(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (اللهم انفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا يا كريم اللهم إن نسألك علما نافعا ورزقا طيبا وعملا متقبلا نعم سم).
ــــــــ قال (قارئ المتن): أحسن الله إليكم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين، والمستمعين، أما بعد
فقال العلامة السفاريني: في الدرة المرضية في عقد أهل الفرقة المرضية فصل: في ذكر الصحابة رضي الله عنهم
وليس في الأمة بالتحقيق / في الفضل والمعروف كالصديق
وبعده الفاروق من غير افترا / وبعد عثمان فاترك المرا
وبعد فالفضل حقيقا فاسمع / نظامي هذا للبطين الأنزع
مجدل الأبطال ماضي العزم / مفرج الأوجال وافي الحزم
وافي الندى مبدي الهدى مردي العدى/ مجلي الصدى يا ويل من فيه اعتدى
فحبه كحبهم حتما وجب / ومن تعدى أو قلى فقد كذب
وبعد فالأفضل باقي العشره / فأهل بدر ثم أهل الشجره
وقيل أهل أحد المقدمه / والأول أولى للنصوص المحكمه
وعائشه في العلم مع خديجه / في السبق فافهم نكتة النتيجه
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): (الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه، هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله للصحابة وأحكامهم، ومن المعلوم أن هذه الأمة، الأمة المحمدية أفضل الأمم، أفضل الأمم، كما قال الله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ... (110) آل عمران))، وقال سبحانه وتعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... (143) البقرة))، وفي الحديث (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله))، أوكما جاء في الحديث ((رواه الترمذي (3001)، وابن ماجه (4288)، وغيرهما، من حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده، رضي الله عنه))، وهذه الأمة المحمدية، خصها الله بخصائص، وأكرمها ببركة نبيها عليه الصلاة والسلام، فجعلت الأرض كلها مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم، والنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة وكان كل نبي إلي أمته خاصة ونصر عليه السلام بالرعب))، ((جزء من حديث رواه البخاري (335)، ومسلم (521)، وغيرهما، من حديث جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما))، له ولأمته إلى غير ذلك من الخصائص إذا هذه الأمة المحمدية هي أفضل الأمم وأكرمها على الله عز وجل ومن فضائلها أيضا مضاعفة الأجور يدل على ذلك الحديث الذي النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الأمم مع الأمتين السابقتين من أهل الكتاب قال مثلهم ومثل الأمم السابقة كمثل رجل استأجر أجراء، من الصبح إلى الظهر، فعملت اليهود على قيراط، ثم استأجر أجراء من الظهر إلى العصر، فعملت النصارى على قيراط، ثم استأجر أجراء من العصر إلى المغرب في قيراطين، فغضبت الطائفتان الأوليان، وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل أجرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟ هل نقصتكم من حقكم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فذلك من فضله يؤتيه من يشاء))، أوكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (رواه البخاري (5021)، وغيره من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما))، وطبقات المؤمنين عليهم أربع وطبقات الناس عليهم أربع: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون كما قال الله تعالى: ((وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ... (69) النساء))، فالأنبياء في أعلي الطبقات، ثم يليهم الصديقون الصديق علي وزن فعيل وفي مقدمتهم الصديق الأكبر، سمي صديقا؛ لتصديقه، وكونه تصديقه يحرق الشبهات والشهوات، ثم الشهداء، ثم الصالحون، إذا هذه الأمة أفضل الأمم، وأفضل هذه الأمة الصحابة رضوان الله عليهم، أفضل هذه الأمة هم الصحابة، ثم يليهم التابعون، ثم يليهم أتباع التابعين، هذه القرون المفضلة هم أفضل هذه الأمة، قال عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))، ((رواه البخاري (2652)، ومسلم (2533)، وغيرهما من حديث ابن مسعود رضي الله عنه))، فهذه القرون المفضلة هي أفضل هذه الأمة، والقرن الأول هم الصحابة هم أفضل الناس، والصحابة جمع صحابي والصحابي هو من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، مؤمنا، ولو حكما، ومات على الإسلام، من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، مؤمنا، ولو حكما، ومات على الإسلام ولو لحظة، وهذا أولى من تعريف من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا؛ لأن عبد الله بن أم مكتوم أعمي لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه صحابي، إنما اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا، ولو لحظة، ومات على ذلك، ولو تخللت ردة على الصحيح، ولو حكما، يدخل فيها الصبيان الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وحنكمهم، فإنه يكون صحابيا، وهذا التعريف خاص بالصحابة، وأما غير الصحابة فالصاحب لا يسمي صاحبا إلا إذا طالت مدته صحبته، وأما إذا كانت المدة قصيرة، فإنه يكون الصحبة مقيدة، صحبه في الحج، صاحبه في كذا، صحبه عام أو عامين، والصحابة يتفاوتون في هذه الصحبة، في طول الملازمة، وفي فضائلهم، وفي أخذهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحبة الخاصة يعني خواص الصحابة، هو أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، الذي نوه الله عنه في القرآن الكريم: ((... إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ... (40) التوبة))، من المعلوم أن عمر وعثمان وعلي، وبقية الصحابة، صحبه خاصة، رضي الله عنهم، صحبة خاصة في الغار لم ينلها إلا أبو بكر رضي الله عنه، هذا هو الصحابي من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا، ومات على ذلك، ولو حكما، ومات على ذلك. وأفضل الصحابة، الخلفاء الأربعة أولهم الصديق كما ذكر المؤلف قال:
وليس في الأمة في التحقيق/ في الفضل والمعروف كالصديق
قال وليس في الأمة بالتحقيق في الفضل والمعروف، كالصديق؛ العهد الذهني، ليس في هذه الأمة التحقيق الثابت المنصوص، في الفضل، بجميع أنواع الفضائل، والشجاعة، والعلم، وكمال العقل، وبذل المعروف، ومكارم الأخلاق، كالصديق، الفضل هو الإحسان والجود، والمعروف العدل، أبو بكر المشتهر بالفضل، والمعروف في العدل وبذل الخير، والإحسان، والصديق هذا لقب له، لقبه الصديق، وكنيته أبو بكر، واسمه عبد الله عثمان بن عامر، يصل إلى مرة، عبدالله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهو أول الناس إيمانا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتصديقا له، قيل: هو أول من أسلم الرجال، وأول من أسلم من النساء خديجة، وأول من أسلم من الصبيان علي، ومن الموالي بلال وصهيب، والصديق رضي الله عنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم حين أسلم إلى أن توفي، وشهد المشاهد كلها، وفضائله كثيرة رضي الله عنه، وأنزل الله فيه: ((وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)))، لما منع أو قطع النفقة عن مسطح، لمخالفته لما تكلم في الإفك، فلما نزلت الآية قال: بلى إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع النفقة إلى مسطح، وقيل نزلت في هذه الآية: ((...وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضى (21) الليل))، وعده الله بالرضى كما وعد نبيه صلى الله عليه وسلم قال: ((وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5) الضحى))، وهو أول الناس إيمانا بالله، وتصديقا، صحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفي، وصحبه في الهجرة، وهو أفضل الناس بعد الأنبياء، وهو أفضل هذه الأمة، إلى أن قيل: أن عيسي عليه الصلاة والسلام أنه من هذه الأمة؛ لأنه هو صحابي لقي النبي صلى الله عليه وسلم في السماء، وسوف ينزل في آخر الزمان، ويحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون هو أفضل هذه الأمة، وهو نبي، ويليه أبو بكر الصديق، وإذا قيل: الصديق هو أفضل الناس بعد الأنبياء، كان هذا صحيحا، خرج بذلك عيسي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي، نقل ابن الجوزي الإجماع على أن هذه الآية نزل في أبي بكر ((... وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) ... الليل))، وهو من أحب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر. وقال: ((لو كنت متخذ من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله يعني نفسه رضي الله عنه، توفي رضي الله عنه وله ثلاث وستون سنة، وولي الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الخليفة الأول، وكان خلافته سنتين وثلاثة أشهر رضي الله عنه، ودفن بجنب النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد بالخلافة إلى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو حسنة من حسناته، كان موفقا في هذا الاختيار، وفيه أن الولاية تثبت بولاية العهد، الولاية كما سيأتي في مبحث الولاية، تثبت بالاختيار، والانتخاب، كما اختار الناس أبابكر، تحصل بولاية العهد من الخليفة السابق، وتحصل بالقوة والغلبة، وتوفي رضي الله عنه، وله من العمر ثلاث وستون سنة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وله ثلاث وستون سنة، وأبو بكر رضي الله عنه، توفي وله ثلاث وستون سنة وعمر توفي وله ثلاث وستون سنة، وعلي رضي الله عنه، توفي وله ثلاث وستون سنة، أما عثمان رضي الله عنه، فإنه بلغ الثمانين، ودفن في جنب النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة رضي الله عنها، ثم قال المؤلف:
وبعده الفاروق من غير افترا / .........................
يعني بعد أبي بكر رضي الله عنه، في الأفضلية، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب والفاروق اسمه عمر رضي الله عنه، ولقبه الفاروق، وكنيته أبو حفص، سمي فاروقا؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، أو لأنه أعلن الإسلام والناس يخفونه، أسلم رضي الله عنه في السنة السادسة من البعثة، وله سبع وعشرون سنة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر رضي الله عنه، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن يكن في أمتي محدثون فعمر))، والمحدث ملهم، وجاء في أحاديث: (( لو لم أبعث فيكم لبعث عمر رضي الله عنه))، تولى الخلافة بعهد من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، سنة ثلاث عشرة، وأقام بالخلافة أتم قيام، وفي أيامه، وخلافته،كانت فتوح الأمصار، وهو أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق بإجماع السلف، من غير افترا ولهذا قال المؤلف:
وبعده الفاروق من غير افترا / .........................
أي من غير كذب، مات رضي الله عنه، شهيدا، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة، في المسجد، وهو يصلى بالناس الفجر، ست طعنات تحت سرته، سنة ثلاث وعشرين، ودفن في الحجرة النبوية، بجانبي أبي بكر، مع النبي صلى الله عليه وسلم، في حجرة عائشة، حجرة عائشة تضم ثلاث قبور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، قبر أبي بكر قبر عمر قال المؤلف والصديق رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، أجمع الناس على أجمع السلف والصحابة علي أنهما أفضل الناس بعد الأنبياء، وعلى أنهما الخليفتان بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في الحديث يقصد بالذين من بعدي أبابكر وعمر رضي الله عنهما، وجاء فيه أن يطيعوا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما يرشدوا، ولهم من الفضائل والمزية ما ليس لغيرهما رضي الله عنهما، قال المؤلف:
..................... / وبعد عثمان فاترك المرا
يعني بعد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في الأفضلية عثمان رضي الله عنه، عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو عثمان بن عفان بن الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد في السنة السادسة من الفيل، وأسلم قديما، وهاجر الهجرتين، هجرة الحبشة، وهاجر إلى مكة، وتزوج بنتي النبي صلى الله عليه وسلم، رقية رضي الله عنها، وأم كلثوم رضي الله عنها، لما توفيت إحداهما تزوج الأخرى؛ فسمي ذا النورين، وله من الفضائل، أنه جمع القرآن رضي الله عنه، الجمع الثاني، والجمع الأول جمعه أبو بكر رضي الله عنه، والجمع الثاني جمعه عثمان رضي الله عنه، ومن فضائله أنه جهز جيش العسرة، واشترى بئر روما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يشتري بئر روما ويكون له مثله في الجنة))، جهز جيش العسرة بثلاث مئة بعير، بتابها وأقسابها وعتابها في سبيل الله، تولي الخلافة بعد عمر رضي الله عنه، بإجماع الصحابة، لما جعل عمر رضي الله عنه، الأمر شوري بين الستة، وقع الاختيار على عثمان رضي الله عنه، فأجمع السلف من مهاجرين والأنصار على عثمان رضي الله عنه، وعلى بيعته، وبايعوه بالخلافة، وفضائله أكثر من أن تحصر، استشهد في داره سنة خمس وثلاثين، وله بضع وثمانون سنة رضي الله عنه، قتله الثوار من أهل البدع والفسق من أهل المعاصي والفسق تجمعوا حول داره وأحاطوا به وحاصروه حتى قتلوه رضي الله عنه، ومنع رضي الله عنه الدفاع عن نفسه لم يدافع عن نفسه، ولم يترك أحدا يدافع عنه، اختار هذا رضي الله عنه، قالوا: له عبيد، له عبيد من الغلمان، حملوا السلاح، ليقاتلوا عنه فمنعهم، فلم يمتنعوا، فقال: من وضع السلاح فهو حر، فوضعوا السلاح، وصاروا أحرار، وأجمع العلماء على خلافته، أجمع الصحابة المهاجرون والأنصار على خلافته بالإجماع، ولم يخالف أحد، أنه الخليفة الثالث، وأما في الفضيلة حصل خلاف بينه وبين علي أيهم أفضل؟ الجمهور على أن عثمان أفضل، وقال آخرون من أهل العلم علي أفضل، ثم انقرض الخلاف، وأجمع السلف على تقديم عثمان في الفضيلة، كتقديمه في الخلافة، فيكون ترتيبه في الفضيلة، كترتيبه في الخلافة، أفضل الناس بعد الأنبياء، أبو بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم علي رضي الله عنه، وهكذا ترتيب الخلافة وأما من قدم عليا رضي الله عنه، على عثمان رضي الله عنه، في الخلافة فهذا قال شيخ الإسلام: هو أضل من حمار أهله وقال: من قدم علي على عثمان بالخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، يعني احتقر رأيهم، ورد رأيهم؛ لأنهم أجمعوا على تقديمه في الخلافة، فيكون هؤلاء الأربع خلفاء هم أفضل الناس بعد الأنبياء، أبو بكر رضي الله عنه، ثم عمر رضي الله عنه، ثم عثمان رضي الله عنه، ثم علي رضي الله عنه، ولهذا قال المؤلف:
وبعد فالفضل حقيقا فاسمع / نظامي هذا للبطين الأنزع
مجدل الأبطال ماضي العزم / مفرج الأوجال وافي الحزم
وافي الندى مبدي الهدى مردي العدى/ مجلي الصدى يا ويل من فيه اعتدى
قال وبعد الخلفاء الثلاثة في الفضل حقيقا فاسمعي يعني بعد عثمان في الفضل باتفاق السلف، (حقيقا)، في حقيقة الأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها، قال: (فاسمع نظامي هذا)، الذي بينت فيه وأدرت في عقيدة السلف، بعد الخلفاء الثلاثة (فاسمع نظامي هذا للبطين الأنزع)، (البطين)، بطين لأنه أي عظيم البطن، كان ذا باطن، ويقابله الظامر، يقابل البطين الظامر، الذي ليس له بطن، البطين الذي له بطن، والظامر الذي ليس له بطن، (الأنزع)، أنزع الشعر، يعني أنه شعر رأسه منحسر، من جميع جانبيه، الأنزع هو الذي انحسر شعر رأسه من الجانبين، ويقابله الأفرع وهو الذي نزل شعر رأسه على جبهته، وهذا معروف في الكبر، أن الشعر ينحسر من الجانبين، عند تقدم السن، فهو وصف خِلقي، فهو الأنزع يعني منحسر الشعر، أي من الجانبين، ويقابله الأفرع وهو الذي انحدر شعر رأسه على جبهته، يقال له الأفرع، والأنزع الذي انحسر شعر رأسه من الجانبين، قال: بعد فالفضل لهذا البطين الأنزع، وهو علي رضي الله عنه، يلي الثلاثة، ثم وصفه بأوصاف، ثم قال: (مجدل الأبطال)، مجدل، ملقيهم على الأرض، والأبطال، الشجعان، يعني من شجاعته يصنع الشجعان ويلقيهم على الأرض، ومن ذلك المبارزة، المبارزة في يوم بدر، بارز ثلاثة من المسلمين من المهاجرين، ثلاثة من قريش، فعلي تبارز هو والوليد بن عتبة، فصرعه، وقتله، وكذلك في يوم الخندق عمرو بن عبد ود قتله، وقتل مرحب اليهودي، هو شجاع، ولهذا قال: (مجدل الأبطال)، يعني ملقيهم على الأرض، من شجاعته، والجدل الأرض، هذا وصف له، قال: (ماضي العزم)، يعني ذو عزيمة ماضية، لا ينثني، من الصبر والتحمل، ثم قال: (مفرج الأوجال)، مفرج كاشف الأوجال، جمع وجل وهو الخوف، يعني مفرج الخوف لشجاعته، وإقدامه، في الحروب وفي غيرها، ولكن هذا الوصف يعني فيه إشكال، (مفرج الأوجال)، يعني مزيل الخوف الحقيقي هو الله عز وجل، ولكن قد يقال: يعتذر عنه، بأن هذا وصف إضافي، ليس على إطلاقه، والذي على الإطلاق، فالذي يفرج الأوجال ويزيل الخوف هو الله عز وجل، والأولى للمؤلف رحمه الله، أن لا يذكر هذا الوصف، لو ترك هذا لكان أولى، (وافي الحزم)، يعني كامل الحزم، عنده حزم وعزم وجد ونشاط، وهو ملقي الأبطال على الأرض من شجاعته، وقتل من الأبطال عدة كما سبق، الوليد، ومرحب، وعمرو بن عبد ود، وصفه بأنه (ماضي العزم)، وهو الجد والصبر، (مفرج الأوجال)، كاشف الخوف والهموم والغموم في المواقف الصعبة، وهذا على الحقيقة لا يكشف الهموم إلا الله عز وجل علي الإطلاق، ثم أورد الأوصاف وقال: (وافي الحزم)، إشارة إلى وفور عقله، والحزم ضبط الرجل أمره، ضابط أمره؛ لوفور عقله، وقال أيضا من أوصافه: (وافي الندى)، وافي، يعني كثير السخاء، سخي، الندي، الكرم، كثير السخاء، كامل السخاء، (مبدي الهدى)، الهدى، العلم، يعني مظهر العلوم، والفهوم، مظهر العلوم والفهوم، ثم قال: (مردي العدى)، (مردي)، مهلك، (العدى)، الأعداء، يهلك أعدائه، ثم قال: (مزيل الصدى)، (مزيل الصدى)، قال: (الصدى)، العطش، وأصل الصدى الوسخ الذي يكون أمام الحديد حينما يلقى في النار، والذي يزيل الصدى في الحقيقة هو الله عز وجل، وإنما كان هذا وصف إضافي، هذه الأوصاف، والمقصود بها أوصاف ثمانية قال: البطين، الأنزع، مجدل الأبطال، ماضي العزم، مفرج الأوجال، وافي الحزم، وافي الندي، مبدي الهدي، مردي العدى، مجلي الصدى، كم وصف؟ عشرة أوصاف، بينما الصديق وعمر وعثمان، رضي الله عنه، ما وصفهم بهذه الأوصاف، هذا غلو من المؤلف رحمه الله، وإن كان لم يتجاوز فيه، في تقديمه على الصديق وعمر وعثمان، رضي الله عنه، لكان يدل على أن فيه نوع تشيع، وقوله: (مفرج الأوجال)، وكذلك (مجلي الصدى)، هذا الوصفان الأولى أن يحذفا، كان الأولى والأنفع أن يتركهما؛ لأن مفرج الأوجال الذي يزيل الأوجال والخوف هو الله عز وجل على الإطلاق، وكذلك هو الذي يجلي الصدى عن القلوب وعن غيرها، أما بقية الأوصاف فلا إشكال فيها، مجدل الأبطال، ماضي العزم وافي الحزم، وافي الندي، مبدي الهدي، مردي العدى، كل هذا لا بأس، مع أن هذه الأوصاف يعني يوصف بها علي، رضي الله عنه، كان الأولى يعني أن يصفه بوصف أو وصفين، كما وصف الصديق، رضي الله عنه، وكما وصف عمر، رضي الله عنه، وكما وصف عثمان، رضي الله عنه، وأن لا يتجاوز، لكن قصد المؤلف من هذا، هذه الأوصاف، الرد على الرافضة، والرد على الناصبة، الرافضة، الذين تجاوزوا الحد، وجعلوا عليا إلها أو أنه يتصرف في الكون، فهو يريد أن يقول: نحن نصفه بالصفات الحميدة، التي هو موصوف بها، لكننا لا نصفه بما يتجاوز الحد، ولهذا قال: (يا ويل من فيه اعتدى)، ( يا ويل من فيه اعتدى)، الويل، شدة الهلاك، لمن فيه اعتدي، فاعتدي على علي، بأن قصر في حقوقه، أو تجاوز الحد، يا ويله، الويل له، فالذي اعتدي الرافضة، اعتدوا وتجاوزوا الحد، حتى جعلوه إلها، وقالوا: إنه يعلم الغيب، قال بعضهم: يتصرف في الكون، ونحن الآن نثني علي، ونمدحه بالأوصاف التي هي فيه، ولكن لا نتجاوز الحد، كما فعلتم أيها الرافضة، وكذلك أيضا فيه الرد على الناصبة وهم الخوارج الذين قصروا في حقه، وسبوه، جعلوا يسبونه، ويسبون آل البيت، من النواصب، هذا عذر المؤلف في كونه أكثر الصفات لعلي رضي الله عنه، لكن على كل حال، الأولى ألا يذكر هذه الأوصاف، مفرج الأوجال، مجلي الصدى، الأولى حذفهما لأن مفرج الأوجال الذي يزيل الخوف على الحقيقة هو الله، والذي يجلي الصدى هو الله عز وجل، ولهذا قال: (يا ويل من فيه اعتدى)، يعني ياويل من اعتدي فيه بانتقاصه، وهضم حقوقه، أو الغلو فيه، وقد بايع الناس عليا رضي الله عنه بالمدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنه، اتفق السلف على فضل علي رضي الله عنه، وقيل خلافته بعد عثمان رضي الله عنه، أربعة وعشرين، وأقر السلف بأن معاوية رضي الله عنه ليس كفئا لعلي في الخلافة، ومعاوية لم يطالب بالخلافة، وإنما يطالب بدم عثمان، في الاقتصاص ممن قتل عثمان رضي الله عنه، والخلاف الذي حصل بين الصحابة رضي الله عنهم إنما باجتهاد كما سبق، علي رضي الله عنه لا يمانع من قتل قتلة عثمان رضي الله عنه، ولكنه لا يستطيع أخذهم، اندسوا في الناس، والاختصام معهم في ذلك الوقت قد يؤدي إلى مفاسد، ومعاوية رضي الله عنه يطلب قتلة عثمان، ويقول: لا بد من الانتصار للشهيد المظلوم، فحصل الخلاف بين الصحابة، والقتال وهم ما بين مجتهد مصيب له أجران، وبين مجتهد مخطأ له أجر واحد، وله من الحسنات ما يغطي ما صدر منهم من الهفوات، فلهم حسنات كثيرة، تنغمر فيها ما حصل من السيئات، ولهم فيها من الإصلاح ما ينغمر ما يخالفه وينافيه ثم يلي بعد أن قال ذلك فحبه كحبهم حتما وجب ومن تعدي أو قلي فقد كذب يعني حب أمير المؤمنين، رضي الله عنه، كحب الخلفاء الراشدين أبي بكر، رضي الله عنه، وعمر، رضي الله عنه، وعثمان حب أمير المؤمنين علي كحب الثلاثة كحب الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمرو وعثمان واجب حتما على جميع الأمة باتفاق الأمة، ومن تعدى في حبه، بأن جعله إلها أو يتصرف في الكون، كالرافضة فقد كذب، وكذلك من قصر في حق وآذه، فمن غلا فيه، أو قلاه فقد كذب في كل واحدة من الخصلتين، من تعديه في الحب، أو غلوه له أو لأحدهم، وبعد الخلفاء الراشدين الأربعة الأفضل بقية العشرة، بقية العشرة وهم الذين شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد، في رواية الترمذي وأبي داود النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر، رضي الله عنه، في الجنة، وعمر، رضي الله عنه، في الجنة وعثمان، رضي الله عنه، في الجنة وعلي، رضي الله عنه، في الجنة وطلحة، رضي الله عنه، في الجنة والزبير ، رضي الله عنه، في الجنة وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، في الجنة وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، في الجنة وسعيد بن زيد بن عمر بن نفيل في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة وجاء في هذا أحاديث فهؤلاء العشرة المبشرون بالجنة هم أفضل الناس أفضل الناس الخلفاء الأربعة ثم يليهم الستة وهم بقية العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث واحد.
والأول من الستة: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة طلحة بن عبيد الله أسلم قديم، وشهد المشاهد كلها غير بدر، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، ووقاه بيده، وشلت أصابعه رضي الله عنه، وجرح أربع وعشرين جراحة، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم طلحة الخير، قتل رضي الله عنه في واقعه الجمل، وله بضع وستون سنة.
والثاني من الستة: الزبير بن العوام، رضي الله عنه، وهو بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، حواري الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: ((لكل أمة حواري وحواري الزبير))،((رواه البخاري (2847)، وغيره من حديث جابر بن عبدالله، رضي الله عنهما))، والحواري، الصاحب الناصح المخلص، والزبير أمه صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وهو أول من سل السيف في سبيل الله، وثبت يوم أحد، وقتل أيضا في الجمل وله أربع وستون سنة واقعة الجمل.
والثالث من الستة: سعد بن أبي وقاص، وهو مالك بن أهيب، سعد بن أبي وقاص، مالك بن أهيب، بن عبد مناف، بن زهرة، أسلم قديما، وهو أول من رمي بسهم في سبيل الله، وشهد المشاهد كلها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد: (( ارمي ارمي فداك أبي وأمي))، (( رواه البخاري (2905)، ومسلم (2411)، وغيرهما من حديث علي رضي الله عنه))، فداه بأبيه وأمه، مات بقصره في العقيق، ودفن بالبقيع، سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون سنة.
والرابع من الستة: سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل بن عبد العزى، أسلم قديما، وشهد المشاهد كلها غير بدر، فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عير قريش، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهما بسهميهما، مات بالعقيق، ودفن بالمدينة، سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون سنة.
والخامس من الستة: عبد الرحمن بن عوف، بن عبد الحارث، بن زهرة، أسلم قديما، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وجرح عشرون جراحا أو أكثر، وعرج، مات سنة اثنين وثلاثين، وله اثنتان وسبعون سنة.
والسادس من الستة: وهو الأخير من العشرة المبشرين بالجنة أمين هذه الأمة، أبو عبيدة عامر بن عبد الله، بن الجراح، بن هلال، بن أهيب، بن ضبة، بن الحارث، بن فهر، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وهو الذي نزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من حلق المغفر، يوم أحد، فوقعت ثناياه، مات في طاعون عمواس في الأردن، سنة ثماني عشرة، هؤلاء الستة، مع الأربعة، هم العشرة المبشرين بالجنة، وحصل بين الصحابة قتال، كما هو معلوم بين علي، رضي الله عنه، ومعاوية، رضي الله عنه، علي، رضي الله عنه، بايعه أكثر أهل الحل والعقد بالخلافة، وامتنع معاوية، رضي الله عنه، وأهل الشام من مبايعته؛ لا لأن علي، رضي الله عنه، لا يستحق الخلافة، بل ليطالبون بالاقتصاص من قتلة عثمان، وهم في جيش علي، رضي الله عنه، هات القتلة نقتص منهم ونبايعك، يعني معاوية، رضي الله عنه، لا يطلب الخلافة، وهو معترف بأن علي، رضي الله عنه، هو الخليفة، وبويع له، لكنه يطالب بالاقتصاص من قتلة عثمان، رضي الله عنه، وهو أقرب الناس إليه، وعلي رضي الله عنه لا يمانع، ولكنه يقول لا أستطيع الآن أن آخذهم؛ لأنهم دسوا في العسكر؛ ولأن لهم من ينتصر لهم، والوقت وقت فتنة، وإذا هدأت الأحوال، نأخذهم، ونقتص منهم، ولكن معاوية، رضي الله عنه، يطالبون الآن بالقتلة، فحصل الخلاف عن اجتهاد، لا عن هوى، فالمجتهد المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، وكذلك أيضا طلحة، رضي الله عنه، والزبير، رضي الله عنه، ومعهم عائشة، رضي الله عنه، أخذوا عائشة، رضي الله عنه، معهم، وأخرجها من مكة إلى البصرة، يطالبون أيضا بدم عثمان، رضي الله عنه، خرج علي، رضي الله عنه، من العراق، ثم أهل البدع تسببوا في القتال، بجوار هذا الجمل، جمل عائشة رضي الله عنها، فسميت موقعة الجمل، وأولئك اعتدوا عليهم، وهم يدافعون عن أنفسهم فحصلت، وتواطأت الفتنة على إقامة الفتنة، حملوا على طلحة، رضي الله عنه، والزبير، رضي الله عنه، وأصحابهم، فحملهم على أن يدافعوا على أنفسهم، فحصل هذا القتال بين الصحابة رضي الله عنهم، وهم أفضل الناس، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الوسطية قال: الأخبار التي تروى عن الصحابة في القتال، والنزاع الذي بينهم، منها ما هو كذب، لا أساس له من الصحة، هذا وهم، ومنها ما له أصل، لكن زيد فيه ونقص، أونقص، أو غير عن وجهه، ومنها ما هو صحيح، وهذا الصحيح، إما بين مجتهد مصيب له أجران، ومجتهد مخطئ له أجر، وما حصل منهم من هفوات والسيئات، فلهم من الحسنات ما يغطي هذه السيئات ويغمرها، وله من الإصلاح ما يعادل ما صدر منهم، مما يخالف الإصلاح، ومن كثر صوابه؛ فإنه يغتفر ما حصل من الخطا، كما قرر العلماء، الحافظ ابن رجب في قواعده، أن المنصف من اغتفر قليل الخطأ، في كثير الصواب، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لهم من الفضائل، والمشاهد في جهة، والفضائل العظيمة في صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وإيمانهم به، وجهادهم معه، ونشرهم للإسلام، ونقلهم السنن والآثار، ما يغطي على ما حصل منهم من هفوات، وهذه النقول كما سبق:
ــــــــــ منها ما هو كذب، ليس له أساس من الصحة.
ـــــــــــ ومنها ما هو له أصل لكن زيد فيه ونقص وغير عن وجهه.
ـــــــــ ومنها ما هو صحيح، والصحيح هم ما بين مجتهد مصيب، له أجران، وما بين مجتهد مخطئ له أجر.
ــــــــــ وإذا صدر عن واحد منهم ما يخالف الحق، أو شيئا من السيئات، فله من الحسنات ما يغمرها، ويغطيها، وله من الجوانب الإصلاحية ما يقضي على ما صدر منهم.
ـــــــــــ وإذا وقع أحدهم في معصية فإن الله يوفقه للتوبة، ومن لم يتب فإن الله يغفر له إما بالحسنات الماحية، أو بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، الذين هم أولى الناس بها.
وهكذا ينبغي للمسلم أن ينزه لسانه عن الأخبار التي لا أساس لها من الصحة، وأن يترضى عن الصحابة، رضي الله عنه، وأن يحذر من أن يطلق لسانه في الصحابة، رضي الله عنه، فالصحابة، رضي الله عنه، هم نقلة الشريعة، نقلوا لنا الشريعة والدين وهذه الفضائل التي حصلوا عليها شهود بدر، وشهود أحد، وشهود واقعة بيعة الرضوان، فأفضل الناس إذا الصحابة، رضي الله عنه، وأفضل الصحابة، رضي الله عنه، الخلفاء الراشدون، رضي الله عنه، ثم الستة الباقين من العشرة، يعني العشرة المبشرين الجنة، يقول المؤلف:
وبعد فالأفضل باقي العشره / فأهل بدر ثم أهل الشجره
قالوا بعد العشرة المبشرون الجنة الذين هم في الفضيلة، أهل عزة بدر، أهل غزوة بدر العظمى، وهي البطشة الكبرى التي قال الله فيها: ((يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) الدخان ))، وهو يوم الفرقان؛ لأن الله فرق فيه بين الحق والباطل، وأعز فيها أهل الإسلام، وقمع فيها عبدة الأصنام، بدر قرية مشهورة، وهي الآن موجودة بلدة، مشهورة بين مكة والمدينة، والعلماء يقدرونها بالتقديرات السابقة، يقولون: على نحو من أربع مراحل من المدينة، وكانت واقعة بدر في نهار الجمعة، لسبع عشرة خلت من رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وكان عدد المسلمين ثلاث مائة وبضعة عشر، على عدد جيش طالوت، والمشركون ألف وزيادة، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، وقتل من الكفار سبعون، وأسر سبعون، ولهم من الفضائل في بدر قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ((إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، (( رواه البخاري (3007)، ومسلم (2494)، وغيرهما من حديث علي رضي الله عنه))، وأخرج أحمد من سند صحيح من حديث جابر رضي الله عنه قال لن يدخل النار أحد شهد بدر أو الحديبية وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر: (( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، ليس في ذلك إذنا بالمعاصي، وإنما فيه بيان أنه أن الله سيوفقهم لما يكون مغفرة لذنوبهم، إذا صدر منها شيء، اعملوا ما شئتم فقد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أستدل به على أنهم معصومون من الشرك إن الله عصمهم من الشرك لان الله لما أحل في قلوبهم الإيمان، فلا يمكن أن يشاءوا الكفر، إذا فلا يقع منه كفر، والمعاصي مغفورة لهم في هذه الواقعة، ويحتمل أن من ارتد فهذه بشارة له بأن الله سيهديه، ويرده إلى الإسلام، وييسر له التوبة، فهذه بشارة عظيمة لأهل بدر، ومنقبة لهم، ولهذا لما حاطل بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، لما كتب إلى المشركين يخبرهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل خطابا لأهل مكة، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلي من يأت به، قال عمر رضي الله عنه يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فإنه خان الله ورسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عمر إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، فاغرورت عينا عمر بالدمع، رضي الله عنه، إذا أهل بدر وكانوا ثلاث مئة وبضعة عشر، منهم ثلاثة وثمانون من المهاجرين، والباقي من الأنصار، هؤلاء هم أهل بدر، وهم أفضل الناس بعد العشرة المبشرين بالجنة، في هذا الحديث: ((إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))، وقال: (( لا يدخل النار رجل شهد بدر أو الحديبية))، فإذا أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، ثم بقية العشرة الستة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة، وأهل الشجرة هم أهل بيعة الرضوان، بعد أهل بدر في الأفضلية يليهم أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة، الشجرة ثمرة بالحديبية وهي على حدود الحرم، تسمي الآن الشويسي جده، وهذه الشجرة بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها، وسبب البيعة أن قريش لما منعت رسول الله من دخول مكة النبي صلى الله عليه وسلم، الني صلى الله عليه وسلم قدم مكة في سنة ست من الهجرة معتمرا هو وأصحابه، وساق الهدي معه، فمنعته قريش، فأرسل إليهم عثمان يدعوهم إلى الإسلام، ويخبرهم أنه ما جاء للقتال، وإنما جاء للعمرة، ثم شاع خبر بأن قريش قتلوا عثمان، رضي الله عنه، فالنبي صلى الله عليه وسلم بايع الصحابة، رضي الله عنه، تحت الشجرة هناك على أن يناجزوهم، يقاتلوا قريش، كيف يقتل الرسول، الرسول لا يقتل في الحروب، ثم عرف الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فأطلقوه، فهؤلاء الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا ألف وأربع مائة، بايعوه هؤلاء هم أفضل الناس بعد أهل بدر، قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (( لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة))، ((رواه النسائي في الكبرى (11444)، من حديثجابر بن عبدالله، رضي الله عنهما))، وقال الله تعالى في فيهم: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (18) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها ... (19) الفتح))، فإذا أفضل الصحابة العشرة المبشرون الجنة، ثم يليهم أهل بدر، ثم يليهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا ألفا وأربع مائة، سميت بالحديبية لبئر هناك غزوة الحديبية، ثم أمر عمر رضي الله عنه بقطع تلك الشجرة، وإخفاء مكانها، وأهل بيعة الرضوان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة يلون أهل بدر في الفضيلة، وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون الأربعة، ثم الستة بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، وهذه الشجرة التي بايع بها النبي صلى الله عليه وسلم تحتها نوه الله عنها قال عن هذه البيعة: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ... (10) الفتح))، فيد النبي صلى الله عليه وسلم نائبة عن يد الله ((...يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10) الفتح))، بقية هذه الشجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، ثم بلغ علي رضي الله عنه إن أناس يصلون تحتها ويتبركون بها، فأمر رضي الله عنه بقطعها، قطع تلك الشجرة، وإخفاء مكانها خشية الافتتان بها؛ لأنها إن تركت وجاء من ضعفاء الإيمان من يتبرك بها، فقطعها رضي الله عنه خشية الافتتان بها، وخفي مكانها، ولهذا قال المؤلف رحمه الله:
وبعد فالأفضل باقي العشره / فأهل بدر ثم أهل الشجره
وقيل أهل أحد المقدمه / والأول أولى للنصوص المحكمه
قال بعض العلماء يلي أهل بدر، أهل أحد، غزوة جبل أحد متقدمة في الزمن في السنة الثالثة من الهجرة، قال إنهم يلون إيش؟ أهل بدر في الأفضلية، ويقدمون على من في بيعة الرضوان، وكانت غزوة أحد سنة ثلاث من الهجرة، سميت أحد لتوحد الجبال، بينها وبين المدينة أقل من فرسخ، جاء في الصحيح في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (( جبل يحبنا ونحبه))، ((رواه البخاري (4083) ، ومسلم (1393)، وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه))، وسبب الغزوة لما قتل الله ما قتل من الكفار يوم بدر، ثارت قريش ومن تبعها حتى وصلوا إلى أحد، خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واقتتل الفريقان وهزم المشركون، ثم وقع الهزيمة في المسلمين، بسبب مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم للرماة الذين أمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لا تبرحوا مكانكم، واستشهد من المسلمين سبعون منهم حمزة رضي الله عنه عم النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أنزل الله تعالى: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) آل عمران))، ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا زارهم يقول: (( السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، وقتل من المشركين ثلاث وعشرون، قال بعض العلماء: إن أهل أحد مقدمون، قال المؤلف: والأول أولى، للنصوص المحكمة، الأول أولي يعني القول بأن أهل بيعة الرضوان مقدمون للنصوص المحكمة، يعني يريد النصوص المحكمة من الكتاب والسنة، ولأن أهل الشجرة أخبر الله أنه رضي عنهم قال: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... (18) الفتح))، وأما أهل أحد فقد عفا الله عنهم، وقال: ((...وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا مَا أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) آل عمران)). ولقد عفي عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون))، أول الآية
(قارئ المتن): (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب)
(شرح الشيخ حفظه الله تعالى): ((سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) آل عمران))، فأخبر أنه عفا عنهم، وأخبر عن أهل بيعة الرضوان أنه رضي عنهم، والرضا مرتبة فوق العفو، أخبر عن أهل أحد أن الله عفا عنهم، وأخبر عن أهل بدر أن الله رضي عنهم، والرضا مرتبة فوق مرتبة العفو، فدل على أنهم أفضل، دل على أن أهل بيعة الرضوان مقدمون على أهل أحد في الفضيلة؛ لأن أهل بيعة الرضوان أخبر الله أنه رضي عنهم، وأهل بدر أخبر أنه عفا عنهم، ومرتبة الرضوان فوق مرتبة العفو، فلذلك الصواب من القولين: أن أهل بيعة الرضوان مقدمون في الفضيلة على أهل أحد، فيكون الترتيب هكذا، أفضل الصحابة العشرة المبشرون بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم أهل أحد، ثم بقية الصحابة، ولهذا قال المؤلف رحمه الله:
بعد فالأفضل باقي العشرة/ فأهل بدر ثم أهل الشجره
وقيل أهل أحد المقدمه / والأول أولى للنصوص المحكمه
والأول أهل بيعة الرضوان.
ثم قال المؤلف رحمه الله ذكر المفاضلة بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم قال:
وعائشه في العلم مع خديجه / في السبق فافهم نكتة النتيجه
يعني عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، كلهن لهن فضل، وكلهن يجب الترضي عنهن، وكلهن زوجاته في الدنيا، وزوجاته في الآخرة، ولكن اختلف العلماء في عائشة وخديجة أيهما أفضل على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن خديجة أفضل.
والقول الثاني: أن عائشة أفضل.
والقول الثالث: بالتوقف.
والعلماء يذكرون الخلاف، يعني الفضيلة فيما يظهر، أما مرتبتهم عند الله فالله أعلم، وكذلك كونهما زوجتان للنبي صلى الله عليه وسلم، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كلهن سواء، لأنهن زوجاته صلى الله عليه وسلم، وكذلك مرتبتهم عند الله أعلم بها، بقي ما هو ظاهر لنا، فالعلماء اختلفوا قال بعض العلماء: خديجة أفضل. وقال آخرون: عائشة أفضل. وقال آخرون: بالتوقف. والمؤلف رحمه الله قال:
وعائشه في العلم مع خديجه / في السبق فافهم نكتة النتيجه
وهذا قول ثالث وهو القول بأن خديجة أفضل من وجه، وعائشة أفضل من وجه، فخديجة أفضل في السبق إلى الإسلام، فإنها سبقت إلى الإسلام، وآزرت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أول من آمن به، وثبتته، عليه الصلاة والسلام، ولما جاء إليها، وأخبرها أنه رأى الملك، وقال: خفت على عقلي، فقالت: كلا، والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، قد من الله عليك بهذه الصفات والله لا يخذيك الله أبدا، وقالت: أبشر، ولما قال: زملوني، زملوني، دثروني، دثروني، فغطته، وذهبت به إلي ابن عمها ورقة ابن نوفل، وكان يعرف الإبراهمية، وكان تنصر في الجاهلية، وسأله، فأخبره، فقال: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، وأنت نبي هذه الأمة، وتمني أن يكون حديث السن، حتى يؤازره إذا أخرجه قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، أو مخرجي هم، قال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا أوذي، وخديجة رضي الله عنها أحبها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أم أولاده كلهم، ما عدا إبراهيم، ولم يتزوج عليها حتى توفيت، وكان عليه الصلاة والسلام يهدي الهدايا لصديقات خديجة، ويذبح الذبيحة ويتصدق بها على خلائل خديجة، ولما قالت له عائشة رضي الله عنها لقد أبدلك الله خيرا منها، قال: لم يبدلني الله بخير منها، وعائشة لها فضل في العلم، وتبليغ السنن إلى الناس، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، وكونه توفي في بيتها، وفي يومها، وفي حجرها، وجمع الله بين ريقها وريقه، في آخر يوم من أيام الدنيا، وهو أول يوم من أيام الآخرة بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، فتكون بهذا خديجة أفضل في أول الإسلام، السبق لها، فضيلة السبق، والمؤازرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة أفضل في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتزوج بكر غيرها، ونقلت السنة والعلم، وهي أفقه الرواة رضي الله عنها وأرضاها، وفيه من فضائل خديجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن جبريل قال: أقرئها السلام من ربها، ومني، وبشرها ببيت في الجنة، من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب، وهذه مزية عظيمة، منقبة لم تحصل لغيرها، قال جبريل: أقرئها من ربها السلام، ومني، يقرئها السلام من الله، من رب العالمين، هذه منقبة عظيمة، وأما عائشة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها أن جبريل يسلم عليها، لكن خديجة قال: أقرئها السلام من ربها، ومني، هذه منقبة عظيمة، لم تحصل لغيرها. فالمقصود أن الأقوال ثلاثة: فيه تقديم عائشة، وخديجة، والقول المختار كما ذكر المؤلف أن خديجة أفضل من جهة السبق إلى الإسلام، والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومؤازرته، وتثبيته، والإيمان به، وإعانته، ونصرته، وعائشة أفضل في العلم، ونقل الشريعة والدين إلى الأمة، وأنزل الله فيها آيات تتلى إلى يوم القيامة، برأها الله من فوق سبع سماوات، فهذه لها فضل، وهذه لها فضل، خديجة لها فضل السبق إلى الإسلام، والمؤازرة، والنصرة، وهي أم أولاده كلهم، ولم يتزوج عليها، وهي أول من آمن به من النساء، وعائشة لها فضل العلم، والمحبة، محبة النبي صلى الله عليه وسلم لها، ونقلها السنن والآثار، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم لها على غيرها، إلى غير ذلك، فهذا هو الصواب في هذه المسألة. لا نتوقف إن شاء الله، بعد الصلاة نكمل إن شاء الله، ثم نقرأ في الكتاب الثاني اليوم، وفق الله الجميع لطاعته، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.
