الأصول الستة
للإمام المجدد شيخ الإسلام: محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى.
شرح شيخنا: عبدالعزيز بن عبدالله الراجحي حفظه الله تعالى.
تنبيه: هذا الشرح ناقص آخره نهاية الأصل الثالث.
(المتن)
(قارئ المتن) الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين (الشيخ حفظه الله) (اللهم صل وسلم عليه) قال الشيخ: محمد بن عبدالوهاب إمام الدعوة الإسلامية وحامي حمى الملة الحنفية رحمه الله تعالى.
من أعجب العجاب ، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغلاب ستة أصول بينها الله تعالى بيانا واضحا للعوام فوق ما يظن الظانون ، ثم بعد هذا غلط فيها أذكياء العالم وعقلاء بني آدم إلا أقل القليل.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه الرسالة التي كتبها الإمام المجدد رحمة الله عليه، في بيان هذه الأصول الستة ، وهذه الأصول الستة مأخوذة من الكتاب والسنة، دلت عليها الأدلة، وهي واضحة صريحة لا لبس فيها، في نصوص الكتاب والسنة، ومع ذلك غلط فيها العقلاء، عقلاء الناس وأذكياؤهم، ولم يتفطن لها إلا أقل القليل، هذا من أعجب العجب، من أعجب العجب، أن الله سبحانه وتعالى صرف قلوب كثير من الناس عن معرفة هذه الأصول الستة، وعن معرفة الحق فيها، مع أنها واضحة وصريحة، في الكتاب والسنة، نعم.
(المتن)
(قارئ المتن) عفا الله عنك الأصل الأول: إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة، ثم صار على أكثر هذه الأمة ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين، والتقصير في حقوقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين، واتباعهم.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم هذا الأصل الأول: الأصل العظيم إخلاص الدين لله، والأمر بتوحيده سبحانه وتعالى، والنهي عن الشرك به، هذا الأصل هو أصل الدين، وأساس الملة، ونصوص الكتاب والسنة تبدي وتعيد فيه، ولا تخلو سورة منه، قال الله تعالى: ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... (36) النساء)) وقال: ((وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ... (23) الإسراء)) وقال: ((قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... (151) الأنعام)) وقال: ((وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ...(36) النحل)) وقال: ((وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء)) وقال: ((وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات)) هذا الأمر الذي خلق الخلق من أجله، ومن أجله أرسل الله الرسل، ومن أجله بعث الله الرسل، ومن أجله أنزل الله الكتب، ومن أجله انقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومن أجله قامت القيامة، وحقت الحاقة، ووقعت الواقعة، والقرآن يبدي ويعيد من أوله إلى آخره، في بيان هذا الأصل، والرسول صلى الله عليه وسلم كذلك، والنصوص واضحة في هذا، النصوص تأمر بالتوحيد وإخلاص الدين لله عز وجل، وأن لا يجوز أن يتوجه بالعبادة إلا لله عز وجل، بأي نوع من أنواعها، فالدعاء لله، والذبح، والنذر، والطواف، والركوع، والسجود، وجميع الطاعات، عبادة كلها لله عز وجل، وأن من صرف منها شيئا لغير الله فإنه يكون كافرا مشركا، وهذا واضح وصريح، ثم غلط كثير من الناس، وانعكست تصوراتهم، ومفاهيمهم، فصاروا يشركون بالله عز وجل، ويدعون غير الله، ويذبحون لغير الله، ويسمون هذا محبة للصالحين، واتباعا لهم، يسمونها كيف محبة للصالحين واتباعا لهم، ومبناها على الشرك، قالوا هذا يتنقص الصالحين، ولا يعرف حقوقهم، فتجد هنا يصرفون العبادة لغير الله في كثير من البلدان في القديم والحديث، فتجده عند القبور يقولون يافلان، يا رسول الله إذا جاء الحجاج إلى الرسول قالوا يا رسول الله نجنا يارسول الله فرج كروبنا يارسول الله جئناك من بلاد بعيدة، يارسول الله لا تخيب رجائنا، يا رسول الله مدد يارسول الله، مدد يا عبد القادر، في مصر مدد يا بدوي، يا بدوي أغثني، ياحسين، يانفيسة، يا إبراهيم، في العراق يا حسين، يا عبد القادر الجيلاني، في اليمن يا ابن عوام، في كل بلد تجد من يدعو غير الله، في القديم، والحديث، تجدهم يذبحون عند القبور، وهذا شرك، تجدهم ينذرون لها، تجدهم يطوفون بالقبور تقربا إليهم، يذبح إن شفى الله مريضي لأذبحن خروفا على روح البدوي، على روح الرسول، ولأتصدقن بجنيهات أو بدراهم، هذا هو الشرك، الشيطان أظهر لهم الشرك في قالب محبة الصالحين، يشركون بالله، فإذا نهيتهم، قالوا هذا محبة الصالحين، هذا اتباع لهم، وإذا نهيتهم عن الشرك، قالوا أنت لا تحب الصالحين، ولا تعرف قدرهم، وتتنقصهم، ولا تبين حقوقهم، وتبغضهم، هذا من أعجب العجب كيف يخفى هذا على الناس؟ وهذا الأمر الذي خلق الخلق من أجله، هذا الأمر الذي بعث الرسل من أجله، يخفى على كثير من الناس، وعلى الأذكياء، وعلى العقلاء، فيقومون بالشرك، ويسمونه كما يحبون محبة الصالحين، واتباعا لهم، ومن نهى عنه، قالوا يتنقص الصالحين، ولا يعطيهم حقوقهم، مع أن القرآن يبدي ويعيد، والسنة في هذا واضحة ((وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ... (36) النساء)) وقال: ((وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ... (23) الإسراء)) ومن قال يا فلان أغثني، مدد يافلان، مدد يا بدوي دعا غير الله، هذا عبد غير الله، لأنه دعا غير الله، ومن ذبح لصاحب القبر عبد غير الله، من نذر له عبد غير الله، من طاف بقبره تقربا إليه عبد غير الله، من ركع له عبد غير الله، من سجد له عبد غير الله، فهو مع الناس يعني جهلوا هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الأصول، وأصل الدين، وأساس الملة، ومن أجله خلق الله الخلق، ومن أجله بعث الله الرسل، ومن أجله أنزلت الكتب، جهلوا هذا الأصل العظيم وجهله كثير من العقلاء، وكثير من الأذكياء، ولم يعرفه إلا أقل القليل، هذا من أعجب العجب، يقول الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب: إن من أعجب العجب أن هذه الأصول الستة، بينها الله في كتابه، وبينتها السنة المطهرة، وأدلتها واضحة، ثم خفيت على كثير من الناس وكثير من الأذكياء، والعقلاء، ولم يعلمها إلا أقل القليل، هذا من أعجب العجب، نعم. (أحد الطلبة) (الأصل الأول ياشيخنا) قال الشيخ حفظه الله: الأصل الأول من هذه الأصول إخلاص الدين لله، وإخلاص العبادة لله ((... مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (11) الزمر )) ((... مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) الزمر )) هذا هو أصل الدين، وأساس الملة، وهو أن يخلص العبد أعماله لله عز وجل، وعبادته، والعبادة: كل ما جاء به الشرع من الأوامر والنواهي، الأوامر يفعلها المسلم سواء كانت أمر إيجاب أو أمر استحباب، والنواهي يتركها، أما العبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج ودعاء وذبح ونذر كلها يخلصها لله عز وجل، بمعنى أنه يتقرب بها إلى الله، ولم يرد بها إلا وجه الله، فإن أراد بها غيره وقع في الشرك وهذا هو معنى لا إله إلا الله، فإن معناها لا معبود حق إلا الله، التوحيد يكون بالنفي والإثبات، ولا إله إلا الله، فيها نفي وإثبات، لا إله هذا نفي، إلا الله هذا الإثبات، لا إله هذا كفر بالطاغوت، إلا الله هذا إيمان بالله، وليس هناك توحيد إلا من أمرين: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، كما قال سبحانه وتعالى: ((...فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ... (256) البقرة )) فمن دعا غير الله، قال يا فلان أغثني، يافلان فرج كربتي، فإنه آمن بالطاغوت ولم يكفر به، من ذبح لغير الله آمن بالطاغوت ولم يكفر به، من نذر لغير الله آمن بالطاغوت ولم يكفر به، دعا غير الله آمن بالطاغوت ولم يكفر به، طاف بغير بيت الله تقربا إليه آمن بالطاغوت ولم يكفر به، وهكذا من ركع لغير الله آمن بالطاغوت ولم يكفر به، من صل لغير الله آمن بالطاغوت ولم يكفر به، فلا يكون موحدا حتى يكفر بالطاغوت، ومعنى الكفر بالطاغوت: البراءة من كل عبادة سوى الله، ونفيها، وإنكارها، وتنفير أهلها، ومعاداتهم، وبغضهم، هذا هو الكفر بالطاغوت، ثم الإيمان بالله، إخلاص العبادة لله في جميع صورها، من دعاء وذبح ونذر فلا يكون هناك توحيد ولا إيمان إلا بشيئين: بالكفر والإيمان بالكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، وكلمة التوحيد مشتملة على هذين النوعين: لا إله هذا الكفر بالطاغوت، تنفي جميع الآلهة، إلا الله هذا الإيمان بالله، والطاغوت كل معبود سوى الله، فمن رضي بأن يعبد من دون الله فهو طاغوت، ومن حكم بغير ما أنزل الله فهو طاغوت، ومن رضي أن يطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت، ومن رضي أن يتبع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، فهذا الأمر العظيم جهله كثير من الناس مع أن الله أمر بإخلاص الدين له ((وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...(5) البينة)) ((...فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (2)الزمر)) ((أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ... (3) الزمر)) والآيات والنصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كلها تأمر بإخلاص الدين فجهل كثير من الناس هذا الأمر ووقعوا في الشرك، وإذا نهيتهم عن الشرك وعن دعاء الصالحين، والذبح لهم، والنذر لهم، قالوا أنت تتنقص الصالحين، ولا تحبهم، ولا تعطيهم حقوقهم، ويرون أن دعاءهم، والذبح لهم، والنذر لهم، محبة واتباع، وليس شركا، مع أن هذا الأمر واضح في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا من أعجب العجب، نعم.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الثاني :أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق، فبين الله هذا بياناً شافياً تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا قبلنا فهلكوا، وذكر أنه أمر المسلمين بالاجتماع في الدين ونهاهم عن التفرق فيه، ويزيده وضوحا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم، والفقه في الدين ، وصار الأمر بالاجتماع لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: هذا الأصل الثاني: وهو أن الله سبحانه وتعالى أمر بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، والنصوص واضحة في هذا أمر الله تعالى بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق، وكذلك أمر بالاجتماع في أمور الدنيا، قال الله سبحانه تعالى: ((وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ... (103) آل عمران)) حبل الله هو دينه قال الله سبحانه تعالى: ((وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) آل عمران)) قال الله سبحانه تعالى: ((...وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ... (119) هود )) فاستثنى من المختلفين أهل الرحمة، فدل على أنه لا يجوز الافتراق، قال الله سبحانه تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... (13) الشورى )) أمر الله بإقامة الدين، ونهى عن التفرق والاختلاف، فاختلف الناس في أصول الدين وفروعه، فصار من أمر بالاجتماع يلمز، ويعاب، ويذم، وكذلك أمر الله بالاجتماع في الدنيا على إمام واحد، في أمور الدنيا، وفي أمور السياسة، أمر الله بالاجتماع على إمام واحد، ونهى عن التفرق، ونهى عن الخروج على ولاة الأمور، إلا في حالة خاصة؛ إذا كفر كفرا صريحا واضحا لا لبس فيه، وأمكن ووجد البديل مع القدرة والاستطاعة، وإلا فلا يجوز الخروج على ولاة الأمور بالمعاصي، والجور والظلم، فالله تعالى أمر بالاجتماع في الدين، وأمر بالاجتماع في الدنيا، والآيات والنصوص واضحة في هذا، فافترق الناس في دينهم ودنياهم، افترقوا في أصول الدين وفروعه، وتفرقوا في دنياهم فلا يرون الاجتماع، والسمع والطاعة لولاة الأمور، ففسدت الأحوال عند كثير من الناس، ولم يعلم هذا الأصل العظيم ولم يعمل به إلا القليل من الناس وكثير من الناس لم يتبين لهم هذا الأصل، مع وضوحه وبيانه هذا من أعجب العجب.
(المتن)
(قارئ المتن) الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبداً حبشياً، فبين النبي صلى الله عليه وسلم هذا بيانا شائعا ذائعاً بكل وجه من أنواع البيان شرعا وقدرا، ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به.
(الشرح)
قال الشيخ حفظه الله تعالى: هذا الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع السمع والطاعة لولاة الأمور، في طاعة الله عز وجل، وفي الأمور المباحة، والنصوص كثيرة واضحة في هذا، وأنه يجب على الرعية السمع والطاعة لولاة الأمور، في طاعة الله عز وجل، وفي الأمور المباحة، أما المعصية فلا يطاع فيها أحد، فإذا أمر ولي الأمر بمعصية، فلا يطاع، إذا أمر ولي الأمر شخص بشرب الخمر، أو يتعامل بالربا، أو يأخذ الرشوة، لا يطيعه، كذلك الأمير إذا أمر لا يطاع، وكذلك الأب إذا أمر ابنه بالمعصية لا يطيعه، وكذلك الزوجة إذا أمرها زوجها بمعصية لا تطيعه، وكذلك العبد إذا أمره سيده بمعصية لا يطيعه، ما يطاع أحد في المعاصي، ولكن لا يتمرد عليه، إذا أمرك بأمر فيه معصية لا تطيعه في المعصية، لكن تطيعه فيما عدا ذلك، وكذلك الزوجه تطيع زوجها فيما عدا المعصية، والابن يطيع أباه فيما عدا المعصية، والأب يطيع ابنه فيما عدا المعصية، والنصوص في هذا واضحة قال الله تعالى: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... (59) النساء)) وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ)) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في مسلم (1839). هذا قيد في جميع النصوص التي تأمر بطاعة ولاة الأمور، قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البخاري (7137) ومسلم (1835). وقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر رضي الله عنه: ((أمرني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشيا مجدّع الأطراف )) وهو في مسلم (648) بلفظ: ((إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مجدّع الأطراف ...)). وفي لفظ: ((ولو لحبشي كان رأسه زبيبة)) وقال عليه الصلاة والسلام في حديث حذيفة الطويل رضي الله عنه: (( فالزموا جماعة المسلمين وإمامهم)) وقال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي مالك الأشجعي رضي الله عنه: الذي رواه الإمام مسلم ((...أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)) فهذه النصوص واضحة في وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور، لكن في طاعة الله، وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد، لكن لا يتمرد على ولي الأمر، لا يطيعه في المعصية فقط، ولا يتمرد الابن على أبيه، لكن لا يطيعه في المعصية، والشارع حكيم في هذا، ومعروف حكمة الشارع في هذا، وذلك أن ولي الأمر إذا فعل معصية كأن شرب الخمر، أو تعامل بالربا أو ظلم بعض الناس، وقتل بعض الناس أو حبسهم أو سجنهم هذا ظلم وحيف وجور ومفسدة، لكن إذا خرج عليه الناس حدثت مفاسد أعظم مفاسد أكبر، لأن الناس إذا خرجوا على ولاة الأمور، مع ولاة الأمور عندهم قوة، ولا يتركون من يخرج عليه، فإذا خرجت طائفة حصل نزاع بينهم وبين ولي الأمر، وصار شقاق، وأهريقت الدماء، وسفكت الدماء، وانقسم الناس، وتنازعوا فيما بينهم، وذهب ريح الدولة، وتدخلت الأعداء، واختلت الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والزراعية، والتعليم، والتجارة، وانفتحت أبواب الفتن التي تأتي على الأخضر واليابس، ولا تبقي ولا تذر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والشريعة جاءت بتقرير المصالح بجلب المصالح، وطلب المصالح، بإيجاد المصالح وتكثيرها، وتكبيرها، وتكميلها، ودفع المفاسد وتعطيل المفاسد وتقليلها، ما عمل ولي الأمر يمثل مفاسد صغيرة، لكن الخروج عليه مفاسدة عظيمة، لا تبقي ولا تذر، ثم أيضا المعصية من ولاة الأمور من جملة المصائب التي تصيب الإنسان، يؤجر عليها الإنسان إذا صبر مثل الأمراض التي تصيبه في نفسه، وأهله، وماله، إذا صبر، كفرت السيئات، ورفعت ومحيت الخطايا، ثم هذه المصائب الجور الذي حصل من ولاة الأمور، إنما هو بسبب الرعية بسبب ما كسبت أيديهم، بسبب ظلمهم، والله تعالى يقول: ((وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ... (30) الشورى)) ((وكما تكونوا يولى عليكم)) فإذا أراد الناس أن يصلح لهم ولاة الأمور فليتوبوا إلى الله، وليصلحوا أحوالهم، وليتوبوا من الظلم والمعاصي، حتى يصلح الله لهم ولاة الأمور نعم وفق الله الجميع لطاعته.
