تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

الرسالة المدنية 9 من قوله: "قال الإمام الذهبي في كتاب العلو: قال الأستاذ أبو القاسم القشيري...". إلى قوله: "ذكر قول الإمام الحافظ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي".

00:00

00:00

13

الرسالة المدنية 9

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين محمد ﷺ تسليما كثيرا قال المصنف رحمه الله :

( المتن )

قال الإمام الذهبي في كتاب (العلو) : قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت أبا علي الدقاق، يقول: سمعت زاهد بن أحمد الفقيه، يقول: مات الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري، فكان يقول شيئا في حال نزعه: لعن الله المعتزلة موهوا و انحرفوا .

( الشرح )

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلى الله و سلم و بارك على عبد الله و رسوله نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين أما بعد :

فهذا النقل عن الإمام الذهبي رحمه الله يقول ( مات الأشعري رحمه الله ) يعني أبو الحسن الأشعري يقول (زاهر بن أحمد الفقيه، يقول: مات الأشعري رحمه الله  ) يعني أبو الحسن الأشعري, سبق أن أبا الحسن الأشعري كان معتزليا ثم تحول إلى مذهب عبد الله بن سعد بن كلاب ثم تحول إلى مذهب أهل السنة يقول ( مات الأشعري رحمه الله ورأسه في حجري، فكان يقول شيئا ) يعني يقول كلاما ( في حال نزعه ) حال خروج روحه يقول ( لعن الله المعتزلة موهوا و انحرفوا ) من شدة ما وجد عند النزع من شدة تحريف المعتزلة , المعتزلة يثبتون الأسماء و ينكرون الصفات و يقولون القرآن مخلوق و ينكرون رؤية الله في الآخرة و يعتمدون على عقولهم و لا يعتبرون أن العقل هو الأساس حتى إن بعضهم غلا في العقل و قال في قول الله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قال العقل فسر الرسول بالعقل يعتمدون على العقل و يجعلونه أساس, و عندهم أصول خمسة بدل من أصول أهل السنة و الجماعة , أصول أهل السنة الخمسة الإيمان بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و القدر خيره و شره , فيه الإيمان بالله و القدر هذا واحد ثم استبدلوها بالتوحيد ينافي الصفات و القول بخلق القرآن و ذكروا تحتها التكذيب بالقدر و منزلة بين المنزلتين قالوا العاصي يخرج من الإيمان و يدخل في الكفر و قالوا إن الوعيد للعصاة في النار و ألزموا الناس عقائد فاسدة و يقول التوحيد هذا معلوم بالعقل قبل الشرع , الأصل الأول فهم أهل انحراف و أهل عقل من شدة ما وجد من انحرافهم و كان عند الموت و أثروا عليه قل : لعن الله المعتزلة موهوا و انحرفوا يعني أبعدهم الله عن رحمته هذا لعن على العموم لكن هذا يبين فساد مذهب المعتزلة حتى إن الأشعري عند نزع روحه جعل يلعنهم .

( المتن )

وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في كتاب ( تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى  الأشعري ) فإذا كان أبو الحسن رحمه الله كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، موافقة في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكو عنه معتقده على وجهه بالأمانة لتعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتابه ( الإبانة) قال:

الحمد لله الواحد العزيز، الماجد المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، فليس له مثل ولا نديد وساق خطبة رد فيها على المعتزلة والقدرية و الجهمية و الحرورية والرافضة والمرجئة، وبين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، إلى أن قال:

فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية و الجهمية و الحرورية والرافضة والمرجئة  فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟

قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ, وما وري عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين.

وجملة قولنا أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله إله واحد فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وأن له وجها كما قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وأن له يدين كما قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا، وأن من زعم اسم الله غيره كان ضالا، وأن الله عالما كما قال: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، ونثبت لله قدرة، ونثبت له السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والخوارج و الجهمية.

ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله، وإن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له؛ كما قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، وإن الخير والشر بقضاء الله وقدره ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن كان كافرا.

وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ. ونقول: إن الكافرين؛ إذا رآه المؤمنون - عنه محجوبون؛ كما قال الله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ

ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا.

وندين أنه الله تعالى مقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على أصبع و الأراضين على أصبع كما جاءت الرواية به عن رسول الله ﷺ، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل، ولا نبتغ في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم.

ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وأن الله يقرب من عباده كيف شاء؛ كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وكما قال: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى  ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.

 إلى أن قال: ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة, مجانبة لأهل الأهواء، ونحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه بابا وشيئا شيئا.

ثم قال ابن عساكر: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه. انتهى.

( الشرح )

هذا النقل الذي نقله الحافظ ابن عساكر في كتابه الذي سماه تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الأشعري , يعني هذا الكتاب الذي ألفه ابن عساكر يبين الكذب الذي نسب إلى أبي الحسن الأشعري سماه: الكتاب( تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الأشعري) يعني الكذب الذي أضيف إلى أبي الحسن الأشعري نفاه ابن عساكر في هذا الكتاب هذا الكتاب يدل على أن أبا الحسن الأشعري رجع إلى معتقد أهل السنة و الجماعة و أنه كما سبق كان معتزليا ما يقرب من أربعين سنة ثم تاب و تحول إلى مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب و هو مذهب الأشاعرة إثبات الصفات الذاتية و نفي الصفات الفعلية من النزول و الاستواء و الرحمة و الغضب و الرضا, هذه يؤولونها لأنهم يقولون لو أثبتناها لزم من ذلك حلول الحوادث فينكرونها ثم جلس على هذه المدة ثم هداه الله و تحول إلى معتقد أهل السنة و الجماعة فأثبت النزول و الاستواء كل هذه يثبتها في الأول لم يكن يثبتها النزول و الاستواء و الرحمة و الغضب فكان على مذهب المعتزلة ما يقارب أربعين عاما ثم صعد على المنبر و قال للناس : إني راجع عن مذهب المعتزلة و منخلعا كما أخلع هذا الثوب و خلع قميصا عليه , الأشاعرة بقوا على مذهبهم السابق الذي ينسب له.

الأشاعرة يثبتون سبع صفات الحياة و الكلام و القدرة و العلم و الإرادة و السمع و البصر و البقية يؤولونها على المذهب السابق هو رجع لكن هم ما رجعوا لكن بقيت عليه أشياء يسيرة بسبب طول مكثه في المذهب السابق, مثل ما مرنا أنه قال ليس لله جسم الله ليس بجسم الجسم عند أهل السنة لا يثبت و لا ينفى لا يقال إنه جسم و لا يقال ليس بجسم , الجوهر لا يقال إن الله جوهر و ليس بجوهر بقيت عليه أشياء كثير.

و هذا النقل يمثل معتقد أهل السنة و الجماعة و إن كان هناك أشياء يسيرة كما تبين, و سنعرضها الآن باختصار. يقول ابن عساكر ( فإذا كان أبو الحسن رحمه الله كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب ) يعني مذهبه صواب ( عند أهل المعرفة والانتقاد، موافقة في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ) يعني يوافق العباد ( ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتابه ( الإبانة ) ) هذا من آخر ما ألفه سماه كتاب الإبانة في أصول الديانة هذا مؤلف لأبي الحسن الأشعري من آخر ما كتب و تبين في هذا الكتاب عقيدة أهل السنة و الجماعة.

قال ( فاسمع ) الذي نقله أبو العساكر عقيدة الأشعري في آخر مؤلفاته و هو كتاب الإبانة في أصول الديانة , قال ( فاسمع ما ذكره في كتاب الإبانة ( فإنه قال ) من القائل ! أبو الحسن الأشعري قال ( الحمد لله الواحد العزيز، الماجد المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مثل ولا نديد ) النديد المثيل يعني ليس لله مثيل لا في أسمائه و لا صفاته.

و يقول أبو العساكر ( وساق خطبة رد فيها على المعتزلة والقدرية و الجهمية و الحرورية والرافضة و المرجئة ) لكن ابن عساكر حذف هذه الخطبة من باب الاختصار الحرورية هم الخوارج سموا الحرورية لأنهم نزلوا بلدة في العراق تسمى حروراء فنسبوا إليها ( و المرجئة وبين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة ) فأبو الحسن بين أن المرجئة ضالون و أنهم خالفوا الكتاب و خالفوا السنة و إجماع الصحابة في المذهب الذي كان عليه سابقا.

( إلى أن قال ) يعني حذف كلاما ابن العساكر إلى أن قال يعني أبو الحسن ( فإن قال قائل ) من القائل هذا أبو الحسن ( فإن قال قائل ( قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية و الجهمية و الحرورية ) الخوارج ( والرافضة والمرجئة  فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟ ( ما دام أنكرتم هذه المذاهب ما هو قولكم ما هي عقيدتكم ما هي مذهبكم.

( قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما وري عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ) في تبعية أحسن من هذا ! يقول عقيدتنا و قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ وما وري عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث.

( ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون ) لماذا اختار الإمام أحمد ! إمام أهل السنة و الجماعة الإمام أحمد هو إمام السنة و الجماعة معروف و الذي ثبت في يوم المحنة خص الإمام أحمد لكونه هو إمام السنة و إلا فأهل السنة كلهم على هذا.

قال (وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه ) هذا دعاء له نضر الله وجهه الرسول ﷺ قال نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي فأداها كما جاءت ( وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضر الله وجهه قائلون ولمن خالف قوله مجانبون ) لماذا اختار الإمام أحمد ! قال ( لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل ) يعني كامل كمالا نسبيا و إلا ليس هناك كمال للبشر الكامل هو الرسول عليه الصلاة و السلام هو أكمل الخلق لكن المقصود الكمال البشري الذي يليق وإلا هذه العبارة ( الرئيس الكامل ) ليس هناك كامل أبدا البشر شأنهم النقص و النبي ﷺ هو الكامل من بني آدم.

( و الرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال ) لما في عهد المأمون لما كان رئيس القضاة أحمد معتزليا و تسلط على الإمام أحمد و تسلط على العلماء و الأئمة بواسطة الخليفة و ألزمهم بمذهب المعتزلة بالقول إن القرآن مخلوق و الذي لا يقول ذلك يؤتى به مكبلا بالحديد و أخذ العلماء و كبلوا بالحديد و من أجاب ترك و من لم يجب وضع في السجن و منهم من مات, و الإمام أحمد ثبت ثبات الجبال الراسيات, يضرب و يجر و يغمى عليه و هو ثابت , المكره معذور له أليس كذلك ! الله تعالى يقول إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ و تأولوا بعض أقران الإمام أحمد و كانوا مكرهين و لهم عذر في هذا قيل للإمام أحمد تأول رحمك الله أنت أوذيت و ضربت و يسحب و يغمى عليه تأول , فقال للقائل له : لا أستطيع أن أتأول لأني إذا تأولت ضليت الناس و قال للقائل : أنظر إلى رحبة دار الخليفة فإنها مليئة رحبة واسعة ملأت بالكتاب كل واحد معه قلم و كذا يريد أن يكتب مقال في الإمام أحمد حق أو باطل, هل ترى أضل هؤلاء ! كلا بل أموت و لا أضلهم , ثبت ثبات الجبال الراسيات حتى نجاه الله و سلم من هذه المحنة، ولهذا يقول العلماء إن الله نصر هذا الدين و ثبت هذا الدين باثنين أبو بكر الصديق يوم الردة و أحمد بن حنبل يوم المحنة.

قال ( الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين ) يعني الإمام أحمد ( فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين وجملة قولنا ) انظر عقيدته هذه العقيدة ( أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله ) هذه أركان الإيمان ( وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله إله واحد ، فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله؛ وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) الأشاعرة ينكرون الاستواء يقولون إنه ليس من الصفات الذاتية ( كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وأن له وجها كما قال: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وأن له يدين كما قال: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) الأشاعرة يفسرون اليد بالقدرة و النعمة ( وأن له عينين بلا كيف كما قال: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) إثبات العينين ثابت لله لكن ليست الدليل هذه الآية الدليل حديث الدجال أن الدجل أعور بعينه اليمنى و أن ربكم ليس بأعور فالدجال أعور و الأعور الذي ليس له إلا عين واحدة و الله ليس بأعور له عينان سليمتان هذا هو الدليل الآية هذه فيها إثبات رؤية تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا قالوا بمرأى منا و بحفظنا و كلاءتنا فيه إثبات الرؤية لكن ليس فيه إثبات العينين من هذه الآية هذا الذي وصل إليه فهمه, إثبات العينين من حديث الدجال و ليس من هذه الآية, و هذه الآية فيه إثبات الرؤية تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا بمرأى منا و بحفظنا و كلاءتنا سفينة نوح.

قال ( وأن من زعم أن اسم الله غيره كان ضالا، وأن الله علما كما قال: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، ونثبت لله قدرة، ونثبت له السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والخوارج و الجهمية ونقول: إن كلام الله غير مخلوق ) هذا فيه رد على المعتزلة , المعتزلة تقول إن كلام الله مخلوق ( وإنه لا يكون في الأرض شيء من خير أو شر إلا ما شاء الله ) هذا في إثبات القدر ( وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة له؛ كما قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، وإن الخير والشر بقضاء الله وقدره.

 ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن كان كافرا ). على العموم من قال إن القرآن مخلوق كافر لكن المعين لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة لكن عل العموم.

( وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة ) إثبات الرؤية و هذه ينكرها المعتزلة و الأشاعرة يثبتون الرؤية لكن في غير جهة ( كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ. ونقول: إن الكافرين؛ إذا رآه المؤمنون  هم عنه محجوبون؛ كما قال الله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ 

ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان ) و هذا هو الصواب الإسلام أوسع من الإيمان و الإيمان أوسع من الإحسان. و ذلك أن الإسلام يطلق على العاصي و على المطيع لكن الإيمان لا يطلق على العاصي ما يقال مؤمن إلا بقيد العاصي يقال مسلم و لا يقال مؤمن إلا بقيد يقال مؤمن ضعيف الإيمان مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. فهذا يدل على أن الإسلام أوسع, كما أن الإيمان أوسع من الإحسان كل مؤمن مسلم و ليس كل مسلم مؤمن و كل محسن مؤمن و ليس كل مؤمن محسن, فالإسلام أوسع دائرة ثم الإيمان أوسع دائرة ثم الإحسان أضيقها.

قال ( و نقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا، وندين أن الله تعالى مقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع  ) الأصابع أنكرها الأشاعرة والمعتزلة  ( كما جاءت الرواية به عن رسول الله ﷺ، وأن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص ) هذا فيه رد على المرجئة ما يقول بقول المرجئة يقولون إن الإيمان هو التصديق فقط و لا تدخل الأعمال في مسمى الإيمان الحسن الأشعري رجع عن مذهبه السابق أثبت ما دلت عليه النصوص و ما عليه أهل السنة و الجماعة أن الإيمان قول و عمل يزيد و ينقص.

( ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا ) النزول أنكره الأشاعرة ما يثبتونها و المعتزلة  ( وأن الرب يقول: هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل، ولا نبتغ في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) الأشاعرة يقولون جاء أمره أنا قرأت في تفسير الجلالين وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا جاء أمره على مذهب الأشاعرة تفسير بعضهم يقول جاء الملك و بعضهم كذلك النزول يقول ينزل أمره و بعضهم يقول ينزل ملك و هذا كله تأويل.

( وإن الله يقرب من عباده كيف شاء؛ كما قال: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) هذه الآية قال بعض أهل العلم و نحن أقرب إليه لم يعد إلى الله و أنه أقرب إليه يعني بالعلم,  و قال بعضهم بالقدرة و الرؤية, شيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن هذه الآية في الملائكة قال و نحن أقرب إليه بالملائكة يعني ملائكتنا أقرب إلى العبد من حبل الوريد بدليل أنه قيده بالظرف فقال إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ وقت تلقي المتلقيان قال و لو كان المراد قرب الله لما قيد بالظرف و بعض العلماء يرى أن الضمير يعود إلى الله لكن قرب الله بالعلم و القدرة و الرؤية. ( وكما قال: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى  ۝ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ) هذه الآية في جبريل دنا جبريل قرأ سورة النجم ثم دنا من الرسول ﷺ فكان قاب قوسين , جاء في حديث الإسراء و المعراج ( دنا ) أنه دنو الرب و تدليه, فيؤخذ منه وصف الله بالدنو و التدلي.

( إلى أن قال: ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء ) إلى آخره ثم قال ( ونحتج ) كل مسألة من هذه المسائل نجعلها بابا مستقلا و نحتج بها بابا , بابا .

( المتن )

قال شمس الدين الذهبي رحمه الله: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن و لزموها لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلا قوة إلا بالله, و كان أبو الحسن الأشعري أولا معتزلا أخذ عن أبي علي الجبائي .

( الشرح )

الجبائي هذا من المعتزلة له الأصول الخمسة معتزلي معروف من أكابر المعتزلة أظنه كان زوجا لأمه فتأثر به أبو الحسن فصار معتزليا ثم هداه الله فتحول إلى مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب ثم تحول إلى مذهب أهل السنة و الجماعة .

( المتن )

ثم نابذه و صار متكلما للسنة .

( الشرح )

نابذه يعني خالفه خلافا شديدا المنابذة هي المخالفة و المفارقة .

( المتن )

 و وافق أئمة الحديث في جميع ما يقولون و هو ما سقناه عنه و كان يتوقد ذكاء توفي سنة أربع و عشرين و ثلاثمائة و له من العمر أربع و ستون سنة رحمه الله تعالى .

( الشرح )

هذا الكلام للذهبي للحافظ الذهبي قال ( فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن و لزموها لأحسنوا ) لأن أبا الحسن رجع إلى مذهب أهل السنة و الجماعة (ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل ) يعني الفلاسفة (في الأشياء، ومشوا خلف المنطق ) فضلوا , قال ( فلا قوة إلا بالله ) و بين أن أبا الحسن كان معتزليا أخذ عن زوج أمه الجبائي ثم نابذه و خالفه و تحول إلى معتقد أهل السنة و الجماعة و وافق أئمة الحديث هكذا قرر الإمام الذهبي .

( المتن )

ذكر قول أبي الحسن علي بن مهدي الطبراني

المتكلم، تلميذ الأشعري في كتاب (مشكل الآيات) له في باب قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء؛ كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، و استويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، و استوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي.

فالقديم عال على عرشه. يدلك على أنه في السماء عال على عرشه: قوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، وقوله: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ.

  و زعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق أي استولى عليها، قال: ويدلك على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء لأنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه، دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله، ثم يقال له أيضا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان أي استولى، إذا تمكن بعد أن لم يكن متمكنا. فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.

ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ؟

قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ  بمعنى على الأرض، وقوله: وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ

فإن قيل: ما تقولون في قول الله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ قيل له: إن بعض القوم يجعل الوقف على السَّمَاوَاتِ، ثم يبتدئ: وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ، وكيفما كان، فلو أن قائلا قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما.

( الشرح )

هذا النقل عن أبي الحسن علي بن مهدي الطبري المتكلم تلميذ الأشعري في كتابه (مشكل الآيات), و هذه النقول المؤلف يؤيد بها مذهب أهل السنة و الجماعة و يبين أن أهل السنة و الجماعة كلهم على هذا قاطبة و يبين أن هذا هو الحق و أن مذهب المعتزلة و مذهب الأشاعرة مذهب باطل.

هذا أبو الحسن علي المهدي قرر مذهب أهل السنة و الجماعة في كتابه مشكل الآيات قال ( له في باب ) بوب كتابه , قال ( قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى اعلم أن الله السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه ) هذا تفسير للعلو تفسير للمعنى و ليس المراد تفسير الكيفية , الكيفية لا تعلم كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم و الكيف مجهول, فأبو الحسن هنا يفسر الاستواء يفسر المعنى اللغوي قال (اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه) قلت لكم إن الاستواء له أربعة معاني استقر و علا و صعد و ارتفع هنا أتى بأحدها ما هي ! علا , استقر و علا و صعد و ارتفع و على هذه المعاني الأربعة تدور تفاسير السلف في الاستواء, و يثبتون أن الله مستو على عرشه بهذه المعاني الأربع على كيفية الله أعلم بها, كما قال الإمام مالك الاستواء معلوم على كيفية الله أعلم بها كيفية ما نعلمها كما قال مالك الاستواء معلوم معناه في اللغة العربية مثل العلم , العلم نعلم أنه ضد الجهل لكن كيفية علم الله لا نعلمها نثبت لله القدرة و القدرة معناها ضد العجز لكن الكيفية لا نعلمها الاستواء معناه العلو و الارتفاع و الصعود و الكيفية لا نعلمها.

فهنا قال يفسر المعنى اللغوي للاستواء فقال ( اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه ومعنى الاستواء الاعتلاء ) يعني العلو ( كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة ) هنا يبين لك أنه فسر الاستواء بالمعنى اللغوي (كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة و استويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، و استوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي ) واضح ! هذا تفسير لأي شيء ! للمعنى اللغوي للاستواء.

قال ( فالقديم عال على عرشه. يدلك على أنه في السماء عال على عرشه: قوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) يعني من في العلو المراد بالسماء العلو و ( في ) للظرفية و كل شيء سما فهو علو و الله تعالى له أعلى العلو و هو ما فوق العرش.

( ، وقوله: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) و الرفع يكون من أسفل إلى أعلى فدل على أن الله في العلو, فالله تعالى فوق المخلوقات كلها و منها العرش, لكن العرش استوى الله عليه استواء يليق بجلاله, هذا علو خاص الاستواء علو خاص على العرش, و إلا فالله تعالى عال على جميع المخلوقات و منها العرش, لكن الاستواء هذا وصف خاص يليق بجلال الله و عظمته استوى عليه على كيفية الله أعلم بها.

قال( و زعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء ) هذا تأويل الأشاعرة يقولون استوى استولى ( مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق أي استولى عليها ) الأشاعرة يستدلون على تأويل الاستواء بالاستيلاء بالبيت :

قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق

و هذا البيت مصنوع و روي أيضا قد استولى بشر على العراق. و تأويل استوى باستولى تأويل باطل, و استولى هذا تأويل الأشاعرة و الأشاعرة فيهم تجهم, و لهذا العلماء يقولون الجهمية ثلاثة أقسام : جهمية المحضة و الجهمية المعتزلة و الجهمية الأشاعرة. و ابن القيم رحمه الله يقول : تأويل الاستواء باستولى تأويل باطل لأن الجهمية زادوا لاما على كتابه , الله قال استوى كيف تزيد لام ! و قال إن لام الجهمية و الأشاعرة مثل نون اليهود , اليهود قال الله لهم قولوا حطة فزادوا نون و قالوا حنطة وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ زادوا نونا فقالوا حنطة و الجهمية قال الله اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فزادوا لاما و قالوا استولى فقال لام الجهمية مثل نون اليهود , نون اليهود في حنطة مثل لام الجهمية في استولى , و الأشاعرة فهي زيادة باطلة.

( قال: ويدل على أن الاستواء هاهنا ليس بالاستيلاء ) يرد على من قال بالاستيلاء ( لأنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه، دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله ) يقول لو كان معنى استوى استولى لما خص العرش لكان قال استولى على العرش و استولى على الأرض و استولى على السماء و استولى على الجبال كلها مستول عليها, لكن ليس المراد بالاستواء الاستيلاء, بل المراد الاستواء الخاص, استوى استواء على العرش علوا على كيفية الله أعلم بها, و لو كان المراد الاستيلاء لما خص العرش كل الملك استولى عليه استولى على كل شيء فلماذا يخص العرش ! استولى على الأرض استولى على السماء استولى على كل شيء, فلما خص العرش بالاستواء دل على أنه غير الاستيلاء و أنه استواء حقيقي.

قال ( ثم يقال له أيضا ) في الرد على من قال إن الاستواء الاستيلاء ( إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان أي استولى، إذا تمكن بعد أن لم يكن متمكنا. فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء ) يعني يقول لو كان تأويل الاستواء بالاستيلاء تأويل باطل, لأن الاستيلاء لا يكون إلا لمن كان عاجزا  ثم قدر. مثل شخص أو رؤساء رئيسين أو ملكين كل واحد منهما يغالب الآخر يقاتله فلما غلبه استولى على ملكه, فالاستيلاء لا يكون إلا بعد الغلبة و هل العرش يغالب الله حتى يقال إنه كان ممتنعا ثم استولى عليه ! ما كان العرش ممتنعا و لم يكن عاجزا ثم غلب, إنما يقال استولى لمن كان عاجزا ثم قدر و تمكن فيقال استولى عليه بعد أن كان عاجزا , و هذا لا يقال في حق الله العرش لم يكن يغالب الله و لم يكن ممتنعا حتى يقال إنه استولى عليه بعد العجز فتأويل الاستواء بالاستيلاء تنقص للرب و أنه كان عاجزا ثم قدر.

( ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ ) ( في ) بمعنى على , على الأرض و ( في ) قلنا تكون للظرفية و إذا أريد بها الطباق المبنية أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ تفسر ( في ) بمعنى على , استوى في السماء أي على السماء فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أي على الأرض, و لها مثيل قال الله تعالى  ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) هل المعنى أنه يخرق جذوع النخل ثم يدخله فيها ! لا ( في ) بمعنى على , على جذوع النخل.

( فإن قيل: ما تقولون في قول الله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ) هذه من حجج الجهمية الذين يقولون إن الله حل في كل مكان هذه من شبههم يشبهون و يستدلون بهذه الآية و يستدلون بآية وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ  فالجهمية يقولون إن الله في السماء و في الأرض و في كل مكان فإذا قيل لهم هذا كفر و ضلال قالوا عندنا دليل من القرآن , ما هو دليلكم قالوا هذه بآية وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ  دلت الآية على أن الله في السماوات و في الأرض إذا هو في كل مكان, الطبري ماذا أجاب ( قيل له: إن بعض القوم يجعل الوقف في السَّمَاوَاتِ،، ثم يبتدئ: وَفِي الْأَرْضِ ) يقول بعض العلماء قال وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ الوقف ثم يكمل وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ بعض العلماء قال الوقف على وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ ثم ابتدأ قال وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ قيد بالعلم. و قال آخرون من أهل العلم في تأويلها غير هذا وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ  يعني إله من في السماوات و إله من في الأرض كما في الآية الأخرى وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ  يعني معبود في السماء و معبود في الأرض وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ  يعني معبود من في السماء و معبود من في الأرض.

قال المؤلف ( فلو أن قائلا قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما ) إذا قيل فلان في الشام و العراق ملك هل المعنى أن ذاته في الشام و العراق أم أن ذاته في أحدهما المراد ملكه في الشام و ملكه في العراق أما بدنه في واحد منهما , فلان في الشام و العراق ملك, هل يفهم منها أن ذاته في الشام و العراق ! لا , يفهم منها أنه ملك الشام و ملك العراق و بدنه في واحد منهما, و لله المثل الأعلى فمعنى قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ) أنه معبود من في السماوات و من في الأرض و ذاته فوق العرش .

( المتن )

ذكر قول الإمام الزاهد أبي عبد الله ابن بطة قال في كتاب (الإبانة) وهو ثلاثة مجلدات: باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه.

أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين على أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه.

فأما قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ فهو كما قالت العلماء.

واحتج الجهمي بقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، فقال: معنا وفينا، وقد فسر العلماء أن ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.

ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه، فذكره عن الضحاك، والثوري، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وكان ابن بطة من كبار الأئمة ؛ سمع من البغوي وطبقته، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة رحمه الله تعالى .

( الشرح )

المؤلف رحمه الله لا يزال ينقل عن العلماء تقرير معتقد أهل السنة و الجماعة و أن أهل السنة و الجماعة كلهم قاطبة على ما دلت عليه النصوص.

نقل هنا عن عبد الله ابن بطة في كتابه المشهور كتاب الإبانة في أصول الديانة قال ( باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه ) انظر ( باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه ) بائن منفصل عن خلقه غير مختلط بهم ( وعلمه محيط بخلقه ) علمه محيط بكل شيء و هو سبحانه فوق العرش.

قال ( أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين على أن الله على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه ).

قال ( فأما قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ فهو كما قال العلماء ) أي بعلمه و إحاطته و هو فوق العرش.

قال ( واحتج الجهمي بقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، فقال: معنا وفينا ) الجهمي الذي يقول إن الله في كل مكان و استدل بهذه الآية مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ، قال الجهمي معنا و فينا في الأرض الرب معنا و فينا.

قال ( وقد فسر العلماء أن ذلك علمه ) مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ، يعني بعلمه و إحاطته و اطلاعه و هو فوق العرش. قد يقول قائل هذا تأويل كيف تأولتم ! و هو معكم ثم قلتم بعلمه , الجواب : لا نقول تأويل, لأننا أخذناه من نفس الآية , انظر الآية افتتحها الله بالعلم و اختتمها بالعلم, قال أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إذن هذا العلم مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثم ختم الآية إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. فافتتحها بالعلم و اختتمها بالعلم فدل على أنها معية علم ثم إن المعية في لغة العرب لا تفيد الاختلاط و لا الامتزاج المعية في لغة العرب لمطلق المصاحبة معك أي مصاحب لك و لا تقتضي الاختلاط و لا الامتزاج و لا المحاذاة تقول العرب : ما زلنا نسير و القمر معنا , القمر يعني مماس لك ! , ما زلنا نسير و القمر معنا المتاع معي و هو فوق رأسك.

ثم قال ( ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه ) يعني من أهل العلم سرد أقوال العلماء الذين فسروا الآية بأنها معية علم  .

( المتن )

ذكر قول الإمام أبي محمد بن أبي زيد المغزلي القيرواني شيخ المالكية في وقته

قال في أول رسالته المشهورة في مذهب الإمام مالك: وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه.

قال الإمام أبو بكر محمد بن وهب المالكي شارح رسالة ابن أبي زيد لما ذكر قوله "وأنه تعالى فوق عرشه المجيد": معنى "فوق" و"على"

( الشرح )

 يعني معنى ( فوق ) و معنى ( على ) واحد الفوقية و العلو واحد .

( المتن )

معنى "فوق" و"على" واحد عند جميع العرب، ثم ساق الآيات والأحاديث، إلى أن قال: وقد تأتي لفظة "في" في لغة العرب بمعنى "فوق"؛ كقوله: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ قال أهل التأويل: يريد فوقها. وهو قول مالك مما فهمه عن التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ: أن الله في السماء، يعني فوقها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد إنه فوق عرشه، ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته بائن عن جميع خلقه، بلا كيف، وهو بكل مكان بعلمه لا بذاته، فلا تحويه الأماكن؛ لأنه أعظم منها. انتهى كلام الشارح.

( الشرح )

المؤلف رحمه الله ينقل الأقوال عن أهل العلم حتى يطمئن طالب العلم , يطمئن أن أهل العلم كلهم قاطبة, و أنهم يأخذون بالنصوص و أنهم مخالفون لقول الأشاعرة و المعتزلة و الجهمية من كل مذهب من الشافعية و نقل من المالكية و الحنابلة و عن المتقدمين و عن المتأخرين كلهم يقرون مذهب أهل السنة و الجماعة.

هذا الإمام محمد ابن أبي زيد مالكي المذهب لكنه سلفي المعتقد على ما عليه السنة, قال في رسالته المشهورة عن الإمام مالك ( وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته ) فوق العرش ( وأنه في كل مكان بعلمه ) علمه في كل مكان و ذاته فوق العرش.

ثم قال الشارح , الرسالة لها شارح شارحها من هو؟ محمد بن وهب المالكي ( وأنه تعالى فوق عرشه المجيد": معنى "فوق" و"على" واحد ) فوق عرشه يعني على عرشه معنى ’ على ’ و ’ فوق ’ واحد ( عند جميع العرب، ثم ساق الآيات والأحاديث.

إلى أن قال: وقد تأتي لفظة "في" في لغة العرب بمعنى "فوق" ), ثم أتى بالأمثلة قال (  كقوله: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ) ما معنى فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا  أي امشوا فوق مناكبها ففي هنا جاءت بمعنى فوق ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) ( في ) يعني فوق السماء ( قال أهل التأويل: يريد فوقها. وهو قول مالك ) يعني فهم هذا الإمام مالك ( مما فهمه عن التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ: أن الله في السماء، يعني فوقها ) يقول هذا الفهم ليس فهم أهل البدع, هذا فهمه مالك أن ( في ) بمعنى فوق و مالك فهمه عن التابعين و التابعين فهموه عن الصحابة و الصحابة فهموه عن النبي ﷺ، إذن هذه السلسلة , السلسة ترتبط بالرسول عليه الصلاة و السلام.

قال ( فلذلك قال الشيخ أبو محمد أنه فوق عرشه، ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته بائن عن جميع خلقه، بلا كيف، وهو بكل مكان بعلمه لا بذاته، فلا تحويه الأماكن؛ لأنه أعظم منها ) .

( المتن )

وذكر ابن أبي زيد في كتاب الفرد في السنة تقرير العلو، واستواء الرب على العرش بذاته، وقرره أتم تقرير وقال في مختصر المرونة: وأنه تعالى فوق عرشه بذاته، فوق سماواته دون أرضه.

قال الحافظ الذهبي لما ذكر قول ابن أبي زيد: و أنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته: قد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي حفص بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له، فإنه قال: وأئمتنا كالثوري ومالك و الحمادين .

( الشرح )

حماد بن سلمة و حماد بن زيد  .

( المتن )

وابن عيينة وابن المبارك و الفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان. وكذلك أطلقها ابن عبد البر، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال في أخبار شتى: إن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه وكذا قال أبو الحسن الكرخي الشافعي في تلك القصيدة:

عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب

وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح .

( الشرح )

هذا أيضا نقل عن أبي زيد في كتابه الذي سماه الفرد في السنة و أنه قرر العلو و استواء الرب على العرش بذاته ( وقرره أتم تقرير ) هذا فيه الرد على الجهمية الذين أنكروا علو الله على عرشه و قالوا إنه في كل مكان.

و كذلك قال ( الحافظ الذهبي لما ذكر قول ابن أبي زيد: و أنه تعالى فوق عرشه المجيد : قد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي حفص ) يعني أن الله في العرش بذاته و أبو النصر السجزي كلهم وافقوا على هذا  ثم قال ( وأئمتنا كالثوري ومالك و الحمادين وابن عيينة وابن المبارك و الفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان ) يعني مخالف لقول الجهمية ( وكذلك أطلقها ابن عبد البر ) أن الله فوق العرش ( وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري ) قال إن الله فوق العرش بذاته ( فإنه قال في أخبار شتى: إن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه وكذا قال أبو الحسن الكرخي ) قال:

عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب

قصد المؤلف من هذا حتى يطمئن طالب العلم وأن أهل العلم قاطبة من كل مذهب كلهم على إنكار قول الجهمية, و أن قول الجهمية أن الله في كل مكان كفر و ضلال, الجهمية يقولون مختلط بالمخلوقات حتى قالوا إنهم لم ينزهوا الله عن بطون السباع و أجواف الطيور تعالى الله عما يقولون في كل مكان حتى في بطون السباع و حتى في أجواف الطيور و حتى في الأماكن القذرة تعالى الله عما يقولون .

( المتن )

وهذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.

وكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ والشيخ عبد القادر الجيلي والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة والله تعالى خالق كل شيء بذاته ومدبر الخلائق بذاته بلا معين و موازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه معنا وبين كونه فوق العرش، فهو معنا بالعلم وهو على العرش كما أعلمنا حيث يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.

وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمنا، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام.

وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب، وكان يلقب بمالك الصغير، وكان غاية في معرفة الأصول، وقد نقموا عليه في قوله بذاته، فليته تركها, انتهى كلام الذهبي

توفي ابن أبي زيد سنة ستة و ثمانين و ثلاثمائة و قيل سنة تسع و ثمانين و ثلاثمائة رحمه الله تعالى .

( الشرح )

هذا النقل عن هذه اللفظة عقيدة أهل الحديث يعني أنه فوق العرش بذاته أحمد بن ثابت و عبد القادر الجيلي و عبد العزيز القحيطي و طائفة قال ( والله تعالى خالق كل شيء بذاته ومدبر الخلائق بذاته بلا معين و موازر ) و قال مقصود أبو زيد ( التفرقة بين كونه معنا وبين كونه فوق العرش، فهو معنا بالعلم ) و إحاطته و اطلاعه فهو معنى بالعلم ( وهو على العرش كما أعلمنا حيث يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء  ) تلفظ بكلمة يعني قولهم إن الله فوق العرش بذاته ( كما قدمنا، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام ) قال ابن أبي زيد هذا من العلماء العاملين و كان يلقب بمالك الصغير, قال و كان غاية في المعرفة , الذهبي يقول إن بعض العلماء أنكر عليه قوله بذاته لو قال فوق العرش وسكت يقول ( فليته تركها ) لكنه مقصوده هنا الرد على الجهمية الذين يقولون إنه اختلط بمخلوقاته هذا مقصد العلماء و مقصد المؤلف كما سبق يريد أن ينقل أكبر قدر ممكن من النقول عن أهل العلم ليطمئن طالب العلم حتى يكون على ثقة بأن عقيدة أهل السنة و الجماعة هي الحق و أن أهل البدع على ضلال و انحراف .

( المتن )

ذكر قول القاضي أبي بكر الطيب الباقلاني الأشعري قال في كتابه ( التمهيد في أصول الدين ) وهو من أشهر كتبه:

فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان؟ قلنا: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وقال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، والمواضع القذرة التي يرغب عن ذكرها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

كما قال في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ المراد أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض؛ كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المصرين، أي عند أهلهما، وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم تعالى وقوله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى محمول على هذا التأويل وقوله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ يعني أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم، وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن، فلا يجوز أن يقال قياسا على هذا: إن الله بالقيروان ومدينة السلام ودمشق، وإنه مع الثور والحمار، وإنه مع الفساق ومع المصعدين إلى حلوان؛ قياسا على قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فوجب التأويل على ما وصفنا ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق؛ لأن الاستواء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا. وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فبطل ما قالوه.

ثم قال:  فإن قال قائل: ففصلوا لنا صفات ذاته من صفات أفعاله لنعرف ذلك. قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها، وهي: الحياة، والقدرة، و العلم والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والبقاء، والوجه، واليدان، والعينان، والغضب، والرضاء. وصفات فعله هي: الخلق، والرزق، والعدل، والإحسان، والتفضيل، والإنعام، والثواب، والعقاب، والحشر، والنشر، وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها.

ثم ساق الكلام في الصفات وقال في كتاب (الذب عن أبي الحسن الأشعري) : كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله؛ إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا؛ كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه.

إلى أن قال: وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير؛ كما روى عن الزهري، وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل. انتهى.

قال الحافظ شمس الدين الذهبي لما ذكر كلامه هذا: فهذا نص هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب ونفي الصفات وردها، صم بكم، عمي عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

توفي القاضي أبو بكر الباقلاني في سنة ثلاثة و أربعمائة و هو في عشر السبعين رحمه الله تعالى .

( الشرح )

هذا النقل عن القاضي أبي بكر الطيب الباقلاني الأشعري هذا من أفضل الأشاعرة و أحسنهم و هو يلي أبي الحسن الأشعري, و في هذا النقل يبين أنه رجع عن مذهب الأشاعرة و أنه على طريقة أهل السنة و الجماعة مثل أبي الحسن و هو معروف.

يقول ( ذكر قول القاضي أبي بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري ) وصفه بأنه أشعري لكن في هذا الكلام يدل على أنه يقول و يعتقد ما يعتقده أهل السنة و أنه ليس على مذهب الأشاعرة.

( قال في كتابه ( التمهيد ) معروف هذا الكتاب اسمه التمهيد, و هو من أحسن الأشاعرة و أفضلهم.

قال (فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان؟ قلنا: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه  ) لأن القول بأنه في كل مكان كفر و ضلال و هو قول الجهمية ( كما أخبر في كتابه، فقال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى وقال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ولو كان في كل مكان ) لو كان في كل مكان كما تقول الجهمية ( لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، والمواضع القذرة التي يرغب عن ذكرها، تعالى الله عن ذلك.

كما قال في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ) قال ( المراد أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض؛ كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المصرين، أي عند أهلهما، وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق ) المصريين الحجاز و العراق, هل معنا ذلك أنه موجود هنا و هناك ! لا المراد أنه مطاع عند أهلها و ذاته عند واحد منهما.

( وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ يعني بالحفظ والنصر والتأييد ) هذا معنى المعية الخاصة , المعية عند أهل العلم نوعين , معية خاصة كهذه الآية و معية عامة للمؤمن و الكافر و معية خاصة بالمؤمن إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ هذه معية حفظ و نصر و تأييد (  ولم يرد أن ذاته معهم تعالى وقوله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) هذه معية خاصة ( محمول على هذا التأويل وقوله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ  ) هذه معية عامة للمؤمن و الكافر ( يعني أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم ).

قال ( وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن، فلا يجوز أن يقال قياسا على هذا: إن الله بالقيروان ومدينة السلام ودمشق ) ما يقال هذا ( وإنه مع الثور والحمار، وإنه مع الفساق ومع المصعدين إلى حلوان؛ قياسا على قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) لأن المعنى معية حفظ و نصر و تأييد و هو فوق العرش و هو مع المحسنين بحفظه و كلئه و نصره و هو مع الناس كلهم مع الخلق كلهم بعلمه و إحاطته و اطلاعه و ذاته فوق العرش ( فوجب التأويل على ما وصفنا ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو الاستيلاء، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق؛ لأن الاستواء هو القدرة والقهر ) هذا الأشاعرة المتقدمون الأولى لا يقولون الاستواء بمعنى الاستيلاء لكن يقولون الاستواء بمعنى القدرة و القهر, و هذا خاطئ, الاستواء معناه العلو و الارتفاع كما سبق علا و ارتفع و صعد, و هذه من الأشياء التي بقيت عليه (  والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا.

وقوله: ثُمَّ اسْتَوَى يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن ) أنه استوى ( فبطل ما قالوه ) أن معناه الاستيلاء.

( ثم قال:  فإن قال قائل: ففصلوا لنا صفات ذاته من صفات أفعاله ) سبق لنا أن صفات ذاته لا تنفك عنه و صفات الأفعال التي تتعلق بالمشيئة و الاختيار, ( قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها ) لا ينفك عنها  ( وهي: الحياة، والقدرة، و العلم والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والبقاء،والرحمة, والوجه، واليدان، والعينان، والغضب، والرضاء ) و الغضب و الرضا هذه من صفات الأفعال لكن هو عدها من صفات الذات قال ( وصفات فعله هي: الخلق، والرزق، والعدل، والإحسان، والتفضيل، والإنعام، والثواب، والعقاب، والحشر، والنشر ) الصواب أن الغضب و الرضا من صفات الأفعال كما سبق (  وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها ثم ساق الكلام في الصفات.

وقال في كتاب (الذب عن أبي الحسن الأشعري) ) له كتاب القاضي اسمه الذب عن أبي الحسن الأشعري ( كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله؛ إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إن الله يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام ) كما قال الله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ صفة الإتيان ( وإنه ينزل إلى السماء الدنيا؛ كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه.

إلى أن قال: وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير ) بغير تكييف هذا الذي قاله المؤمنون أم زيادته بلا تحديد و لا تجنيس و لا تصوير هذه من الأشياء التي بقيت عليه ولا حاجة إليها بلا تصوير و لا تجنيس يكفي بلا كيف ( كما روي عن الزهري، وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل انتهى.

قال الحافظ شمس الدين الذهبي ) تعليقا عليه ( فهذا نص هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وتبصره بالملل والنحل ) يثني عليه ( فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب ) النفي , يقول هذا إمام يثبت لكن امتلأ الوجود بقوم لا يعرفون السلف الصالح و لا يعرفون إلا السلب و نفي الصفات السلب هو النفي ليس بكذا ليس بعليم ليس بقريب ليس بسميع سلب و نفي.

ثم قال ( وردها، صم بكم، عمي عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل ) يدعون إلى تحكيم العقل و لا يردون النقل النصوص الأدلة المذكورة في الكتاب و السنة قال ( فإنا لله وإنا إليه راجعون ) هؤلاء ردوا النصوص و عملوا بالعقل .

( المتن )

ذكر قول الإمام الحافظ أبي عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي

قال في كتاب ( الأصول ) ، وهو مجلدان: أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على الحقيقة لا على المجاز. ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان.

ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع أهل السنة على أن معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء هذا لفظه في كتابه.

فانظر إلى حكاية إجماع السلف من المسلمين من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته، وأطلق هذه اللفظة غير واحد من أئمة المسلمين و السنة، وحكاها كثير من العلماء عن الأئمة الكبار؛ كما تقدم عن الحافظ أبي نصر السجزي وغيره، فكيف نقموها على ابن أبي زيد وحده؛ لما ذكرها في رسالته كما ذكره الذهبي.

وكان الطلمنكي هذا من كبار الحفاظ وأئمة القرآن بالأندلس، عاش بضعا وثمانين سنة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة.

( الشرح )

هذا النقل عن الحافظ أبي عمر الأندلسي الطلمنكي المالكي كما سبق المؤلف ينقل عن الأئمة و العلماء و المتقدمين و المتأخرين من كل مذهب حتى يطمئن طالب العلم أن عقيدة أهل السنة و الجماعة هي الحق كما دلت عليه النصوص و أن العلماء قرروا ذلك.

قال في هذا ( أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته ) قصده من ذلك الرد على الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان.

( وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على الحقيقة لا على المجاز ) للرد على الجهمية ( ثم ساق بسنده عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان.

ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع أهل السنة على أن معنى قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه ) و سبق أن قلنا أن هذه معية علم و أن هذا ليس بتأويل لأن الله افتتح الآية بالعلم و اختتمها بالعلم فدل على أن هذه معية علم قال ( و إن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه كيف شاء ) قال وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ يعني معهم بعلمه و إحاطته و اطلاعه و هو فوق العرش بذاته قال ( هذا لفظه في كتابه ).

ثم قال تعلقا على ذلك ( فانظر إلى حكاية إجماع السلف من المسلمين من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته ) قال ( وأطلق هذه اللفظة غير واحد من المسلمين و أئمة السنة ) بذاته , أطلقوها للرد على الجهمية اضطروا إلى هذا ( وحكاها كثير من العلماء عن الأئمة الكبار؛ كما تقدم عن الحافظ أبي نصر السجزي وغيره ) يقول الذهبي ( فكيف نقموها عن أبي زيد وحده ) يعني كيف يعيبون على أبي زيد حينما قال فوق السماء بذاته مع أن العلماء ذكروها كيف ينقمون عليه و يعيبون عليه مع أن جمعا من أهل العلم أطلقوها ( فكيف نقموها على أبي زيد وحده لما ذكرها في رسالته كما ذكره الذهبي ).

ثم ذكر أنه طلمنكي من كبار الحفاظ و من أئمة القرآن بالأندلس و أنه من العلماء المعتبرين.

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد