بعض أحكام الصيام، والحث على الجد فيه
الحمد لله الذي خصّ بالتفضيل شهر رمضان، واختاره من بين سائر الشهور لإنزال القرآن، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولاه من الفضل والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، قدوة الناس بعد الأنبياء في اغتنام الخيرات في كل زمان، ومن تبعهم وسار على نهجهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
أيها الناس اتقو الله تعالى وأحسنوا عبادة ربكم،وحافظوا على صلواتكم وصوم شهركم، وأصحلوا ذات بينكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم، واعلموا أن اجتناب المحرمات من حكم الصيام وأسراره، فالصوم يكون عوناً للعبد على طاعة الله وتقواه، فيجتهد العبد في فعل الخيرات واجتناب المحرمات، فـ« من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه »[(253)].
فاجتهدوا في عمارة أوقات هذا الشهر الفاضل بالذكر وقراءة القرآن والصلاة، وتعرضوا فيه لنفحات المولى بكثرة الدعوات، وكثرة الإحسان إلى الخلق والعفو عنهم، فإن الله يحب المحسنين، ويحب العفو عن المسيئين،وجودوا على االفقراء في هذا الشهر بالزكاة والصدقات، فإن الله جواد يحب الجود، ولقد « كان نبينا صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة »[(254)]، ولا يحقرن أحدكم من المعروف شيئاً وليتق النار ولو بشق تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيبة، وإن الرجل ليتصدق بعدل تمرة من كسب طيب فيُرَبِّيها الله عز وجل له حتى تكون مثل الجبل[(255)]، وهذا فضل عظيم.
أيها المسلمون: إن للصيام أحكاماً وسنناً وآداباً ينبغي مراعاتها:
منها أن صوم شهر رمضان فريضة بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: [البَقَرَة: 183-185]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *}.
وعن ابنِ عمررضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت »[(256)].
وأجمع المسلمون على فرضية صوم شهر رمضان.
ومن أحكام الصيام أنه يجب الصوم على كل مسلم بالغ عاقل ذكراً كان أو أنثى.
ومن أحكام الصيام أنه لا يصح صوم رمضان إلا بنية من الليل، لقوله صلى الله عليه وسلم: « من لم يبيّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له »[(257)]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى »[(258)].
ومن أحكام الصيام أنه يجوز للمريض والمسافر في شهر رمضان أن يفطرا ويقضيا الأيام التي أفطرا فيها، والفطر لهما أفضل من الصيام لقول الله تعالى: [البَقَرَة: 184]{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، ولقوله صلى الله عليه وسلم: « علكيم برخصة التي رخص لكم فاقبلوها »[(259)].
وإن صام المريض أو المسافر أجزاه الصيام لقوله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل : أصوم في السفر ؟ قال: « إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر »[(260)].
ومن أحكام الصيام أن المرأة الحائض والنفساء لا يصح منهما الصوم في حال الحيض والنفاس، وتفطر كل منهما إذا خرج منها الدم وهي صائمة، ويجب عليهم قضاء الأيام التي أفطرتا فيها، لقول عائشة رضي الله عنها : (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)[(261)].
ومن أحكام الصيام: أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما فحكمهما حكم المريض يفطران ويقضيان، وإن خافتا على ولديهما فإنهما يفطران ويقضيان ويطعمان عن كل يوم مسكيناً.
ومن أحكام الصيام: أن الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة والمريض الذي لا يُرجى بُرؤه يفطرون ويطعمون مكان كل يوم مسكيناً، لقول ابنِ عباس في قول الله تعالى: [البَقَرَة: 184]{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكيناً والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. رواه أبوداود وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما[(262)].
ومن أحكام الصيام : أنه يحرم على الصائم الأكل والشرب بعد تبيَّن الفجر الثاني ممن أكل أو شرب مختاراً ذاكراً لصومه من غير عذر فسد صومه وعليه الوعيد الشديد لقول الله تعالى: [البَقَرَة: 187]{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} ولقوله صلى الله عليه وسلم: « من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر وإن صامه كله » رواه أحمد وأبوداود والبخاري تعليقاً[(263)].
ومن أحكام الصيام: أن من أكل أو شرب ناسياً أتمَّ صومَه ولا قضاء عليه لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه » متفق عليه [(264)].
ومن أحكام الصيام : أن من احتلم وهو صائم فإنه يغتسل ولا يضره ذلك؛ لأنه ليس له اختيار في ذلك.
ومن أحكام الصيام : أن من جامع في نهار رمضان وهو صائم بطل صيامه وعليه القضاء والكفارة والاستغفار والتوبة، والكفارة هو عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي الذي وقع على أمرأته في نهار رمضان بذلك[(265)].
ومن أحكام الصيام : أن إخراج الدم بالحجامة يفسد الصيام للحاجم والمحجوم لحديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أفطر الحاجم والمحجوم » أخرجه أحمد وأبوداود والنسائي[(266)].
ولا يفسد الصوم إذا خرج منه دم بغير حجامة ولا فصد كأن يحصل له رعاف أو ينقلع سنُّه، أو ينجرح شيء من بدنه فيخرج الدم فلا شيء عليه، والدم الذي في الأسنان إن ابتلعه أفطر.
ومن أحكام الصيام: أن من أخرج القيء عامداً فسد صومه وإلا فلا، ومن ذرعه القيء وغلبه فلا يفسد صومه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء »[(267)].
ومن أحكام الصيام : أن من نام جميع النهار صح صومه؛ لأن النوم لا يزول به الإحساس بالكلية، ومن أُغمي عليه جميع النهار فإنه يقضي صيام ذلك اليوم لأنه مكلف.
ومن أحكام الصيام : أنه لا يقضي مجنون زمن جنونه لعدم تكليفه.
ومن أحكام الصيام : أن من جامع بالليل أهله ولم يغتسل حتى طلع الفجر فصومه صحيح مع إمساكه عن الطعام والشراب والمفطرات، لحديث عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان. متفق عليه[(268)].
فاتقوا الله أيها المسلمون وتعرضوا لنفحات ربكم واغتنموا مواسم الخير بما يقربكم إلى ربكم واحذروا من التفريط والإضاعة قبل أن تعضوا أصابع الندم، وأشغلوا قلوبكم وألسنتكم بحمد الله وذكره وشكره وتلاوة كتابه واعمروا المساجد بالجُمَعِ والجماعات وغيرها من نوافل الصلوات ففي هذا الشهر تُفتح أبوابُ الجنة وتُغلق أبوابُ النار[(269)] ويتجلي الرب لعباده فيستجيب الدعاءَ ويُعطي السائلَ ويتوب على التائب.
وفقني الله وإياكم لأسباب رحمته وجنته، وجنبنا موارد سخطه ونقمته، وتقبل منا ما أديناه في هذا الشهر من الصيام والقيام وجميع الصالحات، وبارك لنا في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمدُ أما بعد:
اتقوا الله وعظموا شهر رمضان بما يليق به، واغتنموا أوقاته الفاضلة واحذروا من التفريط والإضاعة بالنوم والكسل، واحذروا المعاصي والجرائم في هذا الشهر، وصُونوا جوارحَكم عمَّا حرَّم الله، ولا تعتدوا على الإنس في أجسادهم ولا في أموالهم ولا في أعراضهم، واجتهدوا ...