تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

الإيمان لأبي عبيد القاسم 2 من قوله: "وعلى هذا كل مخاطبة كانت لهم فيها أمر ونهي...". إلى قوله: "وكيف يكمل شيء قد استوعبه وأتي على آخره؟"

00:00

00:00

11

 (المتن)

وعلى هذا كل مخاطبة كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة، وإنما سمَّاهم بهذا الاسم بالإقرار وحده، إذ لم يكن هناك فرض غيره، فلمَّا نزلت الشرائع بعد هذا وجبت عليهم وجوب الأول سواء لا فرق بينهما؛ لأنها جميعاً من عند الله وبأمره وبإيجابه، فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يُصلَّوا إليها، وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها لم يكن ذلك مغنياً عنهم شيئاً، ولكان فيه نقض لإقرارهم؛ لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية، فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة كإجابتهم إلى الإقرار صارا جميعاً معاً هما يومئذ الإيمان، إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار.

(الشرح)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد..

 المؤلف -رحمه الله – يقرر مذهب جماهير أهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة والعلماء: أنَّ الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، وأنَّ مسمى الإيمان يشمل هذه الأمور كلها، يشمل تصديق القلب والإقرار باللسان ، وعمل القلب وعمل الجوارح ،هذا هو مسمى الإيمان عند أهل الحق من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة والعلماء، وهو الذي تدلُّ عليه النصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

ويبين المؤلف –رحمه الله-: أنه في أول الأمر لما كان المؤمنون مستضعفين في مكة وفي أول بعثة النبي ﷺ فرض الله عليهم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وفرض عليهم أن يوحدوا الله وأن يخلصوا له العبادة، ولم يُفرض شيء من الشرائع، لا الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم ولا الحج، ثم لما هاجر النَّبي ﷺ وهاجر المسلمون إلى المدينة، فرض الله الفرائض ، فرض الله الشرائع ، فرض الأذان وفرض الله الجماعة ينادى لها ، وفرض الله الزكاة ، وفرض الله الصوم ،ثم فرض الله الحج بعد ذلك ،وشرعت الحدود.

فالمسلمون قبلوا ذلك، وآمنوا بذلك، فكان هذا من الإيمان، ولما هاجر النَّبي ﷺ إلى المدينة وجه بالصلاة إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، ثم بعد ذلك حولت القبلة إلى الكعبة ، فقبل المسلمون ذلك، وصار هذا من الإيمان، فلو أن أحدهم امتنع من الصلاة إلى الكعبة بعد أن حولت ،لصار ناقضاً ، هذا الإيمان الأول، وكذلك لو أن أحداً لم يقبل الصلاة، ولم يقبل شرعية الصلاة، وشرعية الصوم، وشرعية الزكاة، وشرعية الحج، فإنَّ عدم قبوله يكون ناقضاً لإيمانه الأول ولإقراره الأول، ففي الأول كان المؤمن في مكة الموحد الذي لا يشرك بالله شيئاً، ولم تفرض الصلاة إلا قبيل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث، ولم تفرض الزكاة ولم يفرض الصوم، ليس هناك صوم في مكة ولا زكاة ولا حج ،فصار المؤمن ، الإيمان والتوحيد ، والموحد هو الذي وحد الله وآمن برسوله، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة شرعت الشرائع، فصارت من الإيمان، وخاطب الله المؤمنين بقوله: يا أيها الذين آمنوا ،كما سبق وحولت القبلة وقبل المسلمون ذلك ، وخاطبهم الله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ،شرع الوضوء ، وفي النواهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، فهذا كله داخل في مسمى الإيمان.

يقول المؤلف: (وعلى هذا كل مخاطبة كانت لهم فيها أمر أو نهي بعد الهجرة) كله داخل في مسمى الإيمان، وإنما سماهم مؤمنين (وإنما سماهم بهذا الاسم) يعني: الإيمان، (بالإقرار وحده لما لم يكن هناك فرائض) لما كانوا في مكة سماهم المؤمنين بالإقرار وحده، وهو التصديق والتوحيد والإيمان، ولم يكن هناك فروض، فلم تفرض الصلاة، ولم يفرض الصوم، ولم يفرض الحج، فلما فرضت الفرائض، وحدت الحدود، وشرعت الشرائع في المدينة، ونزلت الشرائع (وجبت عليهم وجوب الأول سواء) يعني: وجب عليهم أن يقبلوا شرع الله ودينه، يقبلوا شرعية الصلاة وشرعية الصوم، كما قبلوا في مكة الإيمان والتوحيد؛ يقول المؤلف :  (لا فرق بينهما؛ لأنهما جميعاً من عند الله بأمره وإيجابه) كما أن الله أمرهم بالإيمان وحده في مكة، أمرهم في المدينة بالصلاة والزكاة والصوم والحج، فلا فرق بينها؛ لأنها جميعاً من عند الله، وبأمره وإيجابه.

يقول المؤلف -رحمه الله -: (فلو أنهم عند تحويل القبلة إلى الكعبة أبوا أن يصلوا إليها، وتمسكوا بذلك الإيمان الذي لزمهم اسمه، والقبلة التي كانوا عليها) يعني: لو أن أحداً قال: أنا أكتفي بالإيمان الأول في مكة، ولا أقبل الشرائع التي نزلت في المدينة، وأكتفي بالتوجه إلى بيت المقدس، ولا أقبل التوجه إلى الكعبة، يقول المؤلف: (لم يكن ذلك مغنياً عنهم شيئاً، ولكان فيه نقض لإقرارهم الأول) لو قال أحد هذا لانتقض إيمانه، وانتقض تصديقه، وانتقض توحيده السابق؛ (لأن الطاعة الأولى ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية) فالطاعة الأولى وهي الإيمان في مكة فقط وحده ، والطاعة الثانية في المدينة الشرائع التي نزلت مثل والصوم والزكاة والحج والشرائع والأذان والحدود، فالطاعة الأولى وهي الإيمان في مكة ليست بأحق باسم الإيمان من الطاعة الثانية وهي الشرائع التي شرعت في المدينة (فلما أجابوا الله ورسوله إلى قبول الصلاة) يعني: في المدينة، (كإجابتهم إلى الإقرار)

ملاحظة : هناك في المقطع الصوتي كلام للشيخ شبه محذوف أو ممسوح (8:54) وفي النص المكتوب كتب هذا الكلام أدناه ، فلعله يكون

(من كلام الشيخ الممسوح بالصوت )

((يعني: الإيمان في مكة، (صارا جميعاً معاً هما يومئذ الإيمان) يعني: لما كان الإيمان في مكة هو التصديق فقط، فلما هاجر المسلمون إلى المدينة))

شرع الله الشرائع في المدينة فصار قبولها من الإيمان ، فصار الإيمان والتوحيد التي الذي قبلوه في مكة يضاف إليه الشرائع التي شرعت في المدينة، فصار جميعاً معاً هما يومئذ الإيمان، صار التوحيد والإيمان الذي في مكة والشرائع التي نزلت في المدينة كلها جميعا الإيمان لا يُفرق بينها، (إذ أضيفت الصلاة إلى الإقرار)؛ لأن الصلاة أضيفت إلى الإقرار، يعني: التصديق والإيمان.

(المتن)

والشهيد على أن الصلاة من الإيمان قول الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.

(الشرح)

لعله أراد بالشهيد: الشاهد الذي هو الدليل، فالدليل على أن الصلاة من الإيمان قول الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، ويتبين هذا بمعرفة سبب نزول هذه الآية الكريمة، فإن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة وهاجر المسلمون وجههم الله إلى بيت المقدس للصلاة ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، ثم حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فتوجه المسلمون إلى الكعبة، حتى إن أهل قباء لم يبلغهم تحويل القبلة إلا في صلاة الفجر، وقد كانت حولت القبلة في صلاة العصر، فذهب ذاهب ومرَّ على أهل قباء فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ وقد حولت القبلة إلى الكعبة، فاستداروا وهم في الصلاة إلى الكعبة، فكانوا في أول صلاتهم متجهين إلى بيت المقدس وفي آخرها متجهين إلى الكعبة، تحولوا صارت النساء مكان الرجال، الرجال مكان النساء، لأن المسجد به نساء في الخلف ، فاستداروا فصار الرجال في مكان النساء ، والنساء في مكان الرجال، وسمي هذا المسجد بمسجد القبلتين، وهذا من كمال طاعتهم لله ولرسوله، وفيه دليل على قبول خبر الواحد.

وقد مات بعض الصحابة قبل أن تحول القبلة إلى الكعبة، فقال بعض المسلمين: كيف حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس وقد حولت القبلة إلى الكعبة؟ فأنزل الله هذه الآية: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، والمراد بقوله: (إيمانكم) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً، يعني أن :المسلمين الذين توفاهم الله وهم يصلون إلى بيت المقدس لا لوم عليهم؛ لأنهم ممتثلون لأمر الله، وإيمانهم وعملهم صحيح في ذلك الوقت، وهو مشروع، فلهم إيمانهم ولهم عملهم، والله لا يضيع إيمانهم، ولا يضيع عملهم وما كان الله ليضيع إيمانكم  أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وسمى الصلاة إيمانًا وهذا من أقوى الأدلة في الرد على المرجئة الَّذين يقولون أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، الصلاة عمل ،سماها الله إيمان ، سمى الله الصلاة إيماناً وهي عمل، وما كان الله ليضيع إيمانكم  يعني صلاتكم إلى بيت المقدس وهذا من أقوى الأدلة الرد على المرجئة .

والمرجئة -كما سبق- طائفتان: مرجئة محضة، وهم الجهمية، ومرجئة الفقهاء، وهم أهل الكوفة ،وأبو حنيفة وأصحابه يرون أن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، لكن المرجئة المحضة يرون أن الأعمال ليست مطلوبة، ومرجئة الفقهاء يرون أن الأعمال مطلوبة ولكن ليست من الإيمان ، فالآية فيها رد على الطائفتين من المرجئة، وذلك أن الله تعالى سمى الصلاة إيماناً، والصلاة عمل، فدل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: والشهيد -أي: الدليل- على أن الصلاة من الإيمان هذه الآية الكريمة ، صريح بأنَّ الأعمال من الإيمان ، سمى الله الصلاة إيمانًا ، قال الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.

(المتن)

وإنما نزلت في الذين توفوا من أصحاب رسول الله ﷺ وهم على الصلاة إلى بيت المقدس، فسئل رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية.

(الشيخ) 

والحديث ثابت في صحيح البخاري.

(المتن)

فأي شاهد يلتمس على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟!.

(الشرح)

يعني: فأي دليل يُطلَب على أن الصلاة من الإيمان بعد هذه الآية؟! المعنى أن هذه الآية صريحة وواضحة في أن الأعمال من الإيمان؛ لأن الله سمى الصلاة إيماناً وهي عمل، فدل على أن الأعمال داخله في مسمى الإيمان، وهذا يرد قول المرجئة الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان.

(المتن)

فلبثوا بذلك برهة من دهرهم، فلما أن داروا إلى الصلاة مسارعة وانشرحت لها صدورهم ،أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها فقال: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، وقال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا.

(الشرح)

يقول المؤلف -رحمه الله-: لبث المسلمون بعد هجرتهم إلى المدينة برهة من دهرهم -أي: وقتاً من الزمان- البرهة : الوقت ، والدهر كذلك الزمان ،لبثوا زمانًا، وقد قبلوا الصلاة وتوجهوا إلى بيت المقدس، ثم نسخ الله توجههم إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، وقبلوا شرع الله وسارعوا إلى مرضاته، وامتثلوا أمره وانشرحت لها صدورهم، ورضيت بها نفوسهم، وبعد ذلك أنزل الله فرض الزكاة في السنة الثانية من الهجرة، فصار قبول فرض الزكاة والإيمان والتصديق بذلك من الإيمان، فأضافه الله إلى إيمانهم فصار داخلاً في مسمى الإيمان، ولهذا قال المؤلف -رحمه الله-: (أنزل الله فرض الزكاة في إيمانهم إلى ما قبلها) يعني: إلى ما قبلها من فرضية الصلاة ، يعني: ضم فرضية الزكاة إلى فرضية الصلاة في الإيمان، فأنزل الله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] قرن الله الزكاة بالصلاة، وقد قرن الله  الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة من كتابه، فهي أختها، ولهذا يقول القحطاني -رحمه الله- في نونيته: (فصلاتنا وزكاتنا أختان) وقال  في بيان وجوب الزكاة وفرضيتها مخاطباً النبي ﷺ: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة:103]، الصدقة يعني: الزكاة. تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة:103]، فهذا أمر من الله تعالى بأخذ الزكاة. تطهرهم يعني: تزكي نفوسهم، تطهرهم من أدران الشح والبخل ،فالزكاة تطهر نفس المخرج من درن الشح والبخل واللؤم، وتطهر المال وتحفظه، ولهذا قال: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا.

(المتن)

فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار، وأعطوا ذلك بالألسنة، وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة ،كان ذلك مزيلاً لما قبله، وناقضاً للإقرار والصلاة، كما كان إباء الصلاة قبل ذلك ناقضاً لما تقدم من الإقرار.

(الشرح)

يبين المؤلف -رحمه الله- في هذا: أن قبول فرضية الزكاة من الإيمان وأنه لا بد منه، وأن من لم يقبله وامتنع كان هذا ناقضاً لإيمانه الأول وتصديقه وقبوله للصلاة؛ لأن الجميع من الله ، فرضية الصلاة وفرضية الزكاة من الله، فالذي يقبل فرضية الصلاة ولا يقبل فرضية الزكاة ينتقض إيمانه،  ولهذا قال المؤلف -رحمه الله – : ((فلو أنهم ممتنعون من الزكاة )) يعني : لو أنهم امتنعوا من الزكاة بعد فرضيتها (( وأعطوا ذلك بالألسنة )) يعني :واكتفوا بالإيمان باللسان فقط ، وأقاموا الصلاة، ((وقبلوا فريضة الصلاة )) لكن امتنعوا من الزكاة ، ((كان ذلك)) يعني: امتناعهم من الزكاة ،وعدم قبولهم لها ، ((مزيلاً لما قبله من الإيمان))، يعني : ينقض ما قبله من الإيمان ،((وناقضاً للإقرار والصلاة))، يعني :أن عدم قبول فرضية الزكاة وعدم الإيمان بذلك ينقض إيمانهم السابق ، وإيمانهم وتصديقهم بالله، وإيمانهم بفرضية الصلاة، كما أن إيتاء الصلاة لو لم يقبله أحد لكان ناقضاً لما تقدمه من الإيمان، فكذلك عدم قبول الزكاة ينقض ما تقدمه من قبول الصلاة والإيمان في السابق.

الطالب :س- معنى إباء الصلاة؟

(( إباء الصلاة يعني عدم القبول, فلو أنهم ممتنعون من الزكاة عند الإقرار وأعطوه ذلك من الألسنة وأقاموا الصلاة غير أنهم ممتنعون من الزكاة كان ذلك مزيلًا لِمَا قبله وناقضًا لإقرار الصلاة كما كان إباء الصلاة )) يعني :عدم قبول الصلاة, ((كما كان إباء الصلاة )) يعني :عدم قبول الصلاة ،الإباء بمعنى: الامتناع ،((كما كان إباء الصلاة)) يعني : ممن لم يقبل فرضيتها وشرعيتها ينقض ما تقدمه من الإقرار من الإيمان, فالذي لا يقبل فرضية الصلاة ينتقض إيمانه السابق في مكة ،فكذلك الذي لا يقبل فرضية الزكاة ينتقض إيمانه بفرضية الصلاة ، وإيمانه في السابق في مكة.

(المتن)

والمُصدِّق لهذا جهاد أبي بكر الصديق رحمة الله عليه بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة كجهاد رسول الله أهل الشرك سواء، لا فرق بينهما في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها.

(الشرح)

يقول المؤلف -رحمه الله-: الدليل على أن من لم يقبل فرضية الزكاة ينتقض إيمانه ، قتال الصديق والصحابة لمانعي الزكاة مع أهل الردة بعد وفاة النبي ﷺ، فإنه الناس بعد وفاة النبي ﷺ كثير من قبائل العرب ارتدوا، وهم على أنواع: منهم من أنكر نبوة النبي ﷺ، وقال: لو كان نبياً ما مات، ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة -وهم بنو حنيفة- فقالوا: إنه شريك للنبي ﷺ، ومنهم من عبد الأصنام والأوثان، ومنهم من امتنع من أداء الزكاة فقال: لا نؤديها إلا إلى النبي ﷺ، فقاتلهم الصديق والصحابة ، وسمَّوهم كلهم مرتدين، ولم يفرقوا بينهم، فالمؤلف -رحمه الله- يقول: (المصدق -يعني الدليل- على ما ذكرته لك : من أن من امتنع من الزكاة ينتقض إيمانه بفرضية الصلاة وتوحيده: جهاد أبي بكر الصديق رحمة الله عليه بالمهاجرين والأنصار على منع العرب الزكاة، جاهدوهم وقاتلوا من منع الزكاة كما قاتلوا أهل الشرك يعني :عباد الأوثان، لأنهم أهل الردة أنواع : منهم من عبد الأصنام والأوثان ، من أنكر نبوة النبي ﷺ، ومنهم من أقرَّ بنبوة مسيلمة ومنهم من امتنع من الزكاة ، وأبو بكر الصديق والصحابة كلهم قاتلوهم سواء ، وسموهم مرتدين ، ولم يفرقوا بينهم .

فالمؤلف يرى: أن من امتنع عن الزكاة فإنه يقاتل كما يقاتل أهل الشرك سواء لا فرق بينهم ، ولهذا يقول: إن الصديق والصحابة قاتلوا مانعي الزكاة كما قاتلوا أهل الشرك، ولا فرق بينهم في سفك الدماء وسبي الذرية واغتنام المال، كلهم واعتبروهم مرتدين، فالذي عبد الأصنام، والذي أنكر نبوة النبي ﷺ، والذي أقر بنبوة مسيلمة، والذي منع الزكاة كلهم قاتلهم الصحابة واعتبروهم مشركين، وسبوا ذراريهم، وغنموا أموالهم.

وقول المؤلف: (فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها) يعني: الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ إنما كانوا ممتنعين عن أدائها لكن غير جاحدين بها، هذا ما ذهب إليه المؤلف، والصواب في المسألة: أن الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ منعوها وقاتلوا عليها ، ولما منعوها وقاتلوا عليها، صار قتالهم عليها في حكم الجاحد لها، بل هو دليل على جحودهم لها، فلما منعوها وقاتلوا عليها، دلَّ على جحودهم لها فصاروا من أهل الردَّة ، أمَّا لو منعوها ولم يقاتلوا عليها فإنها تؤخذ منهم بالقوة ويؤدبون، فالصواب في هذه المسألة: أن مانع الزكاة فيه تفصيل: من منع الزكاة إن كان جاحداً للزكاة فهو كافر مرتد؛ وإن منعها بخلًا ولكنه مقر، مقر بجوبها ومؤمن بها ،لكنه منعها بخلا وتهاونًا، فهي تأخذ منه ويؤدب ،فإن منعها وقاتل عليها صار مرتداً؛ لأن قتاله عليها يدل على جحوده لها، وهذه حال أهل الردة، فأهل الردة منعوا الزكاة وقاتلوا عليها، ولو أنهم منعوها ولم يقاتلوا عليها لأخذها منهم الصحابة وأدبوهم ولم يقاتلوهم، لكن لما منعوها وقاتلوا عليها صار قتالهم لها دليلاً على جحودهم، وهذا هو الصواب في هذه المسألة.

وظاهر كلام المؤلف -رحمه الله- قال: إنهم كانوا مانعين لها غير جاحدين، لكن الصواب: أنهم لما قاتلوا عليها صاروا جاحدين لها، فعلى هذا لو منع شخص الزكاة ، ننظر في حاله فرض إن كان جاحدا لوجوبها هذا ردَّه ، لأنه أنكر أمرًا معلوما من الدين للضرورة ، وإن كان مقراً بوجوبها لكن منعها بخلاً وتهاوناً فإنها تؤخذ منه ويعزر ويؤدب، ولا يقتل على الصحيح من أقوال أهل العلم، بخلاف الصلاة، فإن ترك الصلاة وحدها الصواب: فإنه كفر وردة أنه كفر وردة؛ لما ورد في فرضية الصلاة من النصوص التي لم ترد في غيرها، فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله والذي يحبط العمل هو: الكافر، وقال عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة فأتى بالكفر معرفاً. وقال في الحديث في النهي عن الخروج على الأمراء والولاة قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟! قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة فدلَّ على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فهم كفار ينابذون بالسيف. فالصلاة ورد في شأنها من النَّصوص ما لم يرد في غيرها، فالصواب: أن ترك الصلاة -ولو أقرَّ بوجوبها- كسلًا وتهاوناً كفر وردة، بخلاف الزكاة فإنه لا يكفر إلا إذا جحدها أو جحدها وقاتل على منعها.

(المتن)

ثم كذلك كانت شرائع الإسلام كلها، كلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقة به، ويشملها جميعاً اسم الإيمان، فيقال لأهله: مؤمنون.

(الشرح)

أي: بعد فرضية الزكاة فرضت بقية الشرائع، ففرض الأذان، وفرضت الحدود، وفرض الحج بعد ذلك، فكانت شرائع الإسلام كلها يجب على المسلم من بلغه الحكم الشرعي أن يقبله وأن يلتزم به، فكلما نزلت شريعة صارت مضافة إلى ما قبلها لاحقة بها ويشملها جميعاً اسم الإيمان، فيقال لأهله: مؤمنون، فكلها داخلة في مسمى الإيمان.

(المتن)

وهذا هو الموضع الذي غلِطَ فيه من ذهب إلى أن الإيمان بالقول لما سمعوا تسمية الله إياهم مؤمنين، أوجبوا لهم الإيمان كله بكماله.

(الشرح)

يعني: أن هذا هو الموضع الذي غَلِط فيه المرجئة، وهم الذين ذهبوا إلى أن الإيمان بالقول، هذا مذهب المرجئة ، يقولون الإيمان بالقول ، : تصديق بالقلب واقرار باللسان فقط، سبب غلطهم: أنهم سمعوا أن الله سماهم مؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، فظنوا أن كل من ناداه الله باسم الإيمان يكون إيمانه كاملاً، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178] ثم قال: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء[البقرة:178]، فجعل القاتل أخاً للمقتول، وهذه أخوة الإيمان، لكن لا يلزم من ذلك كمال الإيمان.

فالمرجئة غَلِطوا وظنَّوا أن الله لما سماهم مؤمنين في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة:178]، أنهم حصلوا على الإيمان الكامل، فظنَّوا ذلك فغَلِطوا ،وهذا من غَلِطهم وجهلهم؛ لأن القاتل ضعيف الإيمان ،ناقص الإيمان ،والزاني ناقص الإيمان ،والسارق ناقص الإيمان ،ضعيف الإيمان ، ولماذا سمُّوا مؤمنين ؟ لأن إيمانهم ناقص، فهذا منشأ غلط المرجئة، أنهم لما سمعوا الله سماهم مؤمنين وإن كانوا عصاة ظنُّوا أن إيمانهم كامل، وهذا غلط، فالإيمان الكامل إنما يوصف به من أدَّى الواجبات، وانتهى عن المحرمات، والتزم بشرع الله ودينه، أما من فرَّط  " قصَّر " في بعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات، فهذا إيمانه ناقص وإيمانه ضعيف.

(المتن)

كما غَلِطوا في تأويل حديث النبي حين سُئل عن الإيمان ما هو؟ فقال: أن تؤمن بالله وكذا وكذا.

(الشرح)

كما غلطوا يعني: المرجئة غَلِطوا في تأويل حديث جبريل المشهور في حديث جبريل ، وهو حديث عمر بن الخطاب الذي رواه الإمام مسلم في الصحيح مطولاً، ورواه البخاري عن أبي هريرة مختصراً، وذلك أن جبريل جاء إلى النبي ﷺ في صورة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد، ثم جاء إلى النبي ﷺ وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ فأخبره بأركان الإسلام الخمسة، فقال: أخبرني عن الإيمان؟ فقال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره.

فالمرجئة غلطوا ظنُّوا أن من آمن بقلبه بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، حصل له كمال الإيمان، ولو تساهل في الصلاة ولم يصل الصلاة في وقتها، ولو تساهل في أداء الزكاة، ولو فعل بعض المحرمات، ولو زنا، أو سرق، أو شرب الخمر، هذا غلط منهم ،هذا مؤمن صحيح مؤمن لكنه ناقص الإيمان، ضعيف الإيمان ، ما التزم ، قصَّر في الواجبات ، أو فعل بعض المحرمات ، فغلطوا في تأويل هذا الحديث، وظنوا أن من آمن بالأركان الستة فإيمانه كامل ولو كان مقصراً في بعض الواجبات، أو مرتكباً لبعض المحرمات.

(المتن)

وحين سأله الذي عليه رقبة مؤمنة عن عتق العجمية فأمر بعتقها وسماها مؤمنة.

(الشرح)

هذا حديث معاوية بن حكم السلمي وهو في صحيح مسلم، أن َّمعاوية بن حكم السلمي له : جارية عجمية، يعني: وليدة، رقيقة ، يعني عبدة ، وجعلها راعية لغنمه، فجاء الذئب وأخذ شاة وهو ينظر، فغضب عليها وقال: كيف تتركين الذئب يأكل الشاة؟! فصكها، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، وشدد عليه الأمر ، شدد عليه النبي ﷺ الأمر وقال: كيف تعتدي عليها؟! فقال: يا رسول الله! إني أعتقتها ، إنها حرة لوجه الله مقابل هذا الذنب ،لأنه اعتدى عليها وضربها ، قال يا رسول الله :إني أأسف كما يأسف الناس، وأغضب كما يغضب الناس، وإنها الذئب أخذ شاة فصككتها، فلما شدد عليه النبي ﷺ قال يا رسول الله! إنها حرة لوجه الله، فقال النبي: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار وقال له: ائت بها، فسألها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي ﷺ: اعتقها فإنها مؤمنة وهي أعجمية، وهذا فيه رد على أهل البدع الذين ينكرون علو الله، وأن الله فوق العرش وفوق السماوات، ويقولون: إن الله ليس فوق السماوات، حتى أهل البدع – والعياذ بالله - الذين ينكرون العلو ، يقولون: إن الله في كل مكان، وهذا كفر وضلال.

ولا يقولون أن الله في السماء ، يقولون: لو قلت: إن الله في السماء لجعلت الله في تحيز، ومحدود ، وجسم في مكان واحد وهو في الجهات كلها– أعوذ بالله _

فإذا قيل لهم: هذا الحديث في صحيح مسلم ، النبي ﷺ  شهد فيه لهذه الأعجمية بالإيمان، فسألها: أين الله؟ فقالت: في السماء، قالوا: لا، هذه الأعجمية لا تفهم، والرسول ﷺ سألها سؤالاً فاسداً يناسب عقلها، وأجابت بجواب فاسد، وأقرَّها على جواب فاسد؛ لأن هذا هو الذي تفهمه! فاتهموا الرسول ﷺ، وهذا -والعياذ بالله- من التعنت ومن الانحراف ومن الزيغ في تأويل النصوص.

فالمقصود: أن النبي ﷺ قال له: أعِتقها فإنها مؤمنة سماها مؤمنة، فهل هذا معناه أنها حصلت على كمال الإيمان أو حصلت على أصل الإيمان؟

 أنها حصلت على أصل الإيمان ، فآمنت بالله وبرسوله، فغلط المرجئة وظنُّوا أن إيمانها كامل ولو لم تعمل، هذا من غلطهم ، كما غلطوا في تأويل حديث جبريل ، وكما غلطوا في حديث الأعجمية ، وأنَّ النبي ﷺ سماها مؤمنة.

(المتن)

وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه، وإنما كان ينزل متفرقاً كنزول القرآن.

(الشرح)

يعني الأعجمية التي آمنت هذا دخلت في الإيمان، ولا بد بعد ذلك أن تقبل بالشرائع ولهذا قال المؤلف: (وإنما هذا على ما أعلمتك من دخولهم في الإيمان ومن قبولهم وتصديقهم بما نزل منه), والإيمان ينزل متفرقًا كما أنَّ القرآن ينزل؛ القرآن نزل منجمًا ،على حسب الحوادث في مدة ثلاثٍ وعشرين عامًا، وكذلك الإيمان نزل مفرقًا, وكلما نزل تشريع قبله المؤمنون وصار من الإيمان.

(المتن)

والشاهد لما نقول والدليل عليه من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسول الله .

(الشرح)

الشاهد هو : الدليل لما نقول: إنه كلما نزل تشريع صار من الإيمان، ويجب على المسلم أن يؤمن به: الدليل نصوص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.

(المتن)

فمن الكتاب قوله : وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124].

(الشرح)

هذه الآية فيها دليل على أن الإيمان يزيد؛ لقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة:124] إذا الإيمان يزيد ، يزيد في القلب، فكلما عمل الإنسان بالطاعات وانتهى عن المحرمات زاد إيمانه، وكلما نزل تشريع وعلم به وقبله زاد إيمانه، وهكذا ،والآية صريحة في هذا.

المتن

وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2].

(الشرح)

الشاهد من الآية قوله: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] فدل على أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد إذا فعل الإنسان الطاعات، وينقص إذا فعل المعاصي، ويزيد إذا قبل الأحكام الشرعية وعمل بها.

المتن

  في مواضع من القرآن مثل هذا...

(الشرح)

يعني: في أدلة أخرى تدل على هذا، مثل قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4]، وقوله: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:31] لِيَسْتَيقِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ أَمَنُوا إِيمَانَا  إلى غير ذلك من الأدلة.

(المتن)

أفلست ترى أن الله تبارك وتعالى لم ينزل عليهم الإيمان جملة كما لم ينزل القرآن جملة؟!.

(الشرح)

يعني: أن الإيمان نزل شيئاً بعد شيء، الشرائع شيئا بعد شيء كما أنَّ القرآن ينزل منجماً على حسب الحوادث.

(المتن)

فهذه الحجة من الكتاب.

(الشرح)

أي: هذه هي الأدلة من الكتاب، وستأتي الأدلة من السنة.

(المتن)

فلو كان الإيمان مكمَّلاً بذلك الإقرار ما كان للزيادة إذاً معنى، ولا لذكرها موضع.

(الشرح)

 فلو كان الإيمان مكملاً بالقلب -كما تقوله المرجئة- بمجرد الإقرار والتصديق ما كان للزيادة إذا معنى، لو كان الإيمان كاملا في القلب كما تقول المرجئة ، المرجئة يقولون: من صدق من قال: آمنت بالله ورسوله فإيمانه كامل كإيمان جبريل وميكائيل، وكإيمان أبي بكر وعمر، بل يكون إيمان أهل السماء وإيمان أهل الأرض واحداً، وإيمان السكير العربيد الذي يشرب الخمور ويقتل النفوس ويسرق الأموال مثل إيمان الصديق وعمر، ومثل إيمان جبريل وميكائيل، هكذا يقول المرجئة، فهذا مصدق وهذا مصدق، والأعمال ليست داخلة بالإيمان، الأعمال ليست من الإيمان، بل هي شيء آخر، الأعمال بر وتقوى، أما الإيمان واحد، إيمان أفسق الناس وأتقى الناس واحد، هذا باطل.

فالمؤلف رحمه الله يرد عليهم ويقول: (لو كان الإيمان مكملاً بذلك الإقرار بمجرد التصديق كما تقوله المرجئة ما كان للزيادة إذاً معنى).

فقوله تعالى: وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر:31]، وقوله: زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] ولا كان لذكرها في الآية موضع.

(المتن)

وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض ففي حديث منها أربع، وفي آخر خمس، وفي الثالث تسع، وفي الرابع أكثر من ذلك، فمن الأربع حديث ابن عباس عن النبي ﷺ: أن وفد عبد القيس قدموا عليه فقالوا: يا رسول الله! إنا هذا الحيَّ من ربيعة وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر، فلسنا نخلص إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا، فقال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: الإيمان ثم فسره لهم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم، وأنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقيِّر.

قال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي ..

(الشرح)

هذا الحديث صحيح ثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وهو حديث وفد عبد القيس، فهذا دليل من السنة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وأما الحجة من السنة والآثار المتواترة في هذا المعنى من زيادات قواعد الإيمان بعضها بعد بعض) يعني: وأما الأدلة من السنة ومن الآثار فإنها متواترة من جهة المعنى، يعني بلغت حد التواتر من جهة المعنى، فكلها متعاضدة ويقوي بعضها بعضاً وتدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن قواعد الإيمان يأتي بعضها بعد بعض، ويدل على ذلك أن في بعض الأحاديث ذكر أربع : الإيمان أربعة أشياء، وفي بعض الأحاديث ذكر الإيمان خمسة أشياء، وفي بعضها ذكر الإيمان تسعة، وفي الرابع أكثر من ذلك، بل في حديث أبي هريرة: الإيمان بضع وسبعون شعبة كلها من الإيمان، فهذا يدل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن قواعد الإيمان يأتي بعضها إلى بعض، ثم ذكر مثالاً للأربع فقال: ((فمن الأربع )) حديث ابن عباس في وفد عبد القيس، وهو حديث مشهور، وبنو عبد القيس أسلموا قديماً، وهم في المنطقة الشرقية، الآن في الأحساء، وبلدتهم جواثا، ومسجد جواثا هو ثاني جمعة أقيمت فيه ، الجمعة الأولى في مسجد النبي ﷺ، وثاني جمعة في مسجد بنو عبد القيس هو موجود الآن في الأحساء معروف مكانه الآن ،كان آثر الآن عليه، أسلموا قديماً، وبينهم وبين النبي ﷺ في مسافة للمدينة، وكانت الحروب بين العرب ،ولكنهم يتوقفون عن الحرب في الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وشهر رجب، فوفد عبد القيس آمنوا وكان بينهم وبين النبي ﷺ مسافة، فقالوا: يا رسول الله! إن هذا الحي من ربيعة يسكن في منطقة بعيدة مكان بعيد عن المدينة، ولا نستطيع أن نصل إليك، وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر يقاتلوننا، فلسنا نخلص إلا في شهر حرام، فلو وضعت الحرب أوزارها في الشهر الحرام ،في ذي القعدة أو في ذي الحجة أو في شهر محرم أو في رجب، نستطيع ذلك ،أما قبل ذلك فلا نستطيع، فمرنا -يا رسول الله- بأمر نعمل به وندعو إليه من وراءنا. يعني: أعطنا من جوامع الكلم، نعمل بها ونخبر بها من وراءنا. فقال النبي ﷺ: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، ثم قال لهم أول الأربع، آمركم بالإيمان، ثم فسر الإيمان فسره بأي شيء قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) ففسره بأربعة أشياء، فسر الإيمان بالشهادة لله تعالى بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ، هذا الأمر الأول ،الثاني وإقام الصلاة، الثالث إيتاء الزكاة، الرابع أداء الخمس.

فدل على أنَّ الإيمان متعدد وقواعد الإيمان يأتي بعضها بعد بعض، جعل الإيمان أربع وفي حديث جعله خمس ،  وقال وأما في النهي قال: أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقير وهذه أوعية كانوا ينتبذون بها الشراب، فيجعلون فيها عصيراً ، يعصرون التمر أو العنب ،ويجعلونه في هذه الأوعية، والمزفت هو المطلي بالقار والزفت، والنقير جذع النخل ينقرون وسطه، والحنتم جرار خضر تضع فيه من الطين المطبوخ الفخار مثل الطين الذي في الزير، والدبا القرع اليابس، يأخذون اللب ويبقى فيها ،هذه الأشياء الصلبة كانوا يجعلون فيها العصير من التمر، أو من الشعير، أو من الزبيب، ويضعون عليه الماء فيكون شراباً حلواً، يشربون منه اليومين والثلاثة، لكنه بعد مدة مع شدة الحر يتخمر يصير خمراً بعد ثلاثة أيام في الغالب، من شدة الحر يصير خمرا ، فيتخمر ولا يدرون عنه فيشربونه، فنهاهم النبي ﷺ وقال: لا تضعوا العصير في هذه الأشياء الصلبة ،في جذع النخل ، وفي النفير ، وفي المزفَّت ،لماذا..؟ لأنه تتخمر ولا تعلمون بها ، لكن ضعوا العصير في الأسقية من الجلد؛ لأنها إذا تخمر فيها العصير تمزقت، فعرفتم أنها خمر فتجتنبونها، أما هذه الأشياء الصلبة فإنها تتخمر ولا تعلمون عنها فتشربون الخمر.

ولهذا نهاهم ، قال أنهاكم عن أربع ،عن الدباء القرع ، والحنتم الوعاء والجرار الخضر، الوعاء المزفت ،والنقير المطلي بالقاع ،و المقير كذلك ،والنقير جذع النخل  والحنتم الجرار الخضر، هذه أشياء صلبة ، لا تضعوا فيها العصير ،أنهاكم عنه، ثم بعد ذلك لما استقرت الشريعة وعرف الناس واستقر تحريم الخمر نسخ ذلك، وقال النبي ﷺ: انتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا الخمر

(المتن)

قال أبو عبيد: حدثناه عباد بن عباد المهلبي حدثنا قال :أبو جمرة عن ابن عباس عن النبي ﷺ بذلك

(الشرح)

يعني هذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيره.

ومن الخمس حديث ابن عمر أنه سمع رسول الله يقول: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.

(الشرح)

وهذا حديث ابن عمر هذا في الصحيحين، وفيه أن النبي ﷺ سئل عن الإسلام فقال: بني الإسلام على خمس وفي حديث جبريل كذلك ذكر هذه الخمس، وبين أنها دعائم الإسلام وأركانه، وهي: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، وفسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بأربع، وفي حديث ابن عمر بخمس، فدل على أن الإيمان متعدد.

(المتن)

قال أبو عبيد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي عن حنظلة عن أبي سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر عن النبي بذلك.

ومن التسع حديث أبي هريرة ، عن النبي ﷺ أنه قال:..

(الشرح)

يعني فسَّر الإسلام بالتسع؛ بتسعة أشياء, والإسلام إذا أُطلِقَ وحده دخل فيه الإيمان, والإيمان إذا أُطلِقَ وحده دخل فيه الإسلام, فالإيمان مرة فسَّرَهُ بأربع, ومرة بخمس, ومرة بتسع, ومرة في بضع وسبعون شعبة كل هذه داخلة في مسمى الإيمان وأعمال كلها يزيد الإيمان, يزيد إذا عمِلَ بها الإنسان, وينقُص إذا ترك شيئًا من الواجبات, إذا ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات.

(المتن)

ومن التسع حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق قال أبو عبيد: صوى هي ما غلظ وارتفع من الأرض، واحدتها صوة، منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تُسلمَ على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تُسلم على القوم إذا مررت بهم، فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره.

 

(الشرح)

هذا الحديث فيه بيان أن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق، أي: علامات ودلائل تدل على الإسلام، وذكر منها أولًا: أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، وهذا هو أصل الدين، والثاني إقام الصلاة، والثالث إيتاء الزكاة، والرابع صوم رمضان، والخامس حج البيت، والسادس الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والسابع ، أن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم، وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم، قال في آخر الحديث: فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام، ومن تركهن -يعني جميعاً- فقد ولى الإسلام ظهره أي: فقد ترك الإسلام؛ لأن أولها التوحيد، والتوحيد هو أصل الدين وأساس الملة.

(المتن)

قال أبو عبيد: حدثنيه يحيى بن سعيد عن عطاء عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن أبي هريرة عن النبي .

 

(الشرح)

هذا سند الحديث ، ذكر المؤلف _ رحمه الله _ أخرجه جمع منهم الحاكم، وصححه على شرط البخاري ووافقه الذهبي.

(المتن)

فظن الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضة لاختلاف العدد منها، وهي -بحمد الله ورحمته- بعيدة عن التناقض، وإنما وجوهها ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقاً، وكلما نزلت واحدة ألحق رسول الله عددها بالإيمان، ثم كلما جدد الله له منها أخرى زادها في العدد حتى جاوز ذلك السبعين كلمة، كذلك في الحديث المثبت عنه أنه قال: الإيمان بضعة وسبعون جزءاً، أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.

 

(الشرح)

هذا توجيه من المؤلف -يرحمه الله- يقول: هذه الأحاديث التي فيها أنَّ (الإسلام) الإيمان أربع خصال وخمس وتسع ظنَّ الجاهلون بوجوه هذه الأحاديث أنها متناقضة لاختلاف العدد، وهذا من جهلهم وضلالهم، ولكنها -بحمد الله- بعيدة عن التناقض، فالرسول عليه الصلاة والسلام كلامه يصدق بعضه بعضاً، (وإنما وجوهها -يعني: تأويلها- ما أعلمتك من نزول الفرائض بالإيمان متفرقاً، فنزول الفرائض  شيئاً بعد شيء، وكلما نزلت واحدة قبلها المسلمون وعملوا بها، ثم يلحق الرسول ﷺ عددها بالإيمان، ثم كلما جدد الله له منها أخرى زادها في العدد حتى جاوز ذلك السبعين كلمة، يشير إلى الحديث ،في الحديث المثبت أنه ﷺ قال: الإيمان بضع وسبعون جزءاً وفي لفظ: الإيمان بضع وستون والحديث رواه الشيخان، فرواية البخاري: الإيمان بضع وستون جزءاً ورواية مسلم: الإيمان بضع وسبعون جزءاً وذكر أعلاها وأدناها فقال: أفضلها شهادة أن لا إله إلا الله وفي لفظ: أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.

حتى إنَّ الإمام البيهقي -رحمه الله- عدّ هذه الشعب، وألف مؤلفاً وسماه (شعب الإيمان)، وتتبع هذه الشعب من النصوص حتى أوصلها إلى تسع وسبعين شعبة؛ والبضع من ثلاث إلى تسع ،فأوصلها إلى آخر البضع؛ وألف مؤلف سماه (شعب الإيمان).

(المتن)

قال أبو عبيد حدثنا أبو أحمد الزبيري، عن سفيان بن سعيد ، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عن أبي هريرة بهذا الحديث، وإن كان زائداً في العدد فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول.

 

(الشرح)

يعني: أن هذا الحديث وإن كان زاد في العدد فأوصله إلى بضع وسبعين فلا يخالف الأحاديث التي قبله، ( فليس هو بخلاف ما قبله، وإنما تلك دعائم وأصول)، مثل أركان الإسلام الخمسة، هذه دعائم وأصول، الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فهذه أصول الإيمان، والخمسة الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، فهذه أعمدة الإسلام وأسسه التي يرتكز عليها، فهذه هي الأصول والباقي شعب، فلا منافاة، فتلك دعائم وأصول والباقي شعب.

(المتن)

وهذه فروعها زائدات في شعب الإيمان من غير تلك الدعائم، فنرى -والله أعلم- أن هذا القول آخر ما وصف به رسول الله الإيمان؛ لأن العدد إنما تناهى به، وبه كملت خصاله.

 

(الشرح)

 نَرى _والله أعلم_، (نُرى)بالضم يعني : نظن، ونَرى بالفتح يعني : نعلم ، يقول (نَرى أن هذا القول في هذا الحديث )،حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة آخر ما وصف به الرسول ﷺ الإيمان، العدد تناهى، تناهى عند بضع وسبعين شعبة، وبه كملت خصاله، والدليل على هذا أن الله أنزل بعد ذلك: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] فدل على أن عدد الشرائع والخصال تناهى وكمل في بضع وسبعين شعبة.

(المتن)

والمصدق له قول الله تبارك وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3].

قال أبو عبيد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب ، أن اليهود قالوا لـ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه -ورضي عنه-: إنكم تقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فذكر هذه الآية فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأي يوم أنزلت، أنزلت بعرفة ورسول الله واقف بعرفة.

قال سفيان: وأشك أقال يوم الجمعة أم لا.

(الشرح)

هذا حديث ثابت في الصحيحين، وهو أن اليهود قالوا لـ عمر بن الخطاب : إنكم تقرءون آية لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا يومها عيداً. فقال: أي آية؟ فقالوا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] انظر اليهود -والعياذ بالله- يعلمون الحق، ولكنهم لم يؤمنوا، عاندوا الحق، يقولون: هذه الآية التي نزلت عليكم -أيها المسلمون- آية عظيمة، لو كانت نزلت علينا -معشر اليهود- لاتخذنا يومها عيداً. فقال عمر: أي آية؟ فقالوا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] فقال عمر: أنا أعلم اليوم الزمان الذي نزلت فيه ، والمكان الذي نزلت فيه، فاليوم الذي نزلت فيه هو عيد، والمكان كذلك هو مشعر من المشاعر، فقد نزلت على النبي ﷺ يوم عرفة في حجة الوداع، واليوم يوم جمعة، فهو يوم عيد .ولهذا قال عمر إني لأعلم حيث أنزلت وأي يوم أنزلت .يعرف الزمان والمكان الذي أنزلت فيه ، الزمان : نزلت في اليوم التاسع من ذي الحجة والمكان نزلت في عرفه في حجة الوداع فهو يوم عيد ، يوم عرفه يوم عيد ويوم الجمعة يوم عيد . 

والشاهد أن الآية  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] أنها من آخر ما نزل، ونزلت قبل وفاة النبي ﷺ بثمانين يوماً أو باثنين وثمانين يوماً، فدل على أن خصال الإيمان تناهت وكملت في بضع وسبعين، هذا هو مقصود المؤلف رحمه الله.

(المتن)

قال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن حماد ،عن حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار قال: تلا ابن عباس هذه الآية وعنده يهودي، فقال اليهودي: لو أنزلت هذه الآية فينا لاتخذنا يومها عيداً. قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد يوم جمعة ويوم عرفة.

قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ،عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي قال: نزلت عليه وهو واقف بعرفة حين اضمحل الشرك وهدم منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان.

(الشرح)

وهذا مرسل؛ لأن الشعبي لم يسمع من عمر لأنه تابعي ،وهو مرسل وهو صحيح ، دلت عليه الأحاديث الصحيحة كما سبق في الحديث السابق .

حين نزلت وهو واقف بعرفة حين اضمحل الشرك وهدم منار الجاهلية، ولما حج النبي ﷺ كان قد حج قبله في السنة التاسعة أبو بكر، فجعله أميراً على الناس، وكان معه مؤذنون يؤذنون في الناس أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك.

(المتن)

فذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية.

(الشرح)

كانوا قبل ذلك ،وكانوا يحجون وهم مشركون، كانت النساء الآفاقي الذي يأتي من خارج مكة لا يطوف بثوبه الذي يأتي به، يقول: هذا ثوب عصيت الله  فيه ما يطوف فيه ،ماذا كان يعمل، كان يستعير ثوباً ، واحد من أهل مكة يقول أعطيه ثوب، فيقول: أعطني -جزاك الله خيراً- ثوباً أطوف فيه.

فإن أعطاه طاف به، وإن لم يعطه طاف وهو عريان، حتى المرأة كانت تطلب ثوباً، فإذا لم تجد نزعت ثوبها وطافت عريانة، وتضع يدها على فرجها وتقول:

اليوم يبدو كله أو بعضه وما بدا منه فلا أحله

هكذا من جهلها ،! فالنبي ﷺ أمَّر أبا بكر في السنة التاسعة جعله أميرا على الحجاج ، وأرسل معه مؤذنين يؤذنون في الناس يوم النحر بمنى أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يحج بعد العام مشرك، فالتزموا بذلك، فلما حج النبي ﷺ في السنة العاشرة انتهى الطواف بالبيت مع العري، وانتهى حج المشركين، فلم يحج مشرك ولم يطف بالبيت عريان، وهذا معنى قوله: (حين اضمحل الشرك وهدم منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان).

(المتن)

فذكر الله جل ثناؤه إكمال الدين في هذه الآية، وإنما نزلت -فيما يروى- قبل وفاة النبي بإحدى وثمانين ليلة.

(الشرح)

لأنها نزلت في اليوم التاسع من ذي الحجة، والرسول ﷺ توفي بعدها بثمانين أو بإحدى وثمانين يوماً ، توفي بأول ربيع الأول ، فإذا حسبت محرم وصفر ستين يومًا ، وعشرين من ذي الحجة هذه ثمانين ،يعني في اليوم الأول من ربيع ، على خلاف بين العلماء بوفاة النبي ﷺ ، هل هي في اليوم الأول من ربيع أو في اليوم الثاني عشر ، أوفي غيرها ، خلاف.

(المتن)

قال أبو عبيد: كذلك حدثنا حجاج عن ابن جريج، فلو كان الإيمان كاملاً بالإقرار ورسول الله بمكة في أول النبوة كما يقول هؤلاء ما كان للكمال معنى، وكيف يكمل شيئاً قد استوعبه وأتى على آخره؟!.

(الشرح)

يقول المؤلف -رحمه الله- لو كان الإيمان كاملاً بالإقرار كما تقوله المرجئة؛ المرجئة يقولون: الإيمان يكمل بمجرد الإقرار بعد التصديق بالقلب، (1:3:57) وكما كان رسول الله ﷺ بمكة في أول النبوة ، كما يقول هؤلاء عن المرجئة ، هؤلاء عائده على المرجئة ، ما كان للكمال معنى في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، فلو كان الإيمان كاملاً حينما كان الناس (1:5:7) في مكة فكيف يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ[المائدة:3] وقد كمل في مكة؟ وكيف يكمل شيء قد اُستُوعِب وأتي على آخره؟ كيف يقال كمل !والمرجئة يقولون الإيمان كامل في مكة " خلاص "الإيمان كامل ، والله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] فمتى قال هذا؟ ومتى أنزلت الآية؟ في السنة العاشرة ، في حجة الوداع بعد أن كمل الدين، وبعد أن نزلت الشرائع وفرضت الفرائض وحدت الحدود. أنزل الله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3].

والمرجئة يقولون: إن الإيمان كاملاً ، وفي القلب لما كان المؤمنون المستضعفون في مكة ،قبل أن تفرض الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج الإيمان كامل! فالمؤلف هنا يناقشهم ، ويقول: لو كان الإيمان كاملاً بالإقرار والتصديق فقط ورسول الله ﷺ بمكة في أول النبوة ما كان للكمال معنى في قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] وكيف يكمل شيء قد استوعبه وأتى على آخره في مكة؟! فدل ذلك على بطلان هذا القول.

.

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد