تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

شرح كتاب القواعد الحسان الدرس الثامن

00:00

00:00

12

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نأخذ الآن ما تيسَّر من القواعد، ثُمَّ تكون الإجابة عن الأسئلة بعد ذلك.

القارئُ:

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على عبده ورسوله محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المؤلف رحمه الله تعالى:

المتن

القاعدة الثالثة والخمسون:

من قواعد القرآن: أنه يبيِّن أن الأجر والثواب على قدر المشقة في طريق العبادة، ويبيِّن مع ذلك أن تسهيله لطريق العبادة من مننه وإحسانه، وأنها لا تنقص الأجر شيئًا.

الشرح

نعم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.

هذه القاعدة فيها أن الأجر والثَّواب على قَدْرِ المشقة، ودليل هذا قول النَّبي ﷺ لعائشة: أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك([1]) في العمرة، قال: «أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك» والنَّصب، هو: التَّعب.

وكذلك أيضًا دلّت النصوص على أن العبادة والطاعة إذا سَهَّل طريقها فهذا مِن مِنَّة الله تعالى وإحسانه للعباد؛ أنْ يُسهِّل طريق العبادة، والحمد لله سُهِّلت الآن كثير من طرق العبادة، الحمد لله مُيسَّرة ومُسهَّلة، ولاسيما مثلًا عبادة الحج والعمرة، فالطريق سهل ومُيسَّر والحمد لله.

 وكان النَّاس في أزمانٍ مضت يجدون نصبًا وتعبًا، كان النَّاس يُسافرون من الرِّياض ومن القَصِيم إلى مكة، الذَّهاب في مدة شهر على الإبل، والإياب مدة شهر، وكان بعضُ النَّاس يحجُّون من المشرق ومن المغرب أيامًا وشهورًا، حتى بعضهم كانت مدة الحج سنتين، يمشي ويُسافر وإذا ذهب إلى البلد صار يجلس فيها ويرتاح ويعمل، حتى يُحصِّل نفقة، ثُمَّ ينتقل إلى بلدٍ آخر؟

والآن والحمد الله الآن مُيسَّر الطريق الآن بالطائرة، بالباخرة، ساعة أو نصف ساعة تَصل إلى مكة، هذا من مِنَّة الله تعالى وإحسانه إلى عباده، يسَّر طريق العبادة.

المتن

وهذه القاعدة تُبيِّن من لطف الله، وإحسانه بالعباد، وحكمته الواسعة، ما هو أثرٌ عظيمٌ من آثار تعريفاته، ونَفْحَةٌ عظيمةٌ من نفحاته، وأنه أرحم الراحمين، قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة: 216].

فبيَّن تعالى أن هذه العبادة العظيمة لِعظم مصلحتها، وكثرة فوائدها العامة والخاصة، وأنه فرضها على العباد وإنْ شقَّت عليهم، وكرهتها نفوسهم، لما فيها من التعرض للأخطار، وتلف النفوس والأموال.

ولكن هذه المشقات بالنسبة إلى ما تُفضي إليه من الكرامات ليست بشيء، بل هي خيرٌ محض، وإحسانٌ صِرفٌ من الله على عباده؛ حيث قيَّض لهم هذه العبادات التي تُوصلهم إلى منازل لولاها لم يكونوا واصليها.

وقال تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ [النساء: 104]، وقال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ إلى قوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ ۝ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ الآية [البقرة: 155- 156] وقال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] فكلَّما عظمت مشقة الصبر في فعلِ الطاعات، وفي تركِ المحرمات -لقوة الداعي إليها- وفي الصبر على المصيبات، كان الأجرُ أعظم، والثواب أكثر.

وقال تعالى في بيان لطفه في تسهيل العبادة الشاقة: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ ۝ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال: 11- 12] فذكر منَّته على المؤمنين بتيسيره وتقديره لهذه الأمور، التي جعلها الله تعالى مسهِّلةً للعبادة، مزيلةً لمشقتها، محصِّلةً لثمراتها.

وقال تعالى: أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس: 62 - 64] فالبشرى التي وعد الله بها أولياءه في الحياة الدنيا، من أشرفها وأجلِّها أنه يُيَسِّرُ لهم العبادات، ويهوِّن عليهم مشقة القُرُبات، وأنه يُيَسِّرُهم للخير، ويعصمهم من الشر بأيسر عمل.

وقال تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: 5- 7] أي: لكل حالة فيها تيسيرُ أموره وتسهيلها.

وقال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل: 97]، ومن الحياة الطيبة التي يُرزَقونها: ذَوْقُ حلاوة الطاعات، واستحلاء المشقات في رضى الله تعالى.

فهذه الأحوال كلُّها خير للمؤمن، إنْ سَهَّلَ اللهُ له طريق العبادة وهوَّنها حمد الله وشكره، وإنْ شقَّت على النفوس صبر واحتسب الخير في عنائه ومشقته، ورجا عظيم الثواب، وهذا المعنى في القرآن في آيات متعددة، والله أعلم.

الشرح

وهذا من فضلِ الله تعالى وإحسانه، إذا كان سَهَّل الله طريق العبادة حمِد الله وشكره، وإن كان فيها مشقة احتسب الأجر عند الله، ورجى ثواب الله، فهو على خيرٍ في الحالين.

المتن

القاعدة الرابعة والخمسون: كثيرًا ما ينفي الله الشيء لانتفاء فائدته وثمرته المقصودة منه، وإن كانت صورته موجودة.

وذلك أن الله خلقَ الإنسان وركَّب فيه القُوَى من السمع، والبصر، والفؤاد، وغيرها؛ ليعرف ربه، ويقوم بحقه، فهذا المقصود منها، وبوجود ما خُلقت له تكمُل، ويكمُل صاحبها.

وبفقد ذلك يكون وجودها أضر على الإنسان من فقدها، فإنها حُجَّة الله على عباده، ونعمته التي تُوجَد بها مصالح الدين والدنيا.

الشرح

هذه القاعدة، وهي: أن العِبرة بالثمرة والمقصود، وليست العِبرة بالصورة الظاهرة، فالصورة قد تُوجد ولكن ليس فيها فائدة  ولا ثمرة، فلا عِبرة بها، فالعِبرة بالثمرة.

ومن هذا ما جاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأجسامِكم، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ([2]) هذه الثمرة، قلوب العباد هي محل نظر الله عَزَّ وجلَّ، أما الصورة والجسم، فليس محل نظر الله عزَّ وجلَّ.

فالله تعالى ينفي الشيء وإن كانت صورته موجودة؛ لعدم وجود الفائدة والثمرة.

أعدْ "وذلك أن الله خلقَ الإنسان..".

المتن

وذلك أن الله خلقَ الإنسان وركَّب فيه القُوَى من السمع، والبصر، والفؤاد، وغيرها.

الشرح

السَّمعُ قوة، والبصر قوة، والفؤاد قوة، اللهم متِّعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا. هذه القُوة.

المتن

 ليعرف ربه، ويقوم بحقه، فهذا المقصود منها، وبوجود ما خُلقت له تكمُل، ويكمُل صاحبها.

الشرح

يعني الإنسان إذا استعمل هذه القوى في طاعة الله، حصلت الفائدة والمقصود، فصار.. حصلت الثمرة.

لماذا خُلِقت؟ خُلِقت لعبادة الله، إذا استعملت الفؤاد في طاعة الله، في تعظيم الله وإجلاله وخشيته، واستعملت السمع وسمعت العلم، وسمعت ما يُفيدك، واستعملت البصر في النَّظر إلى ما شرع الله، حصلت الفائدة المرجوة.

أما إذا لم يستعمل الإنسان جوارحه في طاعة الله صار صورة، مجرد صورة لا فائدة فيها، صار يُشارك البهائم، البهائم لها أسماع وأبصار، فيُقال: هذا الإنسان لا فائدة منه.

 فالله تعالى ينفي الشيء وإن كان موجودًا؛ لانتفاء الثمرة، فصورة الإنسان وسمعه وبصره إذا لم يستعمل هذه القوى في طاعة الله لا فائدة منه، يبقى الصورة، والله تعالى لا ينظر إلى الصورة والجسم، وإنما ينظر إلى القلب والعمل.

المتن

وبفقد ذلك يكون وجودها أضر على الإنسان من فقدها، فإنها حُجَّة الله على عباده، ونعمته التي تُوجَد بها مصالح الدين والدنيا.

فإما أن تكون نعمةً تامةً إذا اقترن بها مقصودها، أو تكون محنةً وحُجَّةً على صاحبها إذا استعملها في غير ما خُلقت له؛ ولهذا كثيرًا ما ينفي الله تعالى هذه الأمور الثلاثة من أصناف الكفار والمنافقين، كقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [البقرة: 171].

الشرح

فالأسماع.. صُم: أي لا ينتفعون بآذانهم.

بُكم: لا ينتفعون بألسنتهم.

عُمي: لا ينتفعون بأبصارهم، نعم.

المتن

كقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [البقرة: 171] وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [المائدة: 103] وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [الأنعام: 37] وقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا [الأعراف: 179]، فأخبر أن صورها موجودة، ولكن فوائدها مفقودة، وقال تعالى: فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46]، وقال تعالى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(80) [النمل: 80].

والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: 150-151].

فأثبت لهم الكفر من كل وجه، فلم يكن دعواهم الإيمان ببعض من يقولون: آمنا به من الكُتب والرُّسل بموجبٍ لهم الدخول بالإيمان؛ لأن إيمانهم بهم مفقودةٌ فائدته، حيث كذبوهم في رسالة محمَّدٍ صلّى الله عليه وسلَّم وغيره من الرسل الذين لم يؤمنوا بهم، وحيث إنهم أنكروا من براهين الإيمان ما هو أعظم من الطريق الذي أثبتوا به رسالة من ادعوا الإيمان به.

وكذلك قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] لمّا كان الإيمان النافع هو الذي يتفق عليه القلب واللسان، وهو المُثمِر لكل خير، وكان المنافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، نفى عنهم الإيمان لانتفاء فائدته وثمرته.

الشرح

قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] هؤلاء وصْفُ المنافقين، أثبت لهم الإيمان ونفى عنهم الإيمان، هل هذا تناقض؟

تعالى الله، شرطُ التناقض أن تكون الجهة مُتَّحِدة إذا وردَ النفي والإثبات على جهةٍ واحدة هذا تناقض، لكن إذا كانت الجهة مُنفكَّة فلا يكون تناقضًا.

فالله تعالى أثبتَ لهم الإيمان، جهة الإثبات: باللسان، ونفى عنهم الإيمان، جهة النفي: القلب، فالجهة مُنفكَّة.

 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا [البقرة: 8]، يعني: بألسنتهم وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: 8] ، يعني: بقلوبهم.

المتن

ويُشْبِه هذا ترتيب الباري كثيرًا من الواجبات والفروض على الإيمان، كقوله: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 122] وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة: 23] وقال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [الأنفال: 41] إلى قوله: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ [الأنفال: 41] وقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: 2-4].

وذلك أن الإيمان الواجب يقتضي أداء الفرائض والواجبات، ويقتضي اجتناب المحرمات، فما لم يحصل ذلك فهو إلى الآن لم يتمَّ ولم يتحقق، فإذا وُجدت هذه الأمور تحقق؛ ولهذا قال: أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا.

وكذلك لما كان العلم الشرعي يقتضي العمل به، والانقياد لكتب الله ورسله، قال تعالى عن أهل الكتاب المنحرفين: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [البقرة: 101].

ونظير ذلك قول موسى عليه السلام لما قال له بنو إسرائيل: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة: 67]، فكما أن فقْدَ العلم جهلٌ، ففقدُ العلم به جهلٌ قبيح.

الشرح

فإذا كان فقْدُ العلم جهلٌ قبيح، ففقدُ العمل به جهلٌ أقبح وأشنع.

المتن

القاعدة الخامسة والخمسون: يُكتب للعبد عمله الذي باشره، ويُكمَّل له ما شرع فيه، وعجز عن تكميله، ويُكتب له ما نشأ عن عمله.

الشرح

هذه القاعدة، هي: أنه يُكتَب للعبد ثلاثة أشياء: العمل الذي باشره، يُكتب للعبد عمله الذي باشره، وانتهى منه، هذا يُكتب له  ثوابه.

الثاني: العمل الذي شرع فيه لكن عَجَزَ عن تكميله، يُكتب له ثوابه.

الثالث: أثرُ عمله.

هذه أمور ثلاثة تُكتب للعبد: العمل الذي باشره وانتهى منه، صلى وانتهى من الصلاة مثلًا، العمل الذي شرع فيه وعجز عنه؛ مثلًا شرع في عِمارة مسجد، ولكن عجز عن أن يُكمِّله، يُكتب له كأنه كَمَّله، يُكتب له أجره.

الثالث: يُكتب له آثار العمل، هذا العمل الوقف الخيري، آثار هذا العمل، كل ما خرج منه من أعمال البِر من الصَّدقات، من المتعلمين في هذا المسجد كله يُكتب له حسنات هذه الآثار، هذا من فضل الله تعالى وإحسانه.

المتن

فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن: أما الأعمال التي باشرها العبد فأكثر من أن تحصى النصوص الدالة عليها، كقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة: 105] لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة: 286] لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ [يونس: 41] ونحو ذلك.

وأما الأعمال التي شرع العبد فيها ولمَّا يكملها فقد دلَّ عليها قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: 100].

فهذا خرج للهجرة وأدركه الأجل قبل تكميل عمله، فأخبر تعالى أنه وقع أجره على الله، فكل مَن شرع في عملٍ من أعمال الخير ثم عجز عن إتمامه بموتٍ، أو عجزٍ بدني، أو عجزٍ مالي، أو مانعٍ داخلي، أو خارجي، وكان من نيته لولا المانع لأتمَّه فقد وقع أجره على الله، فـ إنما الأعمال بالنيات([3]).

وقال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69] فكلُّ مَن اجتهد في الخير هداه الله الطريق الموصلة إليه، سواءٌ أكمل ذلك العمل أو حصل له عائقٌ عنه.  

وأما آثار أعمال العبد فقد قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا أي: باشروا عمله وَآثَارَهُمْ [يس: 12] التي ترتبت على أعمالهم من خيرٍ وشر.

الشرح

الشاهد: وآثارهم.

المتن

وقال في المجاهدين: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التوبة: 120] فكل هذه الأمور من آثار عملهم.

الشرح

من آثارهم ، خرجوا إلى الجهاد، فأصابهم ظمأٌ يُكتب هذا؛ لأنه من أثر الجهاد، أصابهم نَصب تعب، أصابهم جوع، ووطئوا موطئًا يغيظ الكُفار، نالوا من عدوٍّ نيلًا كل هذه تُكتَب لهم؛ لأنها من آثار الجهاد.

المتن

ثم ذكر أعمالهم التي باشروها بقوله: وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً إلى آخر الآية [التوبة: 121].

والأعمال التي هي من آثار عمله نوعان: أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالًا صالحة خيرية فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله، وكمَن يتزوج بغير نية حصول الأولاد الصالحين، فيعطيه الله أولادًا صالحين، فإنه ينتفع بهم وبدعائهم.

الشرح

يعني آثار عمل العبد مع النوع الأول يقع أثرٌ لهذا العمل الخيري بدون أن يقصدها الإنسان، فيُكتَب له أجره، مثل الأعمال الخيرية، عَمِل عَمَلَ خيرٍ فاقتدى به بعض الناس، له مثل أجره، ومثل مَن تزوج بقصد الإعفاف، فأعطاه الله أولادًا صالحين ينتفع بدعائهم.

ومما جاء في الحديث: أَنَّ مَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيكون آثارُها كلُّها حسناتٍ له، فإذا مرَّت بنهرٍ وشرِبت منه كُتِب له حسنات، وما يخرج منها من بولٍ وروث يُكتَب له حسنات، وإذا جعل لها حبلًا وجعلها تسير، يُكتب له آثارها حسنات، وهكذا، كما جاء في الحديث.

المتن

والثاني: وهو أشرف النوعين؛ أن يقع ذلك بقصده، كمَن علَّم علمًا نافعًا، فنفس تعليمه ومباشرته له من أجلِّ الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك فإنه من آثار عمله، وكمَن يفعل الخير ليقتدي به الناس، أو يتزوج لأجل حصول الذرية الصالحين فيحصل مراده، فإن هذا من آثار عمله، وكذلك مَن يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، أو يباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع، فما ترتب من نفع ديني أو دنيوي على هذا العمل فإنه من آثار عمله، وإن كان يأخذ على عمله الأخير أجرًا وعوضًا؛ فإن الله يُدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، وراميه، والمُمِدّ له.

الشرح

يعني السهم الذي صُنِّع، يُدخِل اللهُ به الجنَّة ثلاث: صانعه؛ الذي صنعه واحتسب الصنعة، وراميه، ومُمْبِلُه أو المُمِدُّ به. كل هؤلاء.. هذه الثلاثة كلها مكتوبة.

المتن

القاعدة السادسة والخمسون: يُرشِدُ القرآن المسلمين إلى قيام جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن حصولها من الجميع فليشتغل بكل مصلحة من مصالحهم من يقوم بها، ويوفِّر وقته عليها، لتقوم مصالحهم، وتكون وجهتهم جميعًا واحدة وهذه من القواعد الجليلة، ومن السياسة الشرعية.

الشرح

هذه القاعدة؛ أن القرآن الكريم يُرشِد المسلمين إلى إقامة جميع المصالح، وإذا لم يُمكن حصولها من الجميع كلٌّ يشتغل بالمصلحة التي يقدر عليها، فالقرآن يُرشِد المسلمين أن يقوموا بمصالحهم، فإذا أمكن أن يكونوا جميعًا، وأنْ يكون حصولها من الجميع فالحمد لله، وإن لم يُمكن كلٌّ يشتغل وحده، ويُحقق المصلحة.

المتن

وهذه من القواعد الجليلة، ومن السياسة الشرعية، فإن كثيرًا من المصالح العامة الكلية لا يمكن اشتغال الناس كلهم بها، ولا يمكن تفويتها.

فالطريق إلى حصولها: ما أرشد الله عباده إليه، قال تعالى في الجهاد -الذي هو من أعظم مصالح الدين والعلم-: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [التوبة: 122] فأمر أن يقوم بالجهاد طائفةٌ كافية، وبالعلم طائفةٌ أخرى، وأن القائمة بالجهاد تستدرك ما فاتها من العلم إذا رجعت.

الشرح

يعني كلٌّ على خير، فتقوم طائفة تُجاهِد، وطائفة تبقى في البلد تتعلم العلم، فإذا رجعت الطائفة المجاهدة علَّمتها الطائفة الجالسة، وهكذا.

 وكان النَّبي ﷺ يتناوب الصحابة، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعيدٌ سَكَنه عن النَّبي ﷺ، وكان له زميلٌ من الأنصار، يتناوبان؛ ينزل هو يومًا إلى النَّبي ﷺ، ويسمع ما أنزل الله على نبيه من الوحي، ثُمَّ يذهب ويُخبر صاحبه بما بلغه، وصاحبه يقضي مصالحه، واليوم الثَّاني ينزل زميله الأنصاري ويأخذ عن النَّبي ﷺ العلم، ثُمَّ يُخبر عمر به، وهكذا.. تناوُب.

المتن

وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 104] وقال تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: 2] وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16]

وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38] إلى غير ذلك من الآيات الدالات على هذا الأصل الجليل، والقاعدة النافعة، وبقيام كل طائفةٍ منهم بمصلحة من المصالح تقوم المصالح كلها؛ لأن كلَّ فردٍ مأمورٌ أن يراعي المصالح الكلية، ويكون سائرًا في جميع أعماله إليها، فلو وُفِّق المسلمون لسلوك هذه الطريق لاستقامت أحوالهم، وصلُحت أمورهم، وانجابت عنهم شرورٌ كثيرةٌ، فالله المستعان.

الشرح

لعلنا نقف على القاعدة السابعة والخمسين، إن شاء الله تكون غدًا، إلى القاعدة السبعين، ما يُقابل ثلاثين صفحة إن شاء الله نأخذها غدًا، والآن يأتي دوْر الأسئلة.

 

([1]) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211).

([2])أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله (2564).

([3])أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي- باب بدء الوحي (1)، ومسلم في كتاب الإمارة- باب قوله: إنما الأعمال بالنيات (1907)،

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد