الأصول الستة
للإمام المجدد شيخ الإسلام: محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى.
شرح شيخنا: عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حفظه الله تعالى،كامل.
(المتن)
(قارئ المتن) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين قال الإمام المجدد شيخ الإسلام: محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم
من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب، ستة أصول بينها الله تعالى بيانا واضحا للعوام فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: نعم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، أما بعد: فهذه الرسالة التي كتبها الإمام المجدد رحمه الله تعالى، رسالة عظيمة، بين فيها ستة أصول، وهذه الأصول بينها الله في كتابه، ولكن كثيرا من الناس، لا يتدبرها، ولا يتأملها، فاستخرجها المؤلف رحمه الله تعالى، من النصوص، ورتبها، وعلق عليها، ثم قدم لها بهذه المقدمة، فقال: (من أعجب العجاب ، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب، ستة أصول، بينها الله تعالى) يعني في كتابه، ودلت عليها السنة، ( بياناً واضحاً للعوام) فضلا عن العلماء، بينها الله بيانا واضحا للعوام يفهمها العوام، فكيف بالعلماء من باب أولى، (فوق ما يظن الظانون، ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم، إلا أقل القليل. هذا من أعجب العجاب، ومن أكبر الآيات الدالة على قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن القلوب بيده، يصرفها كيف شاء، كيف أصول عظيمة واضحة بينها الله في كتابه، يعرفها العوام، فضلا عن العلماء، ثم يغلط فيها الأذكياء، والعقلاء، كثير من الأذكياء، والعقلاء يغلطون فيها، وهي واضحة للعوام، هذا من أكبر الآيات على أن الأمور بيد الله، وأنه سبحانه وتعالى ذو حكمة بالغة، وأنه يهدي من يشاء بفضله سبحانه وتعالى، ويحرم من يشاء بعدله وحكمته، وله الحكمة البالغة، نعم.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم لما صار على أكثر هذه الأمة ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين، والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين، واتباعهم.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: نعم، هذا الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، هذا هو أصل الإسلام، أصل دين الإسلام، إخلاص الدين، الدين العبادة، إخلاص العبادة لله عز وجل، والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة) العبادة هي: ما أُمر به شرعا من غير اضطراد عرفي ولا اختيار عقلي، هي الأوامر والنواهي، الأوامر يفعلها المسلم، سواء كان أمر إيجاب، كقوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ... (43) البقرة))، أو أمر استحباب كقوله صلى الله عليه وسلم: (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم (252)، وترك النواهي سواء نهي تحريم كقوله تعالى: ((وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ...(32) الإسراء )) أو نهي تنزيه كالنهي عن الحديث بعد صلاة العشاء، ((وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها)) من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه رواه البخاري في صحيحه (547) ومسلم في صحيحه (647)، فالأوامر يفعلها المسلم، والنواهي يتركها المسلم، تعبدا لله، ومحبة، وإجلالا، وخوفا، ورجاء، هذه هي العبادة، فهذه العبادة يجب على المسلم أن يخلصها لله، ومعنى إخلاصها لله، أن يريد بها وجهه، يريد بهذه العبادة وجهه، ولا يصرفها لغيره، بل يصرفها لله، ولا يصرفها لغيره، فهذا هو إخلاص الدين لله، ((أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ... (3) الزمر )) فإخلاص الدين لله، بينه الله تعالى في كتابه: ((...فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2) الزمر)) ((...مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... (29) الأعراف)) أي: مخلصين له العبادة، ومعنى الإخلاص هو أن يصرف الإنسان العبادة لله، ويريد بها وجهه، ولا يقصد وجه غيره، والشرك هو ضد ذلك، وهو أن يصرف العبادة لغير الله، الإنسان يدعو غير الله، أو يذبح لغير الله، ينذر لغير الله، أو يطوف بغير بيت الله تقربا لغير الله، أو يركع لغير الله، أو يسجد لغير الله، هذه العبادات إذا صرفها لغير الله صار شركا، وإذا خصها لله ولم يصرف شيئا منها لغيره، صار مخلصا موحدا، هذا هو أصل الدين، وأساس الملة، هذا أصل دين الإسلام، وأكثر القرآن في بيان هذا الأصل، من وجوه شتى، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة) والآيات القرآنية واضحة في هذا، كل سورة من القرآن، لا تخلو من ذلك، ((قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنا عابِدٌ مَا عَبَدْتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)الكافرون)) ((أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (3) ... الماعون)) فالآيات كلها إما في إثبات حقيقة ذات الرب، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبيان حقه سبحانه وتعالى، وأن حقه سبحانه وتعالى أن يعبد، وأن تخلص له العبادة، أو في بيان جزاء أهل التوحيد، وما أعد الله لهم من الكرامة، أو في بيان الشرك الذي هو ضد التوحيد، والتحذير منه، أو في بيان جزاء من ترك التوحيد، وما يحصل لهم في الدنيا من العقوبات، والمصائب، والنكبات، وما يحصل لهم في الآخرة من العذاب، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه، وبيان فضل أهله، وجزائهم، وفي الشرك، والنهي عنه، وجزائه، وجزاء المشركين، في الدنيا والآخرة، فالقرآن كله في التوحيد، وحقوقه، وجزائه، وفضله، وفضل أهله، وفي شأن الشرك الذي هو ضد التوحيد، والتحذير منه، وبيان عاقبة المشركين، وجزائهم، وعقوبتهم في الدنيا والآخرة، هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الدين، وأساس الملة، والذي القرآن كله من أوله إلى آخره، يبدي ويعيد فيه، بينه الله بوجوه شتى: تارة يدعو الله بالتوحيد، وتارة يبين الله فضله، وتارة يثني على أهله، وكذلك المشركون، تارة يذمهم الله، وتارة يبين عقوبتهم، وتارة يتوعدهم، فالقرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة. قال المؤلف رحمه الله: (ثم لما صار على أكثر هذه الأمة ما صار،) يعني لما انتشر فيهم الجهل، وزين لهم الشيطان، صور لهم محبة الصالحين، زين لهم الشرك في قالب محبة الصالحين، (أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين،) وأظهر لهم الشرك في صورة محبة الصالحين، فإذا أخلص الإنسان عمله لله، وابتعد عن الشرك، ودعاء غير الله، قالوا هذا يتنقص الصالحين، ومنعهم حقهم، وصار يبغضهم، هكذا، فالذي ينهى عن الشرك، والذي لا يوافق المشركين على دعوتهم غير الله ، والذبح لهم، والنذر لهم، قالوا هذا يتنقص الصالحين، ولا يحب الصالحين، بل يبغضهم، ولا يعطيهم حقهم، قصر في حقوقهم، وأظهر الشيطان لهم الشرك في صورة محبة الصالحين واتباعهم، فالذي يشرك، ويدعو الصالحين، ويذبح لهم، وينذر لهم، قالوا هذا يحب الصالحين، وهذا يتبع الصالحين، وهذا يعطي حقوق الصالحين، فإذا نهيت عن الشرك، قال هذا مبغض، إذا نهيت عن دعاء غير الله، هذا محذر الصالحين، هذا تتبع، هذا تضييع لحقوقهم، وإذا نهيت عن شرك الصالحين، أنت تتنقصهم، أنت لا تعطيهم حقوقهم، هذا هو الأصل الأول، وهذا من أعظم كما قال المؤلف رحمه الله من أكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب، كيف يخفى هذا على الأذكياء، كثير من الأذكياء، وعقلاء بني آدم سيقعون في الشرك، مع أن هذا أمر واضح في القرآن، فالقرآن من أوله إلى آخره، في بيان هذا الأصل الأول، هذا من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب، نعم.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الثاني: أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، فبين الله هذا بيانا شافيا تفهمه العوام ، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين، ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحاً ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم، والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: هذا الأصل الثاني أن الله أمر بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، في كثير من المواضع، وهذا بينه الله تعالى بيانا شافيا، يفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا، قبلنا فهلكوا، وهذا واضح في القرآن قال الله تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ... (103) آل عمران )) ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) آل عمران )) ((... وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ... (119))) ((...وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ... (19) آل عمران )) فالنصوص الكثيرة في كتاب الله فيها الأمر بالاجتماع على الحق، وفيها النهي عن التفرق والاختلاف في الدين، وهذا أمر واضح في النصوص في الآيات القرآنية، وفي السنة أيضا، ((عليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه في مستدرك الحاكم (765) بزيادة في أوله ثم بلفظ الإفراد: (( فعليك بالجماعة)). ((...عَلَيْكُمْ بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ ... )) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الترمذي (2165) طويل وهذا محل الشاهد. وكذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ((وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115))) هذا فيه الأمر بالاجتماع والنهي عن التفرق ((ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (4) الحشر)) فالنصوص كثيرة فيها الأمر بالاجتماع في الدين، والنهي عن التفرق والاختلاف، النصوص لا حصر لها، في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينها الله بيانا شافيا، تفهمه العوام، العامي إذا قرأها عرف فيها الأمر بالاجتماع، والنهي عن التفرق، يقول المؤلف رحمه الله الأصل الثاني: ( أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، فبين الله هذا بياناً شافياً تفهمه العوام ، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا،) كما قال تعالى: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) آل عمران )) ((كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ... (213)البقرة)) فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، ((لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (2) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) البينة)) فالآيات التي فيها ذم التفرق والاختلاف في الدين كثيرة، والآيات التي فيها الأمر بالاجتماع كثيرة لا حصر لها، بينها الله بيانا شافيا، تفهمه العوام، ونهانا الله أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا كأهل الكتاب، فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين، ونهاهم عن التفرق فيه، قال المؤلف: (ويزيده وضوحاً ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك،) كما سبق النصوص كثيرة من الكتاب، ومن السنة، فيه الأمر بالاجتماع في الدين، والنهي عن التفرق، قال المؤلف: (ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم، والفقه في الدين ،) عند من؟ عند كثير من الناس الجهال صار الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم، وصاروا يختلفون في أصول الدين، هذا لكل طائفة مذهب، هذا مذهب الطائفة الجهمية، افترقت عن أهل السنة، والمعتزلة افترقوا عن أهل السنة، الأشاعرة افترقوا عن أهل السنة، والرافضة افترقوا عن أهل السنة، والصوفية افترقوا عن أهل السنة، وهكذا، الفلاسفة افترقوا عن أهل السنة، فافترقوا في الأصول، وفي الفروع، وكذلك الخلاف في الفروع، فصار كثير من الناس يرون أن الافتراق هو العلم، والفقه في الدين، ويرون أن الاجتماع ليس علما ولا فقها، فلذلك افترقوا، ويرون أنهم على الحق، تفرقوا شيعا وأحزابا، (( ... كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) المؤمنون)) فالجهمية يرون أنهم على الحق، ويرون هذا هو العلم والفقه في الدين، يخالفون أهل السنة والجماعة، والمعتزلة كذلك، والأشاعرة كذلك، والصوفية كذلك، والرافضة كذلك، وكذلك التحزبات في هذا العصر، تحزبات الشباب، ما أشبه الليلة بالبارحة، التحزبات الآن التي فرقت الشباب، وضيعتهم، وضيعت عليهم العلم، وجعلتهم شيعا وأحزابا، وأوجدت بينهم العداوة والبغضاء، وأضاعت عليهم العلم، وصار كثير من الشباب في حيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولعل أن هناك أيدي دخلت بين الشباب حتى تفسدهم وتضيع عليهم هذه الصحوة المباركة، صاروا شيعا، وتفرقوا، وانشغلوا بأنفسهم عن طلب العلم، تجد هذا إخواني، وهذا تبليغي، وهذا سلفي، هذا كذا، هذا سروري، وصاروا هكذا فرقتهم، وأشغلتهم، وأضاعت أوقاتهم، ونحن دائما نقول للشباب اتركوا هذه التحزبات كونوا من أهل السنة والجماعة، إذا سئلتم قولوا نحن من أهل السنة والجماعة، إذا سألك أحدهم أنت كذا وكذا، قل أنا من أهل السنة والجماعة، أنا أتعلم العلم، أنا طالب علم، ما تقول في فلان؟ ما تقول في الطائفة الفلانية؟ ما أقول فيها ارجعوا لأهل العلم، أنا أتعلم، لا أفتي أنا، ولا أتكلم في الناس، أن أطلب العلم، لا تسألوني عن أحد، أنا من أهل السنة والجماعة، اتركوا هذه التحزبات، قيل من بعض الشباب المتوسط يقول فيه حيرة، يقول جئت لهؤلاء ماذا تقول أنت إخواني، أنت كذا، ثم يخرجون ثم يذهبون للحلقة ويخرجون، كل واحد يقول لمن معه أنت كذا، أنت تبليغي، أنت سروري، أنت كذا، أنت إخواني، وصار في حيرة ما يدري، والعياذ بالله، وحصل عند بعضهم شذوذ وانحراف، كل هذا بسبب التحزبات والتفرقات، والتفرق، اتركوا هذه التحزبات وأقبلوا على طلب العلم، وأقبلوا على طلب العلم، اتركوا الكلام، في العلماء والناس، أقبلوا على طلب العلم، احذروا هذه التفرقات، كونوا من أهل السنة والجماعة، الزموا الحق، ولا تتكلموا، أنتم تطلبون العلم، ما تتكلمون في فلان ولا فلان، ولا في الطائفة الفلانية، اقبلوا على طلب العلم، كونوا من أهل السنة والجماعة، وإذا أشغلكم أحد قولوا اذهب إلى أهل العلم، اسألهم اسألهم عن الطائفة الفلانية والطائفة الفلانية، وفلان، نحن الآن نطلب العلم، ما نفتي، ما وصلنا إلى مرتبة نحكم على الناس، نحن نطلب العلم، حتى تزول هذه التحزبات، وحتى يكون أهل الحق حزب واحد، أهل الحق حزب واحد، وأهل الباطل أحزاب متفرقة، كونوا من حزب أهل الحق، كونوا من حزب الله، ((...أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) المجادلة)) واحذروا الأحزاب المفرقة، فإنها من أحزاب الشيطان ((...أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (19) المجادلة)) فالمؤلف رحمه الله يقول: بين في هذا الأصل أن الله أمر بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق في الدين، قال: وجاءت (السنة بالعجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم، والفقه في الدين) الآن هذه التحزبات عند بعض الناس هو العلم، العلم والفقه أن تكون مع هذه الطائفة الفلانية، وتترك الطائفة الفلانية، قال: (وصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون) لأنه يخالف هواه، لا يوافق هواه، الأمر بالاجتماع في الدين، معناه أن يترك هذه التحزبات، ولا يجري نحو التحزبات، يقول أهل الحق كلهم حزب واحد، أهل الحق يقولون بالاجتماع، هذا لا يقوله إلا زنديق أو مجنون، لأنه يريد أن يترك هذه الجماعات وهذه التحزبات كلها، ويجعلها حزب واحد، وتفوت عليه كيف؟ أمور دنياه وشهواته، وأمواله وما يرد عليه من النفقات، كلها تضيع عليه، فصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون، نسأل الله السلامة والعافية نعم.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا ، فبين الله هذا بيانا شائعا كافيا بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لولاة الأمور، ولو كان عبداً حبشياً، وهذا بينه الله هذا بيانا شافيا قال الله تعالى في كتابه العظيم: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... (59) النساء)) وثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالسمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله، في الحديث «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ» جزء من حديث حذيفة رضي الله عنه في صحيح مسلم (1847). وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم (648) بلفظ: ((إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدّع الأطراف ...)). وفي صحيح مسلم(1849) «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري (7054) ). فالنصوص الكثيرة كلها جاءت في السمع والطاعة لولاة الأمور، وعدم الخروج عليهم، والسمع والطاعة إنما هي في طاعة الله، طاعة ولاة الأمور في طاعة الله، وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، لأن النصوص جاءت بذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ)). من حديث عمران رضي الله عنه في الطبراني في الكبير (381) وعند غيره. وورد بلفظ: ((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)) عند أحمد من حديث عمران رضي الله عنه (19881) وحديث ابن مسعود رضي الله عنه (3889) فيه ضعف للانقطاع بين ابن مسعود والراوي عنه، يشهد له ماقبله وما بعده، وهو ما رواه عبدالله في زوائده على مسند أبيه، من حديث علي رضي الله عنه (1095). وقال أيضا: ((لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ)) في قصة السرية التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي رضي الله عنه في البخاري (7257) ومسلم (1840). لكن ليس معنى ذلك أن يتمرد على ولاة الأمور، لا، معناه لا يطيعه في المعصية، إذا أمره بطاعة يطيعه فيها، إذا أمره أن يشرب الخمر الأمير لا يطيعه، لكن ليس معناه أن يتمرد عليه، ويؤلب الناس عليه، ولا يطيعه، بل معناه أن يطيعه في غير هذه المعصية، أما المعصية فلا يطيعه، المعاصي لا يطاع فيها أحد، الوالد إذا أمر ولده بمعصية لا يطيعه، لكن لا يتمرد على والده، يعصيه في كل شيء، لا يطاع في المعصية، والزوجة إذا أمرها زوجها بالمعصية لا تطيعه، لكن ما تتمرد على زوجها، وتكون ناشز، لا، إنما هي لا تطيعه في المعصية، والعبد إذا أمره سيده بالمعصية لا يطيعه، لكن ليس معناه أن يتمرد العبد على سيده، بل معناه أنه لا يطيعه في المعصية، فالواجب السمع والطاعة لولاة الأمور، في طاعة الله، وفي الأمور المباحة، وأما الخروج على ولاة الأمور فهو من كبائر الذنوب، كما في النصوص «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» وهذا وعيد شديد، وهو عند أهل العلم من الكبائر، وإن كان ظاهره الكفر لكن هذا عند أهل العلم من أحاديث الوعيد، ومن نصوص الوعيد، فلا يجوز الخروج على ولاة الأمور لأن الخروج على ولاة الأمور، يترتب عليه مفاسد عظيمة؛ من إراقة الدماء، واختلال الأمن، واختلال أحوال الناس المعيشية في الاقتصاد، والزراعة، والتجارة، والتعليم، وتدخل الأعداء، هذه مفاسد تترتب على هذا، ثم الخروج على ولاة الأمور، من شعار أهل البدع، الخروج على ولاة الأمور من فعل أهل البدع كالخوارج، والمعتزلة، والرافضة، الخوارج يرون أن ولي الأمر إذا فعل بعض الذنوب من الجور والظلم كفر، ووجب قتله وخلعه، وإزالته من الإمامة، وهذا باطل، وكذلك المعتزلة، يرون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، يعني أصل من أصولهم، المعتزلة عندهم خمسة أصول أصول دينية، استبدلوا أصول الدين عند أهل السنة التي هي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، استبدلوها بأصول أخرى، وهي التوحيد، وذكروا تحته نفي الصفات، والقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة، والعدل ذكروا تحته التكذيب بالقدر، والمنزلة بين المنزلتين قالوا إن العاصي صاحب الكبيرة خرج من الملة، ولم يدخل في الكفر، وإنفاذ الوعيد هذا الأصل الرابع، ذكروا تحته القول بخلود العصاة في النار، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذكروا تحته الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، فالمعتزلة يرون الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، هذا أصل من أصولهم، والرافضة كذلك يرون الخروج على ولاة الأمور لأنهم يرون أن الإمامة لا تكون إلا للإمام المعصوم، يرون أن الأئمة المعصون هم اثنى عشر، فولي الأمر إن لم يكن من الإثني عشر، فيجب قتله وخلعه، وليس له إمامة، فتبين بهذا أن الخروج على ولاة الأمور، من عقيدة أهل البدع كالخوارج والمعتزلة والروافض، وأما أهل الحق وأهل السنة، فإنهم من عقيدتهم السمع والطاعة لولاة الأمور، وعدم الخروج عليهم، وهذا يذكره أهل العلم في كل مؤلفاتهم، كل من ألف في العقائد، الطحاوية قال: (ولا نخرج على ولاة أمورنا، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة، ولهم السمع والطاعة) وكذلك غيرهم كل من ألف من أهل السنة كالبربهاري وغيره، كل من ألف في العقائد يبينون أن من عقيدة أهل السنة والجماعة، السمع والطاعة لولاة الأمور في طاعة الله، وعدم الخروج عليهم، ولهذا قال المؤلف: الأصل الثالث: (أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً) وذلك أن الولاية والخلافة تثبت لولي الأمر بواحد من عدة أمور:
الأمر الأول: الانتخاب والاختيار من أهل الحل والعقد، كما ثبتت الخلافة لأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالاختيار والانتخاب، وكذلك ثبتت الخلافة لأمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بالاختيار والانتخاب، اختيار وانتخاب أهل الحل والعقد. وكذلك ثبتت الخلافة لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه باختيار أكثر أهل الحل والعقد، فثبتت له البيعة، وليس المراد بالاختيار كما يفعله الناس في الدول الكافرة وغيرها فالانتخابات يسمونها انتخابات ينتخب كل واحد بالأصوات كل واحد يصوت، حتى لو كان عبدا أو امرأة أو مجنون، كلهم يصوتون، لا الاختيار والانتخاب يكون من أهل الحل والعقد، الأعيان والوجهاء ورؤساء القبائل، والباقي تبع لهم.
الأمر الثاني: أن تثبت بولاية العهد من الخليفة السابق كما ثبتت الخلافة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بولاية العهد من أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
الأمر الثالث: تثبت الخلافة بالقوة والغلبة، إذا غلب الناس بقوته وشدة سلطانه ثبتت له الخلافة، ثبتت له الولاية، ولا يجوز الخروج عليه، وإذا غلب الناس بقوته وشدة سلطانه واستتب له الأمر، واجتمع الناس عليه، ثبتت له الخلافة، والولاية فلا يجوز الخروج عليه، فإن دعا أحد ينازعه بعد ذلك فإنه يقتل، كما في الحديث: ((إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ، فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا)) (( (الْآخَرَ صوابه الْآخِرَ بكسر الخاء أي الآتي أخيرا أفاده الشيخ العصيمي في تصويباته على الطبعة السلطانية لصحيح مسلم) ( من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في مسلم (1853). ((فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ)) من حديث عرفجة بن شريح الأسلمي رضي الله عنه عند أحمد (18999). ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في البخاري (7142). لو كان الاختيار والانتخاب للمسلمين ما يختاروا العبد الحبشي يختاروه من قريش ((الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ ... )) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في مسند أحمد (12307) وغيره. إذا ما أقاموا هذا الدين، كما ثبت في صحيح مسلم في الصحيحين (لا يزال هذا الأمر، في قريش ما أقاموا الدين ما بقي فيهم اثنان ما أقاموا الدين) ((إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ، إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ )) من حديث معاوية رضي الله عنه البخاري (3500) (7139). فإذا وجد فيهم من يقيم الدين صارت الخلافة فيهم، وإن لم يجد فيهم ما يقيم الدين انتقل إلى غيرهم، وثبوت الخلافة فيهم بالاختيار والانتخاب ما حصلت إلا في زمن الخلفاء الراشدين، وبعد الخلفاء الراشدين إلى يومنا هذا ما ثبتت الخلافة فيهم، بالاختيار والانتخاب، الدولة الأموية، والدولة العباسية، والدولة العثمانية، كلها ثبتت إما بالقوة والغلبة أو بولاية العهد ما ثبتت بالاختيار والانتخاب إلا لأبي بكر الصديق وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً) فبين الله لهم هذا بياناً شائعاً كافياً بوجوه من أنواع البيان شرعاً وقدراً) للتربية، هذا في النصوص كما سمعتم في كتاب الله، وعلى لسان رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، وقدرا الله قدر ذلك، قدر أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر، والله تعالى قدر ذلك، ووجد أن الاجتماع والطاعة من أسباب الاستقرار والأمن، قال المؤلف: (ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به) هذا من العجائب من أعجب العجاب، ومن أكبر الأدلة على قدرة الملك الغلاب، أن هذا الأصل الذي أوضحه الله في كتابه وأوضحه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث لا يعرف عند كثير ممن يدعي العلم، فكيف يعمل به؟ لا يعرفونه فكيف يعملون به؟ العمل فرع عن العلم، العلم هو الأصل، والعمل فرع، والأصل لا يعرف، فكيف يعرف الفرع؟ كثير من الناس لا يعرفون هذا الأصل، فكيف يمكنهم العمل به؟ نعم)
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء ، والفقه والفقهاء ، وبيان من تشبه بهم وليس منهم، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ...(40) البقرة)) إلى قوله: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) البقرة)). ويزيده وضوحاً ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد، ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: هذا الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء ، والفقه والفقهاء ، وبيان من تشبه بهم وليس منهم، الله تعالى بين أهل العلم: ((...إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) الإسراء)) بين الله العلم والعلماء، وأن أهل العلم هم الذين أنار الله بصائرهم، فتبصروا وتفقهوا، في شريعة الله، وفي دين الله، ثم عملوا بهذا العلم، وبين الله الفقه، وأن الفقه هو الفقه في الدين، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: (أن من أراد الله به خيرا فقهه في الدين) ورد من حديث معاوية رضي الله عنه، ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ... )) رواه البخاري (71) ومسلم (1037). ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما، رواه الترمذي (2645). فقد بينت النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم العلم، وأن العلم الشرعي هو العلم بدين الله، العلم بأسماء الله وصفاته، العلم ببيان حق بالأمر والنهي، الذي هو دين الله، والعلم ببيان الجزاء، هذا هو العلم النافع، أقسامه ثلاثة: الأول: العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله.
والثاني: ثم العلم بالأوامر والنواهي الذي هو دين الله.
والثالث: ثم العلم بالجزاء، جزاء المؤمنين، وجزاء الكفار، كما قال ابن القيم رحمه الله:
والعلم أقسام ثلاثة ما لها/ من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله/ وكذلك الأسماء للرحمن
والأمر والنهي الذي هو دينه/ وجزاؤه يوم المعاد الثاني
هذا العلم النافع، ليس هناك قسم رابع والعلماء هم العالمون به، هم العالمون بشرع الله ودينه، إذا أطلقوا انصرف إليهم، وأما إذا أريد علماء الدنيا فلابد من القيد والعلماء ثلاثة: علماء طب، علماء بيطرة، علماء زراعة، علماء تجارة، إذا أطلق العلماء يراد بهم علماء الشريعة، والفقه في الدين هو الفهم، الفهم عن الله سبحانه وتعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، الفهم في أسماء الله وصفاته، الفهم في دين الله في الأوامر والنواهي، الفهم في الجزاء، وما يكون في الآخرة، والفقيه هو المتفقه في كلام الله، الله تعالى بين العلم والعلماء، وبين الفقه والفقهاء، وبين من تشبه بهم وليس منهم، من تشبه بالعلماء وليس منهم، كأهل الضلال، الذين يدَّعون العلم، وهم من أهل الجهل، أو الذين يدعون العلم وهم لا يعملون بعلمهم، هؤلاء ليسوا من العلماء، وإن تشبهوا بهم، و يدَّعون أنهم من أهل العلم، بين الله تعالى حال المغضوب عليهم في سورة الفاتحة، وبين المنعم عليهم، وبين الضالين، فإن الله تعالى قسم الناس ثلاثة أقسام في سورة الفاتحة: بين المنعم عليهم وهم الذين من الله عليهم بالعلم والعمل، هذا هم أهل العلم، وهم أهل البصيرة، وبين المغضوب عليهم وهم اليهود وأشباههم الذين عندهم علم ولكن لا يعملون به، فهم غاوون، فهؤلاء وإن تشبهوا بأهل العلم، فليسوا منهم؛ لأنهم لا يعملون بعلمهم، وبين الله حال الضالين، وهم النصارى وأشباههم، الذين يعملون على جهل وضلالة، أوضح الله هذا في سورة الفاتحة، التي هي أعظم سورة في القرآن، التي يقرأها المسلم في كل ركعة من ركعات الصلاة، بين الله العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبين من تشبه بهم، وليس منهم، يقول المؤلف: وهذا قد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة، في قوله: ((يابني إسرائيل)) ما يقول بين هذا في سورة الفاتحة، بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة، في قوله: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) البقرة)) المؤلف رحمه الله تعالى يقول: وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة، من قوله: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ... (40) البقرة)) إلى قوله: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) البقرة)). إلى قوله قبل ذكر إبراهيم عليه السلام، وكأنه يريد ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ)) الثانية، لأنه قال إلى قوله قبل ذكر إبراهيم، ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) البقرة)) ... ثم قال ((وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ... (124) البقرة )) لكن قبل هذه الآية بين الله حال أهل العلم ومهتديه فقال: ((الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرائِيلَ ...(122) البقرة)) ((الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ... (121) البقرة) لأن تلاوة القرآن نوعان:
الأولى: تلاوة لفظية وهي قراءة الآيات، وهذه عبادة.
والنوع الثاني: تلاوة حكمية وهي التي عليها مدار السعادة والشقاوة، وهي تصديق الأخبار، وتطبيق الأحكام، كما قال الله في هذه الآية: ((الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ... (121) البقرة) يعملون به حق العمل، المراد بالتلاوة العمل هنا، يعني التلاوة نوعان: تلاوة لفظية هذه عبادة ((مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ...)) كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه رواه الترمذي (2910). (( ... لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ )) والثاني: تلاوة حكمية وهي تصديق أخبار القرآن وتنفيذ أحكامه كما قال الله تعالى في هذه الآية: ((الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ... (121) البقرة)) هذه هي التي عليها مدار السعادة والشقاوة، فالمؤلف رحمه الله يقول بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ...(40) البقرة)) إلى قوله قبل ذكر إبراهيم: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ ... (122) البقرة)). بينهما ما يقارب كم؟ مسافة بين بني إسرائيل الأولى، وبين قوله: يا بني إسرائيل الثانية، التي قبل ذكر إبراهيم عليه السلام، ذكر الله بعد ذلك أخبار بني إسرائيل، ثم ختمها بقوله: ((الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ... (121) البقرة)) ثم قال: ((يَا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) البقرة)) فيها بيان لأهل العلم والعلماء، فيه بيان أن المهتدين الذين يتلون القرآن حق تلاوته، بين الله العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبين من تشبه بهم وليس منهم، كاليهود المغضوب عليهم، تشبهوا بأهل العلم طائفة منهم لأنهم لا يعملون بعلمهم وكذلك من فسد من علماء هذه الأمة فله شبه باليهود، كما قال السلف، قال المؤلف: (ويزيده وضوحاً ما صرحت به السنة في هذا الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد، ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل ، وصار العلم الذي فرضه الله تعالى على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم). هذا من أعجب العجائب، أمر واضح بينه الله، وبين أهل العلم، وأنهم أهل العلم هم العاملون بعلمهم، وأن الفقيه هو الفقيه في شريعة الله ودينه، وهذا واضح في النصوص، ثم صار كثير من الناس، يسمي أهل العلم والفقه أهل البدع والضلالات، ويكون خيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وصار العلم الذي فرضه الله هو العلم بشرع الله ودينه، ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، صار يطلقون العلم على العلم التجريبي، والعلوم الأخرى، وعلماء الفضاء، ورواد الفضاء يقولون العالم، وهذا غلط؛ لأن العلم إذا أطلق يكون العلم الشرعي، والعالم إذا أطلق يطلق على العالم الشرعي، العالم إذا قيد عالم طبعا عالم طب، لكن عكسوا المفاهيم عند كثير من الناس، فصار العالم هو العالم التجريبي، العالم بالطب، العالم بالبيطرة، العالم بالقراءة، وهؤلاء يعظموهم الناس ويغبطونه يغبطون فلان إذا خرج من كلية الطب، أو من كلية الهندسة، أو من كلية الزراعة، يقول هذا له مستقبل، لكن العلم الشرعي زَهِد فيه كثير من الناس، ترى العلم علوم الدنيا هي المفضلة التي يمدحها الناس، والتي يغبط صاحبها، والذي ينتدب في كثير من الدول ينتدبون لتعلم هذه العلوم، أما علوم الشريعة لا يلتفت لها ولا يؤبه لها، وليست علما عند كثير من الناس، بصرف النظر لهذه البلاد، إذا نظرت لعموم الناس وجدت ما قاله الشيخ رحمه الله بأن العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، في كثير من البلدان، ما يمدح أهل العلم والعلم، ما يعرف إلا علم الطب، وعلم الفلك، وعلم البيطرة، وعلم الهندسة، وعلم الفضاء، فهل يتكلم بعلم الشريعة، ويمدحه، ويثني عليه، مثل هذا زنديق أو مجنون، أين عاش هذا؟ ما يعيش مع الناس، الناس تركوا هذا، ووصلوا إلى القمر، ووصلوا إلى الفضاء، وأنت تتكلم في هذا، في العلم الشرعي، هذا مقصد الشيخ رحمه الله هذا العلم الذي فرضه الله على الخلق، ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وصنف في التحذير منه والنهي عنه هو الفقيه العالم، الذي يرمي الشبه، ويحذر من العلم الشرعي، ويدعو إلى العلوم الأخرى، صار هو الفقيه العالم، عند كثير من الناس في كثير من البلدان والأمصار نعم. (أحد الطلبة) (الشيخ) نعم لا نحن العادة أكثر من ساعة هذا عين الساعة كمل كمل.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الخامس: بيان الله سبحانه لأولياء الله، وتفريقه بينهم، وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية من سورة آل عمران وهي قوله: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... (31) آل عمران)). الآية، وآية في سورة المائدة وهي قوله: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... (54) المائدة)). الآية، وآية في يونس وهي قوله: ((أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) يونس))، ثم صار الأمر عند أكثر من يدعى العلم، وأنه من هداة الخلق، وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم، ولا بد من ترك اتباع الرسل، ومن تبعهم فليس منهم، ولا بد من ترك الجهاد، ومن جاهد فليس منهم، ولا بد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تعهد بالإيمان والتقوى، فليس منهم يا ربنا نسألك العفو والعافية إنك سميع الدعاء.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: الأصل الخامس: أولياءه وصفهم بأوصاف واضحة، فقال سبحانه: ((أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) يونس))، بين الله أن الولي هو المؤمن التقي، كل مؤمن تقي فهو ولي، وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، هم أفضل أولياء الله، وأعظم أولياء الله، وأطهر أولياءه، أولوا العزم الخمسة، وأفضلهما وأعظمهما ولاية الخليلان، إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأعظم الخليلين ولاية سيدنا وإمامنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم موسى عليه الصلاة والسلام، ثم بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم بقية أولوا العلم، ثم الصالحون من المؤمنين، هم أولياء الله، وصف الله الولي بأنه المؤمن التقي، كل مؤمن تقي فهو ولي لله، وبينه الله في آية آل عمران: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... (31) آل عمران)) فالولي هو المتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الآية تسمى آية المحنة، ادعى قوم محبة الله، فامتحنهم الله بهذه الآية، ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... (31) آل عمران)) هذا دليل على إذا قال شخص أنا من أحباب الله نقول فيه امتحان ما هذا الامتحان؟ إن كنت متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم فأنت صادق، وإن كنت معاديا للرسول صلى الله عليه وسلم فأنت كاذب، لما ادعى قوم محبة الله، فامتحنهم الله بهذه الآية، ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... (31) آل عمران)) وكذلك قول الله تعالى في سورة المائدة ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ... (54) المائدة)) بين الله في هذه الآية أول أعمالهم الذين يحبهم ويحبونه، الوصف الأول: أنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يعني يذلون لقول المؤمنين ولكنهم أعزة على الكفار، يظهرون لهم العزة والقوة، الوصف الثاني: يجاهدون في سبيل الله. الوصف الثالث: أنهم لا يخافون لومة لائم، هذه أوصافهم بين الله سبحانه وتعالى أوصاف المؤمنين هذا الأصل الخامس:( في بيان الله سبحانه لأولياء الله وتفريقه بينهم، وبين المتشبهين بهم من أعداء الله المنافقين والفجار) بين الله أن المؤمن الولي هو كل مؤمن تقي، وهو المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يكون ذليلا للمؤمن عزيزا على الكافر، يجاهد في سبيل الله، ولا يخاف لومة لائم، ومن لم يتصف بهذه الصفات، فليس من أولياء الله، من لم يكن مؤمنا تقيا، فليس من أولياء الله، بل هو من أعداء الله قال المؤلف رحمه الله: ( ثم صار الأمر عند أكثر من يدعى العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل ومن تبعهم فليس منهم) هذا يكون عند بعض الصوفية، وبعض الملاحدة يقولون: الولي هو الصوفي، الولي هو الذي يترك الشريعة، الولي هو الذي يعمل بالآراء والبدع، الولي عندهم هو الذي لا يلتزم بالشريعة، @الصوفية يقسمونه ثلاثة أقسام يجعلونها طبقات:
الأولى: طبقة العامة الذي يعمل بالشريعة، لهم أوامر ولهم نواهي. والثانية: ثم طبقة الأولياء الذين تجاوزا مرتبة العامة، وألغوا صفاتهم وجعلوها صفات لله، وعلموا أن ما قدر سيكون، قالوا هذا ولي سقطت عنه التكاليف، ووصل إلى العلم ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الحجر)) وفسروا اليقين بالعلم، فسقطت عنهم التكاليف، وهذا كما قال سفيان ابن عيينة: أجمع المسلمون على أن من اعتقد أن أحدا تسقط عنه التكاليف وعقله معه فهو ملحد. الطبقة الثالثة: قالوا بوحدة الوجود هم الأولياء والعياذ بالله هؤلاء الملاحدة يسمون أولياء، ويزعمون أن الولي يتصرف في الكون، ويسميهم البعض أقطاب وأوتاد، فتجد بعض من يسمونهم أولياء تجدُه لا يؤبه له، تجده أظافره طويلة، وثيابه مخرمة، وتجده لا يؤبه له، بعضهم عنده بله وضعف عقل، حتى إنهم يسمون البله، البله يكونون من الأولياء، والبله الذي هو ضعف العقل، وحتى إن بعض الصوفية يقول: الولي يتصرف في الكون، فتجد بعض من يدعون أنه ولي، لايؤبه له، مرمي في زبالة، وثيابه مخرقة، وأظافره طويلة، يقول: لا تدري لعل هذا ولي يتصرف في الكون، وأنت لا تشعر، هذا وتد، هذا قطب، هؤلاء الأولياء عند هؤلاء الملاحدة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل ومن اتبعهم فليس منهم) فالولي عندهم هو الذي لا يتبع الرسل، كما قال ابن عربي: الولي ما يحتاج إلى محمد، ما يحتاج إلى الرسول، بل إنه فضل الولي على الرسل، فقال: إن الرسول يأخذ بواسطة جبريل، والولي يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه جبريل، يأخذ من العلم اللدني، يأخذ عن الله مباشرة، ويقول ابن عربي: إن الرسالة ختمت بمحمد، ولكن الولاية لم تختم، وجعل الخاتم الأولياء، وقال: إن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، وإن خاتم الأنبياء تابع لخاتم الأولياء في الباطن، وخاتم الأولياء تابع لخاتم الأنبياء في الظاهر، ويقول: إن خاتم الأنبياء وهو محمد يمثل الشريعة الظاهرة، وخاتم الأولياء وهو ابن عربي يمثل الأمر الباطن، وقال إن الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البخاري (3535) ومسلم (2286). قال ولابد لخاتم الأولياء من أن يرى هذه الرؤية، فيرى أن البيت مكون من لبنتين لبنة ذهب، ولبنة فضة، فلبنة الفضة تمثل الشريعة الظاهرة التي جاء بها محمد، ولبنة الذهب تمثل الباطن الذي جاء به ابن عربي، ويرى نفسه كان الفضل فكان اللبنة الذهبية، هكذا قال هؤلاء الملاحدة، هذا مصداق لقول المؤلف رحمه الله: (ثم صار الأمر عند أكثر من يدعى العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسل ومن اتبعهم فليس منهم) نعم يشترطون هذا، الولي ما يتبع الرسل، ما يتبع الرسل، له طريق آخر، يقول المؤلف رحمه الله: (ولا بد من ترك الجهاد) عند هؤلاء الملاحدة، الذين يسمون أولياء فمن جاهد فليس منهم، قال: (ولا بد من ترك الإيمان والتقوى) يعني ما عندهم إيمان، ولا عندهم تقوى، يعمل بالآراء الشيطانية والأهواء، قال: (فمن تعهد بالإيمان والتقوى فليس منهم) فليس من أولياء الله، ومن ترك الإيمان والتقوى، وترك الجهاد، وترك اتباع الرسل، فهذا هو الولي، ثم قال: (يا ربنا نسألك العفو والعافية إنك سميع الدعاء) نعم.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل السادس: رد الشبة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتماً لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون، لأجل صعوبة فهمها فسبحان الله وبحمده كم بين الله سبحانه شرعا وقدرا، خلقا وأمرا في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة (( ... وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) الأعراف ((21) يوسف (38) النحل (6) الروم (28) (36) سبأ (57) غافر(26) الجاثية)) ((لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس)). آخره والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: هذا الأصل السادس وهو: رد الشبة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة،) ما هي هذه الشبهة؟ الشبهة: (وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهدُ المطلق) ومن هو المجتهد المطلق؟ ( هو الموصوف بكذا وكذا أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتماً لا شك ولا إشكال فيه ، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون لأجل صعوبة فهمها) وهذه الشبهة ملخصها: أن النصوص من القرآن والسنة لا يفهمهما إلا المجتهد المطلق، ومن هو المجتهد المطلق؟ يشترطون له شروط، يشترط أن يكون حفظ مثلا من السنة كذا وكذا من الأحاديث، آلاف الأحاديث، ويشترط أن يكون يعرف النحو، ويعرف اللغة، ويعرف البلاغة، وكذلك ويعرف الشعر، ويعرف العروض، يستوفي الشروط، لا بد أن يكون كذا وكذا، يعرف النحو مثلا، مثلا يحفظ الألفية، ويحفظ كذا وكذا في النحو، حتى يستطيع يفهم، ويعرف البلاغة، ويعرف كذا، فإذا استوفى هذه الشروط، لابد أن يعرف أصول الفقه، وأصول التفسير، المؤلف يقول: ( هو الموصوف بكذا وكذا أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر،) معنى ذلك صد الناس عن فهم القرآن والسنة، مثلا القرآن والسنة انتظر، اسأل فلان وفلان، ما تستطيع الفقه، القرآن واضح ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر)) إذا قرأت عليك ((الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) البقرة )) ما تعرف هذا ؟ لازم كل أحد، كله عرف حتى العامي، ذكر الله أوصاف المؤمنين، ذكر الله أوصاف المنافقين، ذكر الله أوصاف الكفار. ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ... (282) البقرة )) ما تعرف الدين والمداينة؟ يعرفه كل أحد، من فيهم قال إن ما يعرف القرآن إلا المجتهد المطلق، هذا الأصل فيه أن بعض الناس صد الناس عن قراءة كتاب الله، أغلقوا الباب لا تحاول أن تفهم القرآن وتقرأ، لا أنت الآن ما وصلت إلى مرتبة من يعرف القرآن، القرآن مغلق أمامك، ما يعرفه إلا المجتهد المطلق، أنت الآن ما تحفظ ثلاثة آلاف الحديث، ما تعرف أصول الفقه، ولا تعرف اللغة، ولا تعرف النحو، اسأل اسأل الغير وليعلمك، أما أنت، ما يمكن إلا بعد مدة طويلة إذا توافرت فيك الشروط، بعد ذلك تستطيع تقرأ القرآن وتفهم، هذه صفة ملعونة التي صد بها عن فهم كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، القرآن واضح لكل أحد، ولايحتاج فهمه لمدة، أغلب القرآن واضح، فيه بعض الآيات، وبعض النصوص تحتاج إلى الرجوع إلى أهل العلم، وكتبهم، لكن أوصاف المؤمنين ما تعرفها إذا قرأتها، أوصاف الكفار ما تعرفها إذا قرأتها، أوصاف المنافقين ما تعرفها إذا قرأتها، لازم كل أحد حتى الآن، كيف يصد الناس عن كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ويقال إنهم لا يعرفون لا يمكن أن يعرفون كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، اقرأ صفات المؤمنين ((إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (13) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (14) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (15) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (16) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (17) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (19) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (20) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (21) إِنَّ هَذَا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (22) الإنسان )) اقرأ كل واحد يتأثر، وضوح هذه الآيات الكل عرفها، آيات في وصف الجنة، ووصف النار، ووصف المؤمنين، ووصف الأبرار، وصف النار كما قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) فاطر)) ما تعرفها، ما يعرف العربي هذا، يعرف كل أحد، فهذه الشبهة فيها الصد عن كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، الأصل السادس رد الشبة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة) إذا ترك القرآن والسنة بماذا يعمل؟ لا بد من الاعتياض عنها يعتاض عنها بالآراء والأهواء المتفرقة، واتباع الأراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق، الذي بلغ درجة الاجتهاد، المجتهد المطلق وليس كل أحد مجتهد مطلق، العلماء يقولون: ما وصل إلى مجتهد مذهب، من هو المجتهد المطلق مثل الإمام أحمد، مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، مثل هؤلاء الأئمة، هؤلاء مجتهد مطلق، ما يعرف ما يستطيع يحفظ القرآن، ما يفهم شبهة ملعونة، قال:( والمجتهد هو الموصوف بكذا وكذا أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتماً لا شك ولا إشكال فيه) اعرف خصمك من عدوك، لست من أهل القرآن ولا تعرف القرآن اسأل غيرك، هو الذي يفهمك، قال: (ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون) لماذا؟ قال: (لأجل صعوبة فهمها) إذا جاء الإنسان يريد أن يقرأ القرآن قالوا هذا مجنون، هذا زنديق لماذا؟ ما وصلت إلى درجة الاجتهاد، قال: (فسبحان الله وبحمده كم بين الله سبحانه شرعاً وقدراً، خلقاً وأمراً في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة) الله تعالى بين شرعا في كتابه، وقدرا فيما قدره خلقا، فيما يخلقه وأمرا في رد هذه الشبهة، يعني الله تعالى رد هذه الشبهة في كتابه،((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر)) فهل من متذكر ومعتبر؟ ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24)محمد)) ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) النساء)) ((كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) ص)) كيف يقول الله ليدبروا آياته، وننعي على الذين يتدبرون، ونقول لا تقرأوا القرآن، بينه الله في كتابه وبينه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، من عنده فليتدبر ويتفحص وكذلك أيضا الله تعالى خلق هؤلاء الخلق، خلق الله الإنسان وركب فيه العقل وأعطاه الفهم، لأنه يفهم، لأنه لو لم يفهم لقلنا كتاب آخر، لما خلق الله الإنسان أعطاه العقل والفهم، فهم آخر فقدر ذلك وخلقه وكذلك الأمر أمره الله بالفهم والتدبر، فهل من مدكر،((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) القمر)) فهل من متذكر ومعتبر؟ أفلا يتدبرون القرآن ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) النساء)) ((أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (24)محمد)) ((كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) ص)) أفلا يتدبرون القرآن قال المؤلف : كم بين الله سبحانه شرعاً وقدراً، خلقاً وأمراً في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة) الضرورة العامة هي التي يدركها الإنسان بدون تأمل، العلم نوعان: علم ضروري، وعلم نظري، العلم الضروري الذي يضطر الإنسان إلى معرفته ولايتبع أثره، مثل العلم بطلوع الشمس العلم الضروري لا يمكن إنكاره وهل تستطيع أن تنكر، هذا العلم الضروري، يعرفه كل أحد، لكن العلم النظري محل تأمل، أخرج لك أربع وخمسين سنة ... المؤلف قال: الله تعالى رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة) (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ((لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) يس)) ولذلك سدوا الباب عن كتاب الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ((إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) يس)) لكن أغلال معنوية وقال: ((وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) يس)) لا خلاف فيه، من أراد الله له فلا خلاف فيه ((إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) يس)) أما من آمن بالله واتقاه وفي آذانهم وقر آخر والحمد لله رب العالمين.
هذه الرسالة (ستة أصول عظيمة) وهي:
الأصل الأول: الإخلاص وبيان ضده وهو الشرك.
الأصل الثاني: الاجتماع في الدين والنهي عن التفرق فيه.
الأصل الثالث: السمع والطاعة لولاة الأمر.
الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء ، والفقه والفقهاء ، ومن تشبه بهم وليس منهم.
الأصل الخامس: بيان من هم أولياء الله.
الأصل السادس: رد الشبهة التي وضعها الشيطان في ترك القرآن والسنة.
