(شرح الشيخ حفظه الله تعالى) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين، اللهم علمنا بما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وهدى، وتقى، اللهم إنا نسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا، سم.
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين، والمستمعين، أما بعد،
فقال العلامة السفاريني: (في الدرة المرضية في عقد الفرقة المرضية)
فصل في ذكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والأنبياء عليهم السلام، وفضل أصحابه، وأمته.
ومن عظيم منة السلام / ولطفه بسائر الأنام
أن أرشد الخلق إلى الوصول / مبينا للحق بالرسول
وشرط من أكرم بالنبوة / حرية ذكورة كقوة
ولا تنال رتبة النبوة / بالكسب والتهذيب والفتوة
لكنها فضل من المولى الأجل / لمن يشا من خلقه إلى الأجل
ولم تزل فيما مضى الأنباء / من فضله تأتي لمن يشاء
حتى أتى بالخاتم الذي ختم / به وأعلانا على كل الأمم
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الإيمان بالرسل والأنبياء أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح الإيمان إلى بها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبرائيل عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره، وشره، فجعل الإيمان بالرسل هو أحد أركان الإيمان الستة، فمن لم يؤمن بالرسل، أو جحد نبيا من الأنبياء، فإنه يكون كافرا، كما قال الله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151) النساء)) فلا بد من الإيمان بجميع الأنبياء، والرسل، عليهم الصلاة والسلام، وحاجة الناس إلى الرسل حاجة ضرورية شديدة، أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب واللباس والهواء؛ لأنه لا سعادة للبشرية إلا بهداية الله عز وجل، وهداية الله لا تكون إلا عن طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام، والنبي هو بشر خصه الله تعالى بالنبوة، وكذلك الرسول اصطفاه، والنبي مشتق من النبأ وهو الخبر، أو من النبوة وهي الارتفاع، والرسول مقام الرسالة أفضل من مقام النبوة، فإن الرسول كما قال جمع من أهل العلم: النبي: هو من أوحي إليه بشرع ولم يأمر بتبليغه. والرسول: من أوحي إليه بشر وأمر بتبليغه. فيكون مقام الرسالة أفضل من مقام النبوة؛ لأن الرسول مأمور بالتبليغ، وقال بعضهم في الفرق بين الرسول والنبي، أن الرسول هو الذي أرسل إلى أمة كافرة فيؤمن به بعضهم ويرد دعوته بعضهم. وأما النبي هو الذي يكلف بالعمل بشريعة سابقة. الرسل كنوح، وإبراهيم، وموسي، وعيسي، وهود، وصالح، ومحمد عليهم الصلاة والسلام هؤلاء الرسل، وأما الأنبياء فهم الذين كلفوا بالعمل بشريعة سابقة كداود،وسليمان، وزكريا، ويحيى، وغيرهم، من كلفوا بالعمل بالتوراة كما قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ... (44) المائدة))، وقد يوحي إليهم وحي خاص في قضية، والنبي هو كما سبق اصطفاء من الله، لا تحصل يعني بالتكسب، كما قال المؤلف: ذكر التهذيب، وتنقيه النفس، كما زعم بعض الصوفية، وكذلك أيضا يزعم بعض الفلاسفة أن الفلسفة أعظم وأعلى من النبوة، هذا من جهل هؤلاء الفلاسفة، فالنبوة فضل، واجتباء، اصطفاء، الله يصطفي عباده للنبوة، ويصطفي من الرسل، كما قال الله تعالى ((اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ... (75) الحج))، وشرط النبوة: الذكورة، والحرية، والقوة، والأمانة، هذه شروط الرسالة، النبوة شروطها:
الأول: الذكورة أن يكون النبي ذكرا كما قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى ... (109) يوسف)) خلاف لما زعم أن من النساء نبيا، كابن حزم، وغيره وأن مريم أو أم موسي وغيرها، والصواب أنه ليس في النساء نبيا، وإنما تصل المرأة إلى درجة أو إلى رتبة دون رتبة النبوة، وهي رتبة الصديقة، كما قال الله تعالى: ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ... (75) المائدة))، هذه أعلى مرتبة تصل إليها المرأة، فمن شرط النبي الذكورة، وكذلك المرأة ناقصة في عقلها ورأيها ودينها.
والثاني: الحرية؛ لأن العبد ناقص عن الحر؛ ولأنه غير مالك لنفسه. والثالث: القوة، من شرط النبوة القوة أن يكون عنده قوة بتحمل أعباء الرسالة، والدعوة إلا الله على بصيرة، والجهاد في سبيله، ويكون عنده حنكة في الرأي والتدبير.
والشرط الرابع: الأمانة أن يكون أمينا في تحمل الرسالة، والقيام بأعبائها. الذكورة، والحرية، والقوة، والأمانة.
والإيمان بالرسل يكون إجمالا، ويكون تفصيلا.
ــــــــ يكون الإيمان بالرسل إجمالا في أن الله أرسل إلى عباده رسلا كثيرين لا يعلم حصرهم، وعددهم إلا الله.
ــــــــ ويكون تفصيلا فيمن سمي يؤمن بهم، وبأعيانهم كما جاء في القرآن أوفي السنة قال تعالى في سورة الأنعام ((وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) الأنعام))، وقال تعالى في سورة النساء: ((إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) النساء))، فمن سمي يجب الإيمان بأعيانهم، ومن لم يسم يؤمن به إجمالا، ومن أعظم نعمة من الله بها على عباده، بعد أن خلقهم وأوجدهم من العدم، أن أرسل فيهم الرسل مبشرين ومنذرين كما قال الله تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ... (213) البقرة))، وقال سبحانه: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران))، ولا حياة، ولا طمأنينة، لفرد ولا لجماعة ولا لشعب، إلا بدين تستقيم به العبادة، وهذا الدين لا بد له من نظم، وحُكْم، وحِكَم إلاهية، وهذا لا يكون إلا عن طريق الرسل، لا يكون إلا عن طريق الرسول؛ لأن الرسول هو الواسطة بين الله وبين خلقه، في الأحكام التشريعية التكلفية، والأحكام الكونية القدرية، والأحكام الجزائية من ثواب وعقاب، فلا حياة، ولا طمأنينة، ولا راحة إلا بدين، وأحكام من الله تكون عن طريق الواسطة وهو الرسول، من هذا يتبين أن حاجة الناس إلى الرسل، أعظم من حاجتهم إلا الطعام والشراب وحاجتهم إلى الهواء؛ لأن حياة القلوب والأرواح مقدمة على حياة الأبدان. والرسل أفضل الناس، ثم يليهم الأنبياء، ومقام الرسالة أعظم من مقام النبوة، وقد عكس هذا الصوفية الجهلة فقال بعضهم إن الولي أفضل من النبي والنبي أفضل من الرسول هكذا، عندهم الولي، ثم النبي، ثم الرسول، ولذلك يقول قائلهم:
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي
وهذا من جهلهم وضلالهم، الولي عام، يشمل الأنبياء، والرسل، وغيرهم، لكن أفضل الأولياء، هم الرسل، ثم يليهم الأنبياء، وقد جاء في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، عدد الأنبياء مائة ألف، وعشرون ألف، وأن الرسل منهم ثلاث مائة، وثلاثة عشر، ولكن الحديث فيه ضعف. وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده ومنته العظيمة أن أرسل فيهم الرسل، مبشرين ومنذرين.
ثم قال المؤلف رحمه الله:
ومن عظيم منة السلام / ولطفه بسائر الأنام
أن أرشد الخلق إلى الوصول / مبينا للحق بالرسول
من أعظم منة السلام، (السلام)، اسم من أسماء الله، يعني من أعظم إحسان ربنا سبحانه وتعالى، ومن أسمائه السلام؛ للسلامة من النقص والعيب؛ لأن الله تعالى كامل في ذاته وأسمائه وصفاته، من عظيم منته ولطفه ورأفته بجميع الخلق من الجن والإنس، أن أرشد الخلق إلى الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال:
ومن عظيم منة السلام / ولطفه بسائر الأنام
(سائر الأنام) يعني الناس أن أرشد الخلق إلى الوصول، (مبينا للحق بالرسول)، يعني أرشد الخلق من الثقلين للوصول لمعرفة لله، وعبادته، والقيام بما شرعه، والذي عاقبته وثمرته هو الفوز بالجنة، والنجاة من النار، والنظر إلى وجهه الكريم، يعني (مبينا)، مظهرا موضحا لمنهج الحق، بالرسول عليه الصلاة والسلام، وإرسال الرسل، هذا من أعظم منة الله كما ذكر المؤلف. كما قال الله تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) آل عمران))، وذكر المؤلف أن من شرط من أكرم بالنبوة الحرية، والذكورة، والقوة، والأمانة، كما سبق، والله سبحانه وتعالى أعلم حيث يجعل رسالته أصلا، وميراثا، فليس كل أحد أهلا ولا صالحا لتحمل الرسالة، بل الرسالة لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا بها، والله أعلم هذه المحال، ولهذا قال سبحانه وتعالى: ((اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ... (75) الحج))، والله سبحانه وتعالى، إنما يبعث الرسل في صفات هي من أكمل صفات البشر، فلم يبعث نبيا ولا رسولا إلا رجلا، حرا، قويا، لأشرف نسب قومه؛ ليسهل عليهم تحمل الخلق، وكونه من أشرف أنواع الفرد الإنساني، قال المؤلف:
ولا تنال رتبة النبوة / بالكسب والتهذيب والفتوة
لكنها فضل من المولى الأجل / لمن يشا من خلقه إلى الأجل
لا تنال رتبة النبوة بالكسب والتهذيب والفتوة، كما يزعمه بعض الصوفية، أنها تنال بالكسب والاجتهاد، وتكلف أنواع العبادة، وبالتهذيب، وتنقية البدن، وتصفية الأخلاق، واكتساب الفضائل، ومن القوة، وكرم النفس، وتخليصا من الأوصاف المذمومة، كل هذا لا تنال به النبوة، النبوة اصطفاء، اختيار واصطفاء، ((... اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ... (124)الأنعام)) ((اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ ... (75) الحج))، لكم النبوة فضل من المولى سبحانه وتعالى، النبوة والرسالة فضل من المولي الأجل سبحانه وتعالى، يؤتيها الله لمن يشاء، مما يصطفيه من عباده، يكرمه بالنبوة، ولا يبلغها أحد بعلمه، ولا يستحقها أحد بكسبه، ولا ينالها عن استعداد لولايته، ومن زعم أنها مكتسبة، فهو زنديق مخالف للكتاب والسنة، مثل بعض الصوفية، وبعض الفلاسفة، يري أن رتبة الفلسفة أعظم من رتبة النبوة، ولا يرضى برتبة النبوة، يقول لأن النبوة رئاسة العامة، والفلسفة رئاسة الخاصة، فيكون الفيلسوف أعلى من النبي بزعمهم، هذا كفر وضلال، فهو كفر فوق كفر الذين ((... قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ... (124) الأنعام)) إذا كان الذي يقول لا نؤمن كافر، فالذي يري أنها أفضل وأعلى أشد كفرا، نسال الله السلامة والعافية، فالنبوة فضل من الله، يمن بها على من يشاء من عباده، يقول المؤلف كان هذا ممتد من آدم عليه الصلاة والسلام، إلي بعثة نبيا محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا قال:
ولم تزل فيما مضى الأنباء / من فضله تأتي لمن يشاء
حتى أتى بالخاتم الذي ختم / به وأعلانا على كل الأمم
يعني لم تزل الأنباء يعني الأنبياء في الزمن الذي مضي من الأزمان، بفضل الله، ولطفه، الله أرسل لبني إسرائيل أنبياء كثيرون، وقبلهم، وبعدهم، يقومون بالشرائع، وإيضاح السبل لأممهم الماضية، فلم تخلوا الأرض من داع يدعوا إلي الله من لدن آدم إلي أن بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فختم الله به النبيين والمرسلين، وأكمل به الدين، قال الله تعالى: ((مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (40) الأحزاب))، قوله: (وأعلانا على كل الأمم)، يعني أعلانا معشر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أعلانا على كل الأمم الماضية، ولهذا قال الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... (110) آل عمران)) قال: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ... (143) البقرة)) يعني عدلا وخيارا ((...لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... (143) البقرة))، جعل الله تعالى علماء هذه الأمة، كأنبياء بني إسرائيل، أنبياء بني إسرائيل كلما هلك نبي خلفه نبي، وهذه الأمة ختمها الله بنينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصار العلماء بمثابة أنبياء بني إسرائيل، ليجددوا للناس ما اندرس من دينهم، في الحديث: ((إن الله تعالى يبعث علي كل مائة سنة من يهدي الأمة ومن يجدد لها دينها)) ((رواه أبو داواد في سننه (4291)، وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه))، وكذلك جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون على ذلك، حتى يأتي أمر اللهـ وهم ظاهرون على ذلك)) ((رواه البخاري (3640)، ومسلم (156) (1037) (1920) (1923) وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم )). ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة))، (( رواه البخاري (876)، ومسلم (855)، وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه))، لذا قال: وأعلانا يعني هذه الأمة على كل الأمم، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( أن هذه الأمة قال ما ترضي أن تكون ربع أهل الجنة فكبر الصحابة ثم قال ما ترضي أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبر ثم قال ما ترضي أن تكونوا شطر أهل الجنة))، (( رواه البخاري (6528)، ومسلم (221)، وغيرهما من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه))، فرجع وفي حديث آخر: (( أن أهل الجنة مئة وعشرون صفا، وأن هذه الأمة ثمانون صفا، وأربعون من سائر الأمم)) ((رواه أحمد (22940)، الترمذي (2546)، ابن ماجه (4289)، وغيرهم، من حديث بريدة رضي الله عنه )) منها وأول من يدخل الجنة من الأمم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم أسبق الأمم خروجا من الأرض، وأسبق الناس إلى ظل العرش، وأسبق الناس إلى القضاء، وأسبق الناس للجوز على الصراط، ولهذا جاء في الحديث ((أنتم توفون وهم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل)) ((رواه الترمذي (3001)، وابن ماجه (4288)، وغيرهما من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده، رضي الله عنه))،
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم.
(أحد الطلبة): يوسف عليه السلام
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (نعم زالت عنها الرق هذا يعني عارض، أبو العالية عارض ثم زال عنه).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: أنه نبئ بعد السجن يقول أن يوسف عليه السلام نبأ بعد السجن).
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (نبأ؟).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال: نعم ولكن إن قال قائل ما تقولون في قوله إن يوسف عليه الصلاة والسلام ((...وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) يوسف))، يعني جاءه الوحي قبل السجن فالجواب أن الضمير يعود على أبيه يعقوب).
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): ((...وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) يوسف))، الظاهر يعود إلى ظهور الضمير ظاهر الآية عليه يحتمل أن المراد بالوحي الإلهام هنا، قد يكون من الإلهام ((وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ...(68) النحل))، ((وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى ... (7) القصص))، ليس وحي تشريع (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ...(163) النساء))، هذه تشريع، نعم، اقرأ المتن).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال: فصل في خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم
وخصه بذاك كالمقام / وبعثه لسائر الأنام
ومعجز القرآن كالمعراج / حقًّا بلا مين ولا اعوجاج
فكم حباه ربه وفضله / وخصه سبحانه وخوله
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (نعم، هذه من بعض خصائص النبي صلى الله عليه وسلم الذي خصه بها، وخصائصه كثيرة، أوصلها بعض المتأخرين إلى ثلاث مئة، وبعضهم قال لا حصر لها، لكن هذه من أجلها وأعظمها قال: وخصه بذاك كالمقام بذاك كونه ختم به النبوة كما قال في الأبيات السابقة:
حتى أتى بالخاتم الذي ختم / به وأعلانا على كل الأمم
وهو محمد صلى الله عليه وسلم قال: (وخصه بذاك) بكونه خاتم النبيين، خصه بخاتم النبوة، هذه الخصيصة الأولى، الخصيصة هي ما يختص به الإنسان دون غيره. قال خصيصة فالخصيصة الأولى من الخصائص العظيمة أن الله تعالى خصه دون سائر الأنبياء بكونه ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي بعده، قال الله تعالى: ((((مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ... (40) الأحزاب))، وقال عليه الصلاة والسلام: (( فضلت علي الأنبياء بخمس وبست وذكر منها وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة أو كافه)) ((جزء من حديث رواه البخاري (335)، ومسلم (521)، وغيرهما، من حديث جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما))، هذه الخصيصة الأولي فلا تُبتدع بعده نبوه، ولا تشرع بعده شريعة، وعيسى عليه السلام حينما نزل في آخر الزمان، فإنه لا يتعبد، ولا يحكم بشريعته، بل هو يكون فرد من أفراد الأمة المحمدية، حاكما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو خليفة له، وحاكم من حكامه، ولهذا يقال: إن عيسى هو أفضل أفراد هذه الأمة، ومن هو أفضل هذه الأمة أفضل هذه الأمة أبو بكر ابن ولقائل أن يقول من هو أفضل من أبي بكر من هذه الأمة؟ يقال عيسي، عيسى نبي، وهو من هذه الأمة؛ لأن الله اخذ الميثاق على كل نبي، بأنه إن بعث محمد وهو حي، لتؤمنن به وتتبعه، ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) آل عمران))، فإذا عيسى عليه السلام ما يعارض هذا، كونه يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكون عيسى لا يقبل الجزية، ويقتل الخنزير، هذا من شريعتنا، مغيب بهذا، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بهذا، أخبر أن الجزية تقبل إلي مغيب بنزول عيسى، وأنه يكسر الصليب، ولا يكون إلا الإسلام، إذا هذه الخصيصة الأولى كونه خاتم النبيين. وخصه بذاك كالمقام / وبعثه لسائر الأنام
والخصيصة الثانية: قال: وبعثة لسائر الأنام وخصه بذلك كالمقام وخصه بذلك يعني بكونه خاتم النبيين، وقال كالمقام يعني المراد به المقام المحمود وهو الشريعة العظمي في أهل الموقف، ليقضي بينهم الذي يتخلف عنها أولوا العزم الخمسة بين الناس يصيبه الكرب والشدة في موقف القيامة ويفزعون إلى الأنبياء لأنهم أحياء قادرون يأتون آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر، يقول: أنه أكل من الشجرة التي نهي عنها، ثم يرشدهم إلى نوح، فيأتون نوح، فيعتذر؛ بأنه دعي على أهله دعوة أغرقتهم، ويرشدهم إلى إبراهيم، فيأتونه ويأتون فيطلبون منه الشفاعة ويعتذر إبراهيم بأنه كذب في الاسلام ثلاث كذبات، يزاد بها عن دين الله، هي تورية، ويرشدهم إلى عيسى، فيأتون عيسى، ويعتذر، ولم يكن له ذنب إلا أن الناس اتخذوه وأمه إلاهين من دون الله، ويرشدهم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا أتوا إليه، قال: أنا لها عليه الصلاة والسلام، ثم يذهب عليه الصلاة والسلام ويسجد تحت العرش، فيفتح الله عليه من المحامد في ذلك الموقف، يلهمه إياها، فلا يزال يحمد الله، ويمجد الله، وهو ساجد عليه الصلاة والسلام، حتى يأتي حديث من الرب سبحانه وتعالى، فيقول الرب عز وجل: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيسأل ربه الشفاعة، فيشفع الله في أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم، الشفاعة للحساب، حتى يحاسب الله الخلائق، حتى يستريح الناس من هذا الموقف، فهي عامة للمؤمنين والكافرين، لجميع أهل الموقف، فهذا المقام المحمود، يغبطه فيه الأولون والآخرون عليه الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: ((وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) الإسراء))، هذا هو المقام المحمود)) ((رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم (7440)، وغيره، من حديث أنس رضي الله عنه))، الذي الذي يغبطه فيه الأولون، والمقام المحمود كل ما يحمد عليه، وجاء في بعضها أن الله يجلسه على العرش ((وهو نفسير مجاهد رحمه الله للآية رواه أبوبكر بن الخلال في السنة(252)، والآجري في الشريعة (1104))) وقالوا: بعضهم إنه عام، يشمل الشفاعة، وكل ما يحمد عليه عليه الصلاة والسلام، هذه الخصيصة الأولى كونه خاتم النبيين.
والخصيصة الثانية الشفاعة وما يحمده عليها الخلائق.
الخصيصة الثالثة: ما خصه الله به بكونه بعثه نبيا ورسولا لجميع الثقلين الجن والإنس قال تعالى: ((قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ... (158) الأعراف))، قال: ((وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ... (28) سبأ))، وقال: (... وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً ... (79) النساء) قال عليه الصلاة والسلام: ((وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة))، ((جزء من حديث رواه البخاري (335)، ومسلم (521)، وغيرهما، من حديث جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما))،
هذه الخصيصة الثلاثة: بعثة لسائر الناس، بل للجن والإنس، قال بعضهم أيضا: للملائكة، ذكر الشارح السفاريني كذا فهذه الخصيصة الثالثة: أنه بعثه نبيا ورسولا لجميع الناس، قال ولهذا قال: ( وخصه بذاك كالمقام)، (خصه بذاك)، بكونه خاتم النبيين، (كالمقام)، مقام الشفاعة، وبعثه لسائر الأنام، بعثه للثقلين.
والرابع: معجزة القرآن، (ومعجز القرآن)، ما خصه الله به من معجزة القرآن، القرآن الذي أذعن له الثقلان، واعترف بالعجز عن الإتيان بأقصر صورة منه، أهل الفصاحة والبيان، الله تحدى البشر أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة مثله، فعجزوا، ولهذا قال: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ... (24) البقرة))، قال: ((فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا... (24) البقرة))، هذا القرآن معجز في آياته كلها بمواضعها، وبمكانها، وبألفاظها، وبمعانيها، يعني القرآن معجز، القرآن معجز من نواحي متعددة.
الخامسة: قال المؤلف رحمه الله:
ومعجز القرآن كالمعراج / حقا بلا مين ولا اعوجاج
معجزة المعراج، المعراج إلى سدرة المنتهى، فإن الله تعالى أسرى بنبيه كما قال سبحانه: (((سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ ... (1) الإسراء)) أسرى به عليه الصلاة والسلام، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، على البراق، بصحبة جبرائيل، والبراق دابة فوق الحمار ودون البغل، سمي بالبراق لما فيه من البريق واللمعان، وخطوه مد بصره، خطوه مد بصره، فيكون قطع مسافة من مكة إلى الشام، مقدار الساعة، أوالساعة ونصف، قريب من سرعة الطائرة، خطوه مد البصر، وهذا من المعجزات العظيمة في ذلك الزمان، ما يوجد شيء من المراكب الآن، المخترعات الحديثة، من المراكب، ولا يدور في خلد أحد من الناس، ثم صلى، جمع له الأنبياء، وصلى بالناس إماما، ثم أتي بالمعراج، وهو كهيئة السلم، فصعد معه جبرائيل عليه السلام، حتى جاوز السبع الطباق، وكما جاء في الحديث، حديث الإسراء والمعراج الطويل: (( وأنه استفتح هو وجبريل باب السماء، وكل نبي يرحب بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجد في السماء الأولى آدم، قال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، وفي الثانية عيسى ويحيى ابني الخالة، وفي الثالثة إدريس، وفي الرابعة يوسف، في الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، في السابعة إبراهيم، قال إبراهيم وآدم: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، وغيرهم من الأنبياء قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم تجاوز السبع الطباق، ووصل إلى سدرة المنتهى، ووصل إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام، وكلمه الله عز وجل بدون واسطة، وسمع كلام الله، وفرض عليه الصلاة خمسين صلاة، حتى نزل ومر إلى موسى، فسأله، فأمره أن يرجع إلى ربه، ويسأله التخفيف، وهذا كله بتقدير الله تعالى، والله يعلم أنها ستكون خمس صلوات، وعلا به جبرائيل، فجعل النبي يتردد بين ربه وموسي، في كل مرة يضع خمس أو عشرا، حتى وصلت إلى خمس صلوات، فقال له موسى: ارجع ربك واسأله التخفيف لأمتك، فسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك ضعيفة لا تطيق خمس صلوات، وإني عاينت بني إسرائيل أكثر من ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إني سألت ربي حتى استحييت، لكن أرضى وأسلم، فنادي مناد من السماء أني أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، هي خمس في العدد، خمسون في الميزان والأجر))، ((رواه البخاري (349)، (3342)، (3887)، ومسلم (163)، وغيرهما من حديث أنس عن أبي، وأبي ذر، ومالك بن صعصة رضي الله عنهم))، والمعراج حديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، من أنكر الإسراء فإنه يكفر؛ لأنه مكذب لله، بعد إقامة الحجة، (((سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ... (1) الإسراء)) والصواب أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وقيل: في ليلتين، والصواب أن الإسراء والمعراج بروحه وجسده، في ليلة واحدة، هذا هو الصواب، وقيل: الإسراء بروحه، وقيل: الإسراء مناما، كل هذا أقوال ضعيفة، وقيل: الإسراء مرارا، كل هذه فيها ضعف، والصواب: أنها الإسراء والمعراج في ليلة واحدة يقظة لا منام، والإسراء قيل: قبل الهجرة بسنة، فيكون في ربيع الأول، أو بثلاثة أشهر، فيكون في رجب، أو بستة أشهر، فيكون في رمضان، وقيل: قبله بثلاث سنين، أو خمس سنين، ولهذا قال المؤلف:
وخصه بذاك كالمقام / وبعثه لسائر الأنام
ومعجز القرآن كالمعراج / حقًّا بلا مين ولا اعوجاج
(وخصه بذاك)، كونه خاتم النبين، هذا الأول، (كالمقام)، المقام المحمود، هذا الثاني، (وبعثه لسائر الأنام)، هذا الثالث، (ومعجز القرآن)، هذا الرابع، (كالمعراج)، الخامس، (حقا بلا مين ولا اعوجاج)، يعني حتما بلا كذب، ولا ريب، ولا اعوجاج، يعني مستقيم، كما ذكر الشراح في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بينا النائم في حطيم أو قال في الحجر إذا أتاني آت فجعل يقول لصاحبه شق ما بين هذه الهالة من ثغرة نحره إلى سرته، قال: فاستخرج قلبي فأوتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة، فغسل قلبي، ثم حشى، وفي لفظ فأفرغه في صدري، وملأه علما وحلما ويقينا وإسلاما، ثم أطبقه، قال أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة، فغسل قلبي ثم حشاه، وفي لفظ قال: فأفرعه في صدره، وملأه علما وحلما ويقينا وإسلاما، ثم أطبقه))، ((رواه البخاري (349)، (3342)، (3887)، ومسلم (163)، وغيرهما من حديث أنس عن أبي، وأبي ذر، ومالك بن صعصة رضي الله عنهم))، والنبي صلى الله عليه وسلم شق صدره مرتين، مرة: وهو صغير في البرية عند المرضعة. والمرة الثانية: قبل المعراج قبل الإسراء والمعراج، جاء صح في الحديث أنه صعد بالمعراج كهيئة السلم، وأنه نصب له، وارتقي فيه، وأعطي النبي صلى الله عليه وسلم، خصائص غير هذه، هذه أهمها، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمس لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرة بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثة إلى الناس كافة))، ((رواه البخاري (335)، ومسلم (521)، وغيرهما، من حديث جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما))، لكن المؤلف اقتصر على هذه الخمس؛ لأنها أعظمها، وأفردت بالتأليف، قال المؤلف: فكم حباه ربه وفضله / وخصه سبحانه وخوله
يعني كم حبا الله وأعطاه نبيه من المكارم، ومن المكرومات، وكم فضله على غيره، بالمزيد من المزايا التي لا تحصى، وكم خصه بخصوصية، وخوله، وأعطاه، المعنى أن الله سبحانه وتعالى خصه بخصائص كثيرة، ومزايا جليلة، حتى عدها بعضهم إلى ثلاث مئة بعض المتأخرين، وقيل: أنها لا تعد، ولا تحصى، نعم).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال: فصل في معجزاته صلى الله عليه وسلم
ومعجزات خاتم الأنباء / كثيرة تجل عن إحصائي
منها كلام الله معجز الورى / كذا انشقاق البدر من غير امترا
وأفضل العالم من غير امترا / ....
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (انتهى الفصل هذا، المعجزات جمع معجزة، والمعجزة هي أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي غالبا، يجريه الله علي يدي من؟ على يدي الرسول، يكون علامة على صدقه، وتسمى آية، وتسمى علامة، تسمى دليل، والمتأخرون يسمونها معجزة، والمتقدمون يسمونها آيات، وعلامات، ودلالات، هذه المعجزات، أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي، يجريه الله على يدي الرسول، تأيدا له. المتأخرون يسمونه المعجزة، والمتقدمون يسمونه آية، ودليل، وعلامة، المؤلف يقول:
ومعجزات خاتم الأنباء / كثيرة تجل عن إحصائي
(عن إحصائي)، يعني عن عدي وحفظي، ما يستطيع؛ لكثرة أفرادها وتنوعها من الأقوال والأفعال، التي ما سبقت لنبي من الأنبياء، ولم يبلغ أحد منهم ما بلغه نبينا صلى الله عليه وسلم، من أعلام نبوته، ولم يتح لأحد منهم من الآيات، مثل ما أوتي عليه الصلاة والسلام، أو فضيلة، ما أوتي نبي من الأنبياء مثل ما أوتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حكمة الله تعالى، أنه ما بعث نبي إلا ما أعطاه من الآيات ما على مثله آمن البشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بعث الله نبي إلا وأعطاه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحي أوحى الله إليه فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)) ((رواه البخاري (4981)، ومسلم (152)، وغيرهما، من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه))، وهذا حاصل، هذا الرجاء حاصل للنبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته كثيرة، يعني لا تعد ولا تحصى لكثرتها، وهي أنواع: منها ما يكون في السماء، كما ذكر المؤلف، انشقاق القمر، والمعراج هذا في السماء، المعراج في السماء، وانشقاق القمر، قال المؤلف رحمه الله:
منها كلام الله معجز الورى / كذا انشقاق البدر من غير امترا
(انشقاق البدر)، انشقاق القمر يعني من المعجزات التي خص بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الكواكب السيارة، قال: (من غير امترا)، من غير شك، قال الله تعالى: ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) القمر))، ذكر الشراح وغيرهم الأحاديث في هذا منها حديث ابن عباس: (( اجتمع المشركون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كنت صادقا فشق لنا القمر فلقتين فقال: إن فعلت تؤمنوا، قالوا: نعم، فسأل الله أن يعطيه فنشق فلقتين، فقال: اشهدوا، وذلك بمكة قبل الهجرة))، وفي الصحيحين من حديث أنس: ((أن أهل مكة سألوا النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى تري الحري بينهما))، ((رواه البخاري (3637)، (3868) ، ومسلم (2802) وغيرهما)) وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ((انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقتين، فلقة فوق الجبل، وفلقة دونه، فقال الرسول: اشهدوا)). ((رواه البخاري (4864)، ومسلم (2800) وغيرهما)) ثبت انشقاق القمر هذا فى القرآن ((اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) القمر))، ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم القرآن، كلام الله المعجز، (كلام الله معجز الورى)، يعني من دلائل نبوته، كلام الله، المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، أعجز الخلق جميعا، إنسهم وجنهم، أولهم وآخرهم، فهو معجز، القرآن بنفسه، وليس في وسع البشر الإتيان بسورة من مثله، والمؤلف اقتصر على هاتين المعجزتين، وهما: القرآن، وانشقاق القمر؛ لأن في هاتين الآيتين الباهرتين كفاية، وإلا دلائل النبوة، نبوته صلى الله عليه وسلم لا تحصى، قال العلماء: قال بعضهم: إن نفس صورة النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة الباهرة، وطلعته الظاهرة، وسمته، ودله، يدل العقلاء علي نبوته، نفس صورته الشريفة الباهرة، وطلعته الظاهرة، وسمته، ودله، يدل العقلاء علي نبوته، يقال: قال نفطويه: في قوله تعالى: ((...يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ... (35) النور))، هو مثل ضربه الله له يقول: يكاد منظره يدل على نبوته، وإن لم يتلو قرآنا، نفطويه قال: في قوله تعالى: ((...يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ... (35) النور))، يكاد زيتها يضيء قال هو مثل ضربه الله له يقول يكاد منظره يدل على نبوته وأن لم يتلو قرآنا، كما قال عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه:
لو لم تكن فيه آية بينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
لو لم تكن فيه أية بينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
ذكر العلماء شيخ الإسلام، وغيره، أن آياته يعني معجزاته أنها أنواع: ـــــــــــ منها ما هو في العالم العلوي كالمعراج، وانشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب.
ــــــــــ ومنها ما هو في الجو كالاستسقاء، والاستسحاب، الاستسقاء، والاستسحاب وطاعة السحاب له في حصوله وذهابه.
ــــــــــ ومنها ما يكون في الأرض، في الجماد والحيوان، كتسليم الحجر، والشجر له ، وحنين الجذع، وتكثير الطعام والشراب، ونبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، وشهادة الغزالة له بالنبوة، ودعاء الجمل الذي ند عن أهله، ثم دعاه، فجاء إليه، وطأطأ رأسه، فخطمه وسلمه لأهله، إلى غير ذلك من المعجزات.
ــــــــــ ومنها تأيده بملائكة السماء.
ــــــــ ومنها تصرفه في الأشجار، لما جاء يقضي حاجته أخذ بشجرة وجرها، وقال: التأمي، فلتأمتى، وصارت ستر له، ثم لما قضي حاجته افترقتا)). (تابعا)، يعني مسلم تبعه في الدنيا، تبعه في الآخرة، المؤمنون يتبعونه في الدنيا على الإسلام، وفي الآخرة في الجنة، تابعه في الدنيا، أتباع النبي صلى الله عليه وسلم هم أكثر الناس، نعم، كلهم ينتسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ينتسبوا للإسلام.
ــــــــــــ ومن المعجزات أيضا تأيده بملائكة السماء.
ــــــــــــ ومنها كفاية الله له من أعدائه، وعصمته من الناس.
ـــــــــ ومنها إجابة دعائه. ـــــــ ومنها إعلامه بالمغيبات الماضية والمستقبلة. من معجزاته عليه الصلاة والسلام تأيده بملائكة السماء، ومنها شهادة الله له بالرسالة، شهادة الله له بأن يؤيده، ويكفيه شر أعدائه، ويظهره عليهم، قال: ((...أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) فصلت))، فالله تعالى لا يمكن أن يؤيد شخصا، يدعي النبوة، وهو كاذب، ومع ذلك يقول للناس: إن من فعل كذا فله الجنة، ومن فعل كذا فله النار، وهو يؤيده وينصره على أعدائه، ويهلك أعداءه وهو كذب، لا يمكن هذا، قال الله تعالى: ((وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) الحاقة))، فهذا من المعجزات، ومن دلائل النبوة، تأيد الله لنبيه، وإظهاره عليهم، ونصره على أعدائه، وإظهاره عليهم، هذا أيضا من المعجزات، منها إعلامهم بالمغيبات الماضية والمستقبلة، أيضا هذا من المعجزات إخباره بالمغيبات الماضية، كما حصل في الأمم الماضية، وإخباره عن مغيبات المستقبل، كأشرط الساعة، وما يكون في البرزخ، وإخباره عن يوم القيامة، وما يكون فيه من الجزاء، والحساب، والثواب، والعقاب، والجنة والنار، ومنها أيضا كذلك إعلامه بما نفوس بعض أتباعه، وغيرهم، يخبره بما في نفسه، ومنها ما يتعلق بالقدرة والتأثير، وهذا كما سبق يكون في الجو، ويكون في السماء، ويكون في الأرض، ومنها ما يكون عن طريق الكشف من العلوم، الكشف كإخباره مغيبات المستقبل، إخباره ما يحصل في يوم القيامة، والبرزخ، إخباره عن أشراط الساعة، إخباره عن الأمم الماضية، ومنها أيضا كذلك كشف له عن بيت المقدس، لما سألوه، فوصفه لهم، ومنها إجابة دعائه، ولهذا قال العلماء: فظهرت المعجزة على يده مما لا يقدر عليه البشر، وقال من خبر دعوى النبوة، علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا لما ظهرت على يده، نعم).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال: فصل في ذكر فضيلة نبينا، وأولى العزم، وغيرهم من النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وأفضل العالم من غير امترا / نبينا المبعوث في أم القرى
وبعده الأفضل أهل العزم / فالرسل ثم الأنبياء بالجزم
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (أفضل العالم العلوي والسفلي (أفضل العالم من غير امترا)، من غير شك، (العالم)، العلوي والسفلي من ملك وبشر وجن في الدنيا والآخرة، في سائر خلال الخير، وخصال الكمال، من غير شك، ولا ريب، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، (أفضل العالم من غير امترا)، من غير شك، أفضل العالم العلوي والسفلي من ملك، وبشر، وجن، في الدنيا والآخرة، في سائر خلال الخير، في سائر الخصال الكمال، من غير شك هو نبينا المصطفى المبعوث إلى جميع الثقلين الجن والإنس في أم القرى
وأفضل العالم من غير امترا / نبينا المبعوث في أم القرى
(أم القرى)، هي مكة قال الله تعالى: ((...لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ... (7) الشورى))، سميت أم القرى؛ لأنها أقدمها، أو لأنها قيمة يؤمها جميع الناس، أو لأنها أعظم القرى شأننا، وأفضل العالم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أم القرى، وإنما كان أفضل الخلق؛ لأن الله أيده بأبهر الآيات والدلالات، وأشهر الكرامات، ولأن أمته أزكي الأمم، وشريعته أتم الشرائع، وصفاته أكمل الصفات، وأخلاقه أحسن الأخلاق، وأقسم الله بحياته قال: ((لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) الحجر))، وقرن الله اسمه باسمه في التشهد، والأذان، والإقامة، قال عليه الصلاة والسلام: (( أنا سيد ولد آدم، ولا فخر، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع))، جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((أنا خطيبهم وأنا مبشرهم يضع الحد بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر))، فالرسول عليه الصلاة والسلام أفضل الخلق بلا خلاف ولا نزاع، قال:
وبعده الأفضل أهل العزم / فالرسل ثم الأنبياء بالجزم
يعني بعد النبي عليه الصلاة والسلام الأفضل من سائر الخلق أولوا العزم الخمسة وهم: محمد وإبراهيم وموسي وعيسي ونوح وذكرهم الله في سورتين في سورة الأحزاب قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) الأحزاب))، وفي سورة الشورى، قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... (13) الشورى))، واختلف في أهل العزم: قيل أفضلهم إبراهيم، ثم موسى، واختلف بعد ذلك، ثم بعد أولى العزم سائر الرسل؛ لأن الله تعالى اختصهم بالرسالة وتبليغه الدعوة، الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، ثم الأنبياء الذين لم يرسلوا إلى أمم، بالجزم أي بالقطع أن أولوا العزم من الرسل خصهم الله من الرسل، الرسل كثيرون لكن أفضلهم أولوا العزم، الرسل إلى أقوامهم ، أما إلى الكافة هذا من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول يرسل إلى أمة، يبلغ الرسالة والدعوة، والنبي لا يرسل إلى أمة، فيكون الرسل أفضل، مقام الرسالة، أفضل من مقام النبوة، قال:
وبعده الأفضل أهل العزم / فالرسل ثم الأنبياء بالجزم
يعني يليهم في الأفضلية، سائر الرسل المكرمين بالرسالة، ثم الأفضل بعد الرسل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم متفاوتون في الفضيلة، قال الله تعالى: ((تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ... (253) البقرة))، فيجب الاعتقاد تفصيلا فيما علم منه تفصيلا ويجب وإجمالا فيما علم منه إجمالا، قال: (بالجزم)، يعني بالجزم السديد، والقطع المفيد للحكم، من غير شك، كما فضل بعضهم على بعض بالشرائع، والكتب، والأمم، أي نعم).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم. قال: فصل: فيما يجب للأنبياء وما يجوز وما يستحيل في حقهم عليهم السلام.
وأن كل واحد منهم سلم / من كل ما نقص ومن كفر عصم
كذا من إفك ومن خيانه / لوصفهم بالصدق والأمانه
وجائز في حق كل الرسل / النوم والنكاح مثل الأكل
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (نعم، هذا فيما يجب للأنبياء، يجب في حق الأنبياء الصدق، والأمانة، وتحقيق التوحيد، وإبلاغ الرسالة، هذه واجب في حقهم الصدق، والأمانة، وتحقيق التوحيد، وإبلاغ الرسالة، وعدم التقصير في إبلاغها، ويستحيل في حقهم ضدها، يستحيل في حقهم، الخيانة، والكذب؛ لأن الرسول الذي أرسله الله يجب على الخلق في حقه التصديق، تصديقه، والالتزام بالحكم، التصديق هذا على جميع الأنبياء، لا يجب أن ينسب إلى نبي كذب، لا كلى ولا جزئي أما التزام الحكم فهذا خاص بالنبي الذي بعث للأمة، هذه الأمة تلزم بالأحكام، الأحكام الذي جاء بها النبي، ولا يلزما العمل بأحكام الذي جاء بها نبي آخر، حتى بعث نبينا صلى الله عليه وسلم فكان خاتم النبيين، ولهذا يجب على جميع الخلق أن يؤمنوا به، وأن يعملوا بشريعته، وأن يعملوا بالقرآن، إذا يستحيل في حق الأنبياء الخيانة، والكذب، والشرك، والإصرار على الذنوب، ويستحيل في حقهم عدم تبلغ الرسالة، أو الخطأ في التبليغ، أما كل الذنوب تقع منهم مع التوبة فهذا كما أخبر الله تعالى: ((وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... (19) محمد))، كما قال تعالى عن داود: ((... فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24) ص))، إذا يجب للأنبياء استحقاقهم الصدق، والأمانة، وتحقيق التوحيد، وإبلاغ الرسالة، وعدم التقصير في إبلاغها، ويستحيل في حقهم أضدادها، من الكذب، والخيانة، والشرك، والإصرار على الذنوب، وعدم إبلاغ الرسالة، والخطأ في تبليغها، كل هذا مستحيل، وأما ما يجوز في حقهم، فإنه يجوز في حقهم ما كان من الأمور التي تدل على البشرية، تنبئ عن بشريتهم، التي لا بد منها للبشر، ولا تستقيم الحياة إلا بذلك، كالأكل، والشرب، والنوم، والنكاح، والذهاب إلى السوق، ((وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ... (7) الفرقان))، هذه كلها جائزة في حقه، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: وجائز في حق كل الرسل / النوم والنكاح مثل الأكل
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله اتفقوا على العصمة، عصمة الأنبياء، من الإقرار على الذنوب مطلقا؛ لأن وقوع الذنب إذا لم يقر عليه لم يحصل له تنفير، ولا نقص، كل واحد معصوم من الكفر باتفاق السلف، معصوم من الشرك، معصوم من الخيانة والكذب، أما يستحيل في حقهم هذه أمور بشرية، يجوز في حقهم جميع الأنبياء، ما كان من الأمور التي هي من القيام بحياتهم البشرية، كالأكل، والنوم، والنكاح، والمشي في الأسواق، والبيع والشراء، وما أشبه ذلك، هذه كلها جائزة في حقهم، ولهذا قال المؤلف رحمه الله:
وجائز في حق كل الرسل / النوم والنكاح مثل الأكل
وجائز يعني عقلا وشرعا في حق كل الأنبياء، النوم؛ لأنه رحمة من الله بالعباد؛ لتستريح أبدانهم عند تعبهم، والنوم غاشية ثقيلة تقع على القلب تمنع معرفة الأشياء، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم كان ينام عينه ولا ينام قلبه، مثل: النوم، والجلوس، والمشي، والبكاء، والضحك، وما هو من خواص البشرية المباحة قال الله تعالى: ((وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ... (20) الفرقان))، ولما جاء نفر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا بعضهم: أنا أقوم ولا أنام، وقال بعضهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال بعضهم: أنا لا أكل اللحم، قال عليه الصلاة والسلام لكني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني عليه الصلاة والسلام).
(أحد الطلبة): (النسيان أحسن الله إليكم يجوز).
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (نعم، النسيان يجوز، ولكنه لا يكون في تبليغ الرسالة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنما أن بشر مثلكم إذا نسيت فذكروني))،((رواه البخاري (401)، ومسلم (572)، وغيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه))، ولما سمعه قال رحمه الله ذكرني آية أنسيتها، ((رواه البخاري (5038)))، لكن لا يكون السهو في عدم تبليغ الرسالة، إنما يكون في النسيان في شيء مضي وعلم، نعم مثل ما حصل في الصلاة النسيان، يكون تشريع سجود السهو، ويكون قدوة لغيره، ويأتم به غيره في ما يفعل، مثل ما حصل من النسيان في الصلاة، وغيرها وفي القراءة. بعد الصلاة إن شاء الله نكمل القراءة وفق الله الجميع لطاعته، وثبت الله الجميع لهديه صلى الله عليه وسلم وصلي الله وسلم علي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين).
