تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

عقيدة السلف وأصحاب الحديث للامام الصابوني 5

00:00

00:00

10

(المتن) 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد فقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى: روى يزيد بن هارون في مجلسه حديث إسماعيل بن أبي خالد عن قيس ابن أبي حازم عن جرير بن عبد الله في الرؤية وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر) فقال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وحرد وقال: ما أشبهك بـصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فُعِل به ويلك! ومن يدري كيف هذا ؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث أو يتكلم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ 

إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاتّبعوه ولا تبتدعوا فيه فإنّكم إن اتّبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم وإن لم تفعلوا هلكتم . 

(الشرح) 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبد الله رسولنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد أراد المؤلف رحمه الله من ذكر هذا الحديث وقول أبي خالد يزيد بن هارون أن يبين موقف السلف من هذه الأخبار الواردة في صفات الله عز وجل وأنّ موقف السلف القبول والتسليم وعدم الاعتراض بل يسلمون لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولا يعترضون ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله عن يزيد بن هارون أنه ذكر في مجلسه أنه روى في مجلسه حديث الرؤية يعني رؤية الله يوم القيامة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّكم تنظرون إلى ربكم كما تنظرون إلى القمر ليلة البدر) وفي لفظ (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي الذي رواه البخاري في صحيحه: (إنّكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته) وفي رواية أبي هريرة : (إنّكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب) في بعض: أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربنا؟ قال: هل ترون القمر ليلة البدر؟ قالوا: نعم، قال: هل تضارون في رؤيته؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضارّون في رؤيته، وفي لفظ "لا تضامون" يعني لا يصيبكم ضيم ولا ضرر، وهذا الحديث هو من أحاديث الرؤية والحديث الذي فيه إثبات رؤية المؤمنين لربهم والأحاديث التي فيها رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة من الأحاديث المتواترة والرؤية أيضاً ثابتة في القرآن الكريم قال الله تعالى: (وجود يومئذٍ ناضرة، إلى ربّها ناظرة) ناضرة الأولى: من النضرة البهاء والحسن، إلى ربها ناظرة من النظر بالعين فلما ذكر الوجه والعين دلّ على أن المراد الرؤية بالعين التي في الرأس إلى الرب جل جلاله وجوه يومئذٍ ناضرة، إلى ربّها ناظرة وقال تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) جاء في تفسير زيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم وقوله (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) جاء في تفسير المزيد: بأنه النظر إلى وجه الله الكريم، وقال سبحانه عن الكفرة: (كلا إنّهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون) وقد استدلّ الإمام الشافعي رحمه الله بهذه الآية على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة قال: لما أن حُجب هؤلاء في السخط دل على أن المؤمنين يرونهم في الرضا ولو كان المؤمنون لا يرون ربهم لتساووا هم وأعداؤهم في الحجب عن رؤيته فلما حُجب هؤلاء الكفرة عن رؤية الله في السخط دل على أن المؤمنين يرونهم في الرضا فرؤية المؤمنين لربهم عز وجل ثابت، ثابتة في القرآن العزيز وفي السنة المطهرة والنصوص، نصوص إثبات الرؤية نصوص السنة متواترة قال ابن القيم رحمه الله في حادي الأرواح ساقها ابن القيم ساق هذه الأحاديث قال رواها نحو ثلاثين صحابياً في الصحاح والسنن والمسانيد فرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابت في القرآن العظيم وبالنصوص المتواترة في السنة المطهرة وإثبات الرؤية رؤية المؤمنين لربهم من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع قد أنكرها الجهمية والمعتزلة وفسروا الرؤية بالعلم، والأشاعرة أثبتوا الرؤية لكن في غير جهة قالوا: إنه يُرى لكن لم يُثبتوا أنه يُرى من فوق، قيل لهم: كيف يرى؟ من فوق؟ قالوا لا، من تحت؟ لا أمام لا، خلف لا عن يمين لا عن شمال لا أين يُرى قالوا يُرى لا في جهة فسخر منهم كثير من العقلاء وقالوا: إن هذا غير متصور الرؤية لا بد أن تكون بجهة من الرائي المرئي لا بد أن يكون بجهة من الرائي لابد أن يكون مبايناً له مواجهاً له، فإثبات الرؤية من دون إثبات جهة هذا غير متصور وغير معقول وهذا من تذبذب الأشاعرة كونهم بين أهل السنة وبين المعتزلة أرادوا أن يكونوا مع المعتزلة في إنكار الجهة وأرادوا أن يكونوا مع المؤمنين في الرؤية، فعجزوا عن ذلك فلجؤوا إلى حجج سفسطائية وهي الحجج المموهة التي هي حجج مرائية التي ترى كأنها حجة وليست بحجة، ورؤية المؤمنين لربهم عز وجل ثابت فهي ثابتة بالنصوص من الكتاب والسنة، وهي من العلامات الفارقة بين أهل السنة وبين أهل البدع ولهذا قال كثير من الأئمة: من أنكر رؤية الله فهو كافر لأنه أنكر النصوص المتواترة وهي مروية في الصحاح والسنن والمسانيد في الصحيحين وفي غيرهما، فلما ذكر يزيد بن هارون حديث الرؤية: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) قال له رجل في مجلسه: يا أبا خالد كنية يزيد بن هارون ما معنى هذا الحديث؟ يعني ما معنى هذا الحديث إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر فغضب، من الذي غضب؟ يزيد بن هارون غضب وحرد يعني استشاط غضباً لماذا؟ لأنه اعترض اعترض على الحديث لما قال هذا الرجل ليزيد بن هارون يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث غضب أبو خالد استشاط غضباً عليه لأنه اعترض على الحديث وقال: ما أشبهك بـصبيغ ، وأحوجك إلى مثل ما فُعِل به وصبيغ هذا سيأتي سيذكر المؤلف قصته، وهو رجل كان يعترض ويشبّه يأتي بشبه واعتراضات على النصوص فجلده عمر كما سيأتي جلده مائة ثم جلده مائة حتى سال الدم على وجهه ونفاه إلى الكوفة وكتب إلى عاملها ألا يكلمه الناس فصار الناس لا يكلمونه وكلما جاء إلى حلقة طُرد حتى تاب، وقال يا أمير المؤمنين ذهب ما في رأسي فعند ذلك أمر الناس أن يكلموه فـأبو خالد يقول لهذا الرجل الذي اعترض عليه يقول ما معنى هذا قال ما أشبهك بـصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به تحتاج إلى أن تُضرب حتى يذهب ما في رأسك من الشبه تحتاج إلى جلد كما جلد عمر صبيغ ثم قال ويلك! ومن يدري كيف هذا؟  من يدري كيفية الصفة ؟ لا أحد يدري إلا الله الصفات لا تكيف فقولك: ما معنى هذا الحديث؟ تعترض وتطلب الكيفية هذا غلط منك تحتاج بسببه إلى تأديب فـما أشبهك بـصبيغ ، وأحوجك إلى مثل ما فُعل به ولهذا قال له: ويلك ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث؟، أثبت الحديث والحمد لله، المؤمنون يرون ربهم يوم القيامة ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الذي جاء به الحديث أو يتكلم فيه بشيءٍ من تلقاء نفسه إلا من سفه نفسه واستخف بدينه؟ ثم قال له: إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتّبعوه ولا تبتدعوا فيه فإنكم إن اتّبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، تماروا يعني تجادلوا لا يجوز للإنسان أن يجادل بل يسلم الإنسان ولا يعترض لا يقول في صفات الله كيف؟ ولا في أفعاله لما؟ لا توجه كلمة "كيف" للصفات و"لما" لا توجه للأفعال، أفعال الله لا تقول لما فعل كذا، فعل لأن الله يفعل ما يشاء ولا تقول للصفات كيف، كيف يتكلم كيف نراه لا تقول كيف، لا توجه كيف إلى الصفات ولا توجه السؤال بـ لما إلى الأفعال، ولهذا لما وجه سؤال هذا الشخص معترض قال ما معنى هذا الحديث؟ يعني كأنه يعترض، غضب عليه واستشاط غضباً يزيد بن هارون وقال: ما أشبهك بـصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فُعل به إذا سمعتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتّبعوه ولا تبتدعوا فيه فإنكم إن اتّبعتموه ولم تماروا يعني لم تجادلوا  ولم تماروا فيه سلمتم وإلا تفعلوا هلكتم يعني إنسان يعترض على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ويجادل ويشبّه يكفر أما إذا سلّم ولم يجادل فإنه يسلم، سيأتي ذكر المؤلف قصة صبيغ الذي اعترض. 

 

(المتن) 

 وقصة صبيغ الذي قال يزيد بن هارون للسائل: ما أشبهك بـصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فُعل به: هي ما رواه يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب : أن صبيغاً التميمي أتى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قوله: (والذاريات ذرواً) قال: هي الرياح ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قلته قال: فأخبرني عن: (فالحاملات وقراً) قال: هي السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته قال: فأخبرني عن: (فالمقسّمات أمراً) قال: الملائكة ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته قال: فأخبرني عن: (فالجاريات يسراً) قال: هي السفن ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله ما قلته قال: ثم أمر به فضُرب مائة سوط ثم جعله ي بيت حتى إذا برأ دعا به ثم ضربه مائة سوط أخرى ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن حرم عليه مجالسة الناس فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فحلف بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان يجده شيئاً، فكتب إلى عمر يخبره، فكتب إليه: ما إخاله إلا قد صدق خل بينه وبين مجالسة الناس. 

(الشرح) 

 عمر رضي الله عنه ضرب صبيغ لأنه فهم من سؤالاته أنه يريد التعنت والعناد والاعتراض، فلهذا ضربه مائة سوط ثم جعله في بيته، فلما أحس أنه برأ جلده من الضرب ضربه مائة أخرى، ثم سفّره من المدينة إلى الكوفة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن حرِم عليه مجالسة الناس، فلم يزل كذلك صار الناس كلما جاء بحلقة طردوه،  طردوه من حلقات الدروس  وإذا جاء إلى حلقة أخرى لا يعرفونه كلّم أهل الحلقة الأخرى، قالوا: عزمة أمير المؤمنين عليه ألا تكلموه، فلا يكلمونه حتى تاب وجاء إلى أبي موسى وحلف بالأيمان المغلّظة أنه ما يجد في نفسه ما كان يجد، ذهبت الشكوك والشبه التي في نفسه، فكتب أبو موسى إلى أمير المؤمنين يستأذنه في أن يتركه ويخلي بينه وبين الناس كتب عمر إليه: ما إخاله إلا قد صدق خلّ بينه وبين الناس فجعل الناس يكلمونه، سيأتي رواية أخرى أيضاً في هذه القصة. 

 

(المتن) 

وروى حماد بن زيد عن قطن بن كعب سمعت رجلاً من بني عجل يقال له: فلان خالد بن زرعة يحدّث عن أبيه قال  في النسخة الأخرى: خلته ابن زرعة يحدّث عن أبيه قال: رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحلق فكلما جلس إلى قوم لا يعرفونه ناداهم أهل الحلقة الأخرى عزمة أمير المؤمنين. 

(الشرح) 

عزمة يعني تلزيم أمير المؤمنين، يعني: يلزم عليكم ألا تكلمونه تقبلوا قوله فكلما جاء حلقة لا يعرفونه أخبرهم أهل الحلقة الأخرى وقالوا عزمة أمير المؤمنين عزم عليكم ألا تكلمونه حتى يتوب. 

 

(المتن) 

وروى حماد بن زيد أيضاً عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أنّ رجلاً من بني تميم يقال له صبيغ قدم المدينة فكانت عنده كتب فجعل يسأل عن متشابه القرآن فبلغ ذلك عمر فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل. 

(الشرح) 

العراجين جمع عرجون وهو عرق النخلة إذا يبس واعوج كما قال: (والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم). 

 

(المتن) 

فلما دخل عليه جلس فقال من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ قال: وأنا عبد الله عمر ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين فما زال يضربه حتى شجّه –  

(الشرح) 

يعني حتى جرحه 

(المتن) 

 فجعل الدم يسيل على وجهه فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي. 

(الشرح) 

حسبك يعني يكفي الضرب قال ذهب ما في رأسي من الشبه والشكوك، الآن نحن بحاجة إلى، صبيغ الآن له أمثال كثيرون في هذا الزمن بحاجة أن يُفعل بهم مثل ما فُعل هؤلاء الذين يشبهون ويلبسون ويكتبون في الصحف والمجلات يكتبون الشبه ويعترضون على الأحاديث وعلى النصوص وعلى أهل العلم بحاجة إلى أن نفعل بهم مثل ما فُعل بـصبيغ ولو يُفعل بهم مثل ما فُعل بصبيغ تأدب الناس، ولم يتكلم أحد ولم يتكلم الرويبضة ، الآن تكلم الرويبضة وصار الكل يتكلم الكل يفتي حتى صار أهل الصحف والمجلات يفتون وهم صحفيين ليسو من أهل الفتوى يفتي هذا يجوز وهذا لا يجوز، يجوز للمرأة أن تكشف وجهها وليس هناك دليل، وصار الكل يفتي الآن، بحاجة إلى أن يُفعل بهم مثل ما فعل بـصبيغ لو فُعل بهم مثل ما فُعل بصبيغ لتأدب الناس وتركوا الشبه والاعتراضات على النصوص وعلى أهل العلم، ولهذا يزيد بن هارون لما اعترض عليه الرجل قال ما أشبهك بـصبيغ وأحوجك إلى فعل مثل ما فُعل به يعني هذا رجل الذي اعترض على الحديث حديث الرؤية، قال: أنت بحاجة إلى أن تُضرب حتى يزول ما في رأسك من الشبه والاعتراض على النصوص.  

 

 (المتن) 

أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن موسى السلمي قال أخبرنا محمد بن محمود الفقيه المروزي قال حدّثنا محمد بن عمير الرازي قال حدّثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العلاف التجيبي بمصر قال حدّثنا يونس بن عبد الأعلى قال حدّثنا أشهب بن عبد العزيز قال سمعت مالك بن أنس رحمه الله يقول إياكم والبدع قيل: يا أبا عبد الله وما البدع؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون. 

(الشرح) 

وهذا تحذير من مالك بن أنس رحمه الله، وهو إمام دار الهجرة في زمانه وأحد الأئمة الأربعة، يقول إياكم والبدع –يعني تحذير احذروا إياكم والبدع قيل يا أبا عبد الله كنية الإمام مالك وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه وعلمه وقدرته يتكلمون في تأويلها في تأويل الصفات وفي الكيفية، حذر منهم الإمام مالك رحمه الله، احذروا هؤلاء الذين لا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون والمعنى أنه يجب على المسلم أن يسعه ما وسع الصحابة والتابعين فلا يتكلم في التأويل بل يثبت الأسماء والصفات لله عز وجل كما يليق بجلاله وعظمته، يثبت المعنى ويسكت عن الكيفية. 

(المتن) 

 أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن عمر الزاهد الخفاف قال أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الفقية قال حدّثنا الربيع بن سليمان قال سمعت الشافعي رحمه الله يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن يلقاه بشيء من الأهواء 

(الشرح) 

يعني البدع الأثر وهذا أخرجه الدارمي واللالكائي في الشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهذا مشهور عن الشافعي رحمه الله وفي لفظ لأن ألقاه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب إلي من أن ألقاه بشيء من الأهواء، يقول الإمام الشافعي: لأن ألقى الله بكل معصية دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة وذلك لأن البدع أشد من المعاصي لأن صاحب المعصية الكبيرة الزاني والسارق وشارب الخمر والمرابي هذا عاص مرتكب الكبيرة وضعيف الإيمان لكن يعلم أنه عاصي معترف بأنها معصية هذه فهو يُرجى له أن يتوب، بخلاف صاحب البدعة فإنه يعتقد أنه على الحق ولا يعترف لك بأنه على الباطل فإذا قلت: هذه بدعة قال: لا، أنت المبتدع فلا يفكر في التوبة، فلهذا كانت البدعة أشد من الكبيرة، وهي أحب إلى الشيطان من الكبيرة المعصية الكبيرة فالذي يفعل كبيرة يشهد الزور يعق والديه يعلم أنه عاص فيمكن أن يتوب يفكر في التوبة، لكن المبتدع لا يعتقد أنه عاص يعتقد أنه على الحق، المبتدع يفعل بدعة مثل بدعة المولد يقول هذه محبة للرسول أنت تبغض الرسول، أنا على الحق وأنت على الباطل يقول هذه بدعة صحيحة، أنت لا تحب الرسول ولو كنت تحب الرسول عملت بدعة: بدعة المولد، فمثلاً مبتدع ما يعترف بأنه على الباطل يعتقد أنه على الحق ويتقرب إلى الله بالبدعة فلا يفكر في التوبة ما يتوب منها، أما صاحب الكبيرة المعصية يعلم أنه على معصية ويعتقد أنها معصية ويفكر في التوبة منها فلهذا كانت البدعة أشد من المعصية، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: لأن ألقى الله بكل ذنب دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة، لماذا؟ لأن البدعة أشد من المعصية، وصاحب الكبيرة يُرجى أن يتوب وصاحب البدعة لا يتوقع أن يتوب غالباً لا يتوب لأنه يعتقد أنه على الحق لهذا قال الإمام الشافعي هذه المقالة لأن ألقى الله بكل ذنب دون الشرك أسهل علي من أن ألقاه بالبدعة، يعني البدعة أشد من المعاصي. 

هذا فيه تحذير من البدع، وقد تكون البدعة في الأسماء بدعة في المعطلة هي في الأسماء والصفات، ويؤولها لبدعة، بدعة القدر، بدعة الخوارج الذين يكفّرون المسلمين بالمعاصي، بدعة القدرية الذين يقولون: إن العباد خالقون لأفعالهم، بدعة المعطلة الذين يعطّلون الله من أسمائه وصفاته وهكذا .. بدعة المعتزلة، بدعة الرافضة، بدعة الشيعة وهكذا... البدع كثيرة فهذه البدع أشد من المعاصي. 

(المتن)  

 أخبرني أبو طاهر محمد بن الفضل قال حدّثنا أبو عمرو الحيري قال حدّثنا أبو الأزهر قال حدّثنا قبيصة قال حدّثنا سفيان عن جعفر بن برقان قال: سأل رجل عمر بن عبد العزيز عن شيء من الأهواء فقال: الزم دين الصبي في الكتّاب والأعرابي والهَ عما سوى ذلك. 

(الشرح)  

وهذا الأثر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخرجه الدارمي في سننه وابن سعد في الطبقات واللالكائي في الشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وابن الجوزي في سيرة عمر، ما روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله الإمام المشهور الزاهد الورع الذي ضمه بعض العلماء إلى الخلفاء الراشدين الأربعة لعدله وورعه، سأله رجل عن شيء من الأهواء يعني من البدع فقال له: الزم دين الصبي في الكتّاب والأعرابي والهَ عما سوى ذلك، الزم دين الصبي في الكتّاب كان الناس قبل أن توجد المدارس يدرّسون الصبيان في الكتّاب يعني: تكون جماعة في المسجد يأتي لهم مدرّس يكتب لهم على اللوح يأتون بخشبة يطلونها بالطين ويكتبون فيها يكتب لهم حتى يتعلموا شيئاً من القراءات ومن الآيات، ثم يقال قرأ في الكتاتيب قبل أن توجد المدارس، الكتاتيب يعني أول ما يبدأ يُكتب لهم في اللوح فيقول له: الزم دين الصبي في الكتّاب أي خليك على الفطرة، اترك هذه الشبه، وكذلك الأعرابي الذي عاش في البادية ما عنده شيء من الشبه شبه المعطلة ولا شبه القدرية بل على الفطرة. قال له عمر بن عبد العزيز: والهَ عما سوى ذلك لأنهم مفطورون على الفطرة، الصبي في الكتّاب والأعرابي مؤمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله ومؤمن بالأسماء والصفات وما عنده شيء من الشبه على الفطرة مفطور على الحق وعلى التوحيد، فيقول لما رجل سأل عمر بن عبد العزيز عن شيء من البدع قال له خليك على الفطرة الزم دين الصبي في الكتّاب، فإنه على الفطرة والزم ما عليه الأعراب في البوادي أصحاب الفطرة ما عندهم شبه ولا شكوك ولا جاءهم أحد يشبّه عليهم ولا يدخل لهم شبه المعطلة ولا شبه القدرية ولا شبه الخوارج ولا شبه المعتزلة على الفطرة فقال الزم الفطرة الزم دين الصبي في الكتّاب والأعرابي والهَ عما سوى ذلك يعني خليك على الفطرة ولهذا كثير من أهل الكلام الذين توغلوا في علم الكلام وفي الشبه حاروا في آخر حياتهم، وحصلت لهم حيرة واضطراب، وتمنّوا أن يكونوا على الفطرة حتى قال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال بعضهم: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، ولما سأل بعض أهل البدع الذين صار لهم حيرة وقال له يسأل: هل تنام في السرير؟ قال: نعم، قال: احمد الله أنا ما أستطيع أن أنام من الشبه والشكوك إذا نمت أفكر في الشبه وفي المقدمات أهل البدع وفي كذا وفي النتيجة وهل الرب مستوٍ على عرشه وهل يمكن أن يكون جسما أو لا يكون جسما قال احمد الله فأنا ما أستطيع أن أنام وأضع الملحفة على وجهي بعد العشاء ويأتي الفجر وأنا على حالي ما أستطيع إلا أفكر في الشبه وفي المقدمات مقدمات أهل البدع ولا عندي راحة ولا طمأنينة، هكذا أهل البدع صار عندهم حيرة واضطراب حتى تمنوا أن يموتوا على عقيدة العجائز فقال يا ليتني أموت على عقيدة أمي، وقال آخر: يا ليتني أموت على عقيدة عجائز نيسابور، وكان من أهل نيسابور  نسأل الله السلامة والعافية  

 

 (المتن) 

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدّثنا محمد بن يزيد قال سمعت أبا يحيى البزار يقول سمعت العباس بن حمزة يقول سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول سمعت سفيان بن عيينة يقول: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه. 

(الشرح) 

يعني ما وصف الله به نفسه من العلم والقدرة والرحمة والغضب والسخط والسمع والبصر يقول تفسيره تلاوته يعني حينما تقرؤه تفسره واضح المعنى لا تكيّف ولا تمثّل، واسكت عن التأويل واسكت عن الكيفية، قراءته تفسيره تلاوته حينما تقرأ (وكان الله سميعاً بصيراً) تنسب السمع والبصر لله، لا تؤوّل ولا يقع في نفسك من الشبه التي يقولها أهل البدع أنه يلزم إذا أثبت أن السمع لزم أن يكون مماثل لسمع المخلوقين وأثبت أن يكون البصر مماثل لبصر المخلوقين اترك هذه الشبه قراءته تفسيره والسكوت عن الكيفية، قراءة التفسير لا كيف ولا غيره لا تكيّف ولا تمثّل. 

(المتن) 

أخبرنا أبو الحسين الخفاف قال حدّثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السرّاج قال حدّثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال حدّثنا الهيثم بن خارجة قال سمعت الوليد بن مسلم يقول: سألت الأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية فقالوا: أمرّوها كما جاءت بلا كيف. 

(الشرح) 

أمروها كما جاءت بلا كيف هذا مقالة للأوزاعي وسفيان ومالك بن أنس لما سُئلوا عن الحديث في الصفات والرؤية قال: أمرّوها كما جاءت بلا كيف، وهذا الأثر صحيح أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، والدارقطني والذهبي في مختصر العلوم وغيرهم، قال أمرّوها كما جاءت بلا كيف هذا فيه رد على المعطّلة وعلى الممثّلة قال أمرّوها كما جاءت رداّ على المعطّلة الذين يعطلون ولا يثبتون الصفات، وقوله بلا كيف رد على الممثّلة الذين يقولون إن صفات الله مثل صفات المخلوقين أمرّوها كما جاءت يعني أثبتوا معاني الصفات واتركوا الكلام في الكيفية (وكان الله سميعاً بصيراً) أثبت السمع أثبت البصر بلا كيف، لا تقل كيفية السمع كذا ولا سمع الخالق مثل سمع المخلوق لا تتكلم في الكيفية، أمرّوها كما جاءت يعني بلا كيف وهذا فيه إثبات للمعاني، استوى على العرش أمرّوها كما جاءت لا تقل كيفية لا تسأل عن الكيفية ولا تقل ولا مثل ولا تقل استواء الخالق مثل استواء المخلوق أمرّوها كما جاءت يعني أثبتوا المعاني بلا كيف بلا سؤال عن الكيفية، ولا تمثيل لها بصفات المخلوقين، وهذا قول السلف قاطبة. 

 

(المتن) 

 قال الإمام الزهري إمام الأئمة في عصره وعين علماء الأمة في وقته: على الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم. 

(الشرح) 

الإمام الزهري رحمه الله إمام معروف، المؤلف قيّده قال إمام الأئمة في عصره يعني في زمانه، وإلا إمام الأئمة إذا أطلق هو الرسول عليه الصلاة والسلام هو إمام الأئمة هو إمام المتقين، ويطلق على محمد بن إسحاق بن خزيمة يقال له إمام الأئمة فينبغي أن يقيد إمام الأئمة في وقته، وإمام الأئمة على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الزهري: على الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، هذا كلام عظيم ينبغي لكل مسلم أن يستشعره, على الله البيان: الله تعالى بيّن لنا في الكتاب العزيز، وعلى لسان نبيه. وعلى الرسول البلاغ بلّغنا وعلينا التسليم والقبول لا نعترض، نحن عبيد مأمورون نقول سمعاً لك يا رب وطاعة، جاء في النصوص إثبات الصفات نقول علينا التسليم نثبت لله الأسماء والصفات وهكذا ولا نعترض ولا نقول ما كيفية الصفات ولا نمثلها بل نسلّم على الله البيان بين لنا سبحانه وتعالى وعلى الرسول البلاغ بلّغ عن الله وعلينا التسليم والقبول دون اعتراض دون تمثيل. 

 

(المتن) 

وعن بعض السلف قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم. 

(الشرح) 

وهذا كلام عظيم قدم الإسلام، الإسلام هو الاستسلام لله تعالى بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك، لا يثبت إلا على قنطرة التسليم، ما يثبت الإسلام إلا بالتسليم سلّم لله ولرسوله أما الذي يعترض ما يثبت إسلامه الذي يعترض على الله وعلى رسوله هذا ما يثبت إسلامه، من الذي يثبت إسلامه؟ هو الذي يسلّم لله ولرسوله يقبل ولا يعترض وإن علم الحكمة الحمد الله وإن لم يعلم نقول سمعاً لله نحو عبيد مأمورون سمعنا وأطعنا فالذي يعترض لا يثبت إسلامه. 

 

 (المتن) 

أخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قال حدّثنا جدي الإمام قال حدّثنا أحمد بن نصر  قال حدّثنا أبو يعقوب الحنيني قال حدّثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يحيون سنتي من بعدي، ويعلّمونها عباد الله) 

(الشرح) 

الشطر الأول من الحديث: إن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وأخرجه الترمذي وابن ماجة وكذلك أيضاً ابن خزيمة والخطيب البغدادي وغيرهم هو حديث ثابت إن هذا الدين بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، بدأ غريب الرسول صلى الله عليه وسلم أول المؤمنين وأول المسلمين ثم أسلم معه حر وعبد وهو أبو بكر وبلال ثم أسلم عدد من الصحابة وسيعود غريباً في آخر الزمان كما بدأ، فيخرج الناس من الدين كما دخلوه –نسأل الله السلامة والعافية فطوبى للغرباء، طوبى: الجنة، الجنة للغرباء الذين يتمسكون بالدين، جاء في اللفظ الآخر قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون ما أفسد الناس وفي لفظ: الذين يصلحون إذا فسد الناس قيل: من الغرباء قال الذين يصلحون بأنفسهم إذا فسد الناس وفي لفظ: الذين يصلحون ما أفسد الناس وفي لفظ هم النزّاع من القبائل من كل قبيلة تأخذ واحدا أو اثنين يكونون على الحق والباقي على الباطل وفي لفظ: هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير، فجاء تفسير الغرباء في أربع تفسيرات قيل: من الغرباء؟ فقال: الذين يصلحون إذا فسد الناس يعني: الناس يفسدون وهم صالحون في أنفسهم مستقيمون واللفظ الثاني قال هم الذين يصلحون ما أفسد الناس يعني دعاة إلى الخير يصلحون ما أفسد الناس واللفظ الثالث هم النزاع من القبائل واللفظ الرابع هم قوم صالحون قليل في قوم سوء كثير وهنا قيل يا رسول الله من الغرباء؟ هذا أيضاً لفظ خامس قال: الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلمونها عباد الله هذا مثل: يصلحون ما أفسد الناس قال: الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلّمونها عباد الله هذه الزيادة أخرجها الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث، والشيخ نصر المقدسي في كتاب الحجة، الذين يحيون سنتي من بعدي ويعلّمونها عباد الله هذا فيه أن المؤلف في هذا الحديث يبين أنه ينبغي إحياء السنن وأن الذين يحيون السنن ويعلّمونها عباد الله هم الغرباء، ومعلوم أنه إذا أحييت السنة ماتت البدعة مقابلها ففيه التحرير من البدع والحث على إحياء السنن. 

 

(المتن) 

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن الكارزي يقول: سمعت علي بن عبد العزيز يقول: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول: المتّبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. 

(الشرح) 

هذه المقالة لأبي عبيد القاسم بن سلام الإمام المشهور له كتاب الإيمان شرحناه في دورة مضت رسالة في كتاب الإيمان رسالة سماها الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام  يقول المتّبع للسنة كالقابض على الجمر هذا في زمانه، فكيف لو رأى أهل الزمان في القرن الرابع والقرن الخامس؟! فكيف لو رأى القرن الخامس عشر؟ يقول: المتّبع للسنة كالقابض على الجمر وسبب ذلك قلة أهل السنة وكثرة أهل البدع، فلهذا يجد شدة ومشقة في مخالفة الناس لأنه لا يجد من يوافقه على الحق، فلكثرة أهل الباطل وقلة أهل الحق صار المتّبع للسنة بين أهل البدع كالقابض على الجمر، أهل البدع عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه وهو بينهم متّبع للسنة ويتحمل ويجد مشقة كما أن القابض على الجمر يتحمل شدة حرارة الجمر، ثم قال القاسم بن سلام: وهو اليوم عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله، يرى أن المتبع للسنة عندي يعني اليوم في زمانه أفضل من ضرب السيف في سبيل الله لأنه جاهد لوجود المجاهدة والشدة والمشقة التي يجدها، كما أن المجاهد في سبيل الله والذي يضرب بالسيف يجاهد الأعداء ويقارع الأعداء، وكذلك هذا الذي يجاهد أهل البدع ويصبر على الحق فهو يقول القاسم بن سلام عندي أفضل من ضرب السيف في سبيل الله. 

 

(المتن) 

وروي عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلّفين) 

(الشرح) 

هذا الحديث رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود أنه خطب الناس وقال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ليقل هذا العلم ويظهره للناس ومن لم يعلم فليقل الله أعلم ولا يتكلم في شيء لا يعلمه قال فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم، لأن العلم قسمان: قسم تعلمه تبينه للناس وقسم لا تعلمه تقول الله أعلم، هذا علم ولا يتكلف الإنسان ولهذا فإن الله قال لنبيه عز وجل: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلّفين) لا تتكلف،الشيء الذي تعلمه تقوله والذي لا تعلمه تقول عنه لا أعلم، ليس بعيب هذا. 

الإمام مالك بن أنس رحمه الله إمام دار الهجرة جاءه رجل من بعيد من مسافات بعيدة يسأله، فسأله عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين لا أدري، ست وثلاثين مسألة يقول لا أدري لا أدري لا أدري لا أدري وما أجابه إلا عن أربع مسائل، قال سبحان الله، أنا قادم من بعيد مسافات بعيدة والأسفار ليست مثل الآن يمشي شهور، هذا يأتي الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الذي تضرب إليه أكباد الإبل ليسأله عن أربعين مسألة يقول في ست وثلاثين لا أدري، فقال ماذا أقول للناس ما أفتيت إلا أربع مسائل؟ فقال: قل يقول مالك لا أدري، قل يقول مالك لا أدري قل يقول مالك لا أدري ويعتبر هذا من فضائله، لا يتكلف الإنسان فالأسئلة التي يعلمها يقول أعلم والتي لا يعلمها يقول لا أعلم، ابن مسعود الصحابي الجليل يقول: لا تتكلف من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم. 

إذاً العلم قسمان: قسم تعلمه تكلم به وقسم لا تعلمه قل الله أعلم، وهذا من العلم، ولهذا قال بعض السلف: لا أدري نصف العلم لأن العلم نوعان شيء تدريه وشيء لا تدريه، النصف الأول تدريه تكلم به والذي لا تدريه قل الله أعلم لا أدري، ولهذا قال بعض السلف: من ترك لا أدري أصيبت مقاتله. 

 

(المتن) 

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدّثنا أبو العباس المعقلي قال حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال حدّثني أبي قال حدّثني عبد الرحمن الضبي عن القاسم بن عروة عن محمد بن كعب القرظي قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز فجعلت أنظر إليه نظراً شديداً فقال: إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي وأنا بالمدينة فقلت لتعجبي فقال ومم تتعجب؟ قال قلت لما حال من لونك ونحل من جسمك ونفى من شعرك قال كيف ولو رأيتني بعد ثلاثة في قبري وقد سالت حدقتاي على وجنتي وسال منخراي في فمي صديداً كنت لي أشد نكرة حدثني حديثاً كنت حدثتنيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قلت حدثني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنّ لكل شيء شرفاً، وأشرف المجالس ما استُقبل به القبلة، لا تصلوا خلف نائم ولا محدث، واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم، ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الذي يجلد عبده ويمنع رفده وينزل وحده، أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي يبغض الناس ويبغضونه، أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يقيل عثرة ولا يقبل معذرة ولا يغفر ذنباً، أو لا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يُرجى خيره ولا يؤمن شره من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتقِ الله، إن عيسى عليه الصلاة والسلام قام في قومه فقال: يا بني إسرائيل! لا تكلّموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالماً فيبطل فضلكم عند ربكم  

الأمر ثلاثة أمر بين رشده فاتّبعوه وأمر بيّن غيه فاجتنبوه وأمر اختلفتم فيه فكلوه إلى الله عز وجل. 

(الشرح) 

وهذا الأثر أثر طويل أثاره المؤلف رحمه الله الشاهد من قوله فكلوه لله عز وجل آخر جملة أن الإنسان الشيء الذي لا يعلمه الإنسان يكله إلى الله عز وجل ولا يتكلم به وهذا الأثر رواه المؤلف رحمه الله عن محمد بن كعب القرظي قال دخلت على عمر بن عبد العزيز الخليفة المشهور الخليفة الراشد من خلفاء بني أمية رضي الله عنه وأرضاه يقول محمد بن كعب القرظي دخلت على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة وهو أمير المؤمنين فجعلت أنظر إليه نظراً شديداً ينظر يتأمل ينظر في وجهه وفي يديه فأنكر عليه عمر فقال إنك لتنظر إليّ نظراً ما كنت تنظره إليّ وأنا بالمدينة لأنه كان في أول الأمر كان أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك كان هو الأمير ثم تولى الخلافة، وكان محمد بن كعب القرظي يعرف عمر بن عبد العزيز ويأتيه لما كان أميراً على المدينة للوليد بن عبد الملك ولما كان خليفة في الشام صار هو أمير المؤمنين جاء إليه، هذا الرجل محمد بن كعب القرظي جعل ينظر إلى الخليفة نظراً يتأمله أنكره عليه قال إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي وأنا في المدينة لما كنت أمير والآن تنظر إلي لما صرت خليفة ما السبب؟ قال قلت لتعجبي أنظر إليك قال ومم تعجب؟ قال قلت لما حال من لونك ونحل من جسمك ونفى من شعرك يعني لونك تغير حال لونك يعني تغير لونك ونحل جسمك صار ناحل في الأول كنت أسمن الآن ضعفت حالك ونفى من شعرك يعني شعرك متشعث، في الأول لما كنت في المدينة في الأول لما كنت في المدينة كان شعرك المتنعم تغير حالك وذلك أن الخليفة عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة صار يُضرب به المثل في العدل صار عنده خوف من الله عز وجل وخاف من توليه لأمور المسلمين حتى تغير جسمه ونحل وصار لا يأكل ولا يشرب إلا القليل خوف واهتم بأمر المسلمين حتى تغير جسمه ونحل وصار شعره ما في وقت يغسل شعره ولا يلبس ثياب جميلة ولا يكد شعره وهو خليفة أمير المؤمنين من شدة خوفه من الله عز وجل وزهده وورعه، لما كان أمير كان أسهل لأن الخلافة ليست له كان أبيه في المدينة وكان نشيطا وجسمه فيه نضرة والآن لما تولى الخلافة صار جسمه ناحلاً وشعره متشعث وجسمه متغير فلهذا تعجب منه، فقال له: كيف لو رأيتني بعد ثلاثة في قبري لو رأيتني بعد الموت وأنا في قبري بعد ثلاثة أيام تكون أشد، من زهده رضي الله عنه يقول كيف لو رأيتني بعد ثلاثة في قبري وقد سالت حدقتاي على وجنتي  خرجت العينين وصارت على الخدين بعد الموت بثلاثة أيام وسال منخراي في فمي صديداً. الخليفة يقول لمن؟ يقول لـمحمد بن كعب القرظي كنت لي أشد نكراً يقول أنت الآن تستنكر أن حال جسمي متغير وشعري متشعث ولوني متغير لكن لو رأيتني بعد الموت تكون أشد استنكاراً لون رأيتني بعد ثلاثة أيام من موتي تجد الحالة أشد تجد حدقة عيناي خرجت وصارت في وجهي وتجد منخراي في فمي صديداً كنت لي أشد نكراً، ثم قال له عمر بن عبد العزيز يقول لمحمد بن كعب حدّثني حديثاً كنت حدّثتنيه عن عبد الله بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه فقال له محمد بن كعب قلت: حدثني عبد الله بن عباس يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال لكل شيء شرف، وأشرف المجالس ما استُقبل به القبلة، هذه اللفظة أخرجها الطبراني وقال المحشي أنها بإسناد حسن وقال: إن لكل شيء سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة ثم قال لا تصلوا خلف نائم ولا محدث، هذه الجملة غير ثابتة قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وعائشة معترضة أمام القبلة، وكون الإنسان يصلي وأمامه نائم أو محدث لا حرج في هذا، وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وأمامه عائشة نائمة على السرير فإذا عرضت علي الحاجة أنسل من جانب السرير حتى لا أشوش على النبي صلى الله عليه وسلم. 

واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في صلاتكم هذا ثابت بقتل الأسودين في حديث النبي قال: (اقتلوا الأسودين الحية والعقرب ولو في الصلاة)، فلا بأس والحركة مغتفرة كونك تقتل وتضرب إلا إذا استدعى الحال أن تدور وتستدبر القبلة واشتد الأمر إذا اضطر الإنسان إلى ذلك يقطع الصلاة ثم يستأنف الصلاة من جديد، لكن ما دام مستقبل القبلة فله أن يقتل الحية ويقتل العقرب ولا يؤثر هذا في الصلاة، قال ولا تستروا الجدر بالثياب هذا فيه النهي عن ستر الجدر ورد في صحيح مسلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين). وذكر النووي في صحيح مسلم قال: يستدل به على أنه يمنع من ستر الحيطان، وتنجيد البيوت والثياب وهو منع كراهة تنزيه لا تحريم، وقد زار أبو أيوب بن عمر رضي الله عنه ورأى في البيت ستراً على الجدار فأنكر عليه قال: جعلتم بيوتكم كالكعبة تسترونها! هل الجدار يستر؟ فقال ابن عمر: غلبَنا النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليه إذا كنت يغلبك النساء فكيف بغيرك والله لا أطعم لك طعاماً، فرجع أبو أيوب وأنكر على ابن عمر أنه ستر الجدار، نحن الآن كل جدراننا مستورة الآن، أنكر ذلك أبو أيوب يقول جعلتم بيوتكم مثل الكعبة تسترونها! وهذا قال لا تستر الجدر بالثياب والنووي يقول هذه كراهة للتنزيه لأن هذا من الإسراف والجدر لا حاجة إليها الآن تغير الوضع ليس الأمر وقف إلى حد الستر، صار يوجد ديكورات وما أشبه ذلك وهو أشد من الستر، فالله المستعان قال: ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه، فإنما ينظر في النار هذه اللفظة ذكر المحشي أن فيها ضعف ضعيفة، قال ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا بلى يا رسول الله قال الذي يجلد عبده ويمنع رفده وينزل وحده رفده يعني العطاء والصلة، والذي يجلد عبده يعني العبد المملوك يجلده بغير حق ويمنع رفده يعني يمنع الصلة والعطاء وينزل وحده هذا يحتمل أنه إذا نزل منزلاً فإنه لا ينزل معه أحد كبراً وبطراً أو شحاً وبخلاً قال: ألا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي يبغض الناس ويبغضونه ثم قال أفلا أنبئكم بشر من ذلك؟ الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة لا يقيل عثرة يعني لا يصفح ولا يعفو ولا يقيل صاحب العثرة إذا اعتذر إليه لا يقبل عذره لا يسمح له ولا يغفر ذنبه. ثم قال أفلا أنبئكم بشر من ذلكم؟ الذي لا يُرجى خيره ولا يؤمَن شره، شره إلى الناس صاعد وخيره قليل من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله لأن المتوكل على الله والمفوض أمره إلى الله بعد فعل الأسباب من أقوى الناس ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره يعني يثق بالله لأن الله تعالى هو الذي بيده الأمر والنهي وهو الذي بيده الرزق ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتقِ الله (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم)، فقال إن عيسى عليه الصلاة والسلام قام في قوم فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها لأنكم إذا كلمتم الجهال تأولوها على غير تأويلها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم يعني تكلموا بجكمة عند أهلها، وإذا لم تتكلموا بها عند أهلها ظلمتموهم، وإذا تكلمتم بالحكمة عند الجهال ظلمتم الحكمة لأنها في غير أهلها، ولا تظلموا ولا تكافئوا ظالماً بظلمه، لا تظلموا يعني لا تظلموا غيركم ولا تكافئوا ظالماً بظلمه فيبطل فضلكم عند ربكم بل عليكم أن تعفو يعني الظالم لا تكافئوه بظلمه بل عليك أن تعفو وتصفح. 

ثم قال الأمور ثلاثة أمر بيّن رشده فاتّبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبه، وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله والمعنى أن الأمور ثلاثة: أمر تبين لك أنه حق وأنه رشد وأنه صواب عليك أن تعمل به، وأمر تبين لك أنه غي وضلال فعليك أن تجتنبه، وأمر مشتبه اختلفتم فيه هذا كِلهُ إلى الله توقف فيه وكلوه إلى الله عز وجل وهذا هو الشاهد الأثر هذا قوله وأمر اختلفتم فيه فكلوه لله عز وجل. يقول المزي في تحفة الأشراف: هذا حديث مشهور من رواية أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب رواه الناس عنه مطولاً ومختصراً، وأخرجه أيضاً ابن سعد في الطبقات من ثلاث طرق مختلفة وهذه الجمل بعضها صحيح وبعضها ضعيف وبعضها له شواهد. 

(المتن) 

ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه به من أهوال ذلك اليوم الحق، واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل والإجابة عن المسائل إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم والمقام الهائل من الصراط والميزان ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر وغيرها. 

(الشرح) 

البعث بعد الموت، البعث في اللغة معناه  الإثارة وشرعاً إعادة الأرواح إلى الأجسام بعث الله الأجساد وإعادة الأرواح إليها للحساب والجزاء بعث الله تعالى الأجساد وإعادة الأرواح إليها للحساب والجزاء، قال المؤلف ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، والإيمان بالبعث أصل من أصول الدين وأصل من أصول الإيمان وركن من أركان الإيمان لا يصح الإيمان إلا به، من لم يؤمن بالبعث فهو كافر بإجماع المسلمين، وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم أن يقسم على البعث والساعة وقيام الساعة في ثلاث مواضع من كتابه أمره أن يقسم فقال سبحانه (زعم الذين كفروا أن لن يُبعثوا قل بلى وربي لتُبعثُنّ) قسم أمر النبي أن يقسم قال قل بلى وربي لتُبعثُنٌّ، وأثبت الله في هذه الآية أنّ من أنكر البعث فهو كافر في نص القرآن، والموضع الثاني قال الله تعالى في سورة يونس: (ويستنبئونك أحقّ هو) يعني البعث بعد الموت (قل إي وربّي إنّه لحق وما أنتم بمعجزين) قل يا محمد إي وربي قسم أمره أن يحلف على البعث ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنّه لحق وما أنتم بمعجزين، والموضع الثالث في سورة سبأ قال سبحانه وتعالى (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينّكم) أمر النبي أن يحلف، فالبعث بعد الموت يعني إعادة الأجساد إلى أرواحها الإيمان بأن الله يبعث الأجساد هذا البدن الإنسان إذا مات يبلى جسده ويستحيل ويكون ترابا إلا أجساد الأنبياء إنّ الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء وكذلك بعض الشهداء يوجد بعضهم يبقى جسده مدة طويلة، وهل يبقى أو لا يبقى؟ كأنه والله أعلم كلما كانت الشهادة أكمل كلما كان بقاء الجسد أطول، لكن الأنبياء هم الذين حرّم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم وأما بقية الناس فإن الجسد يكون تراباً ولا يبقى منه إلا عظم صغير، وهو عجم الذنب آخر فقرة في العمود الفقري وهو العصعص لا تأكله الأرض لا يبلى منه خلق ابن آدم ومنه يركب كما في الحديث، فإذا كان في آخر الزمان أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة الصعق والموت، فيموت الناس ثم يبقى الناس أربعون، فينزل الله مطراً أبيض فتنبت منه أجساد الناس، وينشئهم الله خلقاً جديداً، وتعاد الذرات التي استحالت يعيدها الله خلقاً جديداً، فالله عالم بالذرات التي استحالت (وهو بكل خلقٍ عليم) كما قال سبحانه (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتابٌ حفيظ) فيعيد الله الذرات التي استحالت وينشئ الله الناس نشأة جديدة، تنشئة الصفات الذوات فهي هي الذوات لكن الصفات تختلف، فإذا تكامل خلقهم ونبتوا أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور نفخة البعث فتطايرت الأرواح إلى أجسادها ودخلت كل روح في جسدها فقام الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ووقفوا بين يدي الله الجبار هذا هو البعث بعث الأجساد هذا هو الذي أنكره الكفرة، والفلاسفة أنكروا بعث الأجساد قالوا: البعث للروح وهذا كفر، الفلاسفة يقولون ما في بعث للأجساد إنما البعث للروح وهذا كفر وضلال، أنكروا البعث الجسماني وقالوا البعث روحاني، وهذا كفر وضلال، من لم يؤمن بأن الله يبعث الجسد فهو كافر، ولهذا قال المؤلف رحمه الله ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله، يعني ويؤمنون بكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله من أهوال ذلك اليوم الحق، من الأهوال التي تكون فيه وقوف الناس حفاة عراة غرلاً، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، غرلاً غير مختونين، تعود إلى الإنسان القطعة التي قطعت منه وهو صغير من ذكره فيكون غير مختون حفاة لا نعال عليهم عراة لا ثياب عليهم غير مختونين ويقفون هكذا شاخصة أبصارهم إلى السماء، وأول من يكسى في موقف القيامة هو إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يُكسى ثوب وهذه منقبة لإبراهيم الخليل. فيجب على المؤمن أن يؤمن بالوقوف بين يديه للحساب والشفاعة والميزان والصراط والحوض والجنة والنار كل هذا يجب على المسلم أن يؤمن به، ولهذا قال المؤلف وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله من أهوال ذلك اليوم الحق واختلاف أحوال العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هناك في ذلك اليوم الهائل (وهو يومٌ عسير، على الكافرين غير يسير) من أخذ الكتب بالأيمان، كل واحد يعطى صحيفة كتاب إما بيمينه أو بشماله، فالمؤمن يعطى صحيفته بيده اليمنى، فإذا أخذها يستبشر ويقول لكل من لقيه (هاؤم اقرؤوا كتابيه، إنّي ظننت أنّي ملاقٍ حسابيه، فهو في عيشةٍ راضيةٍ، في جنةٍ عاليةٍ) وأما الكافر والعياذ بالله فإنه يعطى كتابه بيده الشمال ملوية وراء ظهره (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوتَ كتابيه، وأما من أوتي كتابه وراء ظهره، فسوف يدعو ثبوراً) من أوتي كتابه بيده الشمال ملوية وراء ظهره – نسأل الله السلامة والعافية  لابد من الإيمان بأخذ الكتب بالأيمان والشمائل والإجابة عن المسائل الإنسان يُسأل (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع، عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه فيما عمل به) فلابد من الإيمان بما يكون هناك في ذلك اليوم الهائل من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل والإجابة عن المسائل إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط الذي ينصب على متن جهنم، ويمر الناس فيه على قدر أعمالهم، فأول زمرة تمر كالبرق يمرون على الصراط كالبرق ثم الزمرة الثانية كالريح ثم كالطير ثم كأجاود الخيل ثم الرجل يعدو عدواً يركض ركضاً ثم الرجل يمش مشياً ثم الرجل يزحف زحفاً، وهناك كلاليب على الصراط تخطف من أمرت بخطفه وتلقيه في النار على حسب الأعمال ولا يتكلم إلا الرسل، وكلام الرسل في ذلك الموقف: اللهم سلم سلم، وكذلك أيضاً الإيمان بالميزان، وأنه توزن فيه أعمال العباد ميزان حسي له كفتان ولسان كفتاه أعظم من أطباق السماوات والأرض يوزن فيه الأشخاص والأعمال وتثقل الموازين وتخف على حسب الأعمال، فالمؤمن يثقل ميزانه والعاصي يخف ميزانه على حسب الأعمال  نسأل الله السلامة والعافية  فمن ثقلت موازينه نجا ومن خفت موازينه هلك كما أخبر الله في كتابه العظيم (فأما من ثقلت موازينه، فهو في عيشةٍ راضية، وأما من خفّت موازينه، فأمّه هاوية،) فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون) (ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهمفي جهنم حالدون)، وكذلك الإيمان بنشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير والشر صحف الأعمال تنشر ويعطى كل واحد صحيفة عمله، كذلك الإيمان بحوض نبينا صلى الله عليه وسلم في موقف القيامة ويصب فيه ميزابان من نهر الكوثر كل هذا لابد للمسلم أن يؤمن به، كل هذا داخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان باليوم الآخر يشمل الإيمان بالبعث بعد الموت والإيمان بالبعث بعث الأجساد والإيمان بالوقوف بين يدي الله وبتطاير الصحف وبالميزان وبالصراط وبالحوض وبالجنة وبالنار وكذلك ما قبل البعث حينما يموت الإنسان، فلابد من الإيمان بعذاب القبر ونعيمه وفتنة السؤال وضمة القبر وكون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، والمؤمن يوسع له في قبره مد البصر ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وطيبها والفاجر يفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه والمؤمن يأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح يؤنسه وهو عمله والفاجر يأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح قبيح الثياب فلا يزال يوحشه وهو عمله السيئ  نسأل الله السلامة والعافية  كل هذا لابد من الإيمان به وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر. وفق الله الجميع لطاعته، ورزق الله الجميع السلامة والعافية وثبّت الله الجميع على الهدى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.  

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد