بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.
(المتن)
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:
ثُمَّ يَلِيهِمْ كُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يُثَبِّطُوا النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِ أهل الشَّرِيعَةِ، وَيَذُمُّونَهُمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمُ الْأَرْجَاسُ الْأَنْجَاسُ.
(الشرح)
حتى يرجوا بدعة.
(المتن)
الْمُكِبِّينَ عَلَى الدُّنْيَا، وَيَضَعُونَ عَلَيْهِمْ شَوَاهِدَ الْآيَاتِ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا وَذَمِّ الْمُكِبِّينَ عَلَيْهَا:
كَمَا يُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: أَنَّهُ قَالَ: لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى شِرَاكِ نَعْلٍ؛ مَا أَجْزَتُ شَهَادَتَهُمْ.
(الشرح)
هذا عمرو بن عبيد رأس المعتزلة، هُوَ وواصل بن عطاء، رؤساء الاعتزال، كانوا يجلسون في مجلس الحسن البصري والتابعين، فانعزلوا وصاروا في مكان، وذلك أن الحسن البصري جاءه وسأله: قال: ماذا تقول في الرجل العاصي وكذا، هل هو مؤمن؟ فأجاب الحسن البصري أنه ضعيف الإيمان، فقام عمرو بن عبيد وجلس في مكان، وقال: لا أقول: مؤمن، ولا أقول: كافر، وجعل يقرر؛ فسموا من ذلك الوقت المعتزلة، وقيل: هؤلاء المعتزلة، عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء؛ هما رئيسان الاعتزال، والمعتزلة من أهل البدع، مبتدعة يثبتون الأسماء لله، وينفون الصفات، يزعمون أن إثباتها فيه تشبيه للخالق، واصل بن عطاء، وكان واصل بن عطاء؛ رئيس الاعتزال خطيبًا (..)، وكان به لثغة؛ ما ينطق الراء، وكان من فصاحته يلقي الخطبة الطويلة ويتجنب الراء، ما فيها راء، فقال له قال قائل قل: " أمر الأمير بحفر البئر في قارعة الطريق "؛ كلها راء أمر.
فقال: "أوعظ القائد بقلب القليب في الجنة"؛ أتى بالمعنى، وتجنب الراء، " أمر الأمير بحفر البئر في قارعة الطريق "، قال: "أوعظ القائد بقلب القليب في الجنة".
فأهل البدع يذمون أهل السنة ويقولون: إنهم من أهل الدنيا، أو أنهم توسعوا في الدنيا حتى يروجوا بدعهم، وأهل السنة أثرياء؛ عندهم مناصب، وعندهم أموال، وعندهم كذا، وعندهم أراضي حتى يروجوا بدعهم، يرجوا البدع، ويبعدوا الناس عن أهل السُّنَّة.
(المتن)
قال: وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: كَيْفَ حَدَّثَ الْحَسَنُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً.
(المتن)
يطعن فِيهِ, وفي المطبوع: إن فعل عثمان لم يكن سُنَّة, وهذا هو الأقرب.
(الشرح)
وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ حَدَّثَ الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ فِي السَّكْتَتَيْنِ؟ فَقَالَ: (مَا تَصْنَعُ بِسَمُرَةَ؟! قَبَّحَ اللَّهُ سَمُرَةَ)؛ بَلْ قَبَّحَ اللَّهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ.
(الشرح)
وقال البيهقي معلقًا: "قبح الله عمرو بن عبيد، ورضي الله عن سمرة وعن جميع الصحابة".
إن صح عنه هذا الكلام، لكن المعروف إن الرافضة هم الذين يسبون الصحابة؛ هذا المعروف، لكن المعتزلة لا، لكن هم يقولون: إن العاصي يخرج من الإيمان؛ صاحب الكبيرة، ويكون في منزلة بين المنزلتين، ولا يدخل في الكفر، هذا المعزف عنهم، وما معروف عن المعتزلة أنهم يسبون الصحابة.
(المتن)
وَسُئِلَ يَوْمًا عَنْ شَيْءٍ؟؛ فَأَجَابَ فِيهِ، قَالَ الرَّاوِي: قُلْتُ: لَيْسَ هَكَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا، قَالَ: (وَمَنْ أَصْحَابُكَ لَا أَبَا لَكَ؟)، قُلْتُ: أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، وَابْنُ عَوْنٍ، وَالتَّيْمِيُّ، قَالَ: (أُولَئِكَ أَنْجَاسٌ أَرْجَاسٌ، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ).
(الشرح)
هذا إن صح.
(المتن)
فَهَكَذَا أَهْلُ الضَّلَالِ يَسُبُّونَ السَّلَفَ الصَّالِحَ؛ لَعَلَّ بِضَاعَتَهُمْ تَنْفُقُ.
(الشرح)
تُنفُق، أو تنفَّق؛ يعني تروج، لعل بضاعتهم تروج، تنفُق، نفقت السلع؛ يعني: راجت حتى تروج بدعتهم وضلالهم يسبون السلف.
(المتن)
﴿َويَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾[التوبة/32]، وَأَصْلُ هَذَا الْفَسَادِ مِنْ قِبَلِ الْخَوَارِجِ، فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أفشى لَعَنَ السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَتَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَمِثْلُ هَذَا كُلِّهِ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
(الشرح)
نعم، وخرج في زمن خلافة علي رضي الله عنه، وكفروا الصحابة حتى اتفق ثلاثة منهم على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص في صلاة الفجر في ليلة واحدة.
أما علي رضي الله عنه فقتله عبد الرحمن ملجم وهو خارج للصلاة، وأما معاوية أظنه تخلف في ذلك اليوم، وأما عمرو، المقصود: قُتِل علي رضي الله عنه فيها، وهم الخوارج أهل العقيدة الخبيثة، وهي التكفير بالمعاصي والكبائر.
ومع ذلك عندهم عبادة عظيمًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحقر أحدهم صلاته عند صلاتهم، وصيامه عند صيامهم»، عندهم عبادة عظيمة، وعندهم أيضًا شجاعة، فكانوا رهبان بالليل، وأسود بالنهار، في الليل يقيمون يصلون ويصومون، وفي النهار شجعان؛ ما أحد يصمد أمامهم، فإذا رآهم؛ يعني الإنسان يحقر نفسه، قال النبي: «يحقر أحدهم صلاته عند صلاتهم»؛ يصلون الليل، ويصومون، لكن عندهم العقيدة الخبيثة؛ ولهذا قال النبي: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، الحديث صحيح، فيهم عشرة أحاديث في الصحيحين.
قاتلهم علي رضي الله عنه، وخاطبهم ابن عباس؛ ناظرهم، ورجع منهم عدد، وبقى بقية قتلهم، قاتلهم علي رضي الله عنه، وحصلت مقتلة عظيمة، وجد الرجل الذي أخبر عنه الرسول بالعلامة التي أخبر الرسول عليه السلام، فلما رآها علي كبر.
وأن يده علي مثل بضعة (..)، الجمهور قالوا: إنهم مبتدعة، سئل علي عنهم، قال: "إنهم كفار من الكفر فروا".
وقال: "هم إخواننا بغوا علينا"، شيخ الإِسْلامُ قَالَ: إِن الصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة، ومن العلماء من كفرهم وَهُوَ اختيار سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أظن أَنَّهَا رواية عَنْ الإمام أحمد أخذًا بهذه الأحاديث الصحيحة: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
وفي حديث: «يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان»، عشرة أحاديث صحيحة، وفي بعضها «يمرقون من الدين ثم لا يعودون إليه».
وفي لفظ: «لإن لقيتهم لأقتلهم قتل عاد»؛ شبههم بقوم عاد وهم قوم كفار، وفي بعضها: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية سبق الفرث والدم»؛ يعني من شدة دخوله في الصيد، الرمي يخرج وليس فيه فرث دم، من شدة سرعته، من هذه الأحاديث قيل بكفرهم، لكن الجمهور على أنهم مبتدعة، وأنهم متأولون.
وكما قال علي رضي الله عنه: "من الكفر فروا"، والصحابة عاملوهم معاملة المبتدعة.
(المتن)
وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ فِرْقَةَ النَّجَاةِ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ مَأْمُورُونَ بِعَدَاوَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالتَّشْرِيدِ بِهِمْ، وَالتَّنْكِيلِ بِمَنِ انْحَاشَ إِلَى جِهَتِهِمْ بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَقَدْ حَذَّرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ مَظِنَّةَ إِلْقَاءِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، لَكِنَّ الدَّرْكَ فِيهَا عَلَى مَنْ تَسَبَّبَ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِمَا أَحْدَثَهُ مِنِ اتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، لَا عَلَى التَّعَادِي مُطْلَقًا.
كَيْفَ وَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِمُعَادَاتِهِمْ وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِمُوَالَاتِنَا وَالرُّجُوعِ إِلَى الْجَمَاعَةِ؟
وَأَمَّا أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلِمَا رُوِيَ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
(الشرح)
يعني البدعة.
(المتن)
قَالَ: «حَلَّتْ شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي إِلَّا صَاحِبَ بِدْعَةٍ».
(الشرح)
أخرجه ابن وضاح في البدع، قلت: وسنده ضعيف وهو مرسل, الذي ثبت في الحديث الصحيح: المرتدون، المرتدون هم الذين يمنعون من الحوض، أنهم يردوا على الحوض فيطردون، فيقول النبي: «أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم»، فهؤلاء المرتدون يمنعون من الورود على الحوض.
(المتن)
وَيُشِيرُ إِلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى فِيهِ مَا فِي الصَّحِيحِ؛ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَأَنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ إِلَى قَوْلِهِ: فَيُقَالُ: لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(الشرح)
وهذا في المرتدين، لكن هُوَ تكلم على صاحب البدعة.
(المتن)
فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ شَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا قَالَ: «فَأَقُولُ لَهُمْ: سُحْقًا؛ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ».
وَيَظْهَرُ مِنْ أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ الِارْتِدَادَ لَمْ يَكُنِ ارْتِدَادَ كُفْرٍ لِقَوْلِهِ:
«وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمَا نُسِبُوا إِلَى أُمَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى بِالْآيَةِ، وَفِيهَا: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[المائدة/118]»، وَلَوْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الخَارِجُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ جُمْلَةً، لَمَا ذَكَرَهَا؛ لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا غُفْرَانَ لَهُ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُرْجَى الْغُفْرَانُ لِمَنْ لَمْ يُخْرِجْهُ عَمَلُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[النساء/48].
وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: «فَأَقُولُ فَسُحْقًا فَسُحْقًا».
(الشرح)
سحقًا؛ معناها بعدًا؛ يعني حملها على أنهم لم يصلوا إلى الكفر، يقول: لأنه استشهد بالآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[المائدة/118]، ولو كانوا مرتدين لكفروا، وما كان لهم نصيب من المغفرة، على كل حال ظاهر الحديث أَنَّهُمْ مرتدين.
(المتن)
وَأَمَّا أَنَّهَا رَافِعَةٌ لِلسُّنَنِ الَّتِي تُقَابِلُهَا.
(المتن)
البدعة يَعْنِي.
(الشرح)
فَقَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي أَنَّ الْمُوَقِّرَ لِصَاحِبِهَا مُعِينٌ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا أَنَّ عَلَى مُبْتَدِعِهَا إِثْمُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[النحل/25].
وَلِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» الْحَدِيثَ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: «مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا؛ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ».
(الشرح)
يعني نصيب من الإثم.
(المتن)
وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُشْعِرُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، إِذْ عَلَّلَ تَعْلِيقَ الْإِثْمِ عَلَى ابْنِ آدَمَ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ سَنَّ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، فَهُوَ مِثْلُهُ، إِذْ لَمْ يَتَعَلَّقِ الْإِثْمُ بِمَنْ سَنَّ الْقَتْلَ؛ لِكَوْنِهِ قَتْلًا دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ لِكَوْنِهِ سَنَّ سُنَّةَ سُوءٍ وَجَعَلَهَا طَرِيقًا مَسْلُوكَةً.
وَمِثْلُ هَذَا مَا جَاءَ فِي مَعْنَاهُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَوْ يَأْتِي كَقَوْلِهِ: «وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا تُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ إلا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ شَيْئًا»، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ امْرُؤٌ رَبَّهُ، وَلْيَنْظُرْ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ فِي أَيِّ مَزَلَّةٍ يَضَعُ قَدَمَهُ.
(الشرح)
يعني قبل إحداث البدعة، يسأل الإنسان ربه ولينظر قبل الإحداث؛ قبل إحداث البدعة ينظر مزلَّة قدمه؛ وهذا تحذير من البدع، والبدع هي الحدث في الدين، كل إحداث في الدين؛ هو بدعة.
(المتن)
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ امْرُؤٌ رَبَّهُ، وَلْيَنْظُرْ قَبْلَ الْإِحْدَاثِ فِي أَيِّ مَزَلَّةٍ يَضَعُ قَدَمَهُ، فإنه في محصول أمره يَثِقُ بِعَقْلِهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَيَتَّهِمُ رَبَّهُ فِيمَا شَرَعَ! وَلَا يَدْرِي الْمِسْكِينُ مَا الَّذِي يُوضَعُ لَهُ فِي مِيزَانِ سَيِّئَاتِهِ، مِمَّا لَيْسَ فِي حِسَابِهِ، وَلَا شَعَرَ أَنَّهُ مِنْ عَمَلِهِ.
فَمَا مِنْ بِدْعَةٍ يَبْتَدِعُهَا أَحَدٌ فَيَعْمَلُ بِهَا مَنْ بَعْدَهُ، إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ إِثْمُ ذَلِكَ الْعَامِلِ، زِيَادَةً إِلَى إِثْمِ ابْتِدَاعِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ عَمَلِهِ ثَانِيًا.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ تُبْتَدَعُ، فَلَا تَزْدَادُ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ إِلَّا مُضِيًّا
حَسْبَمَا تَقَدَّمَ وَاشْتِهَارًا وَانْتِشَارًا، فَعَلَى وَزْانِ ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الْمُبْتَدِعِ لَهَا، كَمَا أَنَّ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَأَيْضًا، فَإِذَا كَانَتْ كُلُّ بِدْعَةٍ يَلْزَمُهَا إِمَاتَةُ سُّنَّةٍ تُقَابِلُهَا؛ كَانَ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إِثْمُ ذَلِكَ أَيْضًا، فَهُوَ إِثْمٌ زَائِدٌ عَلَى إِثْمِ الِابْتِدَاعِ، وَذَلِكَ الْإِثْمُ يَتَضَاعَفُ تَضَاعُفَ إِثْمِ الْبِدْعَةِ بِالْعَمَلِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا كُلَّمَا تَجَدَّدَتْ فِي قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ؛ تَجَدَّدَتْ إِمَاتَةِ السُّنَّةِ كَذَلِكَ.
وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ بِبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّفَنَا بِأَنَّهُمْ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». . . . الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ.
