شعار الموقع

وداع رمضان

00:00
00:00
تحميل
32

وداع رمضان

الحمد لله الذي منَّ على عباده بمواسم الخيرات، أحمده سبحانه وأشكره ضاعف في شهر رمضان أجور الصيام والصلوات والصدقات، وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له واسع الكرم والجود والهبات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل المخلوقات وأسبقهم إلى الخيرات، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أسبق الناس إلى البر والإحسان والنفقات، ومن تبعهم بإحسان مدى الدهور والأوقات، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

أيها المسلمون اتقوا الله تعالى واغتنموا مواسم الخيرات، وودِّعوا شهركم هذا بالإحسان، وقابلوا نعم الله بالشكران، وانهوا النفوس عن الهوى والطغيان، واستدركوا ما فرطتم في الأيام الخالية، وتنافسوا في الدرجات العُلى المنازل العالية، فإن شهر رمضان قد قُوضت خيامه، وتصرّمت لياليه وأيامه، وهو شاهد لكم غداً بما عملتم فيه، أو شاهد عليكم بما أضعتم وفرطتم فيه، فيا ليت شعري هل يرحل هذا الشهر حامداً صنيعِنا أو ذامَّاً تضييعِنا، فاغتنموا العمل الصالح المبرور في بقية هذا الشهر، وانهضوا على الأسباب قبل طيّ الكتاب، وبادروا بالتوبة والاستغفار قبل فوات الأوان.

عباد الله: من أدرك رمضان ولم يغفر له فيه فقد فاته ربحُ العام، ومن أدرك العشر الأواخر منه ولم يصل الصيام فيها بالقيام ويتلذذ بكلام الملك العلاَّم فقد حرم الخير ولم تكن له أسوة بخير الأنام فلقد « كان عليه الصلاة والسلام أجود بالخير من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في هذه الأيام حين يدارسه جبريل كتاب الله هذا الشهر »[(309)]، وفي العشر الأواخر منه كان يطوي فراشه ويشدَّ مئزره ويوقظ أهله تخليّا لمناجاة ربه ذي الجلال والإكرام، وما أعظم كرم المولى حين يتحلى على عباده بمضاعفة الأجور ومغفرة الآثام ولله عتقاء من النار في كل ليلة من رمضان وفي آخر ليلة منه يغفر له للصائمين ويجزل لهم الأجر[(310)].

أيها المسلمون: أيّ صيام لمن ظلّ يأكل لحوم الأنام، وأيّ قيام لمن جسده مع المصلين وقلبه مع النُّوام، وأي صدقة لمن يتصدق من مال خبيث حرام، وأي صلاة لمن يعدّ الركعات وقلبه غافل عن تدبّر الآيات وما فيها من الأحكام، يعجّل الركوع والسجود وربما سابق الإمام، يستطيل الصلاة ولا يستطيل لهو الكلام، متى يغفر لمن لم يغفر له في رمضان، ومتى يصلح من صعب عليه إدراك فارطه وتلافيه، لقد كان رمضان منبِّهاً لذوي الغفلات والنسيان، وموسماً لمضاعفة الأعمال والغفران، ومخصوصاً لفضيلة تلاوة القرآن.

أيها المسلمون: لقد شرع الله لنا وهو الكريم في ختام هذا الشهر عبادات جليلة يزداد بها إيماننا وتكمل بها عباداتنا وتتم بها علينا النعمة وهي الاستغفار والتكبير وزكاة الفطر وصلاة العيد، فأما زكاة الفطر فهي صاع من طعام من البر أو الأرز أو التمر أو الزبيب أو الإقط أو غيرها من قوت الآدميين، وفرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وكلما كان من هذه الأصناف أطيب وأنفع للفقراء فهو أفضل وأعظم أجراً، ويجوز للإنسان أن يوزع الصاع الواحد على عدة فقراء وأن يعطى الفقير الواحد صاعين فأكثر، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط، ولا تجزئ بعد الصلاة، والواجب أن تصل إلى الفقير أو وكيله في وقتها ولا يجوز دفعها إلا للفقراء خاصة، وصدقة الفطر فرض على الجميع، الصغير والكبير والذكر والأنثى فأخرجوها عن أنفسكم وعمن تنفقون عليه من الزوجات والأقارب، وتسن عن الحمل في البطن ولا تجب، فأخرجوها من أطيب ما تجدون فلن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون والله يقول: [الأعلى: 14-15]{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى *}.

وأما التكبير فقد أمر الله به في كتابه فقال: [البَقَرَة: 185]{وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي على ما وفقكم له من الصيام والقيام وغيرهما من الطاعات في هذا الشهر، فكبروا أيها المسلمون من غروب شمس ليلة العيد إلى الصلاة جهراً في المساجد والأسواق والبيوت، والنساءُ يكبِّرنَ سرّاً لا جهراً، وأما صلاة العيد فقد أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى للنساء، ولتخرج النساء غير متجمّلات ولا متطيبات وتعتزل الحُيَّض المصلى، والرجال يخرجون متطيبين لابسين أحسن ثيابهم بعد الاغتسال والتنظيف، والسُّنَّة أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة تمرات وتراً ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو نحوها من الوتر.

عباد الله : اختموا شهر رمضان بالاستغفار، فإنه يرفو خلل التقصير ويمحو الأوزار، وقولوا كما قال الأبوان عليهما السلام: [الأعرَاف: 23]{رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ *}، وقولوا كما قال ذو النون عليه السلام: [الأنبيَاء: 87]{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ *}، والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فتختم به الصلاة والحج وقيام الليل،وتختم به المجالس،فكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.

وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار والصدقة ـ صدقة الفطر ـ، فإن صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرقِّع ما تخرّق من الصيام باللغو والرفث، ولا تظنوا أن الأعياد للعب واللهو والإضاعة بل هي لإقامة ذكر الله والاجتهاد في الطاعة.

اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وجميع أعمالنا الصالحة، اللهم اختم لنا شهر رمضان بغفرانك واجعل مآلنا إلى جنابك، وأعذنا من عقوبتك ونيرانك، اللهم أعِدْ علينا شهر رمضان أعواماً متوالياً، واجعلنا ممن ينادى غداً في الدار الباقية، كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية، اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

logo
2025 م / 1446 هـ
جميع الحقوق محفوظة


اشترك بالقائمة البريدية

اشترك بالقائمة البريدية للشيخ ليصلك جديد الشيخ من المحاضرات والدروس والمواعيد