بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا، وللحاضرين والمستمعين يا ربَّ العالمين.
(المتن)
قال الإمام المصنف الشاطبي في كتابه الاعتصام:
وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ بِصَدَدِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهِ، وَلَا يَسَعُ أَحَدًا مِمَّنْ لَهُ مِنَّةٌ فيه إِلَّا الْأَ خْذُ بِالْحَزْمِ وَالْعَزْمِ فِي بَثِّهِ.
ممن له همة.
(المتن)
غَيْرَ أَنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهِ، وَلَا يَسَعُ أَحَدًا مِمَّنْ لَهُ مِنَّةٌ فيه إِلَّا الْأَخْذُ بِالْحَزْمِ وَالْعَزْمِ فِي بَثِّهِ, بَعْدَ تَحْصِيلِهِ عَلَى كَمَالِهِ، وَإِنْ كَرِهَ الْمُخَالِفُ فَكَرَاهِيَتُهُ لَا حُجَّةَ فِيهَا عَلَى الْحَقِّ إِلَّا يُرَفْعُ مَنَارُهُ، وَلَا تُكْشَفُ أَنْوَارُهُ.
فَقَدْ خَرَّجَ أَبُو الطَّاهِرِ السَّلَفِيُّ بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: "«يَا أَبَا هُرَيْرَةَ عَلِّمِ النَّاسَ الْقُرْآنَ وَتَعَلَّمْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ وَأَنْتَ كَذَلِكَ؛ زَارَتِ الْمَلَائِكَةُ قَبْرَكَ كَمَا يُزَارُ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، وَعَلِّمِ النَّاسَ سُنَّتِي، وَإِنْ كَرِهُوا ذَلِكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَلَّا تُوقَفَ عَلَى الصِّرَاطِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى تَدْخُلَ الْجَنَّةَ؛ فَلَا تُحْدِثْ فِي دِينِ اللَّهِ حَدَثًا بِرَأْيِكَ».
(الشرح)
يعني البدعة، الحدث هو البدعة.
(المتن)
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ: وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، مِنْ إِقْرَاءِ كِتَابِ اللَّهِ، وَالتَّحْدِيثِ بِالسُّنَّةِ.
(الشرح)
يعني أبو هريرة قد جمع الله له ذَلِكَ كله.
(المتن)
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْقَطَّانِ: "وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، مِنْ إِقْرَاءِ كِتَابِ اللَّهِ، وَالتَّحْدِيثِ بِالسُّنَّةِ، أَحَبَّ النَّاسُ أَمْ كَرِهُوا، وَتَرْكِ الْحَدَثِ.
(الشرح)
الحدث في الدين، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد».
فَإِن قِيلَ: يعني يطلق الحدث على هذه وهذه البدعة، وعلى غيرها؟ نعم، الحدث؛ يعني البدعة؛ هذا يطلق، السياق هو الذي يحدد هذا، ويطلق على الحدث الخارج، ناقض الطهارة.
(المتن)
وَتَرْكِ الْحَدَثِ حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَا يَتَأَوَّلُ شَيْئًا مِمَّا رَوَى، تَتْمِيمًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الْخَطَأِ، عَلَى أَنَّ أَبَا الْعَرَبِ التَّمِيمِيِّ حَكَى عَنِ ابْنِ فَرُّوخَ: "أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِنَّ بَلَدَنَا كَثِيرُ الْبِدَعِ، وَإِنَّهُ أَلَّفَ لهم كَلَامًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ رضي الله تعالى عنه يَقُولُ لَهُ: إِنْ ظَنَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ، خِفْتُ أَنْ تَزِلَّ فَتَهْلِكَ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَنْ كَانَ ضَابِطًا عَارِفًا بِمَا يَقُولُ لَهُمْ، لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ؛ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ فَيُخْطِئَ فَيَمْضُوا عَلَى خَطَئِهِ، أَوْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ فَيَطْغَوْا وَيَزْدَادُوا تَمَادِيًا عَلَى ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي لِمِثْلِي بِالْإِحْجَامِ دُونَ الْإِقْدَامِ، وَشِيَاعُ هَذَا المنُّكْرِ، وَفُشُوُّ الْعَمَلِ بِهِ، وَتَظَاهَرُ أَصْحَابِهِ؛ يَقْضِي لِمَنْ لَهُ بِهَذَا الْمَقَامِ مُنَّةٌ.
وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي لِمِثْلِي بِالْإِحْجَامِ دُونَ الْإِقْدَامِ.
(الشرح)
(دون الإقدام)، خلاص فاصل هذا، انتهى الكلام، وشيوع الكلام، وشيوع هذا الأمر يقضي بشيءٍ آخر، والشيوع هذا بداية كلام جديد، فاصله، بعد (فشيوع الكلام) هذا بداية كلام جديد، نعم وشيوعه.
(المتن)
وَشِيَاعُ هَذَا المنُّكْرِ، وَفُشُوُّ الْعَمَلِ بِهِ، وَتَظَاهَرُ أَصْحَابِهِ؛ يَقْضِي لِمَنْ لَهُ بِهَذَا الْمَقَامِ مُنَّةٌ، بِالْإِقْدَامِ دُونَ الْإِحْجَامِ، لِأَنَّ الْبِدَعَ قَدْ عَمَّتْ وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ مِلْءَ أَعِنَّتِهَا.
(الشرح)
قوله: (وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا)؛ يَعْنِي كأن البدعة لها فرس, لها عنة تحتاج من يأخذ بأعنتها, هَذَا من الكلام البديع.
قوله: (وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا)؛ يعني البدعة إن كثرت كثر حتى كأنها أفراسًا تجري.
(المتن)
وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا مِنْ غَيْرِ مُغَيِّرٍ مِلْءَ أَعِنَّتِهَا.
وَشِيَاعُ هَذَا المنُّكْرِ، وَفُشُوُّ الْعَمَلِ بِهِ، وَتَظَاهَرُ أَصْحَابِهِ؛ يَقْضِي لِمَنْ لَهُ بِهَذَا الْمَقَامِ مُنَّةٌ، بِالْإِقْدَامِ دُونَ الْإِحْجَامِ؛ لِأَنَّ الْبِدَعَ قَدْ عَمَّتْ وَجَرَتْ أَفْرَاسُهَا مِنْ غَيْرِ مُغَبرٍ مِلْءَ أَعِنَّتِهَا.
وَحَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ أَسَدَ بْنَ مُوسَى كَتَبَ إِلَى أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ: "اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَا حَمَلَنِي عَلَى الْكَتْبِ إِلَيْكَ مَا أَنْكَرَ أَهْلُ بِلَادِكَ مِنْ صَالِحِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، مِنْ إِنْصَافِكَ النَّاسَ، وَحُسْنِ حَالِكَ مِمَّا أَظْهَرْتَ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَيْبِكَ لِأَهْلِ الْبِدَعِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِكَ لَهُمْ وَطَعْنِكَ عَلَيْهِمْ.
اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَا حَمَلَنِي عَلَى الْكَتْبِ إِلَيْكَ مَا أَنْكَرَ أَهْلُ بِلَادِكَ مِنْ صَالِحِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، مِنْ إِنْصَافِكَ النَّاسَ.
(المتن)
أسد بن موسى إلى أسد بن فرات يكتب.
(الشرح)
اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ مَا حَمَلَنِي عَلَى الْكَتْبِ إِلَيْكَ مَا أَنْكَرَ أَهْلُ بِلَادِكَ مِنْ صَالِحِ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ، مِنْ إِنْصَافِكَ النَّاسَ، وَحُسْنِ حَالِكَ مِمَّا أَظْهَرْتَ مِنَ السُّنَّةِ، وَعَيْبِكَ لِأَهْلِ الْبِدَعِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِكَ لَهُمْ وَطَعْنِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، وَشَدَّ بِكَ ظَهَرَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَوَّاكَ عَلَيْهِمْ بِإِظْهَارِ عَيْبِهِمْ، وَالطَّعْنِ عَلَيْهِمْ، وَأَذَلَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَصَارُوا بِبِدْعَتِهِمْ مُسْتَتِرِينَ، فَأَبْشِرْ؛ أي أَخِي بِثَوَابِ اللَّهِ، وَاعْتَدَّ بِهِ مِنْ أَفْضَلِ حَسَنَاتِكَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ.
وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الْأَعْمَالُ مِنْ إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ وَإِحْيَاءِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!
(الشرح)
لأن هذا من الصلاة، وصيام النوافل، كون الإنسان يتعبد يصلي ويصوم هَذِهِ عبادة خاصة بِهِ, لكن ينكر منكر، يقوم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ويزيل البدع؛ هذا فِيهِ إقامة السُّنَّة، أفضل، هذا نفعه متعدد؛ هذا مقصوده.
يعني يقول: كونك تقوم بالواجب، وإنكار المنكر، وتأمر الناس بالخير، وتنهاهم عن الشر، تأطرهم على الحق أطرًا، تبيِّن لهم السُنن، وتحذرهم من البدع؛ هذا أفضل من كونك تتعبد في نوافل العبادة، نوافل الصلاة الزيادة على الفريضة، نوافل الصيام، نوافل الزكاة؛ لأن هذه العبادات نفعها قاصر.
وأما إزالة البدع، وإنكار المنكر، وإشاعة الخير؛ هذا أمر نفعه متعدي فَهُوَ أفضل، وأن هَذَا فِيهِ إقامة الدين، إقامة الدين يأمر الناس، أما كون الإنسان يتعبد يصلي الليل ويصلي النهار ويترك النَّاس, تنتشر المنكرات وَهُوَ ما أفاد النَّاس, وإن كَانَ طالب علم هُوَ ما يفيد النَّاس, يجلس يغلق بابه ويصلي يتهجد ويصوم ويترك الْأَمْرِ بالمعروف والنهي عَنْ المنكر, فرق بين هَذَا وبين الَّذِي يصلح ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويبين للناس السنن، ويحذرهم من البدع، وينصح ويحذر، يحذر؛ ينصح الناس، ينصح الجيران، ينصح الأقارب، وكذلك يبذل النصيحة لجميع طبقات الناس، وولاة الأمور، ولغيرهم؛ هذا نفعه متعدي، هذا العالم الرباني.
(المتن)
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ أَحْيَا شَيْئًا مِنْ سُنَّتِي كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ وَضَمَّ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ»، وَقَالَ: «أَيُّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبِعَ عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»؟!
فَمَنْ يُدْرِكُ يَا أَخِي هَذَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ؟!
(الشرح)
يعني هذا أفضل، يعني هذا العمل قد لا يدركه بالعمل القاصر.
(المتن)
وَذَكَرَ أَيْضًا: «إِنَّ عِنْدَ كُلِّ بِدْعَةٍ كِيدَ بِهَا الْإِسْلَامُ وَلِيًّا لِلَّهِ يَذُبُّ عَنْهَا، وَيَنْطِقُ بِعَلَامَتِهَا».
فَاغْتَنِمْ يَا أَخِي هَذَا الْفَضْلَ، وَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ رضي الله تعالى عنه حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَأَوْصَاهُ، وَقَالَ: «لِأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا، وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ.
فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ، وَادْعُ إِلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ أُلْفَةٌ وَجَمَاعَةٌ يَقُومُونَ مَقَامَكَ إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ، فَيَكُونُونَ أَئِمَّةً بَعْدَكَ، فَيَكُونُ لَكَ ثَوَابٌ ذلك إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ.
وَقَالَ: "لِأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا.
(الشرح)
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لإن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم»، قال لعلي رضي الله عنه.
(المتن)
وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ، وَادْعُ إِلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ أُلْفَةٌ وَجَمَاعَةٌ يَقُومُونَ مَقَامَكَ إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ.
(الشرح)
يعني أتباع، وأصحاب، وتلاميذ يقومون مقامك، يحذون حذوك، كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، ونشر العلم، فإذا حدث بك حدث قاموا مقامك، كما هو المعروف أن العلماء، والأئمة، والدعاة لهم أتباع، ولهم تلاميذ يقوموا مقامهم، بعد وفاتهم.
(المتن)
وَأَعْظَمَ الْقَوْلَ فِيهِ، فَاغْتَنِمْ ذَلِكَ، وَادْعُ إِلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَكُونَ لَكَ فِي ذَلِكَ أُلْفَةٌ وَجَمَاعَةٌ يَقُومُونَ مَقَامَكَ إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ، فَيَكُونُونَ أَئِمَّةً بَعْدَكَ، فَيَكُونُ لَكَ ثَوَابٌ ذلك إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ، فَاعْمَلْ عَلَى بَصِيرَةٍ وَنِيَّةٍ حَسَنَةٍ؛ فَيَرُدُّ اللَّهُ بِكَ الْمُبْتَدِعَ وَالْمَفْتُونَ الزَّائِغَ الْحَائِرَ، فَتَكُونُ خَلَفًا مِنْ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَحْيِ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإِنَّكَ لَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِعَمَلٍ يُشْبِهُهُ.
انْتَهَى مَا قَصَدْتُ إِيرَادَهُ مِنْ كَلَامِ أَسَدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي جَانِبَ الْإِقْدَامِ.
(الشرح)
يعني كلام أسد بن موسى إلى أسد بن فرات.
(المتن)
انْتَهَى مَا قَصَدْتُ إِيرَادَهُ مِنْ كَلَامِ أَسَدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي جَانِبَ الْإِقْدَامِ، مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ فِي خُطْبَتِهِ أَنْ قَالَ: "وَاللَّهِ إِنِّي لَوْلَا أَنْ أُنْعِشَ سُنَّةً قَدْ أُمِيتَتْ، أَوْ أَنْ أُمِيتَ بِدْعَةً قَدْ أُحْيِيَتْ، ما أحببت أَنْ أَعِيشَ فِيكُمْ فَوَاقًا".
(الشرح)
يعني يقول: أنا ما أحب الحياة إلا أني أحيي السنة، وأميت البدعة، ولولا ذلك ما أحببت أن أجلس معكم، ولا مقدار حلب الناقة، ما لي حاجة في الدنيا إلا أن أظهر السنن، وأميت البدعة، هذا عمر بن عبد العزيز خليفة الراشد.
مثل ما جاء في البخاري أنه قال: "إن لساني منارًا وسننًا، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فلست على صحبتكم بحريص".
ما لي شأن في الدنيا رضي الله عنه، تولى سنتين أصلح الله به أمور ناس وأمور الدولة، حتى عد من الخلفاء الراشدين، وهو خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنه.
(المتن)
وَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ فِي كِتَابِ "الْقُطْعَانِ" من حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْحَسَنِ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ: "لَنْ يَزَالَ لِلَّهِ نُصَحَاءُ فِي الْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ، يَعْرِضُونَ أَعْمَالَ الْعِبَادَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِذَا وَافَقُوهُ، حَمِدُوا اللَّهَ، وَإِذَا خَالَفُوهُ، عَرَفُوا بِكِتَابِ اللَّهِ ضَلَالَةَ مَنْ ضَلَّ، وَهُدَى مَنِ اهْتَدَى، فَأُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ، وَفِيهِ عَنْ سُفْيَانَ.
(الشرح)
هذا منقطع، نقول: بلغه عن الحسن أنه قال، روي عن الحسن البصري، لكن الكلام فيه.
(المتن)
وَفِيهِ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: اسْلُكُوا سَبِيلَ الْحَقِّ، وَلَا تَسْتَوْحِشُوا مِنْ قِلَّةِ أَهْلِهِ، فَوَقَعَ التَّرَدد بَيْنَ النَّظَرَيْنِ، ثُمَّ إِنِّي أَخَذْتُ فِي ذَلِكَ مَعَ بَعْضِ الْإِخْوَانِ الَّذِينَ أَحْلَلْتُهُمْ مِنْ قَلْبِي مَحَلَّ السُّوَيْدَاءِ، وَقَامُوا لِي فِي عَامَّةِ أَدْوَاءِ نَفْسِي مَقَامَ الدَّوَاءِ، فَرَأَوْا أَنَّهُ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِي طَلَبِ الشَّرْعِ نَشْرُهُ، وَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ. فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى فِي وَضْعِ كِتَابٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ الْبِدَعِ وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ أُصُولًا وَفُرُوعًا وَسَمَّيْتُهُ بِـ الِاعْتِصَامِ، وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا خَالِصًا، وَيَجْعَلَ ظِلَّ الْفَائِدَةِ بِهِ مَمْدُودًا لَا قَالِصًا، وَالْأَجْرَ عَلَى الْعَنَاءِ فِيهِ كَامِلًا لَا نَاقِصًا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
(الشرح)
انظر الدعاء يَقُولُ: والله أسأل.
(المتن)
وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا خَالِصًا.
(الشرح)
سأل الإخلاص؛ لِأَنَّ الإخلاص هُوَ الأساس, لا يصح العمل إِلَّا بالإخلاص.
(المتن)
وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَمَلًا خَالِصًا، وَيَجْعَلَ ظِلَّ الْفَائِدَةِ بِهِ مَمْدُودًا لَا قَالِصًا.
(الشرح)
نعم، يجعل الفائدة مستمرة يعني، يعني سأل أن يكون العمل خالصًا لله، وأن يكون نافعًا لعباد الله، انظر يكون العمل خالصًا لله وأن يكون نافعًا لعباد الله، (وَيَجْعَلَ ظِلَّ الْفَائِدَةِ بِهِ مَمْدُودًا)؛ يعني مستمر، (لَا قَالِصًا)؛ القالص: المنقطع، يتقلص الظل؛ يعني انتهى، لا منتهي.
(المتن)
وَالْأَجْرَ عَلَى الْعَنَاءِ فِيهِ كَامِلًا لَا نَاقِصًا.
(الشرح)
(وَالْأَجْرَ عَلَى الْعَنَاءِ)؛ التعب يعني، يجعل الأجر على التعب؛ لأنه تعب في التأليف، سأل الله أن يجعل له أجر الكتاب على هذا التعب.
(المتن)
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَيَنْحَصِرُ الْكَلَامُ فِيهِ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي عشرة أَبْوَابٍ، وَفِي كُلِّ بَابٍ مِنْهَا فُصُولٌ اقْتَضَاهَا بَسْطُ الْمَسَائِلِ الْمُنْحَصِرَةِ فِيهِ، وَمَا انْجَرَّ مَعَهَا مِنَ الْفُرُوعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ.
(الشرح)
قف على المنحصر، تبدأ به إن شاء الله.
فَإِن قِيلَ: طالب علم ينقل مثلًا كلام العلماء الكبار في مسائل البدع أو غير ذَلِكَ هَلْ عَلَيْهِ غبار في ذَلِكَ؟ لا طيب, ينسبها وينقلها طيب, لكن بس ما ينزلها على الواقع إلا بدليل، ما يقول: هذا كلام العلماء هو الذي يفعلها الناس، وفق الله الجميع.