بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا يا رب العالمين.
(المتن)
قال المصنف الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام:
ثم استمر مزيد الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعد موته، وأكثر قرن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة، كبدعة القدر، وبدعة الخوارج، وهي التي نبه عليها الحديث بقوله: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم»؛ يعني: لا يتفقهون فيه، بل يأخذونه على الظاهر؛ كما بينه حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما الآتي بحول الله. وهذا كله في آخر عهد الصحابة رضي الله عليهم.
ثم لم تزل الفرق تكثر حسبما وعد به الصادق صلى الله عليه وسلم:
في قوله: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
وفي الحديث الآخر: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب، لاتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» وهذا الحديث أعم من الأول، فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء، وهذا الثاني عام في المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله.
(الشرح)
هذا أعم من الأول، الحديث الأول «لتتبعن سنن من كان قبلكم» خاص بأهل الأهواء؛ يعني أهل البدع، وهذا عام في الأهواء وفي غيرها.
(المتن)
«فإن الأول عند كثير من أهل العلم خاص بأهل الأهواء»
(الشرح)
يعني أهل البدع، الأهواء هم أهل البدع، «لتتبعن سنن من كان قبلكم»؛ وهذا عام.
(المتن)
وهذا الثاني عام في المخالفات، ويدل على ذلك من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم».
وكل صاحب مخالفة، فمن شأنه أن يدعو غيره إليها، ويحض سواه سواه عليها.
(الشرح)
حتى يشارك في فعلها، هذا معروف، صاحب البدعة يحض غيره عليها، ليفعل البدعة حتى يكون معه.
(المتن)
إذ التأسي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلة.
(الشرح)
موضعه، أم موضوع؟
الطالب: (موضوع)، كذا يا شيخ.
الشيخ: يعني الجبلة تدعو إلى ذلك، وطبيعة الإنسان.
(المتن)
وبسببه تقع من المخالف المخالفة، وتحصل من الموافق المؤالفة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين.
وكان الإسلام في أوله وجدته مقاومًا بل ظاهرًا، وأهله غالبين، وسوادهم أعظم الأسودة، فخلا من وصف الغربة بكثرة الأهل والأولياء الناصرين، فلم يكن لغيرهم ممن لم يسلك سبيلهم، أو سلكه، ولكنه ابتدع فيه صولة يعظم موقعها، ولا قوة يضعف دونها حزب الله المفلحون، فصار على استقامة، وجرى على اجتماع واتساق، فالشاذ مقهور مضطهد، إلى أن أخذ اجتماعه في الافتراق الموعود، وقوته إلى الضعف المنتظر، والشاذ عنه تقوى صولته ويكثر سواده، واقتضى سر التأسي المطالبة بالموافقة، ولا شك أن الغالب أغلب، فتكالبت على سواد السنة البدع والأهواء، فتفرق أكثرهم شيعًا.
وهذه سنة الله في الخلق؛ أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾[يوسف/103]، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾[سبأ/13]، ولينجز الله ما وعد به نبيه صلى الله عليه وسلم من عود وصف الغربة إليه، فإن الغربة لا تكون إلا مع فقد الأهل، أو قلتهم، وذلك حين يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وتصير السنة بدعة والبدعة سنة؛ فيقام على أهل السنة بالتثريب والتعنيف، كما كان أولًا يقام على أهل البدعة؛ طمعًا من المبتدع أن تجتمع كلمة الضلال، ويأبى الله أن تجتمع حتى تقوم الساعة، فلا تجتمع الفرق كلها على كثرتها على مخالفة السنة عادة وسمعًا، بل لا بد أن تثبت جماعة أهل السنة حتى يأتي أمر الله، غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناصبهم العداوة والبغضاء؛ استدعاء إلى موافقتهم، لا يزالون في جهاد ونزاع، أو مدافعة وقراع، آناء الليل والنهار، وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم.
فقد تلخص مما تقدم أن مطالبة المخالف بالموافقة جار مع الأزمان، لا يختص بزمان دون زمان، فمن وافق؛ فهو عند المطالب المصيب على أي حال كان، ومن خالف؛ فهو المخطئ المصاب، ومن وافق؛ فهو المحمود السعيد، ومن خالف؛ فهو المذموم المطرود، ومن وافق، فقد سلك سبيل الهداية، ومن خالف: فقد تاه في طرق الضلالة والغواية.
وإنما قدمت هذه المقدمة لمعنى أذكره؛ وذلك أني ولله الحمد لم أزل منذ فتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم، ولا أفردت من أنواعه نوعًا دون آخر، حسبما اقتضاه الزمان والإمكان، وأعطته المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في لججه خوض المحسن للسباحة، وأقدمت في ميادينه إقدام الجريء، حتى كدت أتلف في بعض أعماقه، أو أنقطع في رفقتي التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي، غائبا من مقال القائل وعذل العاذل، ومعرضًا عن صد الصاد ولوم اللائم، إلى أن منَّ علي الرب الكريم الرؤوف الرحيم، فشرح لي من معاني الشريعة ما لم يكن في حسابي، وألقى في نفسي إلقاء بصيرة: أن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لم يتركا في سبيل الهداية لقائل ما يقول ولا أبقيا لغيرهما مجالًا يعتد به فيه، وأن الدين قد كمل، والسعادة الكبرى فيما وضع، والطِلبة فيما شرع، وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران.
(الشرح)
(والطلبة)؛ الشيء المطلوب.
الطالب: يقول: (الطلبة) بكسر اللام؛ الشيء المطلوب.
الشيخ: كذا الطِلبة؟
الطالب: الطِلبة، ضبطها هكذا المحقق (والطلبة فيما شرع).
الشيخ: عزاه إلى من؟
الطالب: الصحاح، رسالة ماجستير يا شيخ.
الشيخ: والطِلبة، نعم.
(المتن)
والطِلبة فيما شرع، وما سوى ذلك فضلال، وبهتان، وإفك، وخسران، وأن العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعروة الوثقى و محصل لكلمتي الخير دنيا وأخرى، وما سواهما فأحلام وخيالات وأوهام، وقام لي على صحة ذلك البرهان الذي لا شبهة تطرق حول حماه، ولا ترتمي نحو مرماه: ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾[يوسف/38]، والحمد لله والشكر كثيرًا كما هو أهله.
فمن هنالك قصرت نفسي على المشي في طريقه بمقدار ما يسر الله فيه، فابتدأت بأصول الدين عملًا واعتقادًا، ثم بفروعه المبنية على تلك الأصول، وفي خلال ذلك أتبين ما هو من السنن، أو من البدع، كما أتبين ما هو من الجائز وما هو من الممتنع، وأعرض كل ذلك على علم الأصول الدينية والفقهية، ثم أطلب نفسي بالمشي مع الجماعة التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد الأعظم في الوصف الذي كان عليه هو وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وترك البدع التي نصَّ عليها العلماء أنها بدع وأعمال مختلفة.
وكنت في أثناء ذلك قد دخلت في بعض خطط الجمهور من الخطابة، والإمامة، ونحوها، فلما أردت الاستقامة على الطريق؛ وجدت نفسي غريبًا في جمهور أهل الوقت؛ لكون خططهم قد غلبت عليها العوائد، ودخلت على سننها الأصلية شوائب من المحدثات الزوائد، ولم يكن ذلك بدعًا في الأزمنة المتقدمة، فكيف في زماننا هذا؟! فقد روي عن السلف الصالح من التنبيه على ذلك كثير:
كما روي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: "لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة".
قال الأوزاعي: "فكيف لو كان اليوم؟".
قال عيسى بن يونس: "فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟".
وعن أم الدرداء رضي الله تعالى عنها قالت: دخل أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد إلا أنهم يصلون جميعا.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: "ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير قولكم: لا إله إلا الله". قلنا: بلى يا أبا حمزة. قال: "قد صليتم حتى تغرب الشمس، أفكانت تلك صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!".
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: "قال: لو أن رجلًا أدرك السلف الأول، ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا"، قال: "ووضع يده على خده، ثم قال: إلا هذه الصلاة".
ثم قال: "أما والله، على ذلك، لمن عاش في هذه النكراء، ولم يدرك ذلك السلف الصالح، فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذلك السلف الصالح يسأل عن سبلهم، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم؛ ليعوض أجرًا عظيمًا، وكذلك فكونوا إن شاء الله.
وعن ميمون بن مهران؛ قال: لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف، ما عرف غير هذه القبلة.
وعن أبي سهيل بن مالك عن أبيه، قال: "ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة".
(الشرح)
يعني صيروا، يعني غيروا وبدلوا، الله المستعان، نعم، مع طول الزمان واختلاط المسلمين بغيرهم.
(المتن)
إلى ما أشبه هذا من الآثار الدالة على أن المحدثات تدخل في المشروعات، وأن ذلك قد كان قبل زماننا، وإنما تتكاثر على توالي الدهور إلى الآن.
فتردد النظر بين أن أتبع السنة على شرط مخالفة ما اعتاد الناس؛ فلا بد من حصول نحو مما حصل لمخالفي العوائد، ولا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها.
(الشرح)
يعني يقول إذا جرد نفسه لاتباع الحق، وترك البدع، لا بد أن يعارضه بعض الناس، فلا بد له من الصبر.
(المتن)
لا سيما إذا ادعى أهلها أن ما هم عليه هو السنة لا سواها، إلا أن في ذلك العبء الثقيل ما فيه من الأجر الجزيل، وبين أن أتبعهم على شرط مخالفة السنة والسلف الصالح، فأدخل تحت ترجمة الضلال عائذًا بالله من ذلك، إلا أني أوافق المعتاد، وأعد من المؤالفين لا من المخالفين.
فرأيت أن الهلاك في اتباع السنة هو النجاة، وأن الناس لن يغنوا عني من الله شيئًا، فأخذت في ذلك على حكم التدريج في بعض الأمور، فقامت علي القيامة، وتواترت علي الملامة، وفوق إلي العتاب سهامه، ونسبت إلى البدعة والضلالة، وأنزلت منزلة أهل الغباوة والجهالة.
وإني لو التمست لتلك المحدثات مخرجًا؛ لوجدت، غير أن ضيق العطن والبعد عن أهل الفطن رقى بي مرتقى صعبًا وضيق علي مجالًا رحبًا، وهو كلام يشير بظاهره إلى أن اتباع المتشابهات لموافقات العادات أولى من اتباع الواضحات، وإن خالفت السلف الأول.
وربما ألموا في تقبيح ما وجهت إليه وجهتي بما تشمئز منه القلوب، أو صرحوا بالنسبة إلى بعض الفرق الخارجة عن السنة شهادة ستكتب ويسألون عنها يوم القيامة:
فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه كما يعزى إلى بعض الناس، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة. وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء.
وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
(الشرح)
الرفض هُوَ الترك، الرفض هو مذهب الرافضة، يعني أنه لو خالف العوائد؛ فلا بد أن يرمى، أحيانًا يرمى,، مثل ما يفعله بعض الذين في كثير من البلدان الإسلامية، الإمام يدعو ومن خلفه يؤمنون بعد الصلوات؛ هذا بدعة ما لها أصل، كان في زمانه؛ في زمان المؤلف، الناس يفعلون هذا، فإذا خالفهم؛ يسبوك، هذا خالف العوائد، لعلنا نقف على هذا .