فضل الصيام وبيان حكمته
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ووفقنا لإدراك شهر الصيام والقيام، أحمده سبحانه وأشكره واسع الفضل والإنعام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فضل أيام رمضان على سائر الأيام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أفضل مَن صلى وصام، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه هداة الأنام ومصابيح الظلام، ومن تبعهم بإحسان في التعبد والتهجد والقيام، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واعلموا أنه قد نزَل بساحتكم شهرٌ كريم وموسم عظيم، خَصَّه الله تعالى على سائر الشهور بالتشريف والتكريم، وأنزل فيه القرآن العظيم، وفرض صيامه شكراً على هذا الإنعام والفضل العميم، وجعل صيامه أحدَ مباني الإسلام التي لا يقوم على غيرها ولا يستقيم، وسنَّ لكم قيامه نبيُكم الكريم، شهر البركات والخيرات، شهر إجابة الدعوات، شهر إقالة العثرات، شهر مضاعفة الحسنات، شهر الإفضالات والنفحات، شهر إعتاق الرقاب الموبقات، شهر لا يُعدل به سواه من الأوقات، النافلة فيه تعدل فريضة، والفريضة تعدل سبعين فريضة لمن تقبل منه مولاه.
أيها المسلمون: يقول الله تعالى: [البَقَرَة: 185]{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *}، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام »[(244)] وفسِّر صلى الله عليه وسلم الإسلام في حديث جبريل المشهور[(245)] بهذه الخمس.
أيها المسلمون: بهذه النصوص وما في معناها يُعلم أنه لا يصح إسلام من لم يصم شهرَ رمضان جحداً لوجوبه وأنَّ من ترك الصوم لذلك عامداً يعتبر غير مسلم، وقد ورد أن من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة لم يقضه صوم الدهر وإن صامه، ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبوداود والبخاري تعليقاً وغيرهم: « من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا فرض لم يقض عنه صوم الدهر وإن صامه كلَّه »[(246)].
أيها المسلمون: إن الله بني دين الإسلام على شرائعَ وعباداتٍ، وفرائض وواجباتٍ، أقامها على دعائم من الخير وقواعد من البر، تفيد أهلها في الدنيا وتنفعهم في العقبى، وتسعدهم في الدنيا والآخرة، وإن أعظم تلكم الشرائع وأجلها بعد الشهادتين والصلاة والزكاة هو صومُ شهر رمضان المبارك الذي جعله الله فريضة على هذه الأمة ووسيلةً عظمى لتقواه تعالى حقيقة، وإن الله تعالى لم يشرع صوم رمضان لحاجته إليه، كلا ؛ فهو تعالى الغني عما سواه، ولكن شرعه لصالحنا نحن المسلمون، شرعه تربية للأجسام وترويضاً لها على الصبر وتحمّل الآلام، شرعه تقويماً للأخلاق وتهذيباً للنفوس، وتعويداً لها على ترك الشهوات ومجانبة المنهيات، شرعه ليعلمنا تنظيم معائشنا وتوحيد أمورنا نحن المسلمون، شرعه ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، شرعه ليضفي عليكم بسبب الصوم من إفضاله وإنعامه، شرعه ليكون وسيلة عظمى لتقواه تعالى، وتقواه جماع خيري الدنيا والآخرة.
أيها المسلمون : لقد أودع الله في الصوم من الحِكم والأسرار والمصالح الدنيوية والأخروية ما هو فوق تصورات البشر، ورتب عليه تعالى من جزيل الثواب عظيم الجزاء ما لو تصورته نفس صائمة لطارت فرحاً وغبطة وتمنّت أن تكون السنة كلها رمضان لتبقى دوماً ممتعة بهذا الرَّوْح والريحان، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم رحمهما الله: « كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى : إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به »[(247)].
فاتقوا الله أيها الناس وأدّوا فريضة الصيام بإخلاص ورغَب وصبر وطواعية وانشراح صدر، أدَّوها كما يؤديها المؤمنون الخُلَّص محفوظة عن كل ما يشينها، فالصوم الحقيقي ليس مجرد الإمساك عن الأكل والشرب والتمتع الجنسي فحسب، ولكنه مع ذلكم إمساكٌ وكف عن اللغو والرفث والصَّخب، والجدال بغير حق، إمساك وكف عن الغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور، إمساك وكفّ عن الكذب والبهتان والهمز واللمز والأيمان الكاذبة، إمساك عن السباب وعن قذف المحصنين والمحصنات، إمساك وكف عما لا يحل سماعه من لهو وغيبة وسماع غناء وغير ذلك، إمساك عن إرسال النظر إلى ما لا يحل، فالصائم حقيقة من خاف الله في عَيْنيه فلم ينظر بهما نظرة محرمة، واتقاه تعالى في لسانه فكفَّه عن الكذب والشتم والغيبة وكل قول محرم، وخشية في أُذُنه فلم يسمع بها منكراً، وخشية في يديه فمنعهما من السرقة والغضب والغش والإيذاء والاعتداء وخشيَه في رجليه فلم يمس بهما ليرتكب منكراً، وخشيَه في قلبه فطهَّره من الحقد والغل والحسد والبغضاء، قال جابر رضي الله عنه: إذا صمتَ فليصُم سمعك و بصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينةٌ ووقارٌ ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء[(248)].
وقال عليه الصلاة والسلام: « من لم يدع قولَ الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه »[(249)]. وقال صلى الله عليه وسلم: « إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفُث ولا يفسُق ولا يجهل، فإن امرؤ سابَّه فليقل: إني امرؤ صائم »[(250)].
فاحفظوا صياكم أيها الإخوة فإنه نعمة كبرى، به تُكفَّر الذنوب وتُرفع الدرجات وبه يَقهر العبدُ الشيطانَ بتضييق مجاري الطعام والشراب؛ لأنه يجري مع الشهوات من ابن آدم مجرى الدم[(251)] وهي تضعف بالصوم، وبالصوم تقوى صلة العبد بربه لأنه عملٌ خفيّ، وكلما كان العمل خفياً كان أقرب على الإخلاص، فاحفظوه يضاعف الله لكم ثوابه وتحمدوا عقباه يوم القدوم على الله يوم الفرحة العظيمة التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: « للصائم فرحتان، فرحةٌ عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه »[(252)].
فاتقوا الله أيها المسلمون: وقوموا بحق هذ الشهر قيام طاعة واتباع لا معصية وابتداع، وتزودوا فيه من التقوى فإن خير الزاد التقوى، واشكروه على ما منَّ عليكم من إدراك هذا الشهر الكريم والموسم العظيم، واغتنموا أوقاته بالأعمال الصالحة، وابتعدوا عن الأعمال المحرمة التي تحبط صيامكم أو تنقص ثوابه وعظموه لتكونوا مع الذين أنعم الله عليهم من النبييين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يجعل هذا الشهر قد حلَّ علينا وعلى الأمة الإسلامية في كل مكان باليُمن والخير والرشاد، وأن يرد فيه شارد المسلمين وضالهم إلى حظيرة الحق والصواب، وأن يثبت مستقيمَهم وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأسأله سبحانه أن يجزل لنا فيه الأجر والثواب، وأن يمحو فيه الذنوب والآثام وأن يبارك لنا فيه بالقرآن العظيم وينفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
أيها الناس اتقوا الله واعلموا أن بلوغَ شهر رمضان وصيامَه والعمل الصالح فيه نعمة كبرى على من أقدره الله عليه، به تكفَّر الذنوب وترفع الدرجات، وبه يقهر العبد الشيطان بتضيق مجاري الطعام والشراب، لأنه يجري مع الشهوات من ابن آدم مجرى الدم وهي تضعف بالصوم، وبالصوم تقوى صلة العبد بربه لأنه عمل خفي، وكلما كان العمل خفياً كان أقرب على الإخلاص، فاحفظوه يضاعف الله لكم ثوابه وتحمدوا عقباه يوم القدوم على الله يوم الفرحة العظمى التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: « للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ».
فلابد للصائم من حفظ جوارحه عما حرم الله حتى يكون صومه نافعاً مكفراً للسيئات حاطاً للأوزار والخطيئات رافعاً للدرجات، وأن يكف إطلاق البصر في النظر إلى النساء الأجنبيات في الشواع والدكاكين والمستشفيات والنظر إليهن في التلفاز أو في المحلات والصور، وكذلك النظر إلى الخادمات الأجنبيات في البيوت، والخلوة بهن التي ابتلي بها كثير من الناس وكذلك خلوة الخادم بالمرأة وقائد السيارة الأجنبي بالمرأة الصائمة وغير الصائمة من المحرمات ومما يخدش الصيام ويؤثر فيه؛ لأن النظر المحرم من الرجل والنساء والخلوة المحرمة ... وتحريمه على الصائم أشد وأغلظ ولاسيما في شهر رمضان، أنت صائم في رمضان تخلو بالخادمة السافرة في حجرتك وفي سيارتك وتنظر إليها وتنظر إليك، وكذلك المرأة الصائمة تخلو بالخادم وقائد السيارة وهو أجنبي منها وينظر كل منهما إلى الآخر، إن هذا من المصائب.
عباد الله: [الأحزَاب: 56]{إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}