شعار الموقع

بعض أحكام الصوم والحث على اغتنام فضيلة الشهر

00:00
00:00
تحميل
22

بعض أحكام الصوم، والحث على اغتنام فضيلة الشهر

الحمد لله الذي جعل الصيام جُنّة، وسبباً موصلاً إلى الجَنَّة، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك، له ضاعف المثوبة في شهر رمضان تفضلاً منه ومِنَّة، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله أرشد أمته إلى خير طريقة وأقوم سنَّة، صلى الله وبارك عليه وعلى آل وأصحابه أهل الفضائل الحجّة، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم من هذه الأمة، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

أيها الناس اتقوا الله تعالى وتدبروا قول الله عز وجل: [البَقَرَة: 183]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *}، واعلموا أن الصيام إنما شُرع ليتحلَّى الإنسان بالتقوى ويمنع جوارحه من محارم الله فيترك كلَّ فعل محرم من الغش والخداع والمرايا والظلم ونقص المكاييل والموازين ومنع الحقوق والنظر المحرم، وسماع الأغاني المحرمة فإن سماعها ينقص أجر الصيام، وليترك كل قول محرم من الكذب والغيبة والنميمة والسبّ والشتم حتى لو سابَّه أحد أو شاتمه فلا يرد عليه بالمثل، بل يقول : إني صائم. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه »[(270)].

أيها المسلمون: اسمعوا شيئاً من أحكام الصيام وسننه وآدابه، من سنن الصيام السحور فقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: « تسحّروا فإن في السحور بركة »[(271)]. والأفضل تأخيره آخر الليل، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « لا تزال أمتي بخير ما أخروا السحور »[(272)].

وما يفعله بعض الناس من التسحر نصف الليل والنوم بعد ذلك مخالفة للسنة، وإن كان لا يستيقظ لصلاة الصبح متعمداً إلا بعد الشمس فقد أضاع فريضة عظيمة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو متوعّد بقول الله عز وجل: [مَريَم: 59]{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا *}، وقوله : [المَاعون:4-5]{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *} إذ المؤخر للصلاة عن وقتها متعمداً من غير عذر قد أضاع الصلاة وسها عنها فله نصيب من هذا الوعيد الذي ترتعد له الفرائص وتتزلزل له القلوب الحيَّة.

ومن ما ينبغي التنبيه عليه أن تلفظ بعض العامة بنية الصيام كقولهم: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل ـ لا أصل له بل هو بدعة وكل بدعة ضلالة ـ لأن النية محلّها القلب، ولم يرد عن رسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته ولا سلف هذه الأمة التلفظ بنية الصيام.

ومن سنن الصيام : الفطر والأفضل للصائم أن يفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء فإن لم يجد شيئاً فعلى ما تيسر من طعام[(273)]، وإن لم يجد نوى الفطر بقلبه، ولا يحتاج أن يمصَّ أصبعه كما يفعله بعض العوام، وينبغي للصائم أن يحرص على الدعاء، فـ« إن للصائم عند فطره دعوةً لا تُرد »[(274)]، ومما ورد في ذلك أن يقول عند فطره « اللهم لك صمتُ وعلى رزقك أفطرت »[(275)]، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم، أُثر ذلك عن بعض السلف وينبغي له أن يسأل الله القبول لأعمال فإن المعوّل عليه وإنما يتقبل الله من المتقين، ومن سنن الصيام السواك، وهو من أفضل خصال الصائم وهو مستحب في جميع نهار الصيام من أوله إلى آخره من غير كراهة في ذلك، وعن عامر بن ربيعة قال : «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» [(276)]، وقال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة »[(277)].

ومن أحكام الصيام: أن من أكل أو شرب شاكَّاً في طلوع الفجر ولم يتبيَّن له، صح صومُه ولا قضاء عليه لظاهر قول الله تعالى: [البَقَرَة: 187]{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}، ومن أكل أو شرب شاكاً في غروب الشمس ولم يتبيَّن له أنها قد غابت فعليه قضاء ذلك اليوم إذا لم يغلب على ظنه غروبُ الشمس ؛ لأن الأصل بقاء النهار.

ومن أحكام الصيام : أن من رأى من يأكل أو يشرب في نهار رمضان وهو صائم وجب عليه إعلامه ؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن التعاون على البر والتقوى وقد قال تعالى: [المَائدة: 2]{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى} ولا يجوز السكوت عنه كما يعتقده بعض العامة، إذ لا دليل على ذلك.

ومن أحكام الصيام: أن من اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء إلى حلقه بلا قصد ولا اختيار لم يفسد صومه، وكذلك من طار إلى حلقه ذباب أو غبار من طريق أو دقيق أو ما أشبه ذلك لم يفسد صومه لعدم إمكان التحرز منه.

ومما يفسد الصوم مباشرة الرجل زوجته فيما دون الفرج إذا أنزل، أما الجماع فهو أعظم مفسدات الصوم وعليه الكفارة المغلظة وهي عتق ثم إطعام.

ومما يبطل الصيام الردة عن الإسلام ـ أعاذنا الله منها ـ قال تعالى: [الزُّمَر: 65]{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *}، وقال: [الأنعَام: 88]{وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *}.

أيها المسلمون: إن شهر رمضان شهر مغنم وأرباح فاغتنموه بالعبادة وكثرة الصلاة وقراءة القرآن والذكر والعفو عن الناس، والإحسان إلى الخلق وأزيلوا العداوة والبغضاء والشحناء التي تكون بينكم، فإن الأعمال تعرض على الله عز وجل يوم الاثنين والخميس فيغفر الله للمستغفرين ويتوب على التائبين، ويرد أهل الضغائن بضغائنهم حتى يتولوا ويصطلحوا[(278)].

واعلموا أن شهر رمضان شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار[(279)]، شهر تفضل الله به على هذه الأمة بخمس خصال لم تُعطها أمة من الأمم[(280)]:

الأولى: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك[(281)].

الثانية: تستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا.

الثالثة: يزيّن الله في هذا الشهر كل يوم جنته، ويقول : يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأدى ويصيروا إليك.

الرابعة: تُصفَّد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره.

الخامسة: يغفر الله لهذه الأمة في آخر ليلة فيه.

في هذا الشهر يغفر فيه للصائمين إيماناً واحتساباً، والقائمين إيماناً واحتساباً، في هذا الشهر ليلة القدر خير من ألف شهر، من قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له، ومن حرم خيرها فهو المحروم.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه » متفق عليه[(282)].

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه »[(283)]. ولأحمد: « وما تأخر »[(284)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه »[(285)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر »[(286)].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان : فرحةٌ عند فطره، وفرحة ٌ عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك »[(287)]. وفي رواية : «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي» [(288)]، وفي رواية للبخاري: « لكل عمل كفارة، والصوم لي وأنا أجزي به »[(289)]، ولأحمد : «كل عمل ابن آدم كفارة إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به» [(290)].

فاتقوا الله أيها المسلمون، وجدُّوا في طاعة الله ولا تقصّروا، واذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم واتلوا كتاب ربكم تلاوة المتدبّر المتعقل الطالب للهداية، وصوموا نهارَ رمضان، وقوموا لياليه، فـ« إن في الجنة باباً يقال له الريّان لا يدخل فيه إلا الصائمون »[(291)]، وكونوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات واتقوا الله واصبروا وصابروا، ولا يغرنكم من استحوذ عليهم الشيطان فأفطروا من غير عذر في نهار رمضان، وجَهَروا بالسوء من القول وبالجرأة على الله تظاهروا [الأنفَال: 24]{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ *}.

اللهم وفقنا توفيقاً يقيناً عن معاصيك، واهدنا إلى السعي فيما يرضيك، وهيئ لنا في هذا الشهر من أسباب طاعتك ما يقربنا إليك، وأجرنا من خزيك وعذابك، وبارك الله اللهم لنا في القرآن العظيم وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، ولجميع المسلمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد:

اتقوا الله واعلموا أن من حكم الصيام وأسراره: أن يكون عوناً للعبد على طاعة الله وتقواه فيجتهد في فعل الخيرات واجتناب المحرمات، فاجتهدوا في عمارة أوقات هذا الشهر الفاضل بالذكر والقراءة والصلاة، وتعرّضوا فيه لنفحات المولى بكثرة الدعوات، وكثرة الإحسان إلى الخلق والعفو عنهم، فإن الله يحب المحسنين، ويحب العفو عن المسيئين، وجودوا على الفقراء في هذا الشهر بالزكاة والصدقات فإن الله جواد يحب الجود.

ومن أحكام الصيام: أن من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه. متفق عليه[(292)].

ومن أحكام الصيام: أن من احتلم وهو صائم فإنه يغتسل ولا يضره ذلك؛ لأنه ليس له اختيار في ذلك.

ومن أحكام الصيام: أن من أخرج القيء فسد صومه، ومن ذرعه القيء وعليه فلا يفسد صومه لحديث أبي هريرة «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء »[(293)].

ومن أحكامه أن من أخرج الدم بالحجامة يفسد الصيام للحاجم والمحجوم لحديث رافع بن خديج : «أفطر الحاجم والمحجوم »[(294)]، ولا يفسد بالرعاف وأن ينقلع سنُّه أو ينجرح فيخرج إذا لم يذهب إلى حلقه أو ينجرح فيخرج فيه.

عباد الله: [الأحزَاب: 56]{إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}.

 

logo
2025 م / 1446 هـ
جميع الحقوق محفوظة


اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد