مواصلة العمل الصالح بعد رمضان
الحمد لله الذي لا يتغيّر، أحمده وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يشكر أو يذّكّر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله حث أمَّته على فعل الخير وبشَّر وأنذر، صلى الله وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المداومين على فعل الطاعات من غير تأخُر، ومن تبعهم بإحسان في مواصلة العمل الصالح بدون انقطاع أو تأثُّر، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله وتدبروا قول الله تعالى: [الحِجر: 99]{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *} أي : الموت. ويقول تعالى: [آل عِمرَان: 102]{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ *}.
عباد الله : لئن انقضى شهر الصيام فإن زمن العمل لا ينقضي إلا بالموت، ولئن انقضت أيام صيام رمضان فإن الصيام لا يزال مشروعاً ولله الحمد، فقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أيام من شوال وندب إليها فعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر » رواه مسلم[(311)].
وروى أحمد والنسائي عن ثوبان مرفوعاً: « صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام السنة »[(312)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: « من صام رمضان وأتبعه بستٍّ من شوال، فكأنما صام الدهر »رواه البزار[(313)] وغيره.
وروى الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من صام رمضان وأتبعه ستّاً من شوال خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمَّه »[(314)].
ووجه كون صيام الست بعد رمضان كصيام الدهر هو أن الله يجزي على الحسنة بعشر أمثالها كما في قوله: [الأنعَام: 160]{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} فصيام رمضان مضاعفاً بعشر أشهر، وصيام الست بستين يوماً، فحصل من ذلك أجر صيام سنةٍ كاملة.
عباد الله: ولا يجب التتابع في صيام الست من شوال بل يجوز تفريقها في شهر شوال ويجوز سردها، وقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام ثلاث أيام من كل شهر، وأوصى أبا هريرة رضي الله عنه بذلك وأمر أن تكون هذه الثلاث أيام البيض وهي اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وقال: « إن صوم ثلاثةِ أيام من كل شهر صومُ الدهر كله »[(315)]؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وصيام الثلاثة مضاعفاً بشهر، ويجوز جعل الثلاثة في غير أيام البيض لكن صيام أيام البيض أفضل كما سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام يوم الاثنين والخميس من كل أسبوع وقال: « إنَّ الأعمال تُعرَض فيهما على الله فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم »[(316)].
أيها المسلمون: ولئن انقضى قيام رمضان فإن قيام الليل مشروع في كل ليلة من ليالي السنة ولله الحمد والمنَّة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: « أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فاستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له »[(317)].
فاتقو الله تعالى أيها الناس: واتبعوا الحسنة بالحسنة، فوالله ما أجمل الطاعة إذا أتبعت بطاعة ولا أجمل من الحسنة تتلوها الحسنة بعدها فتلكم من الباقيات الصالحات التي ندبكم الله إلى فعلها في محكم الآيات، واحذروا المعاصي فإنها موجبات للخسران والإذلال، ولا تبطلوا ما أسلفتم في شهر الصيام من صالح الأعمال، ولا تكدّروا ما صفا لكم فيه من الأوقات والأحوال، ولا تغيّروا ما عَذُب لكم فيه من لذة المناجاة والإقبال، ألا وإن علامةَ قبول الحسنة عملُ الحسنة بعدها، وإن علامة ردّها أن تُتَّبع بقبيح الأفعال، وقد قيل ذنب بعد توبة أقبح من سبعين قبلها، وإن في معاودة الصيام بعد رمضان دلالة على الإيمان والرغبة في فعل الخيرات، قيل لبِشر الحافي: إن قوماً يتعبدون في رمضان ويجتهدون، فإذا انسلخ تركوا. قال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان.
وقال الحسن البصري: لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت ثم قرأ: [الحِجر: 99]{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *}.
وقال كعب: من صام رمضان وهو يحدِّث نفسَه إذا أفطر بعد رمضان عصى ربه، فصيامه مردودٌ، ومن صام رمضان وهو يحدِّث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله دخل الجنة بغير حساب ولا مسألة.
وقال يحيى بن معاذ : من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود وعزمه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود.
أيها المسلمون: بعد أن مضى رمضان المبارك كأنه طيفُ خيال أخذ الكثير ينصرفون عن صالح الأعمال، فبالأمس كانت المساجدُ مكتظة بالمصلين، والأصوات مدوِّيةً بتلاوة الكتاب المبين، بالأمس أُنفقتْ آلاف المئين على ذوي القربى والمساكين، بالأمس جُلّ التفكير مقصور على ما ينفع أمام رب العالمين، والنفوس محلِّقة مع عالم السماء الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، واليوم ـ رُحماك يا رب ـ بعد أن كنَّا مُرْغِمين للشيطان بكثرة النوافل أخذ يهتزّ طرَبَاً من تركنا لها، ويتصارع مع النفوس في ترك الواجبات: [فَاطِر: 6]{يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ *}، وإن تلكم لمأساة كبرى وخسارة عُظمى أن يبني الإنسان ثم يهدم، وأن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، أين تلكم القلوب الخاشعة في رمضان ؟ أين تلكم العيون الدامعة ؟ أين تلكم الألسن التالية ؟ أين تلكم الأيدي السخيّة المنفقة ؟ أين تلكم الأرواح المقبلة على الله ؟ أين ذلكم الشعور الفيّاض في رمضان ؟
أليس ـ يا عباد الله ـ ربُّ رمضان هو ربّ شوال وشعبان ؟
أليس هو الذي أخبر عن نفسه ـ سبحانه ـ أنه مع المتقين والمحسنين في كل زمان ؟
أليس هو الذي أخبر عنه رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني ؟ من يسألني ؟ من يستغفرني؟[(318)] ما هذا الانصراف يا عباد الله ؟ ما هذه الرغبة عن الله الذي يُحِب من عباده المداومة على تقواه ؟.
أيها المسلمون: إن الحياة كلها مجال للسباق، وميدان فسيح لفعل الخيرات، لا فرق بين رمضان وغيره، إلا في مضاعفة الأعمال، لقد يسَّر الله سُبل الخيرات وفتح أبوابها، ودعاكم لدخولها وبيَّن لكم ثوابها، فهذه الصلوات الخمس آكد أركان الإسلام بعد التوحيد هي خمس في الفعل والعدد وخمسون في الميزان والأجر، وهذه النوافل التابعة للفرائض من حافظ عليها بنى الله له بيتاً في الجنة[(319)]، وهذا الوتر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأذكار دبر الصلوات المفروضات من حافظ عليها غُفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، وهذا الوضوء للصلوات فضله عظيم، وهذه النفقات المالية يُثاب عليها المسلم ولو كان على نفسه أو أهله أو ولده إذا كان يبتغي بها وجه الله، وإن الله ليرضى عن العبد يأكلُ الأكلة فيحمدُه عليها، ويشرب الشربة فيحمدُه عليها، و« الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يفتر »[(320)]، وهو الذي يسعى بطلب الرزق لهم ويقوم بحاجتهم، ويدخل في ذلك عائلتك من الأولاد الصغير وغيرهم ممن لا يستطيع القيام بنفسه، فطُرقُ الخير كثيرة فأين السالكون ؟ وأبوابها مفتوحة فأين الداخلون ؟ والحق واضح لا يزيغ عنه إلا الهالكون.
فاتقو الله أيها المسلمون وألزموا أنفسكم المسلك القويم الذي سلكتموه في رمضان من اجتناب المعاصي، والإكثار من أعمال البر، ومتابعة الإحسان بالإحسان، ولعل من حكمة مشروعية صيام ست من شوال إظهار شكراً لله، وترويض النفوس على متابعة الإحسان بالإحسان،وبيان أنَّ فِعْل القُرب ليس مقصوراً على رمضان، وإنما يتجدَّد في كل زمان، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: [الحَجّ: 77]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *}.
اللهم ارزقنا الاستقامة، ومواصلة الجهود الحسنة إلى أن نلقاك، ونعوذ بالله من النكوص على الأعقاب، ومن الحَوْر بعد الكَوْر، ونسألك اللهم العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الاستقامة في العمل دليلٌ على الإيمان، قال الله تعالى: [فُصّلَت: 30]{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *}، وسأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرُك قال : «قل : آمنت بالله ثم استقم»[(321)].
فالزموا الاستقامة واحذروا من أن تبطلوا ما أسلفتم من الأعمال الصالحة في رمضان، فتشبَّهوا بالمرأة الحمقاء التي تغزل بقوّة ثم تنقض غزلها أنكاثاً قال تعالى: [النّحل: 92]{وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} فهي تغزل بالنهار ثم تنقض في الليل، قيل إن هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئاً نقضته بعد إبرامه، وقيل إن هذا مثل لمن نقض عهده بعض توكيده.
فيا من عاهد الله على التوبة النصوح إياك أن تعود إلى رِق الشيطان وطاعتِه.
إياك أن تنقض عهدك مع الله، استمر على العمل الصالح الذي تعوّدته في رمضان من المحافظة على الجمع والجماعات وخصوصاً الصبح، استمر على الإكثار من تلاوة القرآن، استمر على هجر الفواحش من الكذب والغيبة والسباب والشتم وسماع الغناء ومشاهدة الأفلام، وقول الزور والأيمان الكاذبة والغش في المبايعات والتعامل بالربا، والاستطالة على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، استمر على فعل الطاعات والصدقات والإنفاق في المشاريع الخيرية.