تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (4) من قوله : "ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق" – إلى قوله: "مع الإقامة على التوحيد"

00:00

00:00

7

المتن:

ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق ، وإنه كيفما تصرف بقراءة القارئ له وبلفظه ومحفوظاً بالصدور ، متلواً بالألسن، مكتوباً في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن.

الشرح:

قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويقولون يعني أهل السنة والجماعة ، ويقولون القرآن كلام الله غير مخلوق هذا قول أهل السنة والجماعة كلام الله غير مخلوق، كلام الله لفظه ومعناه، حروفه ومعانيه كلها منزل غير مخلوق، لأن الله تعالى تكلم بالقرآن وسمعه جبرائيل عليه السلام من الله ونزل به جبرائيل على قلب النبي ﷺ كما قال الله تعالى: نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه، حروفه ومعانيه، والله تكلم به بحرف وصوت، حرف يسمع الدليل على أنه حرف قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كن يتكون من حرفين فعل أمر ، هذا قول أهل السنة والجماعة وعقيدة أهل السنة أن القرآن كلام الله ، لفظه ومعناه حروفه ومعانيه ، وأنه كيفما تصرف فهو كلام الله.

المعنى أنه إذا قرأه القارئ فيقال القارئ قرأ كلام الله ، وإذا كتبه الكاتب فكلام الله له مقروء ، وإذا كتبه الكاتب فهو كلام الله فكلام الله له مكتوب ، وإذا سمعه السامع فهو كلام الله فهو كلام الله مسموع ، وإذا حفظه الحافظ فكلام الله محفوظ في الصدور ، وإذا تلاه القارئ فهو كلام الله متلو بالألسن ، وإذا كتبه في المصاحف فهو كلام الله مكتوب في المصاحف   كيفما تصرف إن قرأه القارئ يقال قرأ القارئ كلام الله ، إن كتبه الكاتب يقال  كتاب الله مكتوب ، إن حفظه الحافظ  يقال كلام الله محفوظ ، إن تلاه بالألسن يقال متلو بالألسن ، هذا معنى قول المؤلف وأنه كيفما تصرف بقراءة القارئ له وبلفظه ومحفوظاً في الصدور متلواً بالألسن ، مكتوباً في المصاحف غير مخلوق.

قال المؤلف : ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن ، قال: من قال لفظه يعني  قال : من قال بخلق لفظ القرآن  يريد به القرآن ، فقد قال بخلق القرآن ، يعني من قال :  لفظ القرآن مخلوق يريد به القرآن فقد قال بخلق القرآن ، والقول بخلق القرآن هو قول المعتزلة ، يقولون القرآن مخلوق وكلام الله مخلوق لفظه ومعناه ، هذا قول المعتزلة يقولون القرآن مخلوق ، وهذا كفر وضلال ، ولهذا صرح أئمة أهل السنة كالإمام أحمد وغيره والشافعي وقالوا : من قال القرآن مخلوق فهو كافر ، القرآن كلام الله وهو صفة من صفاته ، والله بذاته وأسمائه وصفاته هو الخالق ، الله خالق كل شيء وغير مخلوق ، فمن قال بخلق القرآن فقد قال : إن كلام الله وصفة من صفات الله مخلوق ، وهذا كفر وضلال والمعتزلة طوائف متعددة لهم تفصيلات في هذا ، لكن يجمعها أنهم يقولون بخلق القرآن.

وأما الأشاعرة الذين هم أقرب الطوائف إلى أهل السنة ماذا يقولون عن القرآن؟

الأشاعرة الذين هم أقرب الطوائف إلى السنة ماذا يقولون عن القرآن الذي هو كلام الله، والذي هو أحد الصفات السبع التي يثبتونها ، لكن ما أثبتوها على وجهها ، يقولون القرآن نفرق بين اللفظ والمعنى فالقرآن اسم للمعنى ، المعنى غير مخلوق واللفظ مخلوق ، الحروف والألفاظ مخلوقة والمعاني غير مخلوقة ، فهم وافقوا المعتزلة في اللفظ ، قالوا أنه مخلوق ووافقوا أهل السنة في المعنى قالوا : غير مخلوق، والأشاعرة مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء دائماً لهم يد مع المعتزلة ويد مع أهل السنة ، مثل الرؤيا والعلو أهل السنة أثبتوا علو الله على خلقه ، وأثبتوا رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ، والمعتزلة نفوا الأمرين فقالوا : إن الله لا يرى وليس فوق المخلوقات ، والأشاعرة أثبتوا الرؤيا ونفوا العلو صاروا في الرؤيا مع أهل السنة والعلو مع المعتزلة ، فقالوا، يرى لكن في غير جهة  في غير مكان ، قالوا : يرى لكن ما في جهة فوق لا تحت لا أمام لا خلف لا يمين لا شمال لا أين يرى ؟ قالوا : يرى لا في جهة فهم مذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء ، وكذلك الكلام صاروا مع أهل السنة بالقول بأن المعنى غير مخلوق ، ومع المعتزلة في أنه مخلوق ، وقالوا إن القرآن اسم للمعنى فقط ، الكلام اسم للمعنى فقط، اللفظ ليس من الكلام ، اللفظ والحروف ليس من الكلام ، الكلام خاص بالمعنى ، وقالوا أن الله تكلم بالقرآن القرآن معنىً قائم في نفس الرب لا يسمع ما سمعه جبرائيل ولا غيره ، طيب كيف طبعاً هذا؟ كيف وصل القرآن إلينا؟ إذا كان القرآن معنى وليس بألفاظ ولا حروف، قالوا القرآن الذي تتلونه الألفاظ والحروف ليس هو القرآن هذا دليل على القرآن ، دليل تأدى للقرآن سمي القرآن مجاز ، لأنه يتأدى به كلام الله ، كيف نزل به جبريل ؟ كيف جبريل فهم المعنى القائم في نفس الرب قالوا نعم : جبريل اضطره الله اضطرار ففهم المعنى القائم بنفسه ثم عبر بهذا بالقرآن ، فهذا القرآن عبارة عبر به جبريل عما في نفس الرب ، جعل الرب والعياذ بالله أبكم لا يتكلم ، نعوذ بالله الرب ما يتكلم لو تكلم بحروف وألفاظ صارت حادثة في ذاته والرب منزه عن الحدوث ، أرأيتم الشبهة، فقالوا: جبريل اضطره الله تعالى اضطراراً حتى يفهم المعنى القائم بنفسه ففهمه فلما فهمه عبر عنه بالحروف والألفاظ ، فهذا الذي تقرؤونه حروف وألفاظ عبر بها جبريل ، ليس هو القرآن ، لكن يسمى القرآن مجاز لأنه تأدي به القرآن سمى القرآن مجاز ، وقالت طائفة أخرى من المعتزلة لا  الذي عبر به محمد ليس بجبريل ، محمد هو الذي عبر بهذا القرآن بالألفاظ ، وقالت طائفة ثالثة من الأشاعرة جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ فقط لم يسمع من الله شيئاً وإنما أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ، هذا قول الأشاعرة الذين هم أقرب الطوائف إلى السنة ، وهذا من أبطل الباطل ولهذا بعض الأشاعرة ما يرى أن المصحف له احترام لأنه ليس فيه كلام الله فيه حروف وألفاظ ليست كلام الله يتأدى به كلام الله ، وإذا قالوا أنه كلام الله قالوا هذا من باب المجاز ، يسمى كلام الله مجازاً لأنه يتأدى به كلام الله ، ويقولون ويستدلون ببيت للأخطل النصراني يقول الكلام ليس اسماً للفظ ، الكلام اسم للمعنى  يستدلون بقول الأخطل النصراني .

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

الكلام في الفؤاد في القلب واللسان دليل اللفظ ،

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً

وهذا من أبطل الباطل ، والصواب الذي دلت عليه اللغة والذي أقره المحققون أن الكلام اسم للفظ والمعنى كما أن الإنسان اسم للروح والجسد ، فالإنسان اسم للروح والجسد والكلام اسم للفظ والمعنى، وقال : كلام الله لفظه ومعناه نزل به جبرائيل على محمد صلى الله عليه وسلم وسمعه منه جبرائيل ونزل به على قلب محمد نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين، تنزيل الكتاب من الله العزيز الرحيم، تنزيل من الرحمن الرحيم، والنزول يكون من الأعلى إلى أسفل ، ولهذا قال شيخ الإسلام بن تيمية في العقيدة الواسطية والقرآن كلام الله لفظه ومعناه ليس كلام الله الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف ، القرآن كلام الله لفظه ومعناه ليس كلام الحروف دون المعاني وليس المعاني دون الحروف ومسألة اللفظ هل اللفظ مخلوق أو غير مخلوق يعني لفظ القارئ حينما يقرأ القرآن.

قال الإمام أحمد رحمه الله: مقالته المشهورة :" من قال لفظ بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال لفظ بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع " وأراد بذلك الإمام أحمد سد الباب لأن بعض الناس يقول لفظ بالقرآن مخلوق ويقصد اللفظ الملفوظ فيقع في المحظور ، وهذا هو قول الجهمية  ولهذا من قال لفظ القرآن مخلوق فهو جهمي لأنه قد يراد به اللفظ الملفوظ ، ومن قال لفظ بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع ، لأنه قد يراد باللفظ غير الملفوظ فيكون هذا قول مبتدع لأنه خلاف قول أهل السنة والجماعة ، والبخاري رحمه الله في الجامع الصحيح قرر أن ألفاظ العباد في القرآن وحروفهم وأداؤهم مخلوقة لأن العبد مخلوق، وكلامه مخلوق ، فاللفظ حينما يقرأ لفظ القارئ والكلام كلام البارئ ، فكلام الله غير مخلوق ، وأما العبد فألفاظه وحروفه فهي مخلوقة، واستدل بأدلة كثيرة وبوب البخاري فقال باب قراءة المنافق والفاجر أصواتهم وقراءتهم لا تجاوز حناجرهم ، وذكر حديث الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم فأضاف أفعالهم إليهم فدل على أنه مخلوق ، وظن بعض الناس أن هناك فرق بين الإمامين ، وأن هناك خلاف بين الإمام البخاري والإمام أحمد ، وهذه شبهة حصلت لبعض الناس وتبع هذه الشبهة حسد بعض الناس حسدوا الإمام البخاري لما  أعطاه الله العلم ورفعه بالعلم فنشر صيته ، فتولد من هذين الأمرين الشبهة التي نشأت من القول المجمل في كلام الإمام أحمد والحسد الباطن فحصلت فتنة في صفوف المحدثين حتى هُجر الإمام البخاري وهجره بعض العلماء، وقالوا إن الإمام البخاري يقول : إن القرآن مخلوق ، وقال الزهري : من جاء إلى مجلس البخاري فهو على مذهبه

والصواب: أنه ليس هناك خلاف بين الإمامين كلهم الإمام البخاري والإمام أحمد كل منهما إمام لأهل السنة وإمام للهدى ، ولكن الإمام أحمد رحمه الله أراد أن يسد الباب فقال : من قال لفظ بالقرآن مخلوق فهو جهمي ، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع ، أراد أن يسد الباب نفياً وإثباتاً ، والإمام البخاري فصل وميز ، بينما ما يقوم بالرب فهو كلامه غير مخلوق ، وما يقوم العبد فهو مخلوق ، وكل منهما صواب فالإمام أحمد رحمه الله ما يقول إن ألفاظ العباد غير مخلوقة ، بل ألفاظهم مخلوقة يوافق البخاري ، ولكنه أراد سد الباب حتى لا يقع بعض الناس في القول المحظور .

المتن:

ثم قال رحمه الله تعالى: ويقولون لا خالق على الحقيقة إلا الله ، وأن أكساب العباد كلها مخلوقة لله، وأن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا حجة لمن أضله الله ولا عذر كما قال الله : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين، وقال: كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، وقال: ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، وقال: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، ومعنى نبرأها أي نخلقها بلا خلاف في اللغة ، وقال مخبراً عن أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وقال: أن لو يشاء لهدى الناس جميعاً، وقال: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك.

الشرح:

يقول المؤلف رحمه الله ويقولون: يعني أهل السنة والجماعة إنه لا خالق على الحقيقة إلا الله ، هذا هو قول المسلمين جميعاً يقولون : لا خالق إلا الله كما قال الله تعالى: الله خالق كل شيء، قال سبحانه: وخلق كل شيء فقدره تقديراً، ومن قال: إن هناك خالق مع الله أو هناك مدبر مع الله فهو كافر، أشرك لأنه أشرك بالربوبية، لكن المعتزلة والقدرية حصلت لهم شبهة في أفعال العباد فقالوا : إن أفعال العباد مخلوقة لهم وليست مخلوقة لله هذه شبهة ولولا هذه الشبهة لكفروا، هم يقولون إن الله خالق كل شيء، وهو الذي خلق العباد وخلق أفعالهم وقدرتهم، لكن هم الذين خلقوا أفعالهم ، لئلا يلزم على ذلك بزعمهم أن يخلق الرب المعاصي ويعذب عليها ، فقالوا: إن العباد خلقوا أفعالهم ولهذا قال: ويقولون لا خالق إلا الله رداً على المعتزلة، الذين يقولون أن العباد خلقوا أفعالهم، وإن أكساب العباد كلها مخلوقة لله كسبهم، كسبهم: يعني أعمالهم من الطاعات والمعاصي مخلوقة لله، خلافاً للمعتزلة الذين يقولون إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه خيراً وشراً قصد المؤلف هنا الرد على المعتزلة والقدرية، الذين يقولون إن هناك خالق مع الله وهم العباد خلقوا أفعالهم، ومن قال: إن هناك خالق مع الله كفر هذا صراحة لكن من قاله متأولاً كالمعتزلة لم يكفرهم بعض العلماء للشبهات التي حصلت لهم ، أكساب العباد يعني ما يكسبونه من خير أو شر من الطاعات والمعاصي مخلوقة لله والمعتزلة قالوا مخلوقة للعباد، العبد هو الذي يخلق الخير ، يخلق الطاعة فيستحق الثواب عليها، كما يستحق الأجير أجرته، والعبد هو الذي يخلق المعصية فيجب على الله أن يعذبه و ليس لله أن يعفو عنه، هكذا يقولون، لئلا يخلف وعيده وهذا من أبطل الباطل فأكساب العباد مخلوقة لله والله تعالى يثيب على العمل قليلاً والمعصية قد يعذب عليها وقد يعفو ، وهذا كون الإنسان يعفو هذا يدل على الكرم والله أولى بالكرم ، ولهذا يقول الشاعر :

وإني لو وعدته أو أوعدته لمنجز وعدي ومخلف إيعادي

فإذا توعد الإنسان شخص ثم عفا عنه هذا يدل على الكرم فالله تعالى أولى، ما يلزم تنفيذ الوعيد كما يقول المعتزلة، فالله تعالى قد يتوعد على صاحب الكبيرة وقد يعفو عنه، وقد يعذبه فهو تحت مشيئة الله، فيمدح الإنسان بكونه ينجز الوعد كونه ويخلف الوعيد وهذا ممدوح بكونه يتوعد شخص ليعاقبه ثم يخلف الوعيد ويعفو عنه والوعد ينجزه، والله أولى وأكرم ، وإن أكساب العباد مخلوقة لله، وإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، إن الله يهدي من يشاء برحمته وفضله، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، وهذا أيضاً فيه الرد على المعتزلة الذين يقولون إن الله لا يقدر أن يهدي ضالاً ولا أن يضل مهتدياً، العبد هو الذي يضل نفسه وهو الذي يهدي نفسه، هكذا يقولون العبد هو الذي يضل نفسه وهو الذي يهدي نفسه، ويقولون معنى قوله: يضل من يشاء ويهدي من يشاء سماه، سماه مهتدياً وسماه ضالاً، من باب التسمية، يهدي من يشاء يقولون: هو الذي يهدي نفسه بأي شيء بالطاعات التي يفعلها باختياره، يفعلها ويخلقها ويضل نفسه بالكفر والمعاصي التي يفعلها، وهذا من أبطل الباطل ، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس هناك أحد يهدي مع الله و لا يضل مع الله، ولولا الشبهة لكفروا ، وهناك من كفر المعتزلة  لهذا ، ولهذا يقولون المعتزلة ما يقولون: والله على كل شيء قدير  يقولون :" والله على ما يشاء قدير " إذا وجدت في بعض الرسائل، والله على ما يشاء قدير " فهذه من المعتزلة قصدهم من ذلك إخراج أفعال العباد، وأهل السنة يقولون: والله على كل شيء قدير، حتى أفعال العباد قدير عليها والمعتزلة يقولون لا يقدر على أفعال العباد، أفعال العباد ما يقدر عليها يخرجونها " ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن " هذا قول الرسل قاطبة والمعتزلة يخالفونهم يقولون قد يشاء الله شيئاً ولا يكون ، وقد يكون شيئاً ولا يشاؤه الله ، وهي أفعال العباد فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن ، هذا مذهب أهل السنة والجماعة ، الله على كل شيء قدير هذا مذهب أهل السنة والجماعة يهدي من يشاء ويضل من يشاء هذا مذهب أهل السنة والجماعة ،والمعتزلة يخالفون في هذه الجمل كلها ، فيقولون الله خالق كل شيء، ويقولون لا أفعال ما خلقها " يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا قالوا العبد هو الذي يهدي نفسه وهو الذي يضل نفسه، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن قالوا لا قد يشاء الله ما لا يكون، و قد يكون ما لا يشاء يهدي من يشاء ويضل من يشاء، قالوا العبد يهدي نفسه ويضل نفسه، قال المؤلف رحمه الله: ولا حجة لمن أضله الله ولا عذر لماذا؟ لأن الله تعالى أعذر إليه، أعطاه العقل والسمع والبصر والفؤاد ومكنه فلا عذر له، ولهذا من لم يكن عنده آلات وأسباب ما يكلف والعباد يفرقون أيضاً في هذا ، الله تعالى كلف المستطيع العاجز ما يكلفه الله، من فقد العقل غير مكلف مرفوع عنه القلم، وكذلك الصحيح أوجب الله أن يصلي قائماً والمريض يصلي قاعداً، وإذا عجز عن القعود صلى على جنبه وإذا عجز عن الصلاة على جنبه صلى مستلقياً، كما في حديث عمران بن حصين : صل قائماً فإن لم تستطع  فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب، زاد النسائي: فإن لم تستطع فمستلقي، وكذلك العباد أيضاً يفرقون بين القادر والعاجز، فالإنسان إذا كان عنده اثنان عاملان عنده اثنان عبدان عبد أعمى وعبد مبصر فالعبد المبصر يأمره بأن يشكل المصحف وينقطه والعبد الأعمى لا يؤمر ، لا يؤمر بتشكيله ولا تنقيطه لأنه لا يرى ولا يبصر ، فهذا يكلف بما يستطيع والله تعالى لم يكلف العباد إلا بما يستطيعون قال تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وقال: فاتقوا الله ما استطعتم، فلا عذر لمن أضله الله ولا حجة لأنه علم الحق وعرفه وتركه وعدل عنه، والدليل على أنه لا حجة له قول تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين، لكن له الحكمة البالغة في جعل الناس مؤمن وكافر هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن وقال سبحانه: كما بدأكم تعودون فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة، وقال سبحانه: ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس خلق الجنة والنار ، وخلق للجنة أهلاً وخلق للنار أهلاً ووعد كلاً منهما بملئها، وقال سبحانه: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب، ما هو هذا الكتاب ؟ اللوح المحفوظ ،من قبل أن نبرأها.

قال المؤلف: ومعنى نبرأها نخلقها بلا خلاف في اللغة، وقال مخبراً عن أهل الجنة: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، إن الله هو الهادي وهو المضل يهدي من يشاء بحكمته ويضل من يشاء بعدله أهل الجنة أخبر عنهم وقالوا : ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والله هو الذي من علينا بالهداية ، وقال سبحانه : لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ولكن اقتضت حكمته أن يهدي بعضهم وأن يخذل بعضهم ، وقال سبحانه : ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، كلهم مؤمنون ثم قال: ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، فهذه النصوص كلها تدل لما أقره أهل السنة والجماعة.

المتن:

ثم قال رحمه الله تعالى: ويقولون إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله أمضاه وقدره لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ، وإنهم فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في كل وقت .

الشرح:

ويقولون يعني أهل السنة والجماعة في عقيدتهم إن الخير والشر والحلو المر بقضاء من الله أمضاه وقدره ، لأن الله قدر كل شيء، كل شيء قدره  علمه أولاً في الأزل، علمه في الأزل، ثم كتبه باللوح المحفوظ الخير والشر والفقر والغنى والعز والذل والسعادة والشقاوة والحركات والسكون، والرطب واليابس والغنى والفقر كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ والذوات والصفات ، والأفعال كل شيء حتى العجز والكيس ، العجز والكيس كله مكتوب ، قال تعالىوكل شيء أحصيناه في إمام مبين، وهو اللوح المحفوظ ، قال سبحانه: ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، فكل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ قال تعالى: ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وقال عليه الصلاة والسلام عن الرب: وكتب في الذكر كل شيء، والذكر هو اللوح المحفوظ ، وقال عليه الصلاة والسلام : أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: يا ربي وماذا أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، وفي لفظ: فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقد سأل الصحابة النبي، قالوا: يا رسول الله ما يعمل الناس فيه هل في أمر فرغ منه؟ أ في شيء يستقبل ؟ قال : لا بل في أمر فرغ منه، قالوا: يا رسول الله ففيم العمل؟ -يعني ماذا نعمل ما الفائدة مادام كل شيء مكتوب-، فقال عليه الصلاة والسلام: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ۝ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ، فكل شيء مكتوب ، ولهذا قال المؤلف رحمه الله ويقولون: إن الخير والشر والحلو والمر بقضاء من الله أمضاه وقدره لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله، وإنهم فقراء إلى الله يعني العباد فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في كل وقت قال تعالى : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد، عقد ابن القيم رحمه الله في كتابه شفاء العليل باباً في تنزيه قضاء الله عن الشر وقال: إن الله تبارك وتعالى منزه عن نسبة الشر إليه و أن كل ما ينسب إليه فهو خير ، والشر إنما يكون شراً إذا أضيف إلى العبد ، وإذا أضيف إلى الله فلا يسمى شراً لأن الذي أضافه إلى الله الخلق والإيجاد وهو مبني على الحكمة والشر مخلوق في بعض مخلوقاته لا في خلق الله ولا في فعله ، وخلق الله وفعله وقضاء الله وقدره خير كله ، ولهذا لا ينسب الشر إلى الله قال النبي ﷺ : والشر ليس إليك، يعني الشر المحض ليس إليك الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره ، ولهذا الشر لا ينسب إلى الله ، وإنما يكون داخل في العموم كقوله تعالى: من شر ما خلق، ولهذا أخبر الله عن الجن أنهم نسبوا الخير إلى الله وأما الشر فأتوا بصيغة المجهول ، أخبر الله عن الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً فالشر أريد به المجهول والخير نسبوه إلى الله ، وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً ، الرشد أضافوه إلى الله ، والشر مجمل داخل في العموم .

المتن:

ثم قال رحمه الله تعالى: وأنه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا اعتقاد كيف فيه .

الشرح:

وإنه يعني أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا على ما صح من الخبر عن رسول الله ﷺ وهو قوله ﷺ : ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الآخر فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له وهذا الحديث متواتر ، من الأحاديث المتواترة في الصحاح والسنن والمسانيد ، وفي بعضها: ينزل ربنا في النصف الأول، وفي بعضها: ببطء في الثلث الأول، وهو من الأحاديث المتواترة: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر.

وقد ألف شيخ الإسلام رحمه الله مؤلف على هذا الحديث سماه "شرح حديث النزول" وهو سبحانه يثبت له النزول على ما يليق بجلاله وعظمته ، وأنه سبحانه ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا  نزولاً يليق بجلاله وعظمته ، وهل يخلو العرش أو لا يخلو للعلماء أقوال ثلاثة:

قيل يخلو ، وقيل لا يخلو ، وقيل بالتوقف، والقول الأول أنه لا يخلو منه العرش، وأنه ينزل وهو فوق العرش والنزول يليق بجلاله وعظمته ليس كنزول المخلوق ، فعل يفعله وهو فوق العرش الله أعلم بكيفيته ، لا نكيفه ، خلاف نزول المخلوق نزول المخلوق معروف ، أما نزول الخالق فلا يكيف ، كما قال الإمام مالك :" النزول معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " وأهل البدع أولوا النزول، منهم من قال: ينزل ربنا قال: ينزل أمره ، ينزل أمره وهذا باطل أمر الله ينزل في كل وقت ليس خاص بثلث الليل ،أمر الله في كل وقت ، ومنهم من قال : ينزل ربنا قال:  ينزل ملك، وهذا باطل كيف؟ الملك يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له، هذا من أبطل الباطل.

ونزول ربنا هذا النزول للرب ، نزول يليق بجلال الله وعظمته لا يعلمه إلا الله، وشيخ الإسلام رحمه الله ألف كتاب مجلد على هذا الحديث ، وأصله جواب عن سؤال ، وذلك أن رجلان قال أحدهما : كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا والدنيا الأماكن مختلفة ثلث الليل مختلف قد يكون ثلث الليل هنا، وإذا انتهى جاء ثلث الليل في قطر آخر، وقال قد يكون عندنا ليل ومثلاً في أمريكا وفي غيرها نهار، أو بالعكس، فكيف ينزل ، فلا يزال الرب ينزل كل ما انتهى من مكان نزل ، فقال الآخر لا تقل هكذا لا تقل كيف؟ ما نعلم الكيفية هذا بالنسبة للمخلوق ، فأيهما المصيب ؟ كتب شيخ الإسلام رحمه الله مجلد في هذا.

والصواب أن يقال إن الله تعالى ينزل ولا نعلم الكيفية ، هذا ناشئ عن التشبيه هذا الإشكال الذي قال يلزم أن يكون الرب كذا وكذا نشأ عن التكييف لما وقع في ذهنه أن نزول الرب كنزول المخلوق استشكل عليه ، ونحن نقول الله أعلم بالنزول وبكيفيته ، فأنت في أي مكان في الأرض في الكرة الأرضية إذا جاء ثلث الليل هذا وقت التنزل الآخر وقت النزول وقت فاضل ، في أي مكان في الدنيا أنت، أما كيفية النزول لا نعلمها، ولا تقول أنه يلزم كذا ويلزم كذا ويلزم كذا ، هذه ملازيم فاسدة هذه الملازيم بالنسبة للمخلوق ، ينزل الله أعلم به في أي مكان فعل يفعله بما يليق بجلاله وعظمته لا ندري عن كيفيته وهو فوق العرش ، ولهذا قال المؤلف بلا اعتقاد الكيف نثبت النزول ولا نقول كيفية كذا وكذا .

المتن:

ثم قال رحمه الله ويعتقدون جواز الرؤية من عباده المتقين لله في القيامة دون الدنيا ووجوبها لمن جعل الله ذلك ثواباً له في الآخرة ، كما قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة ۝ إلى ربها ناظرة، وقال في الكفار: كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، ولو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه كانوا جميعاً عنه محجوبين، وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله ، ولا التحديد له ولكن يرونه جل وعز بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف.

الشرح:

يقول المؤلف رحمه الله : ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة دون الدنيا ووجوبها لمن جعلها ثواباً له في الآخرة ، يعتقدون يعني أهل السنة والجماعة ، جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة ، ووجوبها لمن جعل ذلك ثواباً في الآخرة إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة هذه من الصفات التي اشتد النزاع فيها بين أهل السنة وبين أهل البدع ، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدعة ، فمن أثبتها فهو من أهل السنة صفة الرؤية رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ، وعلو الله فوق مخلوقاته وكلام الله ، هذه الصفات الثلاث من العلامات الفارقة بين أهل السنة وأهل البدعة ، فمن أثبتها فهو من أهل السنة ومن أنكرها فهو من أهل البدعة ، صفة العلو صفة الكلام صفة الرؤية ، رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة هذه أنكرها أهل البدع ، وأنكروا أن يكون الله فوق العرش وفوق المخلوقات ، أنكروا كلام الله وقالوا إن الله لا يتكلم ، أنكروا كذلك الرؤية.

ولهذا قال المؤلف : يعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله في القيامة دون الدنيا يعني أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة ولا يرونه في الدنيا ، في الدنيا لا يراه أحد ولا يمكن لأحد أن يرى الله في الدنيا ، لماذا ؟ لأن العباد لا يستطيعون أن يثبتوا لرؤية الله ولما سمع موسى كلام الله من دون واسطة طمع في رؤية الله: قال رب أرني أنظر إليك قال الله: لن تراني، يعني ما تستطيع ببشريتك الضعيفة ما تستطيع أن تثبت للرؤية وقال الله: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلى الله للجبل ، ماذا حصل للجبل ؟  تدكدك جعله دكاً انساخ ، وخر موسى صعقاً فلما أفاق موسى من الصعقة قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، أنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات ، ولا جبل إلا تدكدك ، قال بعض المفسرين إن الله تجلى للجبل بقدر الخنصر فاندك وتدكدك وانساخ ولم يثبت لرؤية الله ، ولكن في يوم القيامة ينشئ الله المؤمنين تنشئة قوية يثبتون فيها لرؤية الله ، فالرؤية رؤية الله المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة ولا شك فيها والنصوص واضحة في هذا والنصوص متواترة النصوص متواترة نصوص السنة والآيات واضحة قال تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة فأضاف النظر إلى الوجه الذي هو محل الرؤيا ، فأضاف النظر إلى الوجه ، وجوه يومئذ ناظرة ، الذي هو محله ، وأخلى الكلام من قرينة تدل على خلاف المراد فدل على أن المراد النظر بالعين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله ، واستدل المؤلف رحمه الله وقال : وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، قال ويعتقدون جواز الرؤية يعني وقوع الرؤية ، الرؤية واقعة من عباده المتقين لله في القيامة دون الدنيا ، الدنيا لا يمكن لأحد أن يرى الله والعلماء مجمعون أنه لم ير أحداً ربه في الدنيا إلا نبينا محمد ﷺ فيه خلاف، ومجمعون على أن الله لم يره أحد في الأرض.

والخلاف في رؤية نبينا ﷺ لله ، ليلة المعراج في السماء  هل رآه أو ما رآه على قولين جماهير الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، على أن النبي لم ير ربه بعين رأسه وإنما رآه بعين قلبه ، لكن سمع كلام الله من دون واسطة ، فرض عليه الصلاة خمسين صلاة ، وخفضت إلى خمس صلوات ، ولكنه لم ير الله، وقالت طائفة من العلماء رآه بعين رأسه ذهب إلى ذلك الإمام النووي والقرطبي وجماعة والقاضي عياض قالوا: إن الرسول ﷺ رأى ربه بعين رأسه ، وهذا خاص من خصوصياته ، وقال بعضهم : الرؤية لمحمد والخلة لإبراهيم والتكليم لموسى ، فموسى له التكليم وإبراهيم له الخلة ومحمد له الرؤية ، لكن هذا ليس بصحيح فنبينا ﷺ شارك إبراهيم في الخلة ، فكما إن إبراهيم خليل الله فمحمد خليل الله ، وشارك موسى في التكليم فكما أن موسى كليم الله فالرسول كلمه الله ليس بينه حجاب.

وأما الرؤية: فالصواب الذي عليه الجماهير أن النبي لم ير ربه بعين رأسه ، وإنما رآه بعين قلبه ، ويدل على ذلك حديث أبي ذر عند مسلم لما سئل هل رأيت ربك ؟ قال: نور أنى أراه، يعني النور حجاب يمنعني من رؤيته ، ويدل على ذلك أيضاً حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم يقول النبي ﷺ: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض قسطاً ويرفعه ، يرفع له عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ومحمد من خلقه داخل في العموم، فالخلق ما يستطيعون في الدنيا أن يثبتوا لرؤية الله، لو كشف الحجاب لأحترق الخلق ، لكن في يوم القيامة ينشؤون تنشئة قوية يثبتون فيها لرؤية الله.

والمؤمنون يرون ربهم في موقف القيامة أربع مرات : يرونه في المرة الأولى ثم يرونه مرة أخرى ، في صورة غير الصورة التي رأوه فيها ، فينكرون ويقولون : نعوذ بالله هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا ، فإذا أتى ربنا عرفناه، ثم يتجلى لهم في المرة الثالثة في الصورة التي يعرفونه بها فيسجدون له ، ومعهم المنافقون وذلك بعد أن يتساقط الكفرة في النار ، من كان يعبد الشمس يتبع الشمس ويتساقطون في النار مع الشمس ، ومن كان يعبد القمر يتبع القمر وهكذا ، كل أمة تتبع من كانت تعبد فيتساقطون في النار ، فتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ،لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الدنيا فكانوا معهم في الآخرة في أول الأمر فبقي المنافقون والمؤمنون والكفرة يتساقطون في النار فتجلى الله لهم  رأوه المرة الأولى ثم رأوه في الصورة غير التي رأوه ، ثم رأوه في الصورة التي يعرفون فسجدوا له ، ثم لما رفعوا رؤوسهم رأوه في المرة الرابعة ، لما رأوه في الصورة التي رأوه فيها العلامة ، قيل هل بينكم وبينه علامة قالوا : نعم كشف الساق يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، فيسجد المؤمنون ويريد المنافقون أن يسجدوا فلا يستطيعون يجعل الله ظهر الواحد منهم طبقاً واحداً ، يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون، ثم يمشون جميعاً المؤمنون والمنافقون معهم نور ثم يطفأ نور المنافقين ، فيقول المنافقون: انظرونا نقتبس من نوركم فقيل لهم ارجعوا وراءكم والتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، انفصل المنافقون الآن عن المؤمنين، لم يزالوا في خداعهم ظنوا أنهم معهم قالوا نحن معكم في الدنيا والآن معكم في الآخرة ، ظنوا أن هذا سينفعهم كونهم معهم في الدنيا ، ومكر بهم نسأل الله السلامة والعافية ، ويرونه في الجنة والنعيم ومما يدل على أن النبي ﷺ لم ير ربه ليلة المعراج أن الرؤية نعيم ، أعظم نعيم يعطاه أهل الجنة هو رؤية المؤمنين لربهم ، إذا كشف الحجاب عنهم سبحانه وتعالى ورأوه ورأوا وجهه الكريم نسوا ما هم فيه من النعيم ، فالرؤية نعيم ادخره الله لأهل الجنة.

ولهذا الصواب أن النبي ﷺ لم ير ربه ، وروي عن الإمام أحمد أن النبي رآه وروي أنه لم يره ، وروى أنه قال: رآه بفؤاده ، وروي عن ابن عباس روايتان ، أن رآه وروي عنه أنه رآه بفؤاده  وجمع العلماء المحققون بينهم وقالوا: إن ما روي عن ابن عباس الإمام أحمد أنه رآه هذا مطلق ، يحمل على المقيد رآه بفؤاده ، وما ورد عن  الصحابة أنه رآه فهذا محمول على رؤية الفؤاد ، وما روي عنه أنه لم يره محمول على رؤية البصر ، فتجتمع الآثار ولا تختلف ، وما ورد من الآثار والأدلة على أن النبي ﷺ رأى ربه محمول على أنه رآه بفؤاده ، وما ورد بأنه لم يره محمول على أنه لم يره بعين رأسه ، وبهذا تجتمع الأدلة ولا تختلف ، فالرؤية رؤية المؤمنين لربهم  جائزة في الدنيا غير واقعة ، وجائزة في الآخرة وواقعة ، جائزة عقلاً وواقعة شرعاً في الآخرة ، رؤية الله للمؤمنين جائزة أو مستحيلة ، جائزة ، ولو كانت مستحيلة لما سألها موسى ، موسى ما يسأل المستحيل ، لكن لها مانع ما يمكن تقع ، لماذا المانع ؟ عدم ثبات الناس لرؤية الله في بشريتهم الضعيفة في الدنيا، فهي جائزة عقلاً ولكنها ليست واقعة في الدنيا ، وفي الآخرة جائزة وواقعة ، ومن الأدلة على هذا أنه لا يمكن لأحد أن يرى الله في الدنيا ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا: واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، فهذا أيضاً عام ، فلا يمكن لأحد أن يرى الله ، وهذا مجمع عليه إلا ما روي عن بعض الصوفية المخرفين الذين بعضهم يزعم أنه رأى الله ، وإذا رأى خضرة قال : لعل الله في هذا تعالى الله عما يقولون ، والمؤلف يقول : ويعتقدون يعني أهل السنة والجماعة جواز الرؤية من العباد المتقين.

أما رؤية الله في موقف القيامة لغير المؤمنين ففيها ثلاثة أقوال لأهل العلم في موقف القيامة : قيل إن جميع أهل الموقف يرون الله في موقف القيامة ، ثم يحتجب عن الكفرة ، وقيل يراه المؤمنون والمنافقون ، وقيل لا يراه إلا المؤمنين ثلاثة أقوال ، والأرجح والله أعلم القول الثاني ، يراه المؤمنون والمنافقون ، يراه المنافقون كما في الحديث أنهم رأوه مع المؤمنين في موقف القيامة ، فرؤية الله جائزة عقلاً في الدنيا غير مستحيلة لكنها غير واقعة ، وجائزة عقلاً في الآخرة وواقعة شرعاً ، ويعتقدون جواز الرؤية من العباد المتقين لله ، في القيامة دون الدنيا ، وفي الجنة لا شك وجوبها لمن جعلها له ثواباً في الآخرة ، جواز الرؤية في القيامة يعني وقوعها ،كلمة جواز من المؤلف ضعيفة ، قال :ويعتقدون وقوع الرؤية ، رؤية المؤمنين ، رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة والأدلة في هذا كثيرة ، ذكر المؤلف منها ، ووجوبها لمن جعل ذلك ثواباً في الآخرة ، ومنها : وجوه يومئذ ناضر إلى ربها ناظرة، وجوه يومئذ ناضرة من النضرة والبهاء والحسن ، إلى ربها ناظرة من النظر في العين ، فأضاف النظر إلى الوجوه ، فدل على أن المراد الرؤية بالعين التي في الوجه إلى الرب جل جلاله ، وقال في الكفار : كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، وقال المؤلف فلو كان المؤمنون كلهم والكافرون كلهم لا يرونه كانوا بأجمعهم عنه محجوبين، وبهذا استدل الإمام الشافعي رحمه الله، استدل الإمام الشافعي بهذه الآية على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون قال الإمام الشافعي رحمه الله فلما أن حجب هؤلاء في السخط دل على أن المؤمنين يرونه في الرضا ، الإمام الشافعي رحمه الله استدل بهذه الآية على رؤية المؤمنين ما وجه الدلالة ؟ كلا إنهم عن ربهم يومئذ  لمحجوبون، إنهم يعني الكفرة ، والكفرة محجوبون عن الله ، فلما أن حجب هؤلاء في السخط دل على أن المؤمنين يرونه في الرضا ، ولو كان المؤمنين لا يرون ربهم لتساووا وأعدائهم في الحجب ، فلما حجب الكفار عن المؤمنين دل على أن المؤمنين يرونه كلا إنهم  عن ربهم يومئذ لمحجوبون، قال المؤلف رحمه الله: وذلك من غير اعتقاد التجسيم في الله ، ولا التحديد له ولكن يرونه بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف ، هذه الكلمة من المؤلف رحمه الله  تركها أولى " وذلك من غير اعتقاد التجسيم " هذه دخلت عليه من أهل الكلام ، يعني يرونه من غير أن يعتقدون أنه جسم كلمة الجسم ما وردت لا نفياً ولا إثباتاً، ما يقال أن الله جسم ولا يقال ليس بجسم ، لأن أهل البدع يقولون ، ينفون الصفات عن الله ويقولون لا تكون الصفات إلى للأجسام ، والله ليس بجسم,

فالمؤلف ويقول: "ذلك من غير اعتقاد التجسيم" وهذه الكلمة تركها أولى ، ما ينبغي ذكر الجسم لا نفياً ولا إثباتاً ، لأنه لم يرد كلمات محدثة ، وذلك من غير اعتقاد التجسيم في لله ولا التحديد له ، كذلك التحديد كل هذه كلمات دخيلة ينبغي تركها ، قال المؤلف : ولكن يرونه  بأعينهم على ما يشاء هو بلا كيف ، نعم إن الله لا يكيف ولكن المؤمنين يرونه رؤية حقيقية ، في الحديث يقول النبي ﷺ: إنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح: إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته،  البدر ليلة الرابعة عشر يكون واضح والمعنى أنكم ترونه رؤية واضحة كما ترون القمر رؤية واضحة ، وترونه من فوقكم كما ترون القمر من فوقكم ، وليس المراد تشبيه الله بالقمر ، لا الله لا يشبه به بل المراد تشبيه الرؤيا بالرؤيا ، وليس المراد تشبيه المرئي بالمرئي ، والمعنى أنكم ترون ربكم رؤية واضحة من فوقكم ، كما ترون القمر رؤية واضحة من فوقكم لا تضامون : يعني ما فيه مزاحمة ولا يحصل مشقة ، أنت لو إنسان في الأرض واجتمع الناس عليه يتزاحمون، كل واحد يريد أن ينظر ، لكن إذا كان فوقك تحتاج مزاحمة وإلا ما تحتاج ارفع رأسك وانظر فوقك ما فيه مزاحمة ولا تعب لكن لأسفل فيه تعب ، تزاحم القصير ما يبصر ، ما يبصر إلا الطويل مثلاً ، " إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون لا يحصل لكم ضيم ولا ضرر في رؤيته ، وأهل البدع كالمعتزلة نفوا الرؤية قالوا : ما فيه رؤية ، الرؤية لا تكون إلا للجسم ، إن الأجسام هي التي ترى والله ليس بجسم لا يرى ، ماذا تأولوا نصوص الرؤية؟

قالوا : ترون ربكم يعني تعلمون ، أولوا الرؤية بالعلم ، ترون ربكم كما ترون القمر ، قال المعتزلة  معناه: تعلمون ربكم كما تعلمون أن القمر قمر ، هذا فاسد ، والدليل على ذلك قولهم: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، يعني ألم تعلم ، فالرؤية معناها العلم ، نقول نعم تأتي الرؤية بمعنى العلم ، وتأتي بمعنى الحلم أيضاً ، الرؤية الحلم في المنام ، وتأتي بمعنى الرؤية البصرية ، والسياق هو الذي يحدد هذا ، فالمعتزلة أنكروا الرؤية وقالوا : الله لا يرى مستحيل أن يرى، لأنه لو يرى لكان جسم بزعمهم ، والله ليس بجسم ، ولهذا المؤلف دخلت عليه هذه الكلمة "وذلك من غير اعتقاد تجسم"، والأشاعرة ماذا عملوا ؟ الأشاعرة قالوا : نثبت الرؤية لكن لا نثبت الفوقية ، فقالوا : نحن الآن نقول إن الله يرى ، لكن من أين يرى ، المؤمنون قالوا : يرون ربهم من فوقهم ، في حديث جابر الذي رواه ابن ماجه وإن كان فيه بعض الضعف لكن له شواهد يقول النبي ﷺ: بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة، هذا فيه إثبات الرؤية ، وإثبات للفوقية وإثبات للكلام لله ، السلام عليكم أهل الجنة إثبات الكلام ، من فوق ، يرونه من فوقهم.

أهل السنة أثبتوا الرؤية وأثبتوا الكلام وأثبتوا الفوقية ، والمعتزلة ، أنكروا الكلام وأنكروا الرؤية وأنكروا الفوقية ، والأشاعرة أثبتوا الرؤية وأنكروا الكلام باللفظ والمعنى وأنكروا الفوقية ، صاروا مع أهل السنة في إثبات الرؤية ، وصاروا مع المعتزلة في إنكار الفوقية ، فقالوا : إن الله يرى كما يقول أهل السنة ، ولكن لا يرى من فوق ، طيب من أين يرى ؟ قالوا : ما نحدد الجهة ما فيه جهة من أين يرى من فوق قالوا : لا  ما نثبت ، طيب يرى من تحت  قالوا لا، أمام لا ، خلف لا ، يمين شمال لا ، قالوا :  يرى لا في جهة ، يرى لا في جهة ، وهذا غير متصور وغير معقول ، لأن المرئي لابد أن يكون في جهة من الرائي ، ولهذا ضحك جمهور العقلاء من قول الأشاعرة "إن الله يرى لا في جهة"، وقالوا : إن المرئي لا بد أن يكون في جهة من الرائي ، وصاروا مذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء ولهذا يسمون كالخنثى ، لا أنثى ولا ذكر ، فهم لم يقولوا بقول المعتزلة ولا بقول أهل السنة ، فصاروا مع أهل السنة في إثبات الرؤية ، ومع المعتزلة في إنكار الفوقية مثل الكلام ، صاروا مع أهل السنة في إثبات المعنى ، و صاروا مع المعتزلة في خلق اللفظ .

المتن:

قال رحمه الله تعالى: ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ومن كثرت طاعته أزيد إيماناً  ممن هو دونه بالطاعة، ويقولون إن أحداً من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين ، لو ارتكب ذنباً أو ذنوباً صغيرة أو كبيرة  مع الإقامة على التوحيد .

الشرح:

ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ويقولون يعني أهل السنة والجماعة ، إن الإيمان قول والقول نوعان ، قول القلب وهو التصديق والإقرار ، وقول اللسان وهو النطق ، وعمل ، والعمل نوعان عمل القلب وهو النية والإخلاص والصدق والمحبة وعمل بالجوارح كالصلاة والصيام ، الإيمان قول وعمل ومعرفة ، والمعرفة أيضاً في القلب هي قول القلب يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، إذا فعل الإنسان الطاعة زاد إيمانه ، وإذا فعل المعصية نقص ، ومن كثرت طاعاته زاد إيمانه أزيد إيماناً  ممن هو دونه في الطاعة هذا عقيدة أهل السنة والجماعة ، خلافاً للمرجئة ، المرجئة يقولون إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان ، الإيمان هو تصديق القلب فقط ، هذا هو مذهب المرجئة جميع طوائف المرجئة أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان ، الإيمان خاص بالقلب ، والمرجئة أربع طوائف ، الطائفة الأولى مرجئة الجهمية ، الطائفة الثانية مرجئة الكرامية ، الطائفة الثالثة مرجئة الماتوريدية والأشعرية ، الطائفة الرابعة مرجئة الفقهاء ، وكلهم الطوائف الأربع كلهم يرون أن الأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان ، الأعمال ليست من  الإيمان  والمرجئة المحضة ، وهو جهمية المرجئة وجهمية الكرامية ، الجهمية المرجئة الذين  يترأسهم الجهم بن صفوان ، يقولون : الإيمان عبارة عن معرفة القلب إذا عرف ربه بقلبه فهذا هو المؤمن ، ولو ما عمل شيئاً ، ولو ما صام ولا صلى ، ولو فعل جميع المعاصي والكبائر ، بل جميع نواقض الإسلام لا يضره ، ولا يدخل في الكفر إلا إذا جهل ربه بقلبه ، فالإيمان معرفة الرب بالقلب ، والكفر جهل الرب بالقلب ، حتى ولو قتل الأنبياء وهدم المساجد ، وامتهن المصحف ما يكفر عندهم ، إذا عرف ربه بقلبه هذا هو المؤمن عندهم ، وهذا أفسد قول وأخبث قول في تعريف الإيمان ، وشاركهم في ذلك أبو الحسين الصالحي من القدرية ، قال : الإيمان مجرد المعرفة ، وألزمه العلماء بملازيم فاسدة ، ألزموه بأن إبليس مؤمن لأنه عرف ربه بقلبه، قال رب فأنظرني مؤمن والقرآن نص على أنه كافر ، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، استكباره بالعمل لما لم يعمل  كفر ما نفعه كونه مصدق ، فرعون ، كذلك ألزموه بأن فرعون مؤمن ، لأنه يعرف ربه بقلبه ، قال الله عن موسى أنه قال : لفرعون : لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً، فرعون يقول للناس أنا ربكم الأعلى، يكون مؤمن على مذهب الجهم ، واليهود يكونون مؤمنون على مذهب الجهم، لأن الله يقول عنهم : الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وأبو طالب عم الرسول ﷺ، مؤمن لأنه يعرف أن الرسول على الحق ، وقال في قصيدته :

ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة وحذاري السبة لوجدتني بذلك المؤمنيناً

وهذه ملازيم فاسدة بل إن بعض العلماء قال إن الجهم كافر بتعريفه هو ، لأنه أجهل الناس بربه ، الجهم يتزعم هذه العقيدة الخبيثة ، عقيدة الإرجاء ويتزعم عقيدة الجبر ، ويقول إن العبد مجبور ، ويتزعم عقيدة نفي الصفات ، ويتزعم عقيدة القول بفناء الجنة والنار ، هذه العقائد الأربع الخبيثة يتزعمها الجهم ، عقيدة الإرجاء ورثها عنه المرجئة ، عقيدة الجبر ورثها عنه الجبرية ، عقيدة نفي الصفات ورثها عنه المعتزلة ، عقيدة القول بفناء الجنة والنار .الطائفة الثانية جهمية الكرامية أتباع محمد بن الكرام ، يقولون : إن الإيمان مجرد النطق باللسان ، إذا نطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان ، إذا شهد أن لا إله إلا الله بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان ، وإذا كان مكذباً  بقلبه فهو مخلد في النار ،فجمعوا بين النقيضين فقالوا : إذا نطق بلسانه فهو كامل الإيمان ، وإن كان مكذباً في قلبه خلد في النار ، فيلزم على قولهم أن المؤمن الكامل الإيمان يخلد في النار ، جمعوا بين النقيضين .

والمذهب الثالث مذهب الماتوريدية والأشعرية يقول: إن الإيمان مجرد التصديق فقط، إذا صدق بقلبه فهو مؤمن ، ولو لم يعمل ، هل هناك فرق بين التصديق والمعرفة الذي قاله الجهم ؟ ، شيخ الإسلام بن تيمية رحمة الله عليه يقول : يعسر التفريق بين التصديق المجرد و المعرفة ، ما فيه فرق تصديق مجرد ما معه شيء ، ما معه محبة تجعل في القلب حركة ، تدفعه  تحمل الإنسان على فعل الخير ، فالتصديق المجرد يصعب التفريق بينه وبين المعرفة .

مرجئة الفقهاء يرون أن الإيمان شيئان ، التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، وهم طائفة من أهل السنة ، أبو حنيفة وأصحابه هم مرجئة الفقهاء ، يقولون الإيمان شيئان ، إقرار باللسن وتصديق بالقلب ، والأعمال مطلوبة فالواجبات واجبات ، والمحرمات محرمات ، لكن لا نسميها إيمان ، ماذا تسمونها ، قالوا : نسميها بر ، نسميها هدى نسميها تقى ، لكن ما نسميها إيمان ، وأهل السنة والجماعة قالوا : نسميها بر وتقوى وهدى ، ونسميها إيمان ، فالخلاف لفظي هنا ، لكن أهل السنة تأدبوا القرآن سماه  سمى الأعمال إيمان : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ۝ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ۝ أولئك هم المؤمنون حقاً في حديث مفتي عبد القيس: آمركم بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله وحده شهادة أن لا إله الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، جعل الأعمال من الإيمان ، فالأعمال داخلة في مسمى الإيمان ، الجمهور تأدبوا مع الكتاب والسنة ، والأحناف وافقوا السنة في المعنى لكن خالفوا في اللفظ ، فأبو حنيفة وأصحابه له روايتان في الإيمان الرواية المشهورة الذي عليه الجمهور الإيمان شيئان ، إقرار باللسان وتصديق بالقلب ، والرواية الثانية  أن الإيمان مجرد التصديق كالماتوريدية ، يكفي التصديق والإقرار باللسان مطلوب لكنه ركن زائد عن الإيمان ، والذي عليه جمهور أهل السنة أن الإيمان مكون من هذه الأشياء، تصديق بالقلب،  وإقرار باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح الذي يقول أهل السنة الإيمان قول وعمل ، قالوا : قول وعمل وسنة ، وقال بعضهم : قول وعمل ونية ، هذه عبارة أهل السنة ، يقولون : الإيمان قول وعمل ، وقال آخرون الإيمان قول وعمل ونية ، وقالوا : الإيمان قول وعمل ونية وسنة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، الإيمان يزيد وينقص عند جماهير أهل السنة  ؟ والمرجئة بطوائفها الأربع  يقولون الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ، شيء واحد تصديق بالقلب ما يزيد ولا ينقص ، ولهذا دخل من دخل في هذا من الفساق ، وقال : إذا كان الإيمان لا يزيد ولا ينقص فإيماني كإيمان جبريل وميكائيل ، وإيماني كإيمان أبي بكر وعمر يأتي الفاسق السكير العربيد فيقول إيماني كامل كإيمان أبي بكر وعمر ، فإذا قلت له أبو بكر وعمر لهم أعمال عظيمة قال : مالي دعوة بالأعمال الأعمال ليست من الإيمان ، التصديق نشترك فيه وإيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد ، وهذا من أبطل الباطل ، الإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف ، ولهذا قال المؤلف : ويقولون : يعني أهل السنة والجماعة ، الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ومن كثرت طاعاته أزيد إيماناً ممن هو دونه في الطاعات ، ومرجئة الفقهاء طائفة من أهل السنة أبو حنيفة وأصحابه ، لكن خالفوا ، فقالوا: الأعمال لا تنقص  الإيمان ، لكنها مطلوبة ، لكن فتحوا باب المرجئة المحضة الجهمية  الذين قالوا إذا كانت ليست من الإيمان إذاً ليست مطلوبة ، وفتحوا باب للفساق فقالوا إذا كان العمل لا يدخل في مسمى الإيمان فإيمان الفاسق وإيمان المطيع واحد ، وهذا باطل ، وهذا من ثمرة الخلاف بين الجمهور من أهل السنة طائفة الأحناف وإن كانوا من أهل السنة ، و كذلك مسألة الاستثناء في الإيمان أنا مؤمن إن شاء الله ، فالمرجئة من جميع الطوائف يقولون :لا ما تقول أنا مؤمن إن شاء الله تشك في إيمانك ، ما تعلم أنك مصدق ، ولهذا يقولون من قال إن شاء الله شك في إيمانه ، يسمون أهل السنة الشكاك ، وأما أهل السنة يقولون إذا كان الإيمان متعدد فنعم نقول إن شاء الله لأن الإنسان لا يزكي نفسه ، ولا يلزم بأنه أدى ما عليه ، فنقول إن شاء الله بالنسبة للأعمال ، أما من قصد الشك في أصل الإيمان فهذا ممنوع ، وكذلك يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله إذا كان القصد التبرك بذكر اسم الله ، ويجوز أيضاً أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله إذا أراد عدم علمه بالعاقبة ، فهذه من ثمرة الخلاف بين جمهور أهل السنة ، والسنة وافقوا النصوص لفظاً ومعنىً ، والأحناف مرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة معنىً وخالفوهما لفظاً والمسلم يجب عليه أن يتأدب مع النصوص فيوافقها في اللفظ والمعنى .

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد