويبحث عن الرزق، يبيع، ويشتري، يكون له صناعة، يكون له كسب عن طريق الزراعة، عن طريق التجارة، عن طريق المهنة، المهم ألا يكون كسلان, يكون نجار كما كان نبي الله نوح نجارًا، وكان داود حدادًا، يكون بناء، والآن هناك أعمال جديدة، يكون دهان، يكون مبلط، فيكون كهربائيًا، أو سباك، أو يعمل بتصليح الساعات، لا يكون كسلان.

فبعض الناس لا يريد إلا الوظيفة، ألف ريال، أو ألف وخمسمائة ريال، ثمان ساعات، ويترك الأعمال وراءه لا، اعمل, تبيع تشتري, كن بيدك مهنة، اعمل لا تكن كسلان، اعمل، ألا تترك السبب.

  • فالتوكل لازمًا فيه أمرين:

الأول: فعل السبب.

الثاني: ثم الاعتماد على الله الله في التفويض وحصول النتيجة.

وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود/88] إليه أرجع, والإنابة هي الرجوع إلى الله, والتوبة، والالتجاء، والاعتصام به سبحانه.

(المتن)

باب في الحض على لزوم السنة، وإتباع الأئمة.

اعلم رحمك الله، أن السنة دليل القرآن، وأنها لا تدرك بالقياس، ولا تؤخذ بالعقول، وإنما هي بالإتباع للأئمة، ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة، وقد ذكر الله أقوامًا أحسن الثناء عليهم فقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[الزمر:17-18].

وأمر عباده فقال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

 

(الشرح)

فهذا هو الباب الأول من أبواب أصول السنة، لمحمد بن عبد الله بن أبي زمنين، في كتابه الذي سماه أصول السنة، جعله أبواب، هذا هو الباب الأول، عنون له: باب في الحض على لزوم السنة، وإتباع الأئمة.

وباب في الحض: أي الحث والترغيب في لزوم السنة وإتباع الأئمة، ومنه قوله تعالى: وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر/18].

فالحض: هو الحث والترغيب، والمؤلف رحمه الله يقول: (باب في الحض) يعني: في الترغيب على لزوم السنة، والسنة: هي طريقة النبي ﷺ.

  • وهي ثلاث أنواع:
  1. القول.
  2. والفعل.
  3. والتقرير.

هذه سنة الرسول ﷺ والسنة: ما قاله الرسول ﷺ, وما فعله، وما أقر عليه.

والسنة ثلاثة أنواع: السنة القولية، والسنة الفعلية، والسنة التقريرية، فالمؤلف رحمه الله يحث على لزوم السنة سنة الرسول ﷺ القول، والفعل، والتقرير.

وقوله: ﷺ: «قل آمنت بالله ثم استقم».

والفعل: قول الرسول ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

والتقرير: كأن يفعل أحدٌ عنده فعلًا ثم يقره ولا يُنكر عليه, كما أكل الضب على مائدة الرسول ﷺ دليل على حل الضب، فالسنة: إما فعل، وإما قول، وإما تقرير، والسنة القولية: هي أقوال قوله: افعل كذا، ولا تفعل كذا، افعلوا ما أمرتكم به، ذروني ما تركتكم, خذوا عني مناسككم.

والفعل كما يقول: صلوا كما رأيتموني أصلي يفعل الرسول ﷺ يكون سنة، وقد يكون فعل من باب الأمور المباحة، والتقرير: كأن يفعل أحدًا عنده فعلًا، أو يقول قولًا، ثم يقره ولا يُنكر عليه.

فهذا الباب عقده المؤلف للحض على لزوم السنة، لزوم السنة القولية، والفعلية، والتقريرية، وإتباع الأئمة، والأئمة: جمع إمام، والإمام: هو الذي يُقتدى به، والمراد بهم أئمة أهل السنة والجماعة من الصحابة، والتابعين، وأئمة الهدى، كالأئمة الأربعة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، وكذلك الإمام سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من أئمة أهل السنة والجماعة.

ثم قال: (اعلم)، واعلم: هو حكم ذهني جازم، يعني: تيقن ولا تشك, ويقابل العلم: الظن والشك، فالأشياء التي يُدركها الإنسان إما علم، وإما شك، وإما ظن، وإما وهم.

فالعلم: ما هو ما يجزم به الإنسان ويتيقنه وهو حكم الذهن الجازم، والشك: ما يشك فيه بين أمرين متساويين، يقال له: شك، والظن: هو أحد الطرفين الراجح، إذا شككت في شيء، بين أمرين، أحدهما: راجح، والآخر: مرجوح فالراجح: يسمى ظن، والمرجوح: يسمى وهم، وإذا تساوى الطرفان، يسمى شك.

فتكون المدركات، إما علم، وإما ظن، وإما وهم، فالعلم: هو حكم الذهن الجازم، واليقين الذي يتيقن فيه الإنسان، والشك: ما يتردد فيه بين أمرين على حد سواء، والظن: ما يتردد فيه بين أمرين أحدهما أرجح من الآخر، فالراجح: يسمى شك، والمرجوح: يسمى وهم.

المؤلف يقول: اعلم وتيقن، لا تشك، ولا تظن، ولا تتوهم, (اعلم رحمك الله) دعاء, رحمك الله: خبر بمعنى الدعاء، معناه: اللهم ارحمه، وهذا من نصح المؤلف، رحمه الله لطالب العلم، فهو يعلمه، ويدعو له بالرحمة.

وهذا شأن الأئمة أهل الحق، فهم مباركون أينما كانوا، يعلمون الناس، ويدعون لهم، فهو يعلمك، ويدعو لك، يقول: (اعلم رحمك الله) يدعو لك بالرحمة، في كثير من رسائل الإمام المجدد، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، اعلم رحمك الله، اعلم أرشدك الله لطاعته، اعلم رحمك الله أن الحنفية ملة إبراهيم، وهكذا العلماء فإنهم يعلمون الناس، ويدعون لهم فهم أنصح الناس للناس.

(اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن) القرآن: هو كلام الله العظيم، وهو الكتاب العظيم، الذي أنزله الله على نبيينا محمد، ﷺ وهو خاتم الكتب، وآخرها، وأفضلها، والمهيمن عليها، تكلم الله به لفظًا ومعنًا، سمعه منه جبرائيل، فنزل به على قلب محمد، ﷺ كما قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۝ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ*بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء/193-195].

القرآن هو كلام الله العظيم، المتواتر لفظًا ومعنى، كلام الله لفظًا ومعنى، وأما السنة: فهي من الله معنى، ومن الرسول ﷺ لفظًا، فاللفظ: من الرسول، والمعنى: من الله، السنة: وحي ثان، قال الله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ)  [النجم/3-4].

وقال عليه الصلاة والسلام: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه.

فالقرآن تكلم الله به لفظا ومعنى كلام الله لفظا ومعنى، والسنة هي من كلام النبي ﷺ لفظا ولكنها من الله، فالمعنى من الله واللفظ الرسول ﷺ، إلا الحديث القدسي، فالحديث القدسي فإنه من الله لفظًا ومعنى مثل القرآن, الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه، مثل حديث أبي ذر عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه، أنه قال: أن الله تعالى قال: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا هذا الحديث القدسي من كلام الله لفظًا ومعنى مثل القرآن, إلا أنه له أحكام تختلف عن أحكام القرآن.

فالقرآن متعبد بتلاوته، ولا يمسه إلا المتوضئ، وهو معجز، وأما الحديث القدسي فيجوز مسه من غير أن يتوضأ، وليس معجزًا، ولا متعبدًا بتلاوته، تختلف الأحكام، وإن كان كل منهما من الله لفظًا ومعنى، وكلام الله يتفاضل، وهو أفضل من بعض: قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص/1] تعدل ثلث القرآن.

الفرق بين القرآن والسنة؟ القرآن كلام الله لفظًا ومعنى ومتواتر متعبد بتلاوته، ويقرأ به في الصلاة, السنة:  من كلام النبي ﷺ لفظًا وهي من الله معنى، ولا يتعبد بتلاوتها، ولا تقرأ في الصلاة.

يقول المؤلف: (اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن) كيف تكون السنة دليل القرآن؟ قد يقول قائل: القرآن هو دليل السنة، لأن الله تعالى يقول: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [الحشر/7].

وقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [التغابن/12]. فالقرآن دلنا على السنة، قال: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ إذا القرآن أمر بالأخذ بالسنة.

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ

فكيف يقول المؤلف: السنة هي دليل القرآن؟ قد يعكس آخر، ويقول: القرآن هو دليل السنة. السنة دليل القرآن، مراد المؤلف رحمه الله: أن النبي ﷺ أخبر بأن الله تعالى أنزل عليه القرآن، وآتاه القرآن، وخبره من السنة كقوله عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أوتيت القرآن، ومثله معه» فهذا خبر، فهذا حديث، والحديث من السنة، أخبر فيه النبي ﷺ أن الله آتاه القرآن وآتاه السنة، فكانت السنة دليل القرآن, وكقوله ﷺ تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي.

فالمؤلف رحمه الله يقول: (اعلم رحمك الله أن السنة دليل القرآن وأنها لا تدرك بالقياس) السنة لا تدرك بالقياس، السنة وحي من الله، ليس يقيس الإنسان بعقله، يقيس شيء على شيء، ويقول هذا من السنة! لا، السنة وحي، ولا تؤخذ بالعقول كذلك، الإنسان ما يأخذ بعقله، وبتفكيره، ورأيه، وينسبه إلى النبي ﷺ! لا، السنة لا تدرك بالقياس ولا تؤخذ بالعقول.

(وإنما هي في الإتباع للأئمة، ولما مشى عليه الجمهور في إتباع الأئمة) لأن الأئمة عملوا بالسنة، تلقوا السنة عن رسول الله، ﷺ تلقاها عنه الصحابة، ثم تلقاها عنه التابعون، ثم تابعو التابعين إلى يومنا، حتى وصلت إلينا إلى يومنا هذا.

فإذًا السنة في إتباع الأئمة، (ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة في تلقيهم السنة عن نبيهم عليه الصلاة والسلام) وإلا فالأئمة لا يأتون بشيء من عند أنفسهم، وإنما الأئمة تلقوا السنة عن الرسول ﷺ, تلقاها عنه الصحابة، ثم التابعون، ثم تابعو التابعين، ثمَّ من بعدهم، فإذًا السنة إتباع، إتباع الأئمة فيما أخذوه عن نبيهم، وفيما تلقوه عن نبيهم، ﷺ ولما مشى عليه جمهور هذه الأمة.

ثم قال المؤلف رحمه الله: (وقد ذكر الله أقوامًا أحسن الثناء عليهم) فقال: فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر/17-18].

الآية فيها الحث على إتباع السنة، الله تعالى قال: فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ [الزمر/17-18].

كلام الله قول، والسنة قول، فالرسول ﷺ تكلم بالسنة، فالواجب على الإنسان أن يستمع إلى كلام الرسول، ﷺ وأن يتبع أحسنه، وأن يعمل بما فيه، فالذي يعمل بالسنة داخل في هذه الآية: فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر/17-18].

فالذي يلزم السنة، ويتبع الأئمة، ويستمع القول، ويتبع أحسنه، فكان من المهتدين، وكان من أولي الألباب: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر/18] أولو الألباب يعني: أصحاب العقول.

فالذين يعملون بالسنة، ويتبعونها، تنطبق عليهم هذه الآية: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر/18] فيكونون من المهتدين، ومن أولي الألباب.

ثم قال المؤلف رحمه الله: ثم أمر عباده فقال: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام/153].

هذه الآية الثالثة من الآيات الثلاثة من آخر سورة الأنعام، التي فيها الوصايا العشر، أوصى الله تعالى عباده بعشر وصايا، أولها قوله تعالى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [الأنعام/151] هذه هي الوصية الأولى: التحرير من الشرك، وهو أمر بالتوحيد.

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام/151] هذه الوصية الثانية.

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ [الأنعام/151]هذه الوصية الثالثة.

وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام/151]هذه الوصية الرابعة.

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام/151]. الوصية الخامسة.

ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام/151]

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام/151] هذه خمس وصايا في الآية.

ثم الآية الثانية: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام/152] هذه أربعة وصايا إذًا تسعة.

ثم الآية الثالثة: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام/153] هذه الوصية العاشرة, وهي التي قال فيها عبد الله بن مسعود: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد التي عليها خاتمه فلم تغير ولم تبدل فليقرأ هذه الآيات الثلاث".

فالمعنى أن النبي ﷺ أوصى بما أوصى الله به، فالله تعالى أوصى بهذه الوصايا العشر، وأمر عباده فقال: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام/153].

ومن إتباع الصراط المستقيم لزوم السنة، لزوم السنة هو إتباع الصراط المستقيم، إذا عمل الإنسان بكتاب ربه، واتبع السنة، فإنه على الصراط المستقيم: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام/153].

والصراط المستقيم: هو دين الإسلام، وهو ما جاء في القرآن وفي السنة، الذي يعمل بالقرآن ويعمل بالسنة، فهو على صراط مستقيم، وهذا هو دين الإسلام.

الصراط المستقيم: هو توحيد الله، وإخلاص الدين له، والعمل بكتابه، وسنة نبيه ﷺ وإتباع الأوامر، واجتناب النواهي، هذا هو الصراط المستقيم: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام/153] السبل: المتفرقة, وحّد الصراط وجمع السبل لماذا؟ وحد الصراط؛ لأن دين الله واحد، والحق واحد لا يتعدد، وجمع السبل؛ لأن سبل الباطل متعددة، ومتفرقة، سبل الباطل كثيرة، وأما سبيل الحق، فهو واحد لا يتعدد، ولهذا قال الله تعالى: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا [الأنعام/153] .

صراط الله المستقيم، هو دين الإسلام، وهو الحق، وهو الهدى، وهو العمل بما في القرآن والسنة، وأما سبل الباطل فهي متشعبة وكثيرة: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام/153] .

قال في الآية الأولى: ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الأنعام/151].

وفي الآية الثاني: ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الأنعام/152].

وفي الآية الثالثة: ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام/153].

لأن الإنسان إذا تعقل، تذكر، ثم اتقي، أولا يتعقل، ثم يتذكر، ثم يتقي: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ يعني كي تتقون، لعل هنا: لكي تتقون، وليست للترجي؛ لأن الله تعالى لا يرجو أحدًا، ولا يتمنى من أحد شيئًا، وإنما المراد بها التعليل: ذلكم وصاكم لكي تتقون لتتقون: لتكونوا من المتقين.

والتقوى هي جماع الدين، وجماع الخير، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء/131].

ووصية النبي ﷺ هي وصية الله، فالله تعالى وصانا بهذه الوصايا العشر لكي نكون من المتقين، ومن كان من المتقين فهو من أولياء الله، وهو من أحبابه، وأهل جنته، وكرامته، كما قال الله سبحانه وتعالى: لَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ[يونس/62-63].

فأولياء الله: هم المؤمنون المتقون، الولي: هو المؤمن التقي، ليس هو الولي ما يدعيه بعض الصوفية المخرفين ممن يسمونهم الأولياء، الذين يتحللون من الواجبات، ولا يعملون بالإسلام، ويعملون على المحرمات، هؤلاء ليسوا من المتقين، لكن هم من المنحرفين ومن الضالين، الولي: هو المؤمن التقي.

كل مؤمن تقي فهو ولي لله، والمؤمنون يتفاوتون في هذه الولاية، كلما حقق الإنسان الإيمان والتقوى، كلما قويت ولايته لله U, تضعف الولاية بالمعاصي وبالتقصير في الواجبات، فالعاصي عنده نوع ولاية لكنها ناقصة، والمؤمن المتقي ولايته تامة، والكافر عداوته تامة.

الكافر عدو لله عداوة كاملة يُعادي، والمؤمن المتقي يوالى موالاة تامة، والمؤمن العاصي، يوالى بقدر ما فيه من الإيمان والتقوى، ويُعادى بقدر ما فيه من المعاصي، يوالى ويعادى، وهو ولي لله من جهة وعدو لله من جهة، ولي لله بقدر ما فيه من الإيمان والطاعات، وعدو لله بقدر ما فيه من المعاصي والمخالفات، أما الكافر فهو كامل  العداوة، والمؤمن المتقي كامل الولاية، هذا ما دلت عليه النصوص، والذي دل عليه المحققون من أهل السنة والجماعة.

(المتن)

وحدثني أبو الحزم، وهو ابن مسرة الحجازي، عن أبي عبد الله محمد بن وضاح، عن موسى بن معاوية الصمادحي، عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، أنه قال: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطًا عن يمينه، وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ... الآية [الأنعام:153].

 

(الشرح)

المؤلف رحمه الله سرد نصوص من أدلة يستدل بها على ما ترجم له، وهي الحض على لزوم السنة وإتباع الأئمة، سرد نصوص وآثار, نصوص عن النبي ﷺ وآثار عن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في الحض والحث، والترغيب في لزوم السنة، وساقها بالأسانيد، والمحقق وفقه الله عبد الله بن محمد بن عبد الرحيم الحسيني البخاري تتبع هذه النصوص، وخرجها، وحكم عليها.

فهذا الحديث، حكم عليه المحقق بأن إسناده ضعيف، ولكن الحديث صحيح، الحديث متنه صحيح، والسند ضعيف، لأن الإسناد فيه من هو متكلم فيه، فيه محمد بن وضاح القرطبي، تكلم فيه الأئمة، وقالوا: إنه يغلط، ويصحف، وكذلك أيضًا في سنده عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود الكوفي ثقة، إلا أنه سيئ الحفظ، ولكن يعتبر حديثه، حديثه معتبر، وكذلك يعني يصلح للشواهد والمتابعات فيه.

وكذلك أيضًا محمد بن وضاح، وإن كان ضعيف، إلا أن حديثه يصلح للمتابعات، وكذلك عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، وهو أحد القراء السبعة، هو جيد في القراءة ولكنه ضعيف في رواية الحديث، فالحديث ضعيف بهذا السند، ولكن متن الحديث صحيح.

والحديث كما ذكره، أخرجه الإمام أحمد في المسند، والدارمي في السنن، وابن أبي عاصم في السنة، والطيالسي في المسند، والبزار في المسند، والآجري في الشريعة، والمروزي في السنة، وابن بطة في الإبانة، وابن حبان في صحيحه، وصححه ابن جرير الطبري في تفسيره، والنسائي في الكبرى، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وغيرهم.

فالحديث متنه صحيح، هذا السند فيه ضعف، لكن الحديث متنه صحيح، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحًا، وإن كان هذا السند ضعيف، لكن له أسانيد أخرى، رواه الأئمة بها، فيكون بها الحديث صحيح، ويكون الحديث يدل على ما دلت عليه الآية الكريمة: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام/153].

 الحديث رواه عبد الله بن مسعود t عن النبي ﷺ قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا» يعني: طويل مستقيم، «ثم خط خطوطًا عن يمينه، وعن شماله وقال: هذه سبل، على كل طريق منها شيطان يدعو إليه وفي لفظ آخر لم يذكره المؤلف عن الخط الطويل، هذا سبيل الله «خط خطًا طويل مستقيم، قال: هذا سبيل الله، وخط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، قال: هذه الخطوط عن يمينه، وعن شماله، هذه المتعرجة، هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» وأما هذا الخط المستقيم، فهو سبيل الله، ثم قرأ النبي ﷺ هذه الآية: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام/153].

فالحديث فيه الحض على لزوم السنة وإتباع الصراط المستقيم، فالصراط المستقيم: هذا الخط المستقيم، هو دين الإسلام،

الطالب: ذكرها المؤلف هذه اللفظة ذكرها المؤلف

الشيخ: نعم؟

 قال: «خط لنا رسول الله، ﷺ خطًا، ثم قال: هذا سبيل الله اللفظة هذه موجودة في الحديث.

قال: «خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، ثم قال: هذا سبيل الله، هذا الخط المستقيم ، قال هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه، وعن شماله، وقال: هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه لأن هذه اللفظة موجودة في الحديث، وهي هذا سبيل الله، يعني الخط المستقيم.

فدين الإسلام مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو ما جاء به النبي ﷺ من الشريعة الخاتمة، وهو ما جاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة سبيل الله، وأما السبل المتعرجة ما خالف الكتاب والسنة: من الآراء، والعقائد المنحرفة، فالواجب على الإنسان الحذر من السبل الملتوية، والاعتقادات المنحرفة، ولزوم السنة والقرآن، ولزوم دين الإسلام، فالحديث دليل على ما ترجمه المؤلف من الحض، والحث والترغيب، على لزوم دين الإسلام، ولزوم

السنة، والحذر من السبل الملتوية، والاعتقادات المنحرفة، ولزوم عقيدة أهل السنة والجماعة، فالسبل الملتوية مثل: عقيدة الأشاعرة، عقيدة المعتزلة، عقيدة القدرية، عقيدة الجهمية، عقيدة المرجئة، كل هذه من السبل المنحرفة، عقيدة الرافضة، وعقائد الصوفية المنحرفة، كل هذه من السبل الملتوية، فالواجب الحذر منها ولزوم الصراط المستقيم، وهو الكتاب والسنة، وما درج عليه أهل السنة والجماعة، والسلف الصالح، فإنهم على الصراط المستقيم.

(المتن)

ابن مهدي، قال: وحدثني منصور بن سعد، قال: سمعت الحسن يحدث عن النبي ﷺ قال: من رغب عن سنتي فليس مني.

 

(الشرح)

نعم، هذا حديث مرسل برواية الحسن البصري، والحسن البصري من أئمة التابعين، ما أدرك النبي ﷺ فيكون الحديث مرسل، وقوله ابن مهدي، يعني: بالسند السابق، السند السابق فيه قال: عن عبد الرحمن بن مهدي، هذا المراد بالإسناد السابق، فيكون الحديث هنا: حدثنا أبو الحزم، وهو ابن مسرة الحجازي، عن أبي عبد الله محمد بن وضاح، عن موسى بن معاوية الصمادحي، عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: وحدثني منصور بن سعد، قال: سمعت الحسن، هذا موصول بالسند السابق.

وعلى هذا فيكون فيه العلة السابقة، وهي عبد الله بن وضاح القرطبي، وهو متكلم فيه، وإن كان حديثه معتبر، وهو أيضًا مرسل، فالحسن ما سمع عن النبي ﷺ ومراسيل الحسن عند أهل العلم ضعيفة، بخلاف مراسيل سعيد بن المسيب، فإنها قوية؛ لأن العلماء تتبعوها ووجدوها مسندة، ومن أضعف المراسيل مراسيل الحسن البصري، فالحديث ضعيف بهذا السند؛ لأنه مرسل، وفي سنده من هو متكلم فيه.

لكن متن الحديث صحيح: من رغب عن سنتي فليس مني الحديث كما ذكر المحقق، أخرجه عبد الرزاق في المصنف، وله شواهد منها أحاديث أنس بن مالك، أخرجه البخاري، ومنها حديث عبد الله بن عمرو، أخرجه الإمام أحمد في المسند، وابن أبي عاصم في السنة، والطحاوي في مشكل الآثار، وابن خزيمة في الصحيح، ومنها حديث أبي أيوب، أخرجه السامي في تاريخ جرجان، ومنها حديث سعد بن أبي وقاص، فالحديث صحيح، متنه صحيح، لكن هذا السند مرسل ضعيف؛ لأن مراسيل الحسن ضعيفة.

لكن الحديث: من رغب عن سنتي فليس مني وهذا فيه الوعيد الشديد على من رغب عن السنة، سنة النبي ﷺ, والتحذير من ترك السنة رغبة عنها، والرغبة عن السنة قد يكون كفر وقد يكون معصية، فالذي يرغب عن سنة الرسول ﷺ منكرًا لها، جاحدًا لها هذا كافر، -والعياذ بالله- الذي يرغب عن سنة الرسول جحودًا، وإنكارًا لها هذا كافر، والذي يرغب عنها إعراضًا، هذا عاص، مرتكب للكبيرة؛ لأن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر، وصغائر.

والكبيرة اختلف العلماء في تعريفها، وأصح ما قيل في تعريف الكبيرة، كما قرره المحققون، أن الكبيرة كل ذنب وجب فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة في النار، أو اللعنة والغضب، أو قال فيه النبي ﷺ: ليس منا  كقوله «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب», «من حمل علينا السلاح فليس منا».

وهنا قال: من رغب عن سنتي فليس مني دل على أنه مرتكب لكبيرة، ووعيد شديد, فالرغبة عن السنة إما كبيرة وإما كفر، فإن كان رغب عن السنة جحودًا وإنكارًا فهو كافر، وإن رغب بعد قيام الحجة، إذا قامت عليه الحجة، وكانت السنة واضحة وأنكرها كفر، وإن تركها إعراضًا عنها فهو مرتكب لكبيرة، وعلى كل حال الحديث فيه الحض على لزوم السنة وإتباعها، والتحذير من الرغبة عنها، وهو دليل لما ترجم به المؤلف، رحمه الله من الحض على لزوم السنة، وإتباع الأئمة.

(المتن)

ابن مهدي، قال: حدثني مبارك بن فضالة، عن الحسن بن أبي الحسن، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة.

 

(الشرح)

هذا أيضًا مرسل الحسن، ومراسيل الحسن ضعيفة، فهو مرسل ضعيف، يقول ابن مهدي: يعني موصولًا بالسند السابق، فيه محمد بن وضاح، وهو متكلم فيه، وفيه مبارك بن فضالة، وهو صدوق كثير التدليس، ثم هو مرسل من مراسيل الحسن، ومراسيل الحسن ضعيفة، فهو ضعيف، ضعيف لضعف عبد الله بن محمد بن وضاح، ولضعف مبارك بن فضالة، ولضعف مراسيل الحسن، فهو مرسل ضعيف، وهو مرسل؛ لأن الحسن ما أدرك النبي ﷺ.

ولكن معنى هذا المرسل صحيح، المعنى صحيح، المرسل ضعيف في سنده كما سمعتم محمد بن وضاح ضعيف، مبارك بن فضالة ضعيف، ومرسل الحسن ضعيف، لكن المعنى صحيح، «عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في بدعة» كون الإنسان يعمل عملًا قليل ويصيب السنة، أحسن من كونه يعمل عملًا كثير في بدعة.

مثال ذلك: رجل يصلي صلاة الضحى ركعتين ويسلم، ورجل يصلي الضحى، صلاة التسابيح يطول، يسبح في الركعة الأولى 15 تسبيحة، وفي الركوع 15، وفي السجود 15 على ما جاء، والصواب أن صلاة التسابيح لم تثبت، ضعيفة، وعلى هذا تكون بدعة؛ لأن صلاة النبي ﷺ في ليله ونهاره محفوظة، صلاة التسابيح التي وردت بأنه يسبح وهو قائم 15 تسبيحة، أو 20 تسبيحة، فإذا ركع، سبح مثل ذلك، وإذا رفع، سبح مثل ذلك، وإذا سجد، سبح مثل، ذلك أحاديث صلاة التسابيح ضعيفة، حتى ولو صح السند، لو صح السند، هي ضعيفة لشذوذها، شاذة مخالفة للحديث الصحيح، فالشخص الذي يصلي صلاة التسابيح، ويُتعب نفسه، هذا عمل كثير، ولكن فيه بدعة، والشخص الذي يصلي ركعتين للضحى، هذا مصيب للسنة، «عمل قليل في سنة خيرٌ من عمل كثير في بدعة» وهذا فيه الحض على لزوم السنة، وإتباعها, ويفيد ما ترجم له المؤلف من الحض على لزوم السنة، وإتباعها.

(المتن)

حدثني أبي رحمه الله عن أبي الحسن، علي بن الحسن، عن أبي داود، أحمد بن موسى، عن يحيى بن سلام، قال: حدثني الخليل بن مرة، عن الوضين بن عطاء، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ «السنة سنتان: سنة في فريضة الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة في غير فريضة الأخذ بها فضيلة وتركها ليس بخطيئة».

(الشرح)

هذا الحديث ضعيف، إسناده ضعيف، وهو مرسل، بل إنه مقطوع، موقوف على مكحول، ما جاء عن التابعين يسمى مقطوع، وما جاء عن الصحابة يسمى مرسل، وما رفع إلى النبي ﷺ يسمى مرفوع، هذا مكحول تابعي، فيكون مقطوع، الحديث مقطوع، والموقوف ما رواه الصحابي، والمرفوع ما رفع إلى النبي ﷺ هذا مقطوع، وهو ضعيف أيضًا؛ لأن المؤلف روى عن أبيه، أبي عبد الله بن أبي زمنين، والد المؤلف.

يقول المحقق: "لم أقف على توثيقه من إمام معتبر", وفي سنده أيضًا: الخليل بن مرة الضبعي، منكر الحديث، وفي سنده أيضًا: أحمد بن موسى، مجهول، وفي سنده: يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة.

إذًا الحديث فيه علل وضعيف، ثم أيضًا هو مقطوع من قول مكحول، ليس من قول النبي ﷺ ولا من قول الصحابة، بل من قول بعض التابعين، وهو مكحول، فالحديث فيه عدة علل، فلا يصح، إسناده ضعيف وهو مقطوع، من كلام مكحول.

والمؤلف رحمه الله كما قلت لكم: يأتي بما جاء في الباب؛ لأن هذا هو الذي وجد في الباب؛ ولأنه حينما يذكر السند برئ من العهدة، هو ذكر لك السند، فابحث أنت عن الرجال، ونحن إذا بحثنا وجدنا فيه هذه العلل، والد المؤلف لم يوقف على توثيقه، وكذلك أيضًا الخليل متكلم فيه، وكذلك أيضًا أحمد بن موسى، ويحيى بن سلام، ولكن المعنى، معنى هذا المقطوع معنى صحيح؛ لأن يقول هذا الأثر: «السنة سنتان: سنة في فريضة، وسنة في غير فريضة».

يعني: ما جاء عن النبي ﷺ إما أن يكون أمرًا واجبًا، كأمر النبي ﷺ بإقامة الصلاة، هذا فرض، لكنها سنة فرض، والسنة ليست فرض كالأمر بالسواك هذه سنة مستحبة.

  • فالسنة سنتان:
  1. سنة واجبة.
  2. وسنة مستحبة.

فالسنة الواجبة: الأخذ بها هدى وتركها ضلالة، يجب على الإنسان أن يأخذ بالسنة الواجبة كقول النبي ﷺ «حفوا الشوارب وأرخوا اللحى» هذه سنة واجبة، إعفاء اللحية سنة، الأخذ بها هدى، وتركها ضلالة، فالذي يعفي لحيته طاعة لله ورسوله على هدى، والذي يحلقها على ضلالة، هذه سنة واجبة.

والسنة والمستحبة: مثل قوله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» يعني الأمر يعتبر أمر إيجاب، لكنه أمرهم أمر استحباب، فالسواك الذي يتسوك على أجر وعلى خير، له أجر وله فضيلة، وإذا تركها ليس بآثم، وليست خطيئة، إذا ترك التسوك، صلاته صحيحة، ولا إثم عليه، لأنه ترك سنة غير فريضة.

وعلى هذا صار المعنى صحيح، فالسنة سنتان: سنة واجبة في فريضة، مثل الأمر بإعفاء اللحية، هذا فرض، والأخذ بها هدى وتركها ضلالة، وسنة مستحبة الأخذ بها فضيلة، وتركها ليس بخطيئة، وليست بإثم، لكن هذا الأثر كما سمعتم ضعيف، لا يصح وهو مقطوع، ولكنه إذا كان معناه صحيح فيفيد ما ترجم له المؤلف، الحض على السنة، والتمسك بالسنة.

(المتن)

يحيى، قال: حدثني حفص بن عمر بن ثابت بن قيس، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن السلمي، عن العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «كل بدعة ضلالة».

(الشرح)

هذا الحديث إسناده ضعيف، ولكن متنه صحيح ثابت، يحيى، المراد به: يحيى بن سلام، وهو موصول بالسند السابق، السند السابق يقول المؤلف: (حدثني أبي، عن أبي الحسن، عن يحيى بن سلام) فيكون فيه ما سبق من الكلام في والد المؤلف رحمه الله.

وفي سنده أيضًا عبد الرحمن بن عمرو بن عبسة، أيضًا هذا متكلم فيه، فيكون هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ ليس مرسلًا ولا مقطوعًا، لكنه هنا حديث، إلا أنه فيه ضعف هنا, سند المؤلف فيه ضعف، ولكن الحديث صحيح.

الحديث ثابت عن العرباض بن سارية t وفي أول الحديث: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» فالحديث ثابت  فمتن الحديث ثابت، وله طرق متعددة، أخرجها جماعة من المؤلفين، أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وأخرجه الذهبي في السير، وكذلك أيضًا أخرجه ابن ماجه في السنن، والدارمي وابن أبي عاصم، واللالكائي، والآجري، والحاكم.

فالمقصود أن الحديث صحيح، الحديث متنه صحيح، لكن هذا السند فيه ضعف، فيقال الحديث سنده ضعيف ولكن الحديث صحيح، والحديث فيه التحذير من البدع، والبدعة كل محدثة في الدين تسمى بدعة، كل ما أحدث في دين الله يسمى بدعة، فالحديث فيه التحذير من البدع، والتحذير من البدع، حض على الحفاظ على لزوم السنة وإتباعها.

فيكون دليل المؤلف رحمه الله الحض على السنة وإتباع الأئمة، لأن الحديث فيه التحذير من البدع؛ لأن البدع كلها ضلالة، والبدع كل بدعة ضلالة، في أول الحديث الحض على لزوم السنة، كان الأولى بالمصنف أن يأتي بأول الحديث: «عليكم بسنتي» ليكون موافقا للترجمة، الترجمة الحض على السنة.

فكان الأولى بالمؤلف، أن يأتي بأول الحديث، ما ذكر إلا آخر الحديث: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .

فالأولى أن يأتي المصنف بأول الحديث، فالحديث فيه الحض على لزوم السنة، وفيه التحذير من البدع، والبدع جمع بدعة، وهي كل ما أحدث في دين الله، مخالفًا لشرعه.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد», وفي لفظ لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» فالحديث فيه التحذير من البدع، والحض على لزوم السنة.

(المتن)

يحيى قال: وحدثنا الحسن بن دينار، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ «ألا هل عسى رجل أن يكذبني، وهو متكئ على حشاياه، يبلغه الحديث عني فيقول: يا أيها الناس! كتاب الله، ودعونا من حديث رسول الله ﷺ».

(الشرح)

هذا مرسل الحسن، ومراسيل الحسن كما سبق مراسيل ضعيفة، والحديث أيضًا، الأثر في سنده ضعف، والحديث موصول بالسند السابق، الحديث السابق: حدثني أبي عن أبي الحسن, علي بن الحسن عن أبي داود عن أحمد بن موسى، عن يحيى بن سلام، قال: وحدثنا الحسن بن دينار، وفيه العلل السابقة من الحديث السابق، والد المؤلف رحمه الله، وكذلك أيضًا أحمد بن موسى، وفيه أيضًا الحسن بن دينار التميمي، متكلم فيه، ثم هو من مراسيل الحسن، ومراسيل الحسن ضعيفة، فيكون فيه عدة علل، كما سبق وهو من مراسيل الحسن، ومراسيل الحسن ضعيفة.

إلا أن الحديث له شواهد، يكون بها معناه صحيح، كما ذكر المحقق ذكر له شواهد من حديث أبي رافع، وله عنها طريقان، وكذلك أيضًا من حديث عبيد الله بن أبي رافع، رواه عنه أبو النضر، سالم، وعنه ثلاثة طرق: مالك، وأنس، وعبد الله بن لهيعة، وسفيان بن عيينة.

والحديث أخرجه أبو داود في السنن، وابن ماجه في السنن، والشافعي في الرسالة، واللالكائي في شرح السنة، وحسّن الحديث الشاطبي في الاعتصام، وصححه أحمد شاكر رحمه الله، الإمام أحمد شاكر رحمه الله، والألباني رحمه الله وله شواهد أيضًا عن المقداد بن معدي كرب، وعن جابر، وعن العرباض، وعن أبي هريرة وغيرهم، فيكون الحديث صحيح، الحديث صحيح بالشواهد، معناه صحيح، لكن الأثر ضعيف؛ لأنه مرسل من مراسيل الحسن، وفيه علل كما سمعتم، لكن معناه صحيح بالشواهد.

يقول هذا الأثر: «ألا هل عسى رجل أن يكذبني وهو متكئ على حشاياه» يعني فراشه واحدها حشيّة, «يبلغه الحديث عني فيقول: أيها الناس! كتاب الله»يعني خذوا بكتاب الله «ودعونا من حديث رسول الله ».

وسيذكر المؤلف رحمه الله أيضًا أحاديث في معنى هذا من الشواهد بلفظ آخر: «ألا هل عسى رجل شبعان، يتكئ على أريكته يقول ما جاء بكتاب الله، عملنا به وتركنا ما عداه» يعني ترك السنة.

فهذا الحديث فيه الذم لمن يُعرض عن السنة، ويزعم أنه يأخذ بالقرآن، هناك طائفة يسمون القرآنيين يزعمون أنهم يعملون بالقرآن، ولا يأخذون بالسنة، وهؤلاء كذبة، لأنهم لو كانوا صادقين في عملهم بالقرآن، لعملوا بالسنة؛ لأن القرآن أمر العمل بالسنة، قال الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)  [الحشر/7].

ولما جاءت امرأة إلى عبد الله بن مسعود، قالت: بلغنا أنك تلعن النامصات، والمتنمصات، وتقول: إنه في كتاب الله، وما لي لا ألعن من لعن رسول الله وفي كتاب الله؟ فقال: نعم, فقالت: قرأت ما بين اللوحين، ولم أجد لعن النامصات، والمتنمصات. فقال عبد الله بن مسعود: إن كنت قرأت، فقد وجدتيه, قالت: كيف؟ قال: أما قرأت قول الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)  [الحشر/7] فالقرآن أمر بالأخذ بالسنة، والسنة فيها لعن النامصة والمتنمصة.

فهؤلاء الذين يزعمون أنهم قرآنيون كذبة؛ لو عملوا بالقرآن لعملوا بالسنة: لأن القرآن أمر بالعمل بالسنة: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)  [الحشر/7].

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)  [التغابن/12].

هذا فيه الذم على من ترك السنة، ومن ترك السنة كما سبق قد يكون كافر، إذا جحدها كفر، وإذا تركها إعراضًا عنها، مرتكب للكبيرة.

(المتن)

وحدثني إسحاق بن إبراهيم، عن أسلم بن عبد العزيز، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، قال: أخبرني الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمر بن الأشج، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "سيأتي قوم يأخذونكم بمتشابه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله".

(الشرح)

هذا الأثر يقال له موقوف من كلام عمر، القاعدة عند أهل العلم وعند المحدثين أن ما جاء عن التابعي، يسمى مقطوع، وما جاء عن الصحابي يسمى موقوف، وما جاء عن النبي ﷺ يسمى مرفوع، فهذا موقوف من كلام عمر، ليس من كلام النبي ﷺ وإسناده منقطع أيضًا؛ لأن عمر بن الأشج لم يدرك عمر، والمنقطع ضعيف، فيكون هذا ضعيف، وإسحاق بن إبراهيم شيخ المؤلف أيضًا متكلم فيه، وشيخه أسلم كذلك أيضًا متكلم فيه، فيكون الشيخ المؤلف وشيخ شيخه، والانقطاع بين عمر بن الأشج، وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فإنه لم يسمع منه فيكون موقوفًا منقطع ضعيف.

  • ضعيف فيه ثلاثة علل:

العلة الأولى: الكلام في شيخ المؤلف إسحاق.

والعلة الثانية: الكلام في شيخ شيخه وهو أسلم.

العلة الثالثة: الانقطاع بين عمر بن الأشج وعمر بن الخطاب؛ لأن عمر بن الأشج لم يدرك عمر.

فيكون هذا موقوفٌ ضعيف، ولكن معناه صحيح: "سيأتي قوم يأخذونكم بمتشابه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن، أعلم بكتاب الله", هذا معنى صحيح، سيأتي قوم يأخذون بالمتشابه، لمرض في قلوبهم أو بسبب الجهل، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)  [آل عمران/7]

ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» فهذا الأثر يقول: "سيأتي قوم يأخذونكم بمتشابه القرآن"، والذي يأخذ بالمتشابه، إما لجهل، أو بسبب الزيغ في قلوبهم، يتركون الواضح المحكم، والمحكم هو الواضح المعنى، والمتشابه الذي فيه إشكال.

فهم يتركون الواضح المعنى، ويأخذون الذي فيه إشكال، يتعلقون بالمتشابه، لمرض في قلوبهم، أو لزيغ في قلوبهم، أو بسبب الجهل.

وهذا أمثلته كثيرة، فمثلًا: في الاعتقاد، تجد أهل البدع، الذين ينكرون علو الله على مخلوقاته، واستوائه على عرشه، يتركون هذه النصوص، وهي محكمة واضحة: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ)  [الأعراف/54] في سبعة مواضع.

(وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)  [الشورى/4].

(وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) [الأنعام/18].

(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)  [فاطر/10].

أين الله؟ قالت: في السماء, (أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ُ)  [الملك/16].

أفراد الأدلة التي تدل على علو الله على مخلوقاته، تزيد على ثلاث آلاف دليل، وهي واضحة صريحة في أن الله فوق سمواته، وأنه استوى على عرشه، ثم يأتي أهل البدع، ثم ينكرون علو الله على خلقه، ويستدلون بنصوص المعية: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)  [الحديد/4].

قالوا: إن الله مختلط بالمخلوقات، وممتزج بها، ويتركون نصن العلو الفوقية؛ لمرض في قلوبهم، يضربون النصوص بعضها ببعض.

ولو وفقوا، لعملوا بالنصوص من الجانبين، كما فعل أهل السنة، فالمعية لا توجب الاختلاط والامتزاج، والمعية في لغة العرب لا تدل على الاختلاط، ولا الامتزاج، ولا الوحدة. تقول العرب: ما زلنا نسير والقمر معنا، والقمر فوق رأسك، هذه معية المعية، معناها المصاحبة، فهؤلاء تعلقوا بنصوص المعية، وأبطلوا بها النصوص الفوقية؛ لمرض في قلوبهم.

ومثال ذلك أيضًا: دعاة السفور، الذين يدعون إلى سفور المرأة، ويقولون: المرأة

ينبغي أن تكون سافرة، ولا تتحجب, ما هو دليلكم؟ قالوا: عندنا دليل, يأخذون بالمتشابه، ويتركون النصوص المحكمة، يتركون قول الله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ)  [الأحزاب/53].

والحجاب: ما يحجب المرأة عن الرجل، قد يكون باب، وقد يكون جدار، وقد يكون غطاء، وحديث عائشة في صحيح البخاري، الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله، في قصة الإفك لما: «تأخر صفوان بن معطل السلمي، واسترجع، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون أهل رسول الله، قالت وقد غلبت عينها: فاستيقظت باسترجاع صفوان، فخمرت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب» صريح: غطيت وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب، فدل على أن المرأة قبل الحجاب، تكشف الوجه، وبعد الحجاب، صارت تستر الوجه.

هذه نصوص صريحة، حديث عائشة: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا، أسدلت إحدانا جلبابها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» يتركون هذا، يقول: عندنا الدليل، يدل على السفور، المرأة يجوز أن تكشف وجهها، ما هو؟ حديث الخثعمية، التي جاءت وسألت النبي، ﷺ وقالت: «يا رسول الله! إن أبي أدرك فضيلة الله على عباده، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبي الله ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الأخر، وهي تنظر إليه» قالوا هذا دليل على أن المرأة سافرة؛ لأن الفضل ينظر إليها، أين الدليل على أنها سافرة، قد ينظر إليها، لأنه سمع كلامها، أو بدا شيء منها، أو أعجبه قدها وطولها، ما يلزم أن تكون سافرة.

ثم أيضًا هذا الحديث متشابه، والقاعدة عند أهل العلم أن المتشابه يرد إلى المحكم، ويفسر به، ولا تضرب النصوص بعضها ببعض، فالذي يتعلق بالمتشابه، ويترك النصوص الواضحة، هذا دليل على زيغ في قلبه: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)  [آل عمران/7] ويترك المحكم.

فأمير المؤمنين عمر، هذا الأثر يقول: "سيأتي قوم يأخذون بمتشابه القرآن", لماذا؟ لمرض في قلوبهم، وزيغ في قلوبهم، أو بسبب الجهل، قال: "فخذوهم بالسنن" علموهم السنن، واحتجوا عليهم بالسنن، "فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله"، لأن السنة توضح القرآن وتفسره، وتبين المشكل منه، وتقيد المطلق، وتخصص العام، فالسنة توضح القرآن، ولهذا قال: سيأتي قوم، يأخذون بمتشابه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، هذا فيه الحض على لزوم السنة، كما ذكر المؤلف، رحمه الله.

(المتن)

ابن وهب، قال: وأخبرني رجل من أهل المدينة، عن ابن عجلان، عن صدقة بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يقول: "إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم".

(الشرح)

وهذا أيضًا أثر موقوف على عمر بن الخطاب t وهو موصول بالإسناد السابق، السند السابق يقول: حدثني إسحاق بن إبراهيم، عن أسلم بن عبد العزيز، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، قال: وأخبرنا رجل من أهل المدينة، هذا السند ضعيف كما سبق؛ لأن فيه الكلام في شيخ المؤلف، وشيخ شيخه.

  • وكذلك أيضًا فيه علتان:

العلة الأولى: الرجل المبهم، قال: وأخبرنا رجل من أهل المدينة، هذا رجل مبهم، لا يعرف حاله.

العلة الثانية:  أن صدقة بن عبد الله، صدقة لم يدرك عمر، فهو منقطع، فيكون في أربع علل، موقوف ضعيف.

لكن الأثر صحيح، له طرق عن عمر t منها عن سعيد بن المسيب عنه، وعن عمرو بن الحريث، وعن عطاء بن رباح، وعن محمد بن إبراهيم التيمي، فيكون هذا الأثر ضعيف السند، لكن المتن صحيح.

وهو يدل على أن أصحاب الرأي، (وأهل البدع هم أعداء السنن)، الذين يعملون بآرائهم، ويتركون النصوص، هم أعداء السنن, (أعيتهم السنن أن يحفظوها) عجزوا عن حفظها، (وتفلتت عليهم) التفلت: التخلص من الشيء، أرادوا أن يتخلصوا من السنن، لما عجزوا عن حفظ السنن.

(حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، عارضوا السنن بآرائهم) فالأثر يدل على أن أصحاب الرأي، وأهل الرأي: هم أعداء السنن، لأنهم لم يحفظوا السنن، ولم يسألوا عما أشكل عليهم، ولم يعتنوا بحفظ السنن، والعناية بها، فقالوا بآرائهم، وعارضوا النصوص بآرائهم، فصار أهل الآراء هم أعداء السنن.

وهذا فيه التحذير من الرأي، والبدعة، والحض على لزوم السنة، وإتباع الأئمة، كما ذكر المؤلف، فالحديث دليل للمؤلف في الحض على السنة، وإتباعها، والتحذير من البدع، والآراء المخالفة للسنة.

وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد