بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
(المتن)
وَقِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ نجيد السُّلَمِيِّ جَدِّ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَلَقِيَ الْجُنَيْدَ وَغَيْرَهُ: مَا الَّذِي لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْهُ؟ فَقَالَ: "مُلَازَمَةُ الْعُبُودِيَّةِ عَلَى السُّنَّةِ، وَدَوَامُ الْمُرَاقَبَةِ".
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ التُّونُسِيُّ: "التقوى هِيَ الْوُقُوفُ مَعَ الْحُدُودِ لَا يُقَصِّرُ فِيهَا وَلَا يَتَعَدَّاهَا".
(الشرح)
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾[البقرة/229].
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾[البقرة/187].
الحدود تطلق على الواجبات، وعلى المحرمات، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾؛ هذه المحرمات لا تقربوها، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾؛ هذه الواجبات، لا تتجاوزوا الواجبات، ولا تقربوا المحرمات؛ هذا السُّنَّة، وأن نقف مع حدود الله.
(المتن)
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَغْرِبِيُّ التُّونُسِيُّ: "التقوى هِيَ الْوُقُوفُ مَعَ الْحُدُودِ لَا يُقَصِّرُ فِيهَا وَلَا يَتَعَدَّاهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾[الطلاق/1].
وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ الْبَسْطَامِيُّ: "عَمِلْتُ فِي الْمُجَاهَدَةِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَشَدَّ علي مِنَ الْعِلْمِ وَمُتَابَعَتِهِ، وَلَوْلَا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ لَشَقِيتُ، وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ إِلَّا فِي تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ.
(الشرح)
الله أكبر، يخلص التوحيد؛ هذا لا بد منه؛ يعني المجاهدة مجاهدة النفس على العمل، والمجاهدة كانت سنين طويلة، والمجاهدة في طلب العلم تحتاج إلى نصب وتعب، واستمرار، في سبيل التوحيد لَابُدَّ من هَذَا, إخلاص التوحيد وتجريده هذا لا بد منه.
(المتن)
وَمُتَابَعَةُ الْعِلْمِ هِيَ مُتَابَعَةُ السُّنَّةِ لَا غَيْرِهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْ بِنَا نَنْظُرُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ شَهَّرَ نَفْسَهُ بِالْوِلَايَةِ كَانَ رَجُلًا مَقْصُودًا مَشْهُورًا بِالزُّهْدِ".
قَالَ الرَّاوِي: "فَمَضَيْنَا، فَلَمَّا خَرَجنا مِنْ بَيْتِهِ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ رَمَى بِبُصَاقِهِ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ، فَانْصَرَفَ أَبُو يَزِيدَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى أَدَبٍ مِنْ آدَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَأْمُونًا عَلَى مَا يَدَّعِيهِ؟!.
(الشرح)
جاء الحديث صحيح فيه النهي عن البصاق أمام القبلة؛ حَتَّى في غير الصَّلَاة, وفي الصلاة: «إذا صلى أحدكم فإن الله قبل وجهه، فلا تبصقن قبل وجهه، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه».
وجاء في الحديث الآخر أيضًا: «ولا يبصق عن يمينه فإن عن يمينه ملكًا»، وَقَالَ: «فليبصق عَنْ يساره أو تحت قدمه», يَعْنِي إِذَا كَانَ في غير المسجد, أما في المسجد ففي ثوب، أو في منديل ويرد بعضه عَلَى بعض.
(المتن)
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "قُمْ بِنَا حتى نَنْظُرُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ شَهَّرَ نَفْسَهُ بِالْوِلَايَةِ.
(الشرح)
يعني أدعى أنه ولي، لكن لما دخل بصق بجهة القبلة، فعرف أنه ليس بولي، أنه عاص، وليس بولي.
(المتن)
وَهَذَا أَصْلٌ أَصَّلَهُ أَبُو يَزِيدَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلْقَوْمِ، وَهُوَ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَحْصُلُ لِتَارِكِ السُّنَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَهْلًا مِنْهُ، فَمَا ظَنُّكَ بِهِ إِذَا كَانَ عَامِلًا بِالْبِدْعَةِ كِفَاحًا؟!.
(الشرح)
هذا أولى, إِذَا كَانَ تارك للسنة, فكيف إذا كان يعمل ببدعة؟ هَذَا لَيْسَ وليًا لله!.
(المتن)
وَقَالَ: "قد هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنِي مُؤْنَةَ الْأَكْلِ وَمُؤْنَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ قُلْتُ: كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ أَسْأَلَ اللَّهَ هَذَا؟ وَلَمْ يَسْأَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَسْأَلْهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَفَانِي مُؤْنَةَ النِّسَاءِ حَتَّى لَا أُبَالِي اسْتَقْبَلَتْنِي امْرَأَةٌ أَمْ حَائِطٌ".
وَقَالَ: "لَوْ نَظَرْتُمْ إِلَى رَجُلٍ أُعْطِيَ مِنَ الْكَرَامَاتِ حَتَّى يَرْتَقِيَ فِي الْهَوَاءِ، فَلَا تَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا كَيْفَ تَجِدُونَهُ عِنْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَحِفْظِ الْحُدُودِ، وَآدَابِ الشَّرِيعَةِ".
(الشرح)
يعني الإنسان مهما أُعطي من خوارق العادات؛ فلا يغتر به حتى يُنظر عند الأمر والنهي؛ أوامر الله ونواهيه، هل هو يفعل أوامر الله ويترك النواهي؟ يُنظر وقوفه عند حدود الله، إن كان كذلك؛ فهذه كرامه، إذا أعطاه الله كرامة وطار في الهواء، أو غاص في البحار، أو شفا الله على يديه المرضى بسبب الرقية؛ هذه كرامة.
أما إذا كان منحرف، صاحب بدعة، لا يلتزم بالأوامر ويجتنب النواهي؛ هذه حالة شيطانية، واستدراج، إذا أعطي خارق من خوارق العادة فهذه استدراج؛ لهذا قال الشافعي: "لو رأيت الرجل يطير إلى الهواء ويشمي على الماء فلا تغتروا به حتى يعرض عمله على الكتاب والسنة".
(المتن)
وَقَالَ سَهْلٌ التُّسْتُرِيُّ: كُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ اقْتِدَاءٍ: طَاعَةً كَانَ أَوْ مَعْصِيَةً، فَهُوَ عَيْشُ النَّفْسِ؛ يَعْنِي: بِاتِّبَاعِ الْهَوَى، وَكُلُّ فِعْلٍ يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ بِالِاقْتِدَاءِ؛ فَهُوَ عِتَابٌ عَلَى النَّفْسِ؛ يَعْنِي لِأَنَّهُ لَا هَوَى لَهُ فِيهِ. وَاتِّبَاعُ الْهَوَى هُوَ الْمَذْمُومُ، وَمَقْصُودُ الْقَوْمِ تَرْكُهُ أَلْبَتَّةَ.
(الشرح)
يعني يعمل بهواه، المفترض أن الإنسان يعمل بمقتضى الشريعة ما يعمل بهواه، قال تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[ص/26].
(المتن)
وَقَالَ: "أُصُولُنَا سَبْعَةُ أَشْيَاءَ: التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَكْلُ الْحَلَالِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَاجْتِنَابُ الْآثَامِ، وَالتَّوْبَةُ، وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ".
وَقَالَ: "قَدْ أَيِسَ الْخَلْقُ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ: مُلَازَمَةُ التَّوْبَةِ، وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ، وَتَرْكُ أَذَى الْخَلْقِ". وَسُئِلَ عَنِ الْفُتُوَّةِ؟ فَقَالَ: "اتِّبَاعُ السُّنَّةِ". وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: "رُبَّمَا تَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ أَيَّامًا، فَلَا أَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ: الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ".
(الشرح)
نعم أبو سليمان الداراني يُنسب إلى الصوفية، لكنه يَقُولُ: يقع في قلبه شيء من أعمال الصوفية، هل هو مشرع أو غير مشروع من أفعالهم؟ يقول: هات لي شاهدين الكتاب والسنة، إذا شاهد هذا فعل بالكتاب والسنة قبلت وإلا فلا.
وكذلك روي عن الجنيد رحمه الله، قال: "علمنا مقيد بالكتاب والسنة "؛ هُوَ من الصوفية المعتدلين، قال: "هو مقيد بالكتاب والسنة".
(المتن)
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا بِلَا اتِّبَاعِ سُنَّةٍ؛ فَبَاطِلٌ عَمَلُهُ".
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْحَدَّادُ: "مَنْ لَمْ يَزِنْ أَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ خَوَاطِرَهُ، فَلَا تَعُدَّهُ فِي دِيوَانِ الرِّجَالِ".
وَسُئِلَ عَنْ الْبِدْعَةِ؟ فَقَالَ: "التَّعَدِّي فِي الْأَحْكَامِ، وَالتَّهَاوُنُ فِي السُّنَنِ، وَاتِّبَاعُ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ، وَتَرْكُ الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ".
(الشرح)
لا شك هذا هو البدعة؛ التهاون بالسنن وتعدي الحدود.
(المتن)
قَالَ: "وَمَا ظَهَرَتْ حَالَةٌ عَالِيَةٌ؛ إِلَّا مِنْ مُلَازَمَةِ أَمْرٍ صَحِيحٍ".
(الشرح)
صحيح يحصل له علو؛ وهذا دليل على أنها مبنية على السنة.
فَإِن قِيلَ: الحالة العالية هي رفع الذكر؟ لا هي أمر عالي، ومعروف، ومشهر.
(المتن)
وَسُئِلَ حَمْدُونُ الْقَصَّارُ: مَتَى يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى النَّاسِ؟ فَقَالَ: "إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاءُ فَرْضٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فِي عَمَلِهِ، أَوْ خَافَ هَلَاكَ إِنْسَانٍ فِي بِدْعَةٍ يَرْجُو أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْهَا".
وَقَالَ: "مَنْ نَظَرَ إلى سِيَرِ السَّلَفِ؛ عَرَفَ تَقْصِيرَهُ، وَتَخَلُّفَهُ عَنْ دَرَجَاتِ الرِّجَالِ".
