بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أحسن الله إليكم.
(المتن)
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
قال أبو مصعب صاحب مالك: قدم علينا ابن مهدي، يعني المدينة، فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكًا، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس، فقيل له: إنه ابن مهدي، توجه إليه، وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف، شغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئًا ما كنا نعرفه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في مسجدنا حدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»، فبكى ابن مهدي، وآلى على نفسه ألا يفعل ذلك أبدًا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في غيره.
وهذا غايةٌ في التوقي والتحفظ في ترك إحداث ما لم يكن خوفًا من تلك اللعنة، فما ظنك بما سوى وضع الثوب.
(الشرح)
هذا مجرد وضع الثوب جعله أمامه، الآن النقوش الآن التي أمام المصلين في الفرشات، وفي الجدران، والكتابات، وأشياء انتشرت وصارت كثيرة.
(المتن)
وتقدم حديث الطحاوي: «ستة ألعنهم، لعنهم الله»، فذكر فيهم التارك لسنته عليه الصلاة والسلام أخذًا بالبدعة.
وأما أن يزداد من الله بعدًا: فلما روي عن الحسن: أنه قال: "صاحب البدعة لا يزداد اجتهادًا صيامًا وصلاة، إلا ازداد من الله بعدًا".
وعن أيوب السختياني قال: "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا، إلا ازداد من الله بعدًا".
ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام في الخوارج: «يخرج من ضئضيء هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم»، إلى أن قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فبيَّن أولًا اجتهادهم.
(الشرح)
فهذا الرجل الذي اعترض على النبي صلى الله عليه وسلم، لما طالبوا بقتله، قال: «اتركه، يخرج من ضئضيء هذا»؛ يعني من مثل هذا، «قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم»؛ هم الخوارج، «وصيامكم مع صيامهم»، يَعْنِي يجتهدوا في العبادة، لكن عندهم هذه العقيدة الخبيثة؛ وهي تكفير المسلمين بالمعاصي، وعندهم اجتهاد في العبادة بالصلاة والصيام حتى إن الإنسان إذا رأى عبادتهم يحقر ما عنده، كيف؟! عندهم خشوع، صلاة الليل، وقراءة القرآن، فيحقر صلاته إلى صلاتهم، لكن عندهم هذه العقيدة التي يمرقون بها كما يمرق السهم من الرمية.
(المتن)
فبيَّن أولا اجتهادهم، ثم بيَّن آخرًا بعدهم من الله تعالى.
وهو بيُّنٌ أيضًا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم.
(الشرح)
قيل: إن الصرف والعدل: الفريضة والنافلة، وقيل: غير ذلك.
(المتن)
فكل عمل يعمله على البدعة، فكما لو لم يعمله.
ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه، والفساد الداخل على الناس به في أصل الشريعة وفي فروع الأعمال والاعتقادات، ويظن مع ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة.
وقد ثبت النقل الصحيح الصريح بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه.
(الشرح)
يعني يتقرب إلى الله بالعمل الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يكون خالصًا لله، وأنه ماذا؟
(المتن)
وقد ثبت النقل الصحيح الصريح بأنه لا يقرب إلى الله إلا العمل بما شرع.
(الشرح)
نعم، هذا الشرط الأول، والثاني أن يكون خالصًا لله.
(المتن)
وعلى الوجه الذي شرع وهو تاركه، وأن البدع تحبط الأعمال، وهو ينتحلها.
(الشرح)
(تحبط الأعمال)؛ هذا إذا كانت بدعة مكفرة تحبط الأعمال، أما إذا كانت دون ذلك؛ فلا تحبط، قد يكون العمل الذي فعله قرنه فقط.
(المتن)
وأما أن البدع مظنة إلقاء العداوة والبغضاء بين أهل الإسلام: فلأنها تقتضي التفرق شيعًا، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم؛ حسبما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾[آل عمران/105].
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾[الأنعام/153].
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾[الروم/31-32].
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾[الأنعام/159]. وما أشبه ذلك من الآيات في هذا المعنى.
وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام أن فساد ذات البين هي الحالقة، وأنها تحلق الدين، وجميع هذه الشواهد تدل على وقوع الافتراق والعداوة عند وقوع الابتداع.
وأول شاهد عليه في الواقع قصة الخوارج، إذ عادوا أهل الإسلام حتى صاروا يقتلونهم ويدعون الكفار؛ كما أخبر عنه الحديث الصحيح.
(الشرح)
نعم، «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان».
(المتن)
ثم يليهم كل من كان له صولة منهم وقرب الملوك؛ فإنهم تناولوا أهل السنة بكل نكال وعذاب وقتل أيضًا، حسبما بيَّنه أهل الأخبار، ثم يليهم كل مبتدعٍ بدعةً؛ فإن من شأنهم أن يثبطوا الناس عن اتباع أهل الشريعة، ويذمونهم، ويزعمون أنهم الأرجاس الأنجاس المكبون على الدنيا، ويضعون عليهم شواهد الآيات في ذم الدنيا، وذم المكبين عليها، كما يروى عن عمرو بن عبيد: أنه قال: "لو شهد عندي علي، وعثمان، وطلحة، والزبير على شراك نعل؛ ما أجزت شهادتهم".
