تتصفح الآن الموقع بالنسخة التجريبية
شعار الموقع
شعار الموقع
فاصلفاصلفاصل

شرح كتاب القواعد الحسان الدرس العاشر

00:00

00:00

31

 

وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمَّا بعدُ:

القاعدة السادسة والسّتون، يقول المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: أعظم الأصول التي يقرِّرها القرآن، ويُبرهِن عليها: توحيد الألوهية والعبادة.

هذا الأصلُ العظيم من أعظم الأصول على الإطلاق، أكملها، وأفضلها، وأوجبها، وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلقَ اللهُ الجنَّ والإنس لأجله، وخلقَ الخَلق وشرع الشرائع لقيامه.. وبوجوده يكون الصلاح، وبفقده يكون الشرُّ والفساد.

جميع الآيات القرآنية إما أمرٌ بالتوحيد، وإما أمرٌ بحقٍّ من حقوق التوحيد، وإما نهيٌ عن ضد التوحيد؛ وهو الشِّركُ، وإما إقامة حُجَّةٍ عليه، وإما بيانٌ لجزاء أهلِ التوحيد في الدنيا، وإما بيانٌ لجزاء أهل التوحيد في الآخرة، وإما بيان الفَرق بينهم وبين المشركين.

ويُقال له: توحيد الألوهية؛ لأن فيه وصْفُ الله تعالى، الذي ينبغي أن يؤمن به كل بني آدم، هذا وصْف.. الوصفُ الملازم له سبحانه، الدال عليه الاسم الأعظم؛ وهو اللهُ.

اللهُ دلَّ على الألوهية، الله مشتمل على صفة الألوهية، وهو مستلزم جميع صفات الكمال، فالإله، الإلهية وصفُ الله الذي لا ينبغي إلا له.

والدال عليها الاسم العظيم وهو الله، والاسم العظيم وهو الله، وهو مشتمل على صفة الألوهية، ومستلزم جميع صفات الكمال.

يُقال له: توحيد  العبادة؛ باعتبار وجوب ملازمة وصْف العبودية بكل معانيها للعبد، بالصفة الملازمة له بمقتضى العبودية للربوبية، بإخلاص العبادة لله.

يُقال له: توحيد الألوهية؛ لأن الإلهية وصفُ الله.

يُقال له: توحيد العبادة؛ باعتبار وجوب العبادة على العبد.

هذا الأصل هو أكبرُ الأصول وأعظمها، قد قرَّر شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رَحِمَهُ اللهُ فيه رسائل لا تُحصى، وبالأخص في كتابه كتاب التوحيد، وذكرَ من تقريره وتفصيله وتحقيقه، ونفي كل ما يضاده ما لا يُوجد في كتابٍ غيره.

هذا كتابٌ عظيم، كتابُ التوحيد لشيخ الإسلام، ومُكوَّن من ستة وستين بابًا، وهو لمْ يُسبق إليه في بابه؛ لأنه موضوعه توحيد العبادة والألوهية.

كتاب التوحيد للبخاري داخل الصحيح فيه تقرير توحيد الأسماء والصفات؛ لأن الناس في زمنِ البخاري انحرفوا في باب الأسماء والصفات، لكن الناس في زمن الإمام محمد بن عبد الوهاب العبادة والألوهية، فألَّف هذا الكتاب العظيم؛ كتاب التوحيد.

والقرآن يقرِّر بطرقٍ متنوعة.. قال المؤلف: ذكرنا في تفسير تبيان الطرق الكلية في تقرير هذا الأصل، وصورة ما ذكرناه على قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: 19]، نعم.

"وَالطَّرِيقُ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ". نعم.

المتن

وَالطَّرِيقُ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ أُمُورٌ: أَحَدُهَا بَلْ أَعْظَمُهَا: تَدَبُّرُ أَسْمَاء الربِّ وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالهِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ بَذْلَ الْجُهْدِ فِي التَّأَلُّهِ لَهُ، وَالتَّعَبُّدِ لِلرَّبِّ الْكَامِلِ الَّذِي لَهُ كُلُّ حَمْدٍ وَمَجْدٍ وَجَلَالٍ وَجَمَالٍ.

الشرح

نعم، هذا الطريق الأول من العلم بأنه لا إله إلا الله، التفكر في سنن الله الكونية، وآياته الكونية، وتدبُّر أسماء الرب وصفاته وأفعاله، فَإِنَّهَا تُوجِبُ بَذْلَ الْجُهْدِ فِي التَّأَلُّهِ لله، وَالتَّعَبُّدِ لِلرَّبِّ الْكَامِلِ الَّذِي لَهُ كُلُّ حَمْدٍ وَمَجْدٍ وَجَلَالٍ وَجَمَالٍ. نعم.

المتن

الثَّانِي: الْعِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْأُلُوهِيَّةِ.

الشرح

هذا الطريق الثاني إلى العلم بأنه لا إله إلا الله، العلم بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير، وإذا كان هو المنفرد بالخلق والتدبير فينبغي أن يكون منفردًا بالألوهية. نعم.

المتن

الثَّالِثُ: الْعِلْمُ بِأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالنِّعَمِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ والأخروية، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِهِ وَمَحَبَّتَهُ، وَالتَّأَلُّهَ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

الشرح

نعم، الثالث من العلم.. بأنه المنفرد بهبة النِّعم، الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، وهذا يوجِب تعلُّق القلب بالله خوفًا ورغبةً ورهبةً وتألُّهًا له، وحده لا شريك له. نعم.

المتن

الرَّابِعُ: مَا نَرَاهُ وَنَسْمَعُهُ مِنَ الثَّوَابِ لِأَوْلِيَائِهِ الْقَائِمِينَ بِتَوْحِيدِهِ مِنَ النَّصْرِ وَالنِّعَمِ الْعَاجِلَةِ، وَمِنْ عُقُوبَتِهِ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا دَاعٍ إِلَى الْعِلْمِ، بِأَنَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ كُلِّهَا.

الشرح

نعم، الرابع: ما يُرى ويُسمع من ثواب الله لِأَوْلِيَائِهِ الْقَائِمِينَ بالتوحيد، وَمِنْ عُقُوبَتِهِ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ، فهذا يدعو إِلَى الْعِلْمِ، بِأَنَّ اللهَ هو الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ. نعم.

المتن

الْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ أَوْصَافِ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ اللَّهِ، وَاتُّخِذَتْ آلِهَةً، وَأَنَّهَا نَاقِصَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، فَقِيرَةٌ بِالذَّاتِ، لَا تَمِلُكُ لِنَفْسِهَا وَلَا لِعَابِدِيهَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَلَا تنصرُ مَنْ عَبَدَهَا، وَلَا تنفعه بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ، مِنْ جَلْبِ خَيْرٍ أَوْ دَفْعِ شَرٍّ، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَبُطْلَانَ إِلَهِيَّةِ مَا سِوَاهُ.

الشرح

نعم، الخامس: معرفة الطواغيت التي فتنت الناس وصرفتهم عن كتبِ الله ورسله، ومَعْرِفَةُ أَوْصَافِ الْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ اللَّهِ، وَأَنَّهَا نَاقِصَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ، وأنها لَا تَمِلُكُ لِنَفْسِهَا وَلَا لِعَابِدِيهَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَلَا مَوْتًا ولا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَلَا تجلب لهم خيرًا، ولا تدفع عنهم شرًّا. نعم.

المتن

السَّادِسُ: اتِّفَاقُ كُتِبِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَتَوَاطُؤُهَا عَلَيْهِ، وهو أعظمُ ما فيها.

الشرح

نعم، التواطؤ والاتفاق، نعم.

المتن

السَّابِعُ: أَنَّ خَوَاصَّ الْخَلْقِ، الَّذِينَ هُمْ أَكْمَلُ الْخَلِيقَةِ أَخْلَاقًا وَعُقُولًا وعِلمًا وَرَأْيًا وَصَوَابًا، -وَهُمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ- قَدْ شَهِدُوا لِلَّهِ بِذَلِكَ.

الشرح

نعم، خواصُّ الخَلق شهدوا لله بالوحدانية، وَهُمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْعُلَمَاءُ الرَّبَّانِيُّونَ، هؤلاء أصح الناس عقولًا، ورأيًا. نعم.

المتن

الثَّامِنُ: مَا أَقَامَهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْأُفُقِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ، الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ أَعْظَمَ دَلَالَةٍ، وَتُنَادِي عَلَيْهِ بِلِسَانِ حَالِهَا بِمَا أَوْدَعَهَا مِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ، وَبَدِيعِ حِكْمَتِهِ، وَغَرَائِبِ خَلْقَتِه.

الشرح

هذا الثامن، ما تفيده الأدلة الأفقية والنفسية.

الأفقية: في آفاق السماوات والأرض، والنفسية: ما في نفس الإنسان، يشير إلى قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53].

فالآيات الأفقية والنفسية تدل على التوحيد أعظم دلالةً، تنادي بلسانِ الحال بما أودعَ الله فيها من لطيف الصنعة ووديع الحكمة، وغرائب خَلْقِه. نعم.

المتن

فَهَذِهِ الطُّرُقُ الَّتِي أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْ دَعْوَةِ الْخَلْقِ بِهَا إِلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قد أَبْدَاهَا فِي كِتَابِهِ وَأَعَادَهَا بطرقٍ وأساليبَ متنوعة، إلى آخر ما ذكرناه هناك، وكلُّ رسولٍ أول ما يدعو قومه إلى هذا التوحيد، ويقرِّره لهم بنحوٍّ مما ذكرنا من هذه الأدلة.

القاعدة السابعة والستون:

يرشد القرآن إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق

عند ورود الشبهات والتوهمات.

وهذه قاعدة جليلة يُعبَّر عنها: أن الموهوم لا يدفع المعلوم، وأن المجهول لا يُعارِض المُتَيَقَّن، ونحوها من العبارات.

وقد أرشد الله إليها في مواضعَ كثيرة لما أخبر تعالى عن الراسخين في العلم وأن طريقتهم في المشتبهات أنهم يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: 7].

فالأمور المحكمة المعلومة يتعين أن يُرجَع إليها الأمور المشتبهة المظنونة.

وقال تعالى في زجرِ المؤمنين عن القدح في إخوانهم المؤمنين: لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ[النور:12] فأمرهم بالرجوع إلى ما عُلم من إيمان المؤمنين الذي يدفع السيئات، وأن يعتبروا هذا الأصل المعلوم، ولا يعتبروا كلام مَن تكلم مما يناقضه ويقدح فيه.

وقال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: 69] فوجاهته عند الله تدفع عنه وتبرِّئه من كل عيبٍ ونقصٍ قاله فيه مَن آذاه؛ لأنه لا يكون وجيهًا عند ربه حتى يَسْلَمَ من جميع المُنَقِّصَات، ويتحلَّى بجميع الكمالات اللائقة بأمثاله من أولي العزم.

فيُحَذِّرُ اللهُ هذه الأُمَّة أن يسلكوا مسلك مَن آذى موسى مع وجاهته فيؤذوا أعظم الرسل جاهًا عند الله، وأرفعهم مقامًا ودرجة.

وقال تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ [يونس: 32] وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ [سبأ: 6].

الشرح

نعم، هذه القاعدة أن القرآن الكريم يرشد عند حصول الشبهات والتوهمات إلى الرجوع إلى الأمرِ المعلوم المُحَقَّق.

إذا حصلت شبهة أو شهوة، ارجعْ إلى الأمر المُحقَّق اليقين، ارجع إلى الأمر المحقق المُيَقَّن، فتنجو من الشبهات، اشتبه عليكَ ارجع هذا المُشْتَبِه إلى الأصلِ.

وهذه القاعدة يُعبِّر عنها بعضُ أهل العلم بأنه: الموهوم لا يدفع المعلوم، عندك شيء معلوم لا تدفعه بالوهمِ، ابقَ على المعلوم حتى يأتيك معلومٌ مثله.

والمجهول لا يُعارِض المحقَّق؛ عندك محقَّق وعندك مجهول، ابقَ على المحقَّق، ولا تَحِدْ عن المحقَّق بشيءٍ مجهولٍ.

وذكرَ المؤلف هذا، ذكرنا أمثلتها، أخبرَ الله أن الراسخين في العلم أن طريقتهم في المتشابه تقول: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: 7].

فالأمور المحكمة المعلومة يتعيَّن أن نرد إليها كل أمر مشتبه، فالذين في قلوبهم زيغٌ يتَّبعون المتشابِه، ويتركون المحكم، وأمَّا أهل البصيرة أهل الحق يتَّبعون المحكم ويردُّون المتشابه إليه، ويفسرونه به.

وهذا له أمثلة، من أمثلة ذلك: في الحجاب، حجاب المرأة، الأدلة الكثيرة دلَّت على وجوب تحجُّب المرأة عن الرجل الأجنبي، من كتاب الله وسنة رسوله.. كثيرة.

في القرآن العزيز، يقول تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [الأحزاب: 53].

فالحجابُ أطهر لقلوب الرجال وقلوب النساء، الحجاب ما يحجب المرأة عن الرجل، قد يكون الحجاب بابًا، قد يكون جدارًا، قد يكون غطاءً على الوجه.

من حديث عائشة، في قوله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: 59]، يعني تنزل المرأة خمارًا من على رأسها حتى تسترَ به وجهها وصدرها.

في حديث عائشة: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله ﷺ مُحْرِمَات، فإذا حاذونا، أسدلت إحدانا الجلبابَ على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه.

في حديث عائشة في صحيح البخاري، لما تأخرت عن الجيش في قصة الإفك، فجاء صفوان بن معطل، وكان قد تخلّف عن الجيش، فرآها من بعدٍ، فعرفها، وجاءها وهي نائمة، فجاء يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، أهل رسول الله.

قالت: فاستيقظتُ باسترجاع صفوان، فخمّرتُ وجهي بجلبابي، وكان يعرفني قبل الحجاب. رواه البخاري في الصحيح.

هذا صريحٌ في أن المرأة قبل الحجاب كانت تكشف وجهها، وبعد الحجاب تستر، الذين في قلوبهم زيغٌ يتركون هذه النصوص كلها المحكمة، ويضربون بها عرْضَ الحائط، ويأتي بدليل مُشتبه، فيأتي أهل الزيغ (.........) الدليل على أنه يجوز للمرأة، زيادة السفور وكشْف المرأة: حديث الخَثْعَمِيَّة.

الخثعمية جاءت إلى النبي ﷺ في حجَّة الوداع، وقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده، أبي شيخٌ لا يثبتُ على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ وفي الحديث أنه جعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي يصرفُ وجه الفضل.

قالوا: هذا دليل على أنه كاشفة، لولا أنها كاشفة ما نظرَ إليها الفضلُ.

طيب، والنصوص هذه، تتركونها وتضربون بها عرض الحائط؟! لماذا لا تتعلق إلا بهذا؟! في قلوبهم زيغٌ؛ لأنها تتعلق بهذا الحديثِ المُوهِم.

وأمَّا أهلُ الحق ماذا يعملون؟ يردُّون هذا الحديثَ، ويفسِّرونه بالنصوص الأخرى؛ يقولون: نعم، ما في دليل على أنها كاشفة، لكن يمكن ينظر الفضل؛ لأنه أعجبه قدها أو طولها، أو أعجبه صوتها، أو انكشف شيءٌ من جسدها، أو ثيابها؛ فلذلك نظرَ إليها، ما يلزم أن تكون كاشفة.

نحن نفسِّر هذا الحديث بالأحاديث الأخرى، والنصوص الأخرى؛ لأن كلام الرسول لا يتناقض، لكن أهل الزيغ لا، يضربون بالنصوص عرض الحائط، وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا [الأحزاب: 53]، يقول: لا، الدليل على كشفِ الوجه: المرأة الخثعمية، وأن الفضل ينظر إليها. واضحة الآن؟

نحن نقول: الأمرُ مُحقَّقٌ، عندنا النصوص، تدل على أنه محقق؛ وهو الحجاب، فنحن نَثْبُت، نأخذ الأمر المحقق ونردُّ المظنونَ، والذي فيه شبهة نَرُدُّه إلى النصوص ونفسِّره بها، فتتفق الأحاديث ولا تتناقض. واضح هذا؟

هذا مثالٌ، وهناك أمثلة كثيرة، فالقرآن يرشد إلى الرجوع إلى الأمر المعلوم المحقق؛ للخروج من الشبهات والتوهمات. نعم.

المتن

القاعدة الثامنة والستون:

ذِكْر الأوصاف المتقابلات يغني عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفَرق معلومًا.

وهذه القاعدة في القرآن كثير، يَذْكُرُها في المقامات المهمة، كالمقابلة بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك.

الشرح

هذه أيضًا كذلك نفس اللي موجودة هنا، النسخة الأولى، فيه عندكَ في الحاشية؟ مَن تركَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، هذه القاعدة الثامنة والستون: مَن تركَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.

القارئ: هذه موجودة في التاسعة والستين.

الشيخ: والتاسعة والستون ما هي؟ -- (.........) فيه تقديم وتأخير، عندي التاسعة جعلها هي الثامنة، طيب خذْ: مَن تركَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه. نعم.

المتن

مَن تركَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.

وهذه القاعدة وردت في القرآن في مواضعَ كثيرة:

فمنها ما ذكره الله عن المهاجرين الأولين الذين هجروا أوطانهم وأموالهم وأحبابهم لله فعوَّضهم الله الرزق الواسع في الدنيا، والعز والتمكين.

وإبراهيم ﷺ لما اعتزل قومه وأباه، وما يدعون من دون الله، وهب له إسحاق ويعقوب، والذريَّة الصالحين.

وسليمان ﷺ لما ألهته الخيل عن ذكر ربه فأتلفها عوَّضه الله: الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ [ص: 36] وَالشَّيْاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: 37].

وأهل الكهف لما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله وهب لهم من رحمته، وهيَّأ لهم أسباب التوفيق والراحة، وجعلهم هداية للضالين.

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 91] ومَن تركَ ما تهواه نفسه من الشهوات لله تعالى، عوَّضه من محبته، وعبادته، والإنابة إليه، ما يَفُوقُ جميعَ لذَّاتِ الدُّنيا.

الشرح

نعم، وفيها قال: "ويوسف عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لما ملكَ نفسه وعصمها من الوقوع مع امرأة العزيز، مع ما كانت تُمنِّيه به، من الحظوة وقوة النفوذ في قصرِ العزيز ورياسته، وصبرَ على السجن وأحبه وطلبه، ليبعدَ عن دائرة الفساد والفتنة، عوَّضه الله أن مكَّن له في الأرض، يتبوَّأ منها حيث يشاء، يستمتع بما يشاء مما أحلَّ اللهُ له من الأموال والنساء والسلطان". هذه كانت من الأمثلة التي سقطت من عندك.

هذه القاعدة معروفة، مَن تركَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، إبراهيم عليه السلام اعتزل قومه وأباه؛ لأنهم يعبدون الأصنام، وتركهم لله، عوَّضه الله أبناءً صالحين، رزقه الله ابنين كريمين:

الأول: إسماعيل، وأُمُّه هاجر. إسماعيل هو الأبُ الثاني وأبو العرب كلهم، ثم رزقه الله إسحق من امرأته سارة، ابنةُ عمِّه، وإسحق أنجبَ يعقوب، ويعقوب هو إسرائيل، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من أولهم، كلهم من سلالته، إلى آخرهم عيسى.

فجميع الأنبياء كلهم من ذرية إبراهيم، كل الأنبياء الذين جاءوا بعد إبراهيم كلهم من ذريته، انظر كيف عوَّضه اللهُ لما تركَ الأصنامَ، وهجرَ أباه وقومه، عوَّضه اللهُ.

المهاجرون الذين هاجروا مع النبي ﷺ، وتركوا ديارهم، وأموالهم، وأولادهم لله، وهاجروا إلى المدينة، عوَّضهم اللهُ العِزَّ والتمكين في الدنيا والثواب العظيم والأجر الكبير والتمتع بدارِ كرامته في جنته يوم القيامة.

إلى آخر الأمثلة التي ذكرها المؤلف كلها دالةٌ على أنه مَن تركَ شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منها. نعم، "القاعدة التاسعة والسبعون: القرآنُ كفيلٌ..".

المتن

القرآن كفيلٌ بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسك بأصوله وفروعه.

قد تقدَّم من الأدلة..

الشرح

وتنفيذ شرائعه وأحكامه. ما أحوج إلى هذا، ولاسيما في هذا الزمن، "القرآنُ كفيلٌ بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسك بأصوله وفروعه، وتنفيذ شرائعه وأحكامه"، لو كانت لنا عقولٌ.

أين عقولنا في هذا الزمنِ؟! أين نحن من القرآن؟! القرآنُ كفيلٌ وضامِنٌ بمقاومة جميع المفسدين، لمَن حكَّمه، وتحاكم إليه، وعملَ المحكم، وآمن بالمتشابه، واتَّعظ بمواعظه، وانزجرَ بزواجره.

القرآن كفيل وضمين بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسُّك بالقرآن بأصوله وفروعه وتنفيذ شرائعه وأحكامه، هذه كلماتٌ تُكتب بماء الذهب، كلمات عظيمة، سطران ينبغي أنْ تكتبوها، وتُرسل في رسائل الجوَّال، وتُلصق في المساجد، اكتبوها الآن، كل واحد يكتبها في ورقةٍ خاصَّة، كل واحد يكتبها، حقٌّ على كل إنسانٍ أنْ يكتبها، أنا أُمليها عليكم:

"القرآنُ كفيلٌ -إيش معنى كفيل؟ ضامنٌ- بمقاومة جميع المفسدين". يا لها من عبارةٍ تُكتب بماء الذهب.

"القرآنُ كفيلٌ بمقاومة جميع المفسدين، ولا يعصم من جميع الشرور إلا التمسُّكَ بأصوله -يعني القرآن- وفروعه، وتنفيذِ شرائعه وأحكامه".

مَن تدبر هذه الكلمات وطبّقها فإنه هو العاقل، وهو اللبيب، وهو الحازم الذي يرجو فَكاك نفسه ونجاتها، من الشرور والفتن. نعم.

المتن

قد تقدَّم من الأدلة على هذا الأصل الكبير في دعوة القرآن إلى الإصلاح والصلاح، وفي طريقته في محاجَّة أهل الباطل، وفي سياسته الداخلية والخارجية، ما يدل على هذا الأصل، ويُعَرِّف الخَلق أن العصمة من الشرور كلها التمسك بهذا القرآن.

الشرح

لا، "الشرور كلها، لا طريق لها إلا التمسُّك بهذا القرآن"، ساقطة عندكَ.

المتن

ويُعَرِّف الخَلق أن العصمة من الشرور لا طريق لها إلا التمسُّك بهذا القرآن، وأصوله، وعقائده، وأخلاقه، وآدابه، وأعماله، ولكن نزيد هنا بعض التفصيلات فنقول: أهلُ الشر والفساد نوعان:

أحدهما: المُبْطِلُون في عقائدهم، وأديانهم، ومذاهبهم، الذين يَدْعُون إليها، ففي القرآن من الاحتجاج على هؤلاء، وإقامة الحجج والبراهين على فساد أقوالهم شيء كثير، لا يأتي مُبْطِلٌ بقول إلا وفي القرآن بيانه بالحق الواضح، والبرهان الجلي، ففيه الرد على جميع المبطلين من الدَّهْرِيِّين، والمَادِّيِّين، والمُعَطِّلين، والمُشرِكِين، والمتمسِّكين بالأديان المُبَدَّلَةِ والمنسوخة من اليهود، والنصارى، والأُمِّيِّين، {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]، يَذْكُرُ اللهُ حُجَج هؤلاء وينقضها، ويبدي من الأساليب المتنوعة في إفسادها ما هو معروف، وتفصيل هذه الجملة لا يحتمله هذا الموضع.

الشرح

هنا قال: "فأعظم أهل الشر أهل التعطيل، العَمُون عمَّا سوى المحسوسات، المنكرون للخالق وأديان الرسل، وما أخبر الله به، وأخبرت به رسله، وفي القرآن من البراهين والحجج المتنوعة ما يُبْطِلُ قولهم، ويَمْحَقُ مذهبهم، ويُبيِّن للعقلاء أنهم مكابرون في إنكار أظهر الأشياء البديهية وأجلاها".

القارئ: هو ذكرها في الحاشية هذه يا شيخ، هذا التعبير. أقرأ اللي في الحاشية يا شيخ ولَّا؟

الشيخ: لا، خلاص.. "ومنهم أهلُ الشرك..".

المتن

ومنهم أهلُ الشرك بالمخلوقات وتسويتها بالرب في شيء من الصفات والنعوت أو الحقوق الخاصة لله.

وفي القرآن من إبطال الشرك، ووجوب التوحيد، وإقامة البراهين، على تفرُّد الله تعالى بالوحدانية وصفات الكمال، وأنه لا يستحق العبادة سواه، ولا أحدٌ يساويه في وصفٍ ولا حقٍّ من الحقوق، ما يكفي بعضه لإزهاق قولهم.

الشرح

نعم، هؤلاء أهل الشرك الذين يساوون الربَّ بغيره من المخلوقين، "في القرآن إبطالُ الشرك، ووجوب التوحيد، وإقامة البراهين، على تفرُّد الله تعالى بالوحدانية وصفات الكمال، وأنه لا يستحق العبادة سواه". نعم.

المتن

ومنهم المنكرون للأنبياء من الأُمِّيِّين والمُلحدين وغيرهم.

وفيه من الحجج والبراهين على إثبات رسالتهم، والآيات والخوارق الدالة على صدقهم، والأوصاف والنعوت التي اتصفوا بها؛ ما يدل أكبر دلالةٍ على أنهم رُسُلُ اللهِ حقًّا، وأنهم أصدق الخَلق، وأكملهم في كل صفةِ كمال؛ وأفضلهم في كل فضيلة.

الشرح

نعم، هذا مثال الأنبياء، القرآن فيه من الحجج والبراهين على إثبات رسالتهم، والرد على مَن أنكر رسالتهم، وهو واضحٌ وبيِّنٌ. نعم.

المتن

ومنهم المفرِّقون بين الأنبياء والكتب الذين يزعمون أنهم يؤمنون ببعضهم ويكفرون بغيرهم.

وفي القرآن حججٌ وبراهين كثيرة تدل على إبطال قولهم، وأنهم متناقضون متهافتون في إثباتهم ونفيهم، وأن الإيمان الحق والحق الصريح الإيمانُ بكل كتاب أنزله الله وبكل رسولٍ أرسله الله، وأن الحق والصدق والعلم واليقين يجب الإيمان به والاعتراف به حيثما كان ومع من كان، وليس ذلك بالدعاوى والأماني.

الشرح

نعم، المفرِّقون بين الأنبياء والكتب، يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء: 150] هؤلاء كفار، أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: 151].

يزعمون أنهم يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، وهذا كفرٌ بالجميع، "وفي القرآن حججٌ وبراهين كثيرة تدل على إبطال قولهم، وأنهم متناقضون.."، نعم.

المتن

ومنهم الإباحية والشيوعية الذين هم فسادُ الأديان والمُلك والدنيا والآخرة، والقرآن كفيل بإبطال قولهم؛ بما فيه من العقائد والبراهين، ووجوب التحلي بالأخلاق الجميلة، والتخلي من الأخلاق الرذيلة، وإيجاب الحقوق المتنوعة بين طبقات الناس، ووجوب الزَّكوات، وإنقاذ المضطرين، وغيرها من الأحكام.

فكلُّ هذا سدٌّ مُحكمٌ يمنع نفوذ هؤلاء المفسدين، ويُبطِل شرهم، ويُزْهِقُ حُجَّتَهُمْ.

الشرح

أهل الإباحية الذين هم أخبثُ جرثومةٍ لإفسادِ الأديان، والمُلك، والدنيا، والآخرة، اللي يقول: لا إله، والحياةُ مادّة.

لا إله، هذا شعارهم، وشعار المسلمين: لا إله لا الله، وشعار الشيوعية: لا إله، والحياةُ مادة، يعبدون المادة.

هؤلاء أخبثُ أُمَّةٍ، وقولهم أعظم ما يكون لإفساد الأديان، وإفساد المُلك، وإفساد الدنيا، وإفساد الآخرة، والقرآنُ كفيلٌ بإبطال قولهم، والرد عليهم.

المتن

ومنهم أهل البدع على اختلاف مذاهبهم وتنوع أقوالهم.

وفي القرآن من البراهين ووجوب التمسك بما عليه النبي ﷺ من أصول الدين وفروعه، ووجوب ردِّ المتشابه إلى المحكم، والاعتصام بحبل الله ودينه، ما يُبْطِل قولهم، ويَكْسِرُ شوكتهم.

الشرح

نعم، هذا لا شك أهل البدع، في القرآن والسنة فيه الرد عليهم، وبيان ما هم عليه من فسادٍ، نعم.

المتن

ومنهم أهلُ التحزب والتشيع وتفريق المسلمين وتمزيق وحدتهم، وفي القرآن من الحث على الاعتصام بحبل الله، والحث على الألفة، والنهي عن التفرق، والإخبار بأنه طريق أهل الضلال والغضب، والتحذير من أحوال هؤلاء، ووجوب لزوم الأصول العامة الكلية، ما يقمع شرهم ويبيِّن شناعة طريقتهم.

الشرح

نعم، هذا أهل التحزب والتشيع، قال اللهُ تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103].

القرآن فيه الحث على الاعتصام بحبل الله، والحث على الألفة وعدم التفرق، والنهي عن كل ما يكون سببًا في اختلاف القلوب، وتناكرها، نعم.

المتن

ومنهم أهل الفساد المنتهكون للدماء والأموال والأعراض، وفي الآيات القرآنية من قمعهم، وإقامة الحدود عليهم، والزَّجر عن طريقتهم، والمواعظ والزَّواجر، ما يقمعهم، ويردعهم، ويخفف شرهم.

فكلُّ صاحبِ شرٍّ وفسادٍ إنما سُلْطَتُه ووصول شره على مَن لم يعتصم بالقرآن، وخرجَ من هذا الحصن الحصين الذي مَن دخله كان من الآمنين من كل شرٍّ وضررٍّ، وهو القاهر لكل باطل قاومه في كل الأمور.

الشرح

"والمُطهِّر للقلوب والمجتمع من كلِّ فسادٍ". أهلُ الفساد الذين ينتهكون الدماء والأموال والأعراض، القرآن فيه قمعٌ لهم، بإقامة الحد عليهم، وزجرهم، ووعظهم، وتخفيف شرهم.

كلُّ صاحبِ شرٍّ وفساد إنما سلطانه ووصوله على مَن لم يعتصم بالقرآن، فمَن لم يعتصم بالقرآن وخرج من هذا الحصن الحصين حصلَ على الشر، ومَن دخلَ في هذا الحِصن فهو آمنٌ، نعم.

المتن

القاعدة الحادية والسبعون.

الشرح

السبعون.

القارئ: يوجد قاعدةٌ يا شيخ.

الشيخ: زادَ قاعدةً؟

القارئ: إي نعم.

الشيخ: قَبْلَ هذا؟

القارئ: إي نعم.

الشيخ: اقرأ "السبعون" الآن، وشوف (.........) لأن هذه هي الأصل، اللي معي، "القاعدة السبعون في اشتمال كثيرٍ..".

المتن

القاعدة السبعون:

في اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني.

اعلم أن ما مضى من القواعد السابقة هي المقصود في وضْع هذا الكتاب، وهو بيان الطرق والمسالك التي ترجع إليها كثير من الآيات، وأنها وإن تنوعت ألفاظها، واختلفت أساليبها، فإنها ترجع إلى أصلٍ واحد، وقاعدة كلية.

وأما نفس ألفاظ القرآن الكريم، فإن كثيرًا منها من الألفاظ الجوامع، وهي من أعظم الأدلة على أنها تنزيل من حكيم حميد، وعلى صدقِ مَن أُعطي جوامع الكلم، واختُصر له الكلام اختصارًا، ولنمثِّل لهذا النوع أمثلة.

الشرح

نعم، هذه القاعدة، يقول: "اشتمال كثير من ألفاظ القرآن على جوامع المعاني". يعني أن القرآن الكريم تأتي عبارات قليلة تحتها معاني غزيرة.

وهذا منتهى الفصاحة، الفصيح هو الذي يأتي بالمعاني الغزيرة في ألفاظٍ قليلة، والنبي أفصح الناس، ولهذا كانت خطبة النبي قصدًا، مختصرة، يَعُدُّها العادُّ، كلماتٌ يَعُدُّها العادُّ، لكنها مشتملة على معاني غزيرة، يَعُدُّها العادُّ ويحفظها، وأحيانًا يخطب بـ (ق)، قالت بعض الصحابيات: ما أخذتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ  [ق: 1]، إلا على لسانِ رسول الله ﷺ يقرأها كل جمعةٍ على المنبر عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

فهذه خُطَبه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في الحديث الصحيح: إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ([1]).

دليلٌ على فقه الخطيب، تكون الخطبة قصيرةً، والمعاني غزيرة، والصلاة الطويلة، الصلاة التي فيها طمأنينة، لكن الآن بالعكس الآن! تجد الآن كثير من الخطباء يطيل الخطبة، والخطبة جوفاء! ساعة وساعتين، يعيد ويكرِّر، والمعاني قليلة جدًّا، ثم إذا جاء إلى الصلاة خفَّفها! يقرأ الفاتحة، وإنا أعطيناك الكوثر، مع إن النبي ﷺ يقرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: 1] يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الجمعة: 1] إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ [المنافقون: 1] فصارَ بعضُ الناس ما يعمل بالسُّنة، عكس السنة.

فالبليغ هو الذي يأتي بالمعاني الغزيرة في ألفاظٍ قليلة، أما الثرثار هو الذي يأتي بألفاظٍ كثيرة وتكرار والمعاني جوفاء، ألفاظه جوفاء، ما فيها معانٍ.

وهذا كثير من الخطباء اليوم الآن، أكثرهم مُهَرِّجون، تهريج، الناس ملُّوا من الكلام الكثير، يريدون معاني، خُطَبًا علميةً مفيدةً.

فيقول المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: ألفاظ القرآن الكريم كثير منها من القواعد الجوامع، كثيرٌ من ألفاظ القرآن قاعدة جامعة.

قال: وهذا من أعظم الأدلة على أنه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد، وعلى صِدقِ مَن أُوحي إليه، وأُعطي جوامع الكلم، واختُصِر له الكلام اختصارًا.

نعم، الأمثلة، سيضرب أمثلة لهذا، نعم.

المتن

ولنُمثِّل لهذا النوعِ أمثلةً، ونَذْكُر أنموذجًا منه:

فمنها: قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: 46].

الشرح

هذه من جوامع الكلم، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: 46]، قل: ما تحته، لو جيت تشرحها، تشرحها في مُجلَّداتٍ.

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ [فصلت: 46]، صَالِحًا: في العقائد، في الأخلاق، في الآداب، في كل شيء.

فَلِنَفْسِهِ: نفسه، لا لغيرِه، فهو لنفسه.

وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: 46]، هذه من جوامع الكلم. نعم.

المتن

 لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].

الْحُسْنَى: الجَنَّة. والزيادة: النظر إلى وجهِ الله الكريم.

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى [يونس: 26]. وش تحتها؟ الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى خَلْقِ الله، في جميع الأمور، جميع تفاصيل أمور الشريعة كلها، كلها داخلة فيها، نعم.

المتن

هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ [الرحمن: 60].

هل جزاء الإحسان، الإحسان، في عبادة الله، والإحسان إلى خلقِ الله، ما جزاءُ المُحْسِن إلا أنْ يُحْسَنَ إليه. نعم.

المتن

 وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة: 10].

الشرح

نعم، كذلك كلها من الجوامع، نعم.

المتن

 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ الآية [النحل: 90] وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: 2] مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97] فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ   [الزلزلة: 7 ـ 8].

الشرح

كلُّ هذه قواعد. نعم.

المتن

وَمَا تُقَدِّمُوا لأِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا [المزمل: 20] إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6].

الشرح

وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: 197] مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ[النساء: 123]  ، نعم.

المتن

 وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: 38] وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران: 159].

الشرح

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء: 94] أيضًا كذلك، نعم.

المتن

 إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس: 44] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ الآية [آل عمران: 30] وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: 128] إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81] وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 205] يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا [الانفطار: 19] فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18] فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: 22] أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر: 3] فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: 88] وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة: 237] وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الأعراف: 85]. فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: 112] وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود: 115] إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: 114] كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: 24] إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: 80] وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ الآيات [الرعد: 21] وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: 40] وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126] فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: 194] إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9] وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة: 91] وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: 157] فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: 40] وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 46] وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم: 76] يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78]. وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب: 4] وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: 33] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: 21] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: 53] وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58] وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60].

فهذه الآيات الكريمة وما أشبهها..

الشرح

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201] ساقطة، نعم.

المتن

 فهذه الآيات الكريمة وما أشبهها، كل كلمة منها قاعدة، وأصلٌ كبير، تحتوي على معانٍ كثيرة، وقد تقدَّم في أثناء القواعد منها شيء كثير، وهي مُتَيَسِّرَةٌ على حافظ القرآن، المعتني بمعرفة معانيه، ولله الحمد.

الشرح

يقول: هذه الآيات كلها قاعدة، وهي مُتَيَسِّرَةٌ لحافظ القرآن، نعم.

المتن

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وقد يسَّر الله ما مَنَّ علينا بجمعه، فجاء ولله الحمد على اختصاره ووجازته ووضوحه كتابًا يَسُرُّ الناظرين، ويُعِينُ على فهْمِ كلام رب العالمين، ويُبْدِي لأهل البصائر والعِلم من المآخذ، والمسالك، والطُّرق، والأصول النافعة، ما لا يجده مجموعًا في محلٍّ واحدٍ، ومَخْبَرُ الكتاب يُغْنِي عن وصفه، وأسأله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، مقرِّبًا لديه في جنات النعيم، وأن ينفع به مؤلفه، وقارئه، والناظر فيه، وجميعَ المسلمين بمنِّه وكرمه، وجوده وإحسانه، وهو خيرُ الراحمين، وصلَّى الله على محمدٍ، وعلى آله وأصحابه الطيِّبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

قال ذلك وكتبه، جامعه العبدُ الفقير إلى الله في كل أحواله: عبدُ الرحمن بن ناصِر العبد الله السّعْدِي، وقد تَمَّ ذلك في السادس من شَوَّال سنة ألفٍ وثلاثمائة وخمسٍ وستين، والحمدُ لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.

الشرح

القاعدة الزيادة، ما هي؟

المتن

ذِكْرُ الأوصاف المتقابلات يُغْنِي عن التصريح بالمفاضلة إذا كان الفَرْقُ معلومًا.

وهذه القاعدة في القرآن كثير، يَذْكُرُهَا في المقامات المهمة، كالمقابَلَةِ بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، وبين إلهيته الحق وإلهية ما سواه، فيذكر تبايُنَ الأوصاف التي يعرف العقلاء بالبداهة التفاوت بينها، ويَدَعُ التصريح بالمفاضلة إلى العقلاء، قال تعالى: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39] آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ۝ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [النمل: 59، 60] والآيات التي بعدها، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [الزمر:29] مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود: 24]. وقال تعالى: أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة: 140] قُلْ أآلله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس: 59] قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الزمر: 9]. وقال مثلها: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9]، فهذا الموضع تركَ القِسْمَ الآخر كما ترك التصريح بالمفاضلة؛ لعلمه من المقام، فقوله: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ [الزمر: 9] إلى آخرها، يعني: كمَن ليس كذلك.

والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهو من بلاغة القرآن وأسلوبه العجيب، كقوله: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الملك: 22].

ولما ذكرَ أوصاف الرسول الداعي، وما يدعو إليه، وأعظم الناس معارضةً له قال: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ [سبأ: 24] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ۝ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [القلم: 5 ـ 6] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: 256] وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: 29] وذلك أنه إذا مُيِّزَت الأشياء تمييزًا تامًّا، وعُرفت مراتبها في الخير والشر، والكمال والنقص، صار التصريح بعد ذلك بالتفضيل لا معنى له، والله أعلم.

الشرح

يعني هذه القاعدة فيها أنْ ذِكرَ الأوصاف المتقابلة يغني عن التصريح بالمفاضلة، إذا كان الفَرقُ واضحًا، فمثلًا المقابَلة بين الإيمان والكفر، معروفٌ أن الكفر ضد الإيمان، المقابَلة بين التوحيد والشرك، المقابَلة بين إلهية الله وإلهية ما سواه، يُعرف الفَرق بينها، ولا يحتاج إلى التصريح بالمفاضلة.

مثل قوله تعالى: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39]، يعني هؤلاء الأرباب المتفرقون الذين يزعم بعضهم أنهم آلهة، هل التألُّه لهم أم التألُّه للهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ [الزمر: 29]، هذا ضربَ مثلًا للتوحيدِ والشِّرك.

فالمُوحِّدُ مَثَلُه مَثَلُ عبدٍ له سيدٌ واحد، وهو يعلم ما يرضي سيده، ويجتهد في إرضائه، والمشرك مثلُ العبد الذي له أسياد متعددون، متناحرون، ما يدري من يرضي إنْ أرضى هذا أغضب هذا، وإنْ أرضى هذا أغضبَ هذا، هذا مثلُ المشرك، بين المشرك والمُوحِّد، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: 29].

وهكذا هذه المتقابِلات، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: 9] كمَن هو يعني، كمَن تركَ عبادة الله، لا يستويان، وهكذا.

فهذه الأوصاف المتقابِلة إذا كان الفَرقُ واضحًا يغني مقابلتها عن التصريح، ويُعرف الفَرق، هذا خلاصةُ القاعدة، واللهُ أعلم.

وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم، نسأله جميعًا العِلمَ النافع، والعملَ الصالح.

نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للعمل بما علمنا، ونسأله أن يكون ما علمناه حُجَّةً لنا لا علينا، وأنْ يُثبِّتنا على دينه القويم، إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على عبدِ الله ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

([1]) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة- باب تخفيف الصلاة والخطبة (869).

logo

2019 م / 1441 هـ
جميع الحقوق محفوظة

اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد