بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا، ولوالدينا ولشيخنا وللحاضرين وللمستمعين يا ربَّ العالمين.
(المتن)
قال الإمام الشاطبي في كتاب الاعتصام:
فتارة نسبت إلى القول بأن الدعاء لا ينفع ولا فائدة فيه؛ كما يعزى إلى بعض الناس، بسبب أني لم ألتزم الدعاء بهيئة الاجتماع في أدبار الصلاة حالة الإمامة، وسيأتي ما في ذلك من المخالفة للسنة وللسلف الصالح والعلماء.
وتارة نسبت إلى الرفض وبغض الصحابة.
(الشرح)
أما الرَّفض؛ معناه الترك، والرِّفض: سلوك مسلك الرَّافضة، أو اعتقاد مذهب الرافضة، تسمع بعض الناس يقول: هَذَا الرافض, هَذَا غير صحيح، الرَّفض: الترك، أَمَّا مذهب الرافضة الرِّفض.
(المتن)
وتارة نسبت إلى الرِّفض وبغض الصحابة رضي الله تعالى عنهم بسبب أني لم ألتزم ذكر الخلفاء الراشدين منهم في الخطبة على الخصوص، إذ لم يكن ذلك من شأن السلف في خطبهم، ولا ذكره أحد من العلماء المعتبرين في أجزاء الخطب.
وقد سئل أصبغ عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدمين؟ فقال: هو بدعة، ولا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامة.
قيل له: فدعاؤه للغزاة والمرابطين؟ قال: ما أرى به بأسًا عند الحاجة إليه، وأما أن يكون شيئًا يصمد له في خطبته دائمًا، فإني أكره ذلك.
ونصَّ أيضًا عز الدين بن عبد السلام: على أن الدعاء للخلفاء في الخطبة بدعة غير محبوبة.
وتارة أضيف إليَّ القولُ بجواز القيام على الأئمة، وما أضافوه إلا من عدم ذكرهم في الخطبة، وذكرهم فيها محدث لم يكن عليه من تقدم.
وتارة أحمل على التزام الحرج، والتنطع في الدين، وإنما حملهم على ذلك أني التزمت في التكليف، والفتيا؛ الحمل على مشهور المذهب الملتزم لا أتعداه، وهم يتعدونه ويفتون بما يسهل على السائل ويوافق هواه، وإن كان شاذًا في المذهب الملتزم، أو في غيره، وأئمة أهل العلم على خلاف ذلك، وللمسألة بسط في كتاب (الموافقات).
وتارة نسبت إلى معاداة أولياء الله تعالى، وسبب ذلك: أني عاديت بعض الفقراء المبتدعين المخالفين للسنة المنتصبين بزعمهم لهداية الخلق، وتكلمت للجمهور على جملة من أحوال هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى الصوفية ولم يتشبهوا بهم.
وتارة نسبت إلى مخالفة السنة والجماعة، بناء منهم على أن الجماعة التي أمر باتباعها وهي الناجية ما عليه العموم وجماعة الناس في كل زمان وإن خالف السلف الصالح، ولم يعلموا أن الجماعة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون لهم بإحسان، وسيأتي بيان ذلك بحول الله.
وكذبوا عليَّ في جميع ذلك، أو وهموا، والحمد لله على كل حال.
فكنت على حالة تشبه حالة الإمام الشهير عبد الرحمن بن بطة؛ الحافظ مع أهل زمانه إذ حكى عن نفسه فقال:
"عجبت من حالي في سفري وحضري مع الأقربين مني والأبعدين، والعارفين والمنكرين، فإني وجدت بمكة وخراسان وغيرهما من الأماكن أكثر من لقيت بها موافقًا، أو مخالفًا دعاني إلى متابعتي على ما يقولوا، وتصديق قوله، والشهادة له، فإن كنت صدقت فيما يقول وأجزت له ذلك كما يفعله أهل هذا الزمان؛ سماني موافقًا، وإن وقفت في حرف من قوله، أو في شيء من فعله؛ سماني مخالفًا، وإن ذكرت في واحد منها أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك وارد؛ سماني خارجيًا، وإن قُرئ عليه حديثًا في التوحيد؛ سماني مشبهًا، وإن كان في الرؤية؛ سماني سالميًّا، وإن كان في الإيمان؛ سماني مرجئيًا، وإن كان في الأعمال؛ سماني قدريًّا، وإن كان في المعرفة؛ سماني كراميًّا، وإن كان في فضائل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما؛ سماني ناصبيًّا، وإن كان في فضائل أهل البيت؛ سماني رافضيًّا، وإن سكت عن تفسير آية، أو حديث فلم أجب فيهما إلا بهما؛ سماني ظاهريًّا، وإن أجبت بغيرهما؛ سماني باطنيًّا، وإن أجبت بتأويل؛ سماني أشعريًّا، وإن جحدتهما؛ سماني معتزليًّا، وإن كان في السنن مثل القراءة؛ سماني شفعويًّا.
(الشرح)
إذا كان يجهر بالبسملة مثلًا سماه شافعي؛ هذا كلام ابن بطة في (الإبانة).
(المتن)
وإن كان في القنوت؛ سماني حنفيًّا، وإن كان في القرآن؛ سماني حنبليًّا، وإن ذكرت رجحان ما ذهب كل واحد منهم إليه من الأخبار إذ ليس في الحكم والحديث محاباة، قالوا: طعن في تزكيتهم.
ثم أعجب من ذلك أنهم يسمونني فيما يقرؤون علي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشتهون من هذه الأسامي، ومهما وافقت بعضهم؛ عاداني غيره، وإن داهنت جماعتهم، أسخطت الله تبارك وتعالى، ولن يغنوا عني من الله شيئًا. وأنا مستمسك بالكتاب والسنة وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو وهو الغفور الرحيم.
هذا تمام الحكاية، فكأنه رحمه الله تكلم على لسان الجميع، فقلما تجد عالمًا مشهورًا، أو فاضلًا مذكورًا، إلا وقد نبذ بهذه الأمور، أو بعضها؛ لأن الهوى قد يداخل المخالف، بل سبب الخروج عن السنة الجهل بها والهوى المتبع الغالب على أهل الخلاف، فإذا كان كذلك؛ حمل على صاحب السنة، أنه غير صاحبها، ورجع بالتشنيع عليه والتقبيح لقوله وفعله، حتى ينسب هذه المناسب.
وقد نقل عن سيد العباد بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم أويس القرني رضي الله تعالى عنه، أنه قال: "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقًا، نأمرهم بالمعروف، فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك أعوانا من الفاسقين حتى والله لقد رموني بالعظائم، وأيم الله، لا أدع أن أقوم فيهم بحقه".
فمن هذا الباب يرجع الإسلام غريبًا كما بدأ؛ لأن المؤالف فيه على وصفه الأول قليل، فصار المخالف هو الكثير، فاندرست رسوم السنة حين مدت البدع أعناقها، فأشكل مرماها على الجمهور، فظهر مصداق الحديث الصحيح.
ولما وقع عليَّ من الإنكار ما وقع مع ما هدى الله إليه وله الحمد، لم أزل أتتبع البدع التي نبه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذر منها، وبيَّن أنها ضلالة وخروج عن الجادة، وأشار العلماء إلى تمييزها، والتعريف بجملة منها، لعلي أجتنبها فيما استطعت، وأبحث عن السنن التي كادت تطفئ نورها تلك المحدثات؛ لعلي أجلو بالعمل سناها، وأعد يوم القيامة فيمن أحياها، إذ ما من بدعة تحدث إلا ويموت من السنن ما هو في مقابلتها، حسبما جاء عن السلف في ذلك.
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: "ما يأتي على الناس من عام، إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع، وتموت السنن".
وفي بعض الأخبار: "لا يحدث رجل بدعة إلا ترك من السنة ما هو خير منها".
وعن لقمان بن أبي إدريس الخولاني: أنه كان يقول: "ما أحدثت أمة في دينها بدعة إلا رفع بها عنهم سنة".
وعن حسان بن عطية رحمه الله قال: "ما أحدث قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لم يعدها إليهم إلى يوم القيامة".
إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى، وهو مشاهد معلوم حسبما يأتي بيانه إن شاء الله مرتبة.
وجاء من الترغيب في إحياء السنن ما جاء:
فقد خرج ابن وهب حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي؛ فإن له من الأجر مثل من عمل بها من الناس لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن عليه إثم من عمل بها لا ينقص ذلك من آثام الناس شيئًا».
وخرج الترمذي باختلافهم في بعض الألفاظ مع اتفاق المعنى وقال فيه: حديث حسن.
وفي الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني، إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال: يا بني، وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» حديث حسن.
فرجوت بالنظر في هذا الموضع الانتظام في سلك من أحيا سنة وأمات بدعة.
وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لي في البدع والسنن أصول قررت أحكامها الشريعة، وفروع طالت أفنانها، لكنها تنتظمها تلك الأصول، وقلما توجد على الترتيب الذي سنح في الخاطر، فمالت إلى بثها النفس، ورأت أنه من الأكيد الطلب، لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع؛ لأنه لما كثرت البدع، وعم ضررها، واستطار شررها، ودام الإكباب على العمل بها، والسكوت من المتأخرين عن الإنكار لها، وخلفت بعدهم خلوف جهلوا، أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها، صارت كأنها سنن مقرراتٌ، وشرائع من صاحب الشرع محررات، فاختلط المشروع بغيره، فعاد الراجع إلى محض السنة؛ كالخارج عنها كما تقدم، فالتبس بعضها ببعض، فتأكد الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم، وقلما صنف فيها على الخصوص تصنيف، وما صنف فيها فغير كاف في هذه المواقف مع أن الداخل في هذا الأمر اليوم فاقد المساعِد -الذي يساعده-، عديم المعين، فالموالي له يخلد به إلى الأرض، ويلقي له باليد إلى العجز عن بث الحق، وبعد رسوخ العوائد في القلوب، والمعادي يرميه بالدربيس، ويروم أخذه بالعذاب البئيس.
(الشرح)
الأردبيس في طبعة ط غير الدربيس، والصواب المثبت: (والدربيس): الداهية، انظر الصحاح".
(المتن)
والمعادي يرميه بالدربيس، ويروم أخذه بالعذاب البئيس؛ لأنه يرد عوائده الراسخة في القلوب، المتداولة في الأعمال، دينًا يتعبد به، وشريعة يسلك عليها، لا حجة له عليها إلا عمل الآباء والأجداد مع بغض الأشياخ المعلمين، كانوا من أهل النظر في هذه الأمور أم لا. ولم يلتفتوا إلى أنهم عند موافقتهم للآباء والأشياخ مخالفون للسلف الصالح.
فالمعترض لمثل هذا الأمر بالقول ينحو نحو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في العمل؛ حيث قال: "ألا وإني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره".
(الشرح)
يعني كأنها بدع، هرم عليها الكبير، وشبَّ عليها الصغير.
وفق الله الجميع لطاعته.